حياة الشهيد محمد محمود الزبيري (3)

الكاتب : سامي   المشاهدات : 470   الردود : 0    ‏2002-02-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-02-09
  1. سامي

    سامي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2001-07-10
    المشاركات:
    2,853
    الإعجاب :
    0
    التنظيم الشعبي

    وأحست القيادة السياسية يومذاك أن الجمهورية معرضة للخطر فشخصوا الداء ، وقالوا لا بد من تنظيم سياسي يحمي الثورة ويجنب الشعب الخطر … اجتمع مجلس الرئاسة يومذاك ، وقرر إسناد هذا الأمر إلى الأستاذ الزبيري وتحرك الأستاذ الزبيري لإقامة التنظيم ، وكان معه الأسودي وحضر معه بعض الجلسات ، ثم انسحب فقال الأستاذ الزبيري : التنظيم الشعبي يحتاج إلى مقرات فمقراتنا المساجد ، والمصلون الأعضاء ، والموجهون الأئمة والعلماء ، وقاعدة الإنطلاق الجامع الكبير ، والأمانة لهذا التنظيم ، وكان يتحرك –رحمه الله – إلى الحارات وينادي الناس إلى المسجد، فيأخذ منهم اليمين ويطلب من كل المصلين أن يختاروا أميناً عاماً للتنظيم ، وأميناً للدعوة وأميناً للإتصال ، ثم هناك جلستان في كل أسبوع ، جلسة يوم الإثنين وجلسة يوم الخميس ، وهما اليومان اللذان تعرض فيهما الأعمال على الله سبحانه وتعالى ، فاختار هذين اليومين لخاصيتهما .

    وبدأنا الإجتماعات واستقطب علماء صنعاء ، وكنا نجتمع في حلقة واسعة ، وكانت القبائل تدخل وتشاهد العمائم فتطيب نفوسهم وتفرح ويجلسون يستمعون فإذا بالحارات ترسل لنا بالنتائج ، حارة الفليحي ، حارة الجامع الكبير ، حارة العزاني ، حارة مسيك ، حارة …حارة ..حارة..حارة تقرر أنها ستعين شخصاً لتنظيف المسجد وتطهيرة ، فتنشر هذا الخبر فتعمل به سائر المساجد ، حارة قررت أن تعين مربياً للأطفال في غير أوقات الدراسة فتنشر هذا الخبر فتأخذ به الحارات الأخرى ، حارة تقرر أنها ستعطي مكافأة لمن يحفظ جزءاً من القرآن الكريم أو من حفظ القرآن كله ، فتنشر هذا الخبر فيأتي التجاوب من سائر الحارات …حارة ترى أن تضع برميل على الطريق للزبالة ليجد الناس مكاناً يرمون فيه الزبالة ، فيتخذ القرار وينشر فإذا بالحارات تتخذ نفس القرار ، حارة الجامع الكبير قررت أن طبيباً فيها سيزور المرضى في الحارة فيزورهم ويدرب صحياً ونشرنا هذا الخبر فإذا بحارات أخرى تفعل مثل ذلك .

    ابتدأ الناس يتسابقون …حارات قررت أن تضع مصابيح للإنارة ليلاً لأن الحارات كانت مظلمة ، فيأتي التعويق من شركة الكهرباء أنها لا تتحمل …حارة قررت الإصلاح بين الناس فيأتي العالم ليصلح بين الرجل وزوجته ، وبين المتشاكسين ، بين كذا وكذا … تسابق في فعل الخير للدين والدنيا ، والناس ازداد إقبالهم .

    الأستاذ الزبيري أرسل وفوداً من العلماء إلى القبائل لإنشاء هذا التنظيم فتجاوبت معنا عدد من القبائل وفجأة صدر القرار : القاضي محمد محمود الزبيري أوقف جميع الأعمال المتعلقة بالتنظيم الشعبي !! وعندما جاء القرار صدم الأستاذ الزبيري لأن الباب الذي كان قد فتح للإصلاح وفق منهجه الذي يؤمن به قد أغلق .

