لعبة الثقافة والسياسة

الكاتب : نبض عدن   المشاهدات : 312   الردود : 0    ‏2005-07-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-07-04
  1. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    محاولة لرؤية إشكالية العلاقة بين السياسة والثقافة

    ثمة مشكلة في العلاقة الثقافية- السياسية؛ ذاك أن لعبة الثقافة والسياسة قد وصلت إلى مستوى من التعقيد في بلادنا العربية لم تصله لدى أحد ىخر مع أن المشكلة بالأصل عامة كالمشكلة القائمة بين الأخلاق (ما يجب أن يكون) والسياسة (ما هو ممكن).
    ففضلاً عن وهم تثقيف الجماهير وآلية الحزب بالمعنى اللينيني الذي يسبق الجماهير بالوعي، كان عُصاب الوعي وعقدة الثقافة يُمليان باستمرار على كل الذين يهتمون بالسياسة في الوطن العربي-وهم كثر طبعاً- التسابق على لمّ أشتات الفكر من هنا وهناك والتطاحن قبل الوصول إلى السلطة، وعلى أرصفة المقاهي، وبعد الوصول إلى السلطة.
    ولما كانت لعبة الثقافة هي لعبة الوقت الضائع أو لعبة أصحاب الأوقات المتسقة من لجّة الحياة، وكانت لعبة السياسة هي لعبة الحراك والديناميكية، ولما كان الجمع بين وقت متسع للقراءة الجادة ووقت ضيق بالأوراق والتقارير واللقاءات فإن كابوس الجمع بين (الثقافي) و(السياسي) قد فرز تدريجياً(طبقتين!) إحداهما طبقة المثقفين والأخرى طبقة السياسيين، وبين هذه وتلك كانت هوّة كبيرة من سوء الفهم وانعدام الثقة والمعارك أيضاً.
    وإذا كانت مُثفّلة الحياة السياسية والثقافية العربية، بدورانها الدراماتيكي، قد فرزت على محيط العمل السياسي والثقافي نماذج، سنعرضها الآن، إلا أن محاولات للجمع بين (السياسي) و(الثقافي) كانت أيضاً نماذج تستحق الدراسة.
    لقد فرزت العملية السياسية في الوطن العربي سياسيين وحكاماً من عدة نماذج نصنفها على النحو التالي:
    سياسيون ساذجون هم الدرك الأدنى من العملية السياسية وهم أولئك الذين يرددون الأفكار السياسية ببغائية.
    سياسيون وجدانيون وعاطفيون يتعاطون العمل السياسي بالصلة الوجدانية بفكرة، أو بالعلاقة التابعية بأب روحي، أو بالحاجة إلى صلة نفسية تربطهم برحم حنون… إلخ.
    سياسيون تنفيذيون يقومون بأعمال تنفيذية وإجرائية كأي موظف في دولة.
    سياسيون انتهازيون يرون الحياة فرصة ويدركون بحس يجمعهم من منطلق واحد مع قنّاصي الفرص الحياتية من بعض التجار والمغامرين والنصّابين والمقامرين… أن السياسة مجال للقنص الحياتي.
    لاعبو سياسة من موقع الاحتراق الذي لا يرتبط إن كثيراً أو قليلاً بالمبادئ بل يمارس السياسة كفن من فنون الأداء الحياتي اليومي أو بحكم مواقعم.
    لاعبو سياسة من موقع الاحتراف الرصين الذي يحاول أن يقترب بفعله السياسي من هدف استراتيجي يعيش على تنفيذه.
    سياسيون يقرؤون بنهم شديد، ليس فقط في أوراق دولتهم، بل ضروباً مختلفة من الثقافة. وهم عدة أنواع أيضاً: بعضهم يتأثر بالأدب فإذا به فنان قد يكتب شعراً أو قصة، ويضفي على فعله السياسي سمة مزاجية الكاتب أو الفنان، فيقدم ضروباً من الأداء السياسي يضع المتابع في حيرة من مره، إذ تأتي الأفعال السياسية تارة عقلانية، وطوراً وجدانية وأخرى عنيفة… ولا تتسق إلى هذا الحد أو ذاك. وبعضهم الآخر يتأثر بالتاريخ السياسي للقادة فيحاول أن يقلد رجال التاريخ والسياسة كما قرأهم سواء بزيّ أو وقفة، أو بشكل الوجه أو بطريقة الخطابة السياسية… إلخ. والبعض الآخر وهم قلة يتأثرون بالفكر الفلسفي ويتخبطون في تياراته وتصبح اللاإدارية أو العبثية هي سمة أدائهم السياسي. وقلة من القلة، أولئك الذين يقرؤون قراءة موسوعية ويضعون لأنفسهم مكانتهم فيما بين كل الأفكار والاتجاهات ويبصمون بصمتهم بعقلية توضح استيعابهم للسياسي والثقافي والفلسفي… ويمارسون فعلاً يمكن تأويله بشتى الوسائل وهؤلاء ببساطة استثناء بسبب شخصيتهم الموسوعية.
