إبداعت ادبية من أرض جيزان / مالم أكن أعرفه

الكاتب : الصـراري   المشاهدات : 506   الردود : 5    ‏2002-02-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-02-08
  1. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    [gl]للأديب محمد يحي عطيف .......مقتطفات من مجموعته القصصية بعنوان (( مالم أكن أعرفه )) .... التي سنواصلها على حلقات بإذن الله [/gl]

    [mover][​IMG] [/mover]



    00الكتــــابة عنـــدي 00هــي متعــــة00
    00والكتــابة فــي داخلـــي 00احســـــــــاس بديــع 00وفن رفيـــع00لا أدّعيــــه00
    00والكتـــابة عنـــدي 00هي البســـاطـة00هي السهــــولة00هي اللفــظ الجميــــل00والشعــور الخـــالــص00 والعاطفـــة الصـــادقة00باختصـــار هي اللفظ المعبر من أول نظـــرة00هي التي لا تشعر بالحيــــرة00ولا ترهــق القلــب والعقــــل00 00عنـــدما أكتب فأنا أنظــر حولـــي00مشـــاعرهم00أحـــزانهــم00مكنونهــم00وفي ذلك أجــد ذاتــــي وكيـــــاني00
    00 من احتــــرامي لقارئـــي ينبع اعتــزازي بمــا أكتب00ومن تقديـــري لنظــرته تأتلــق خواطــري00وعنــدما أكتب فأنــا لا أكتب لهــم فقــــط00ولكن لكــل .0 البســـطــاء 00 مثلــــي تمـــامـــا00 محمد..