    ممن القرار ؟!! قالوا : من الرئيس ، سأل الأستاذ الزبيري بعد ذلك فوجد القرار بطلب من القيادة العربية ، وعرفنا فيما بعد أن الطلب من القيادة العربية كان برغبة من السفارة السوفيتية…مفهوم !!..لأن السفارة السوفيتية انزعجت من هذا النشاط ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..

    مؤتمر عمران

    قال الأستاذ الزبيري : يجب علينا أن نضمن مصدر القرار .. يجب أن يكون مصدر القرار يمنياً ، ويجب أن نحرر مصدر القرار ، ما الحل يا أستاذ ؟ قال : مؤتمر … نجمع الشعب اليمني الملكي والجمهوري في مؤتمر شعبي لنتخذ قرارا بتحويل الحكم من رئاسي الى نيابي فيصبح الرئيس محترم ، ومجلل ، وفوق العين والرأس ، ولكن القرار للوزارة ….. وجاء إليه مشائخ القبائل وجاء إليه العلماء وجاء إليه الضباط ووزير الدفاع يومذاك في أول الثورة محسن الدفعي فأعطى الأستاذ الزبيري 28 ألف ريال تموين المؤتمر، هذا التموين جاءنا من الجيش ، وكان راتب الأستاذ الزبيري لا يكفيه لأنه كان يصرفه ، فكان الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر –جزاه الله خيراً – يرسل بين الحين والآخر أربعمائة أو خمسمائة ريال ، وكان الريال في ذلك الوقت له معناه "ويا أستاذ انظر أحوالك ..دبر شؤونك " ثم احتشد الناس واجتمعوا في مؤتمر عمران ، أرسل العلماء ممثلين عنهم ، وأرسلت القبائل من يمثلها ، وأرسلت النواحي من يمثلها واجتمع الشعب اليمني في مؤتمر عمران .

    وعقد مؤتمر عمران … وحضر ممثلون عن الجيش وكان منهم مثنى الفطيري ، وكان منهم عبد الله الراعي ، الجيش أرسل من يمثله ، الأمن – أظن – أنه أرسل من يمثله ، العلماء أرسلوا من يمثلهم وأرسل الشباب ممثلين عنهم ، وكانت الحركة الفكرية في بدايتها ، والبعث يومذاك كان حليفاً للحركة الوطنية ، وما كان يحمل في دعواه أية مضامين تخالف الإسلام علناً ، وكان مع الحركة الوطنية برموزه ، والأستاذ الزبيري يقبل من الناس الظاهر ويتحرك بالجميع نحو الاهداف ..