    في ظل التقسيم سابق الذكر يمكن إدراج الذين يعملون في السياسة، ويمكن أيضاً توصيف علاقتهم بالثقافة والمثقفين.
    وإذا كان العالم الغربي الأمريكي أو الأوروبي خصوصاً يقدم لنا نماذج من الجهل السياسي والأمية الثقافية لحكام في أعلى درجات العمل السياسي، فإن هذا يحيلنا إلى السؤال بجدّية عن جدوى الأزمة بين العملية السياسية وكتلة المثقفين في الوطن العربي. فحكام من أمثال فنانين سابقين، وهلم جرا، يقودون بعض أهم الدول العظمى، يشيرون ببساطة إلى أن المؤسسة السياسية قد حلّت إشكالية العلاقة بين السياسة والفكر بعملية تصاهر وامتزاج في غاية الخطورة والرفعة. وإذا كانت أدوار الفرد في الفعل السياسي لا تزال ضرورة في أوطاننا العربية، فإن مشكلة السياسي والثقافي ستبقى خاضعة للتصنيف السباعي سابق الذكر وعلينا أن نفكر بالحلول بعيداً عن النقد الساذج لدور الكاريزما في التاريخ وفي الفعل السياسي.
    وعليه فإذا كانت الحالات الاستثنائية قليلة جداً في الفعل السياسي العربي، فإن المؤسساتية ستبقى هي الحل الأمثل لمشكلة تهميش المثقف (التي تحيله إلى حالة من العظامية النظرية مع وقف التنفيذ) ولمشكلة الحراك السياسي التكنيكي الصحي في غالبية الأحيان-وهذه المؤسسية، أي عملية الدمج السياسي بالثقافي من خلال مؤسسات لصنع القرار وممارسة التكنيك السياسي المؤسسي هي الحل الوحيد من أجل علاقة صحية في الممارسة السياسية والفكرية العربية.
    وهذه المؤسسية لا تتعارض إلى هذا الحد أو ذاك مع أدوار الأفراد في التاريخ، إذ أن الأفراد يستطيعون ممارسة السياسة بحصافة أيضاً بوجود مؤسسات داعمة، مع قناعتنا التامة أن المؤسسية تستطيع أن تقدم نموذجاً داعماً لدور الفرد في التاريخ أيضاً.
    من المؤكد أن شعباً من الشعوب لم يعش إشكالية الثقافية والسياسة مثلما نعيش نحن في الوطن العربي. ولعل من أخطر الأوضاع، ذلك الطلاق بين طبقتي (السلطة) و(الثقافة). ولعل متغيرات العصر تستدعي محاولة جمع ولمّ الشمل، على أسس جديدة.
    لقد فرزت الحالة السياسية نماذج تناقضية جعلت الحراك السياسي العربي كسمتنقع لا يخرج منه بقناعة سليمة وصحية إلا كل صاحب عمر طويل. وهذا الحراك الصعب والذي ولد ولادة قيصرية بعد نمو هرموني تحوّل إلى سرطان رهيب وهو مهدد الآن بمرض نقص المناعة!.
    فمن المؤكد-على الأقل بالنسبة لنا-أن أحد أهم أعراض الإيدز السياسي في الوطن العربي هو عدم قدرة فئات كثيرة على التعايش السلمي وغير السلمي. فلا السياسيون قادرون على التعايش مع بعضهم البعض، ولا المثقفون كذلك، فلا أحد يعجبه أحد!. والكل يومئ بأعلى درجات التبرم. ومن العقلانية بمكان أن نكفّ عن هذا المجون وأن نؤكد أن لا وطن ولا مستقبل بدون التعايش. وأن ندرك أننا نعيش حالة من حالات نقصان المناعة في أعلى تجلياتها إذا بقي اللا تعايش.
    وإذا كان الإيدز عموماً لم يجد حلولاً جذرية فإن الإيدز السياسي العربي-ولحسن الحظ-مشمول بالحلول المتوافرة هنا وهناك، بشرط توفّر نوع من الإيجابية لدى كافة الأطراف المعنية بإيجاد حل خارج دائرة المقولات القديمة والعلاقة السلبية.
    لقد أصبح واضحاً أن لا تقدم خارج مفهوم الدولة، بل لا وجود سياسياً خارج حدود العملية السياسية المقادة من قبل مؤسسة الدولة-والدليل على ذلك أن كل التجارب خارج هذه المؤسسة قد تحولت إلى خربشات لم تقدم شيئاً يستحق النظر اللهم إلا الكم الهائل من أدبيات الرفض والشتم السياسي. فمنطق(الخرابوية السياسية)؛ (إذا لم تخرب لم تعمر) منطق تافه أثبت أنه خارج دائرة الفعل.
    فلقد أصبحت الدول هي هوية السياسة، وأصبحت واقعاً لذلك، ويجب أن نفكر بكل تطوير أو أي تقدم عن طريق هذه الدول لا خارجها. وكل تغيير هوعملية سياسية ولن تقوم بها إلا الدول كما لن تصنعها إلا عقلية سياسة لا عقلية تنظير فوقي.
     

مشاركة هذه الصفحة