    الرقم ( 14 ) 00



    الرقم 14
    دفعت براحة يدي اليسرى باب العيادات الخارجية للمستشفى العام فيما كانت يدي الأخرى تدفع عربة هديل نحو الداخل وسط تيار من الهواء البارد المنبعث من أجهزة التكييف ، ورغم أن المكان بدأ هادئاً والمراجعون قلة وكل في حاله إلا أنني شعرت وكأن الجميع يحدق بي 00لافائدة 00 لازال ذلك الرجل الشرقي يسكن داخلي 00!!
    سرنا في الممر حتى توقفنا عند باب العيادة وقبعنا في غرفة الانتظار وأنا أتطلع في ملل إلى رقم بطاقتنا 0 ( 14 ) 00 رقم أحبه 00 و لا أريد أن يسألني أحد عن السبب 00
    وحتى ذلك الحين لم تنطق هديل بحرف 00كنت أعرف ما يدور داخلها 00هي هكذا دائماً كلما جئنا للمراجعة 00 تشعر وكأنها قتلت جميع العالم 00 ورغم أنني أقدر مشاعرها إلا أنني أرى أنه يتوجب عليها تخطي هذا الشعور يوما ما 00سبع سنوات لا شك تكفي 00 ولكن من يقنع من أبتلي بشـــــــر المواهب !!
    أذكر يوم تزوجنا 00كانت أياماً رائعة 00 كانت هديل خلالها نموذجاً للحب ، والمشاعر الدافئة ، ورقة الإحساس 00كانت كالغزال الشارد 00كان يمكنها أن تحضر لي ما أرغبه قبل أن أطلب ذلك منها 00نعم كانت تقرأ أفكاري 00تخطيت الكثير من التحديات والمصاعب بمساندتها ،00 لطالما انتزعت اليأس من أعماقي ، وزرعت الإرادة في نفسي 00أدين لها بالكثير 00 لم تفقد الأمل يوماً في تحقيق أحلامنا ، ولم تنظر لمن هم أعلى منا أبداً 00حتى عندما كانت تحدثني عن أمانيها وأحلامها ولو على سبيل المزاح لم تقل يوماً أنها ترغب أن تكون كفلانة أو تريد مثل ما ترفل فيه أخرى 00 حتى وقع ذلك الحادث 00 ولا راد لقضاء الله 00سقطت هديل سقطة مريعة من على درج المنزل وقال لها الأطباء أنها لن تمشي مرة أخرى 00حسب ما توصل إليه الطب في ذلك الوقت 00 قالوا لها ألا تفقد الأمل في الله 00 أبداً 00ومن يومها كان علي أن أرد لها بعض الدين 00 لم ننجب أطفالاً حتى ذلك الحين فقد كنت أرغب في تأجيل الأمر لكثرة سفري حتى إذا استقرت أعمالي وقررنا حدث ما حدث وهذه المرة هي التي رفضت 00 لها الحق أن ترفض 00 أذكر أنني عشت الشهور الستة الأولى بعد الحادث وأنا أحاول عبثاً أن أخرجها من أزمتها النفسية 00كانت دائمة البكاء 00منكسرة الخاطر كطائر جريح 00 أذكر أيضاً أنه في مرة من المرات كنت أشاهد التلفاز عندما تذكرت أنها تنتظر مساعدتي في غرفة النوم وعندما وصلت وجدتها قد سقطت على الأرض وهي تحاول الصعود إلى عربتها 00 فاض بي الألم وأنا أرقب بسمتها المتألمة بعد أن ساعدتها ، وتخطينا كعادتنا الموقف بسرعة فقد تعودنا على ذلك ثم جلسنا نشاهد نفس البرنامج معاً 00 كان برنامجاً مشوقاً عن الأطفال 00 وفيما اتخذت من قدميها وسادة لي سمعتها تقول : حتى متى ستصبر ؟ 00 كنت أعرف ما ترمي إليه فهي دائما تسألني حتى متى سأصبر على هذا الوضع ؟ كانت ترى أنني أضحي دونما فائدة 00 وقد تسألون لماذا لم أحضر لها عاملة منزلية ؟ لقد فعلت ولكنها كانت ترفض أن تساعدها في خصوصياتها أبداً 00كانت تريد منها أن تقوم باحتياجات المنزل الأساسية من أكل وغسيل وغيره 00
    أجبتها في حذر : هذا السؤال مكرر ؟ 00 أنا ( مرتاح ) جداً هكذا 00
    ووسط نشيجها الذي بدأ يتعالى قالت : صدقني لن يلومك أحد 00 سأقول لهم أنني أنا التي طلبت منك ذلك ‍‍!!
    قلت وأنا أنهض : أرجوك كفى 00 وقبل أن تضيف شيئاً آخر كنت قد أخذت الهاتف واتصلت بأمها وطلبت منها الحضور لمعاونتي 00
    هكذا كنت أهرب من نقاشها المؤلم فأستعين بأمها لمواساتها 00كانت أسرتها المكونة من أمها وشقيقها الوحيد يشعرانني مع مرور الوقت أنه يمكنني 000 فقد بذلت ما فيه الكفاية 00 وأنه من الممكن أن تعيش هديل معهم 00 غير أنني أصررت على ألا تفارق هديل منزلها حتى الموت 00كنت أردد لهم أنني متأكد من أن الله سبحانه سيمن على هذه الإنســـــــــانة الرائعة بالشفاء يوما ما 00
    كانت أكثر اللحظات ضعفاً في حياتي هي تلك اللحظة التي خضعت فيها لمحاولات أبي بالزواج من أخرى - بالمناسبة أمي ماتت منذ زمن بعيد – 00 كان أبي كثير التكرار علي وقبل أن تحكموا عليه بالقسوة فقد كان يصر في نفس الوقت على أن أبقى وفيا لهديل وأن تبقى هي الأولى في بيتها 00 في الطريق كان يتحدث عن وجوب الإيمان بالقدر وأن الدين الحنيف قد أباح التعدد في ظل الحاجة ولستر الإنسان 00 كان يتحدث وأنا لا أكاد أشعر به 00 عند محطة الوقود توقفت وعندما فتحت درج الكبينة تساقطت الكثير من الأوراق الغير مرتبة 00 تناولت بعضها ومن ثنايا إحداها سقطت ورقة صفراء قديمة 00فردتها فكأنما فردت صفحة من حياتي 00كانت من هديل قبل زواجنا بأسبوع فقط 00 لا أنس أنها تحدت إرادة أهلها في الارتباط بي 00 شعرت بالخزي وأنا أدير مقود سيارتي إلى المسار الآخر 00 وعند البيت أوقفتها ودون أن أشعر تركت بابها مفتوحا وهرولت إلى الداخل وأنا أفكر في هديل 00وعند التلفاز وفي نفس المكان وجدتها تطرز 00 يا للروعة 00صغرتُ في نفسي كثيراً حين تأملت المنديل الذي طرزت عليه أول حرفين من اسمي 00 وحين التفت رأيت سيارتي في نفس المكان غير أنني لم ألمح أبي داخلها 00