    واجتمع الناس في مؤتمر عمران .. وكان مؤتمر عمران نقطة تحول في سير الجمهورية اليمنية منهجيا كانت المحاكم العسكرية تحكم على من تشاء بالقانون العسكري وقد سمعتم هادي عيسى وهو يصدر أمراً باخراج بعض المساجين وخروج واحد من المساجين مع الذين سيعدمون فقالوا له فلان خرج ليس اسمه في الكشف قال قد قسمه خرج "قدره اخرجه" , فكان الناس في رعب من شيئ اسمه الغرقة .. وكان هناك خوف على الدماء الناس في خوي لا أحد يأمن على نفسه ، يمسك الشخص ويعمل له محكمة ويدخلوه الغرقة ،فقال الأستاذ الزبيري يجب أن نؤمن الآمة على دمائها ويجب أن نطالب بإلغاء المحاكم العسكرية وإقامة المحاكم الشرعية وألا يؤخذ أحد إلا بحكم شرعي ، واتجه البحث كذلك حول الحرب بين الملكيين والجمهوريين ، ما سببها ؟ ما أسرارها؟ من يحركها ؟ من يبعثها ؟ فقد قرر المؤتمر تكوين جيش شعبي قوامه 28 ألفاً مؤازراً للجيش اليمني والرسمي وعندما صدر هذا القرار خافت القبائل الملكية وتوقف القتال لمدة أسبوعين ، يخافون لأن هذا العدد من الجيش اليمني يكفي حسب تقديرنا لإنهاء الحرب ، وصدر قرار بالمطالبة بتكوين مجلس الشورى ، ومجلس الشورى قراره اتخذ في مؤتمر عمران ، وصدرت قرارات حول النواحي المالية وضبطها وحول الأمور السياسية الداخلية والخارجية ، ثم كان اليمنيون يومذاك قد علموا أن السر في استمرار الحرب هي رغبة خارجية ، وصدر القرار ثم كتبنا 26 قراراً في مؤتمر عمران واتفق الناس وكان عملاً منظماً ، وفي النهاية قال الأستاذ الزبيري للمشائخ ولبعض العلماء : قراراتنا الـ 26 لن تجد طريقها إلى النور إذا بقي الجهاز الإداري الحاكم كما هو : إذا بقي الوضع الحكومي كما هو ، فطلب من كبار الزعماء والقادة والناس في الإجتماع وأقنعهم أنه لا بد من إصدار القرار السابع والعشرين وهو ((تحويل نظام الحكم من نظام رئاسي إلى نظام برلماني نيابي)) حتى تكون المسئوولية على رئيس الوزراء وليس على رئيس الدولة ، وصدر القرار ، ولكن الأستاذ الزبيري بروح شاعرية وبتأثيره الذي ينفذ إلى القلوب ، وقف يهيئ المؤتمر : إن إصلاحكم لن يجد النور إلا إذا استكمل بقرار ..إن الذي فعلتموه لإنقاذ اليمن لمشاهدة مستقبلة الباسم يتوقف على قرار تصدرونه ، وأخذ يهيج الحاضرين حتى تفاعل الذين كانوا في الصف الأول فقال أحدهم : قرار واحد ، إن الجهاز الحكومي الإداري فيه فساد كبير ..فساد كبير..يجب أن نصدر قراراً بتحويل نظام الحكم من نظام رئاسي إلى نظام برلماني بالإجماع ..موافقون .

    أصدر الحاضرون القرار السابع والعشرين : "نطالب بتحويل نظام الحكم إلى نظام برلماني ويفوض الشعب اليمني القاضي محمد محمود الزبيبري في اختيار رئيس الوزراء " وخرج إلى الناس ..وجاء القائد العام للقوات العربية الذي كان حاضراً معنا في المسجد فقال : اليوم ولدت اليمن ، وهو كان يعلم أن المؤتمر قد وضع العلاج لكل أمراض اليمن ، فقالوا اليوم ولدت اليمن ، فاختفى هذا الضابط من الساحة اليمنية وغاب عنها عامين ، وقيل أنه أُدب بتلك الكلمة ، وتوجه وفد منا إلى القيادة العربية ، كان الرئيس السلال في القاهرة ، فأذيعت قرارات مؤتمر عمران ، وأصدر الجيش اليمني قراراً بتأييد تلك القرارات ، وأصدر ضباط الداخلية تأييداً لقرارات مؤتمر عمران ، وجاءت التأييدات من سائر القبائل ..وجاء التأييد من اليمنيين في المهجر ، ومجلس الرئاسة أصدر قراراً بالإجماع بالموافقة على قرارات مؤتمر عمران ، والحكومة يومذاك أصدرت قراراً بتأييد مؤتمر عمران ، ما بقي من النظام إلا واحد وهو الرئيس السلال الذي كان في مصر ، لا شك أن الرئيس السلال يومذاك كان تحت ضغوط كبيرة وكان لا يستطيع أن يستغني عن المساعدات المصرية فقد جاء على لسانه أنه قال: أنا كنت بين نارين والحمد لله أني خرجت وأنا عاقل ..نار الشعب اليمني ونار القوات المصرية ..من هنا نار ومن هنا نار وأنا بينهم ، وابتدأت القبائل ترسل الجنود بناءاً على قرارات مؤتمر عمران ..وجاء رجال قبيلة مراد ووصلوا إلى صنعاء ...نحن جاهزون ، هذا فرقنا من الجيش " هذه مشاركتنا في الجيش الشعبي " فأنزلولهم في العرضي ، لا أكل لا مصروف ، فطلب الزبيري أن ينزلوا في الجامع الكبير ، وجاء ونام معهم ، وطلب من سكان الجامع الكبير أن يصنعوا لهم الطعام وتدخل لكي يرتبوا لهم أشياء ، كيف ؟. أنتم بلد في حالة حرب ..وشعب يقول أنا مجند تحت أمركم تقولون لا ..لا نريدكم ، فبقيت أزمة لمدة شهرين في صنعاء .

    الرئيس السلال يقابل الزبيري

    قيل أن الرئيس سيأتي وانتظرنا مجيئ الرئيس وكان يعلن عن مجيئه في أوقات ثم يتخلف ، وفي يوم مجيئه قالوا سيأتي فخرج الزبيري والشيخ عبد الله بن حسين الأحمر وعدد من مشائخ القبائل وشباب المدرسة الثانوية "الشعب" ينتظرون مجيئ الرئيس في وقت الغداء ، فعزمنا طلبة المدرسة الثانوية على غدائهم ، فدخلنا المدرسة الثانوية وتغدينا مع الطلاب انتظاراً لموكب الرئيس ، وجاء الرئيس بمصفحات ضخمة شاهدناها لأول مرة في ذلك الوقت وحراسة مشددة .

    فخرجنا نجري وراءه وأخذوا الأستاذ الزبيري والشيخ عبد الله بن حسين الأحمر ومعه بعض المشائخ ، ونحن نجري جرياً ورائهم ...فدخل الرئيس السلال إلى البيت ونحن في الخارج وتجمعت الجموع وانطلقت الهتافات "ياسلال هات هات ..مكاسب وانتصارات ..تنفيذك للقرارات " وارتفعت الأصوات والأستاذ الزبيري –أشهد- أنه ماكان يريد الإحتكاكات –رحمه الله- وخشي أن يتحول الأمر إلى صدام فأراد أن يصعد إلى السيارة ليهدئ الناس وأثناء صعوده ظن أحد الحراس المصريين على باب الرئيس أن الزبيري يريد أن يهيج الحاضرين وفتح الأستاذ الزبيري صدره وقال : نرفض البوليس نرفض الشرطة ..هذه صدورنا إذا شئتم فاقتلونا فإذا بتيار كهربي يسري في الحاضرين فما سمعت إلا إمساك البنادق " تك ..تك ..تك تك " القبائل معنا ..وإذا بذو محمد "إحدى القبائل" انتبهوا أن البنادق ليست معهم فتركوا الحاضرين وذهبوا ثم عادوا بعد قليل ببنادقهم ، الشرطة سمعوا البنادق فدخلوا السور وأغلقوا الباب من الداخل فأصبح ما بيننا وبينهم إلا الباب لا يوجد جنود في الخارج ، فأخذنا نرمي بالطوب ..الزبيري في ذلك الموقف ما كان يريد أن يُصعد الموقف ولكن الشباب الذين غلبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة أحد غلبوا الأستاذ الزبيري في ذلك الوقت ، الرئيس السلال يعرف من هو الزبيري ..والأستاذ الزبيري كان يكلمنا عن الرئيس السلال فيقول : عندما ننفرد به أرى قلبه يصفوا كالسماء الصافية ، فما إن أتركه حتى أرى بعد ذلك تغيرات ..وبعد قليل قالوا : الرئيس السلال يريد الزبيري ، قالوا : يدخل معه ابن الأحمر ، قالوا : يدخل هو وابن الأحمر ..فدخلوا.

    قال السلال : ماهو الخلاف الذي بيننا ؟ كلنا متفقين ..كلنا أبناء اليمن فقال الأستاذ الزبيري : طيب نفوس الناس الذين بالباب دعهم يدخلوا وتحدث فيهم بكلمة طيبة ..ونحن عرفنا أن الرئيس السلال كان مخالفاً للقرار (27) فدخلنا نهتف : 27 كاملة 27 كاملة قال : خذوا لكم مائة .