    00 رقم ( 14 ) 00 رقم ( 14 ) 00 وكزتني هديل فأفقت ودخلنا إلى غرفة الطبيب 00 وحتى إذا لم يقل الطبيب شيئاً تبقين يا هديل جزءاً رائعاً من الصعب التخلي عنه في حياتي 00 ولن أفقد الأمل أبداً في شفاءك 00ولا يجب أن ينقطع ذلك الأمل في الله 000
    هيه 00 هيه 00
    00 انتبهت للمرة الثانية في حين ابتسم الطبيب وهديل تقول ماذا أصابك اليوم ؟! 00
    *****







    :rolleyes:
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-02-09
  3. YaHar

    YaHar عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-12-20
    المشاركات:
    353
    الإعجاب :
    0
    أنت ذواق وتواق لكل جميل يا صراري .. أجد براعة محمد عطيف لا تكمن في سيطرته التامة على لغته .. رغم وعورة مسالكها .. فحسب .. لكن أيضاً في تلك الشفافية المتناهية والذاهبة إلى فلسفة حلم غائر في تراكيبه ومراكبه ..

    كلماته ممتلئة بتأوهات اتخذت من القلب مكاناً قصيّا .. وهزت ببراعة شموخ نخلة .. تساقط رطبها جنيّا ..


    شكراً أخي الكريم ...



    يهــــــــــــر ..
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-02-09
  5. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    [gl]سلمت يهر على تعقيبك الرائع ....ولمحمد عطيف ابداع بنكهة خاصة سلسلة...ورائعة :)[/gl]