    ثم خرجنا ، ولكن مرت الأيام ولم يتحقق شيئ ، وعود وتخلف ...وعود وتخلف ، قال الأستاذ الزبيري –وكنت أعيب عليه كما كان بعض الناس يعيب عليه أنه طيب القلب إلى حد كبير" فكان يقول لي :"خير حيلة ألا يكون للمرء حيلة ، إذا أردت حيلة تريد حرس يحرسوها حتى لا يكشفوها " يعني إذا كنت على حق فقل كلمة الحق ولا تحتاج إلى حارس ، لأن الناس عندما يكتشفون أنك تحايلت عليهم سيسحبون ثقتهم منك ، فخير حيلة ألا تكون للمرء حيلة .

    لقاء الزبيري والقبائل الملكية في أرحب

    قلت : طيب يا أستاذ ماذا سنفعل الآن ؟ قال : بقي عندي شيء واحد ..هذه الحرب اليمنية التي يهلك فيها أبناء اليمن الملكي والجمهوري ..هذه الحرب الدائرة في أرض اليمن في بيوت اليمن ..في الشعب اليمني ، يجب أن نوقفها فما الحل ؟ ‍‍‍‍‍!!! قال : ما بقي معنا من حل إلا أن نتفاهم مع الملكيين "القبائل الملكية " ونقول إن كنتم تقاتلون من أجل بيت حميد الدين وإعادة بيت الإمام –خلاص- نثبت على مانحن عليه ، وإن كنتم تقاتلون من أجل الأخطاء التي نشكوا منها فلنجتمع جميعاً ولنصحح الأخطاء ولنقم النظام الجمهوري ، فقلت : يا أستاذ أنت تضمن الملكيين نحن في حالة حرب ، قال سنبدأ بقبيلة أرحب ، وسنتفاهم مع القبيلة هناك وهي نموذج لنا ، قال تصحبني ، قلت : بسم الله الرحمن الرحيم نصحبك ……

    وكنا خمسة ومعنا شيخ من أرحب "جمهوري" وقبيلته قد أعلنت إهدار دمه ، يعني الزبيري مطلوب رأسه وصاحبنا هذا مطلوب رأسه ، وأناكان لي برنامج في الإذاعة إسمه الدين والثورة وقيل : أن عبد المجيد هذا لن نسمح له بدخول البيت حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فلما وصلت إلى باب بيت خالي وجاء خالي قلت : ياخال ياخال ..أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وكانوا يتصورون الأمر هكذا فرؤوسنا مطلوبة ..ومعنا أبو الأحرار ، وبيتنا عند القيادة العربية في بيت مران ..والقائد المصري هناك غير مصدق ، فقال للأستاذ الزبيري : إلى أين أنت ذاهب يا أستاذ ، فأجابه الأستاذ : أنا ذاهب إلى عند الملكيين ، فرد عليه : سيقتلونك فأجاب الزبيري : دعني أحاول أنقذ شعبي ، هذا النزيف من الدماء يجب أن يقف يجب أن نضحي بأنفسنا من أجل إيقاف دماء أهلنا وأبنائنا ، وتغلب الأستاذ الزبيري –رحمه الله- بإرادته الفولاذية ، وكنت ألاحظ أنه لا يستغل أحدا ًولا يؤذي أحداً ، يأتي الطفل في الشارع ممكن يجره من ثوبه ويصغي إليه الاستاذ الزبيري ، ويأتي آخر شيطان من الشياطين يأخذ من وقته ساعة أو ساعتين ويبتسم ويضحك له ، يقع عليه غلط ويشتد الناس فيه فيقول : مسامحين مسامحين ، فسألته ذات يوم قلت له : ياأستاذ ما هذا السلوك ؟؟ ما تخاصم أحداً ولا تقول لواحد لا ..ولا تقف ضد أحد ..ما هذا يا أستاذ؟؟ فقال لي : إسمع يا عبد المجيد ..للإنسان طاقة محدودة ..غيري من الناس يبددها في الخصام على التوافه مع الأصدقاء والإخوان والجيران والناس ، أما أنا فقد استجمعت كل قوتي وصنتها لمواجهة الطواغيت والجبابرة ، فأنا أدخرها لمواجهة من يخاف الناس مواجهتهم ، دخلنا أرحب وتجاوزنا حدود الجمهورية ..إثنان من أرحب شابان قويان فقابلانا في الطريق ..أنت الزبيري ؟ قال : نعم السلام عليكم ، قلنا : الله ..الله ..هذه أول واحدة السلام انتهى ، لأن السلام أمان ، السلام عليكم ولا سلام ..يا ألله تعالوا ..وإذا بشيخ بني سفيان –رحمه الله – وأبناؤه وقبيلة أرحب ينتظرونا ومعنا الشيخ المجمهر واصطفينا على طريقة القبائل علم وخبر ، واصطفوا هم ، وأنا منتظر متى يقع الرصاص فينا ؟..

    فنادوا "علمكم "؟ فوقف هذا الشيخ المطلوب إهدار دمه ، قال : إخوانكم جئنا على كتاب الله وسنة رسوله ، وعلى مبادئ مؤتمر عمران ، وهؤلاء ردوا : ويا أهلاً وسهلاً.

    مرحباً بك يالوزير الزبيري يا حُر طول الوقت دائم يا مجاهد

    وإذا بالطبول تضرب والزوامل والبنادق ..واحتفال بالأستاذ الزبيري ، وحفظت بيت من الشعر يقول :

    قلت هذا جيش الملكية !! يصفون الأستاذ الزبيري بالحرية والجهاد ..وأبو الأحرار ..وياحر طول الوقت دائم مجاهد ، وذهبنا وتحدثنا مع مشائخ أرحب الذين جاءوا لزيارتنا … وتفاهمنا على عقد مؤتمر جديد ، يجدد مؤتمر عمران ، وكنا والأستاذ الزبيري في بيت سنان وقد قلت له : أستاذ كل هؤلاء الذين حولنا ملكيين ، قال : إن أكبر غلطة يرتكبها السياسي هي أن يغامر برأسه ، ونحن قد غامرنا برؤوسنا – رحمه الله – ثم خرجنا نريد أن نسمع متى نعتق أنفسنا من أرحب من جيش الملكية ، فخرجنا مسرعين نغذ السير نحو حاشد "الجمهورية" فإذا برسولين يجريان وراءنا رجال أشداء وبالبنادق .. أنت الزبيري ؟ نعم !… جاوب أحمد حميد الحبّاري .وقد كان قائداً لجيش الإمام ومن قواده المشهورين ، فقلنا لهما نحن مستعجلين ولدينا ظروف ، قال : إذن كما تريدون ، ذهبوا وكأنهم يريدون القتال ، وقد كان الرأي أن واحداً منهما يذهب ليأتي بأحمد حميد الحباري والأخر يبقى حارساً علينا ونحن موافقين ليأتي أحمد حميد للتفاهم معه ، جاءنا أحمد حميد راكباً بغلته ومعه جيشه ، وأحمد حميد هو عدو الشيخ "المجمهر" والتنافس بين الإثنين قلنا : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فجاء أحمد حميد ونزلوا وأنا أرقب البنادق التي ستتحرك للإغتيال وقد كنت شاباً صغيراً بالنسبة لذلك الوقت ، وتجاربي مع القبائل قليلة يومذاك ،ثم اصطفوا كعادة القبائل .. علمكم؟ فأجاب الناطق الرسمي لنا وهو العدو اللدود للمتكلم ، فقال له نفس الخبر ..فقال : ارحبوا مرحب الصوت وأهلاً وسهلاً فوق العين والرأس ..أنتم ضيوفنا ، قلنا إنا لله وإنا إليه راجعون !!.

    قال أحمد حميد الحبّاري ماذا تقول أرحب ؟!! التقى أحمد حميد الحباري بالزبيري وخلاه "تركه" يمشي وأعطاه فلوس ، ويقولوا : أين قسمهم ، لا والله ما وقعت .. أنتم ضيوف ليعرف الناس كلهم ، فأجاب الزبيري : طيب ولكن لا ترجعنا بيتك "ذيبان " قال : نضيفكم هنا في بيت الجالب قريب من حاشد ، فقلنا : حاضر … فرجعنا ضيوف وإذا بالبنادق والقصائد الجميلة ، وجاءت قبيلة أرحب وكلمناهم عن الجمهورية وعن الصحابة وعن الخلافة الراشدة وأننا نريد الجمهورية على الخلافة الراشدة ، فقالوا : إن كان على هذا فنحن معكم ونحن لا نريد إلا هذا لكننا نشتكي من كذا وكذا ..وأخذوا يشتكون مما نشتكي !! وبتنا تلك الليلة وأنا أتوقع أنه في الليل سيسري بنا ليلاً إلى الإمام فأخذت البطانية أغطي رأسي في انتظار ما سيحدث .. فأنزل الله السكينة حتى الفجر ، وإذا بالمؤذن يؤذن فقمت من النوم أتفرج أين نحن فوجدت نفسي في نفس المكان فحمدت الله جل وعلا ثم خفت أن يكونوا قد أخذوا الأستاذ ، فناديت : أستاذ ..يا أستاذ ؟ قال: نعم قلت : الحمد لله الأستاذ موجود ، وصلينا ، وكان لي حق في تلك المخاوف لأن جيش الإمام تحرك بالليل ، وتوجه إلى بيت سنان ، وإلى أحمد حميد ، وقد كان قائده ابن الإمام ، وقال : يجب أن تسلموا لنا الزبيري ومعه مائتا مقاتل ، يجب أن تسلموا الزبيري ، فقال له مشائخ أرحب : اسمع ..اسمع يا سيد أنت في هذه البلاد بوجه أرحب ، والمصري يطلب رأسك ولكن نحن وجوهنا ما أعطيناها للمصري ، واليوم الزبيري في وجه أرحب ، فإذا أردت منا أن نخون ونغدر بوجه أرحب فاليوم بالزبيري وغداً بك ، ولك الخيار ، فتحايل عليهم ..قالوا : ماعندنا غير هذا الكلام ، وردوه على عقبه ، ثم في الصباح كان موعدهم في السوق فاجتمعوا في السوق قالوا يا أرحب تعالوا نتشاور في هذا الزبيري ، الزبيري جائكم يقول …ويقول…ويقول ويقول ..ونحن لا نريد أن نتخذ قراراً من دونكم وما قراركم يا أرحب ؟؟ قالوا : اعرضوا على الزبيري إذا يريد يبقى بيننا أهلاً وسهلاً في وجوهنا فوق العين والرأس ..نفرق له الحطب ونعطيه البيت ونفرق له الحب ونفرق له الحرس ..وهو في وجه أرحب ، وإن أراد على ما يقول يدعوا باقي القبائل ، ويجمع الملكيين والجمهوريين في هذا الطريق ..رافقوه وأرسلوا معه الحراس إلى حدود الجمهورية ، وسلموه من وجوهكم إلى وجه حاشد ، ويلتزموا لكم أنهم تسلموه في وجوههم حتى تبقى وجوهنا بيضاء .

    العودة إلى حاشد

    فجاءوا وقالوا لنا ذلك ، فطرت فرحاً وجاؤونا بحمير نركب عليها وجيش الإمام معنا يرافقنا وخرجنا إلى حدود حاشد ، رأت حاشد اثنين معمَّمين وجيش ملكي فأعلنت الطوارئ والتفوا من جميع الأماكن ورتبوا حدودهم … وكلفوا رجلاً طاعناً في السن ينتظرنا على الماء ، وصلنا .. يا أرحب خيرة الله عليكم "يقولها صاحب حاشد الرجل المسن " بيننا رقوم " يعني بيننا اتفاق عدم اعتداء "قالوا : هذا الزبيري ، قال : يا أرحب لا تغالطوا ، قالوا : والله هذا الزبيري ، قال : الزبيري يجي من هنا؟!!! وكان الزبيري عاشق للآثار .. وكنت إذا رأيت فيه رغبة لا أقاومها تأدباً معه ، وفي ذلك الوقت قال : هنا آثار ، أريد أن أزور الآثار ، ولأول مرة أتجرأ عليه وأكسر رغبته ، فقلت له : يا أستاذ الله يجزيك الخير ليس في هذا الوقت في وقت آخر ، وهم قد رتبوا في الطريق وقالوا إذا جاوزا هذا الحد فجاوبوهم بالرصاص فالحمد لله كان التدخل في مكانه وبينما نحن كذلك جاءنا مشائخ قبائل حاشد من خميس القديمي .. كيف عرفوا ؟ كيف جاؤوا ؟ سراً لا أعرفه حتى هذه اللحظة ، فجأة جاءوا المشائخ .. من أين أتوا ..من جاء بهم ؟ لا أدري هل كانوا مرتبين وسمعوا الكلام ثم أتوا .. لا أدري !!.

    فلما جاء مشائخ حاشد وعرفوا الأستاذ الزبيري … سلموا عليه بحرارة .. أهلاً وسهلاً .. ضيفنا تفضل ، قالت قبائل أرحب : يا حاشد إلى وجوهكم ، قالت حاشد : إلى وجوهنا ، قالت أرحب : وجوهنا بيضاء ، قالت حاشد : وجوهكم بيضاء وجاملين المهم سلمونا ، دور وتسليم … وأخذتنا قبيلة حاشد وخرجنا وأعتقنا الله فعرفنا ميلادنا .. ميلاد جديد ، خرجنا إلى خميس القديمي ، فخرجت القرية لاستقبالنا بالبنادق والطبول والفرح والزوامل .. وارتص القبائل صفاً بطريقة علم وخبر ، وقفوا صفاً ووقفنا صفاً ..علمكم تكلموا ، وجاء الجواب الآتي وانظروا الثقة في القائد ، انظروا الثقة في العلماء ، انظروا الثقة في القدوة ، قالت قبيلة حاشد : يا زبيري إن قلنا أنت جمهوري فأنت أبو الأحرار ، وإن قلنا أنت ملكي فأنت خرجت قدام عيوننا مع جيوش الإمام ، ولكن إرحب من القاع إلى فوق الرأس إذا أنت جمهوري فنحن جمهوريون وإن أنت ملكي فنحن ملكيون .

    وتوجهنا بعد ذلك إلى ريدة وتكلم الأستاذ الزبيري مع القيادة العربية ، وكان يوجد فيها رجل صالح "ضابط صالح " من المتدينيين ، ثم توجهنا إلى خمر ثم استقر بنا المقام في حوث وكنا ضيوف على بيت الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر ليس في بيته وإنما في مقهى ، وفي يوم في الصباح كنا معتادين أن نشرب القهوى فلم نجد أحداً ولم نجد شيئاً فقلت في نفسي : من أراد أن يكون مجاهداً ويتعرض للأحوال يجب أن لا تستعبده عادة أياً كانت تلك العادة ، ومن يومها قررت ألا أشرب قهوة بنّ في الصباح حتى لا نذل أنفسنا بسبب عادات يمكن أن يستغنى عنها ، وكانت فكرتي كذلك في مسألة القات ...إن القات يحتاج إلى نفقة ، يحتاج إلى أموال ويأخذ الوقت ، والأستاذ الزبيري كان معي في أن القات في مجموعة لا يكون نافعاً ولا يكون صالحاً ويتحكم بالناس ...

    رجعنا .. وكان الأستاذ الزبيري يقول لي : رب الشباب في حوث فكنت آخذهم فأعطيهم دروس وأمرِّنهم على الرياضة ..وعشنا هناك ..
     

مشاركة هذه الصفحة