    --------------------------------------

    موعد مع الحزن

    موعد مع الحزن
    البارحة كان الموقف صعباً جداً وسريعاً ومؤثِّراً في آنٍ واحد 00
    كان شهر رمضان المبارك قد حلَّ علينا بسموِّه وروحانيّته الخالدة00 وكان موعد الإفطار ليلتها قد أزف 00 وكنتُ أرقبُ أمي وقد أقبلت بالأطباق ووضعتها على المائدة فيما يساعدها اثنان من أحفادها الصغار00 لستُ أدري ما الذي دفعني للتمعُّن في عدد الأطباق على المائدة 00 لقد كانت تبدو لي أكثر من المعتاد يوميّاً 00 ودار في خلدي أنّ هناك مدعوّاً 00 وبقيتُ للحظات أفكّر في ذلك ولكن سرعان ما استبعدتُ الأمر فالوقتُ قريب جدّاً ولا أر أحداً سأعرف 00 رجّحتُ أنّ أمي قد زادت في عدد الأطباق عن غير قصد 00
    وهي عادة من الدقة بحيث لا تفعل ذلك إلاّ نادراً أو في لحظات الإرهاق الشديد 00 كانت ومضة سريعةً في ذهني جعلتني انتصب جالساً في مكاني 00 كانت تلك الومضة كافية لأعود إلى الوراء عامين كاملين وقد نجح مزيج من الحزن والقلق في احتوائي تماماً 00 لا زالت الذكريات المؤلمة تعتاد النفس فتثير أحزانها ، وتستشفّ أشجانها 00 وقد أدركت حينها أنها تمر على الجميع ولكنها لا تُبكي إلا رقيق القلب منا ، ولا تُحزن إلا الوفيّ بيننا 00 فقد كان شقيقنا الأصغر أكثرنا نشاطاً ، وأصفانا نفساً ، وأنقانا سريرةً 00 ولستُ أقول هذا لأنه قد توفي أو لأن الناس يذكرون موتاهم دائماً بالخير ولكنني أوفيه حقّه عليّ إذ كانت الصدمة شديدة جدّاً عندما رحل وهو لا يزال في عمر الزهور 00 خاصةً أمي فقد كادت تموت حزناً وكمداً عليه ، فقد كان أحبّنا إليها وقد أقررنا بذلك ورضيناه ولم نكن نشعر بتفرقتها في المعاملة فقد كان في نفوسنا أكبر من ذلك 00 كان طالباً في الثانوية العامة 00 نعم لم يكن متفوقاً ولكنّه كان يحصد النجاح تلو الآخر 00 والأكثر أنه كان محط إعجاب الجميع أينما حل ولم أكن أعيب عليه إلا مسايرته لبعض الذين يفتقدون السمعة الحسنة ممن بهرتهم المدنية فوقعوا في جانبها المظلم 0 وأذكر أنه جاء مرّة وقد قصّ شعره على إحدى لك الطرق المشينة الخارجة عن تقاليدنا الأصيلة ويومها واجهت صعوبة كبيرة في إقناعه بتغييرها إذ كانت أمي تدافع عنه بكل السبل ، وتختلق له كلّ الأعذار 00 كنتُ أحبه كثيراً ولكن كان لا بد من أن أقسو عليه أحياناً 00 وبلغ الأمر مداه عندما أصرت أمي على أن نحضر له سيارة! 00 سيارة مرة واحدة !!00 قلت لأمي 00 ويومها رفعتُ صوتي وملأت البيت ضجيجاً وخصاماً على الجميع فقد رأيتُ في ذلك نهايته 00 لن نراه بعدها في البيت 00 غير أنني عندما رأيت أمي تبكي وشعوري أنني أسأت الأدب تألمتُ كثيراً ووافقت 00 وسارت الأمور بالطريقة التي تدور في أذهانكم الآن 00 كان حادثاً مروعاً 00 تظافرت الآلام عندما لحقتُ به في آخر لحظة 00 ليست سوى لحظة وداع 00 كان يحاول الكلام ولكني أشرت إليه ألا يفعل 00 كنتُ أحاول تلقينه 00 كان أكثر ما استطاعه ابتسامة كتلك التي عهدتها منه دائماً 00 كانت الأخيرة 00 عندما أغمضتُ عينيه كان في داخلي ما لا أستطيع وصفه وكان هناك همٌّ فرض نفسه عليّ حتى في ذلك الموقف 00 كيف أخبر أمي ؟00 أحسبها ستموت حتماً 00 طلبتُ من خالي أن يفعل ذلك وبقيتُ أنتظر سماع خبر لحاقها به 00 لقد كانت معجزة في نظرنا أن صمدت بالرغم من أنها خرجت من الأزمة هيكلاً أو أحسبها شبحاً 00 هاهي أمي تناديني 00 وتدخل ربما لإحضار شيءٍ ما 00 سارعتُ وفي نفسي تجنيب أمي الموقف00 لم يفكر أحد من الأطفال والكبار لماذا أخذت الطبق الزائد غير أن ذلك السؤال الرهيب جاء من الخلف : ماذا تريد بهذا؟ 00 كان لا بد أن أكون حذراً في الإجابة 00 وفي الوقت الذي ظننتُ فيه نفسي قادراً على ذلك كنتُ في داخلي لا زلتُ مستسلماً للحزن ، فقلتُ في لهجة مرح متصنّعة : أظنُّه زائداً وقد يكسره أحد هؤلاء الصغار 00منذ كنتُ طفلاً و أنا أشعر أن نظرات أمي تقرؤني بكل وضوح مهما حاولت00 هذه المرة كانت قراءتها أدقّ من كل مرة 00 كان البريق واضحاً في عينيها 00 وكان لا بد أن ألوم نفسي لأنني لم أحسن التصرف00 خيّم بعدها صمت رهيب 00 كانت محاولة يائسة للهرب من الموقف أن أسحبها إلى الداخل 00 كانت ترتعش 00 ولم يكن بإمكاني عمل شيء لأنني حينما حاولتُ ذلك كانت عبراتي تشقّ طريقها بدورها0
    00 ذلك اليوم لم ينهر أحد القطة من على المائدة 00
    الآن كلما جاء رمضان ببركته وروعته ينقي النفوس ، ويصفي القلوب 00 كلما ذكرنا أحباباً لنا بالخير وكلما دعونا الله لهم بالغفران كلما دعوناه أن يرزقنا نعمة النسيان0

    :rolleyes: :eek:
    هلا
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-02-16
  7. أحمد السيد

    أحمد السيد عضو

    التسجيل :
    ‏2002-01-07
    المشاركات:
    20
    الإعجاب :
    0
    ما أكرمكم يا أهل المجلس
    نحن هنا نسمع همساتكم ، لسنا بعيدين .
    شكرا لك يا YaHar الكريم
    أما الصراري فلي معه حديث
    أبلغكم تحايا محمد وعظيم امتنانه
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2002-02-17
  9. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    حينما يجعل الكاتب قارئه نصب عينيه ، تتجلى شفافيته في أحرفه ومعانيه !!

    0 من احتــــرامي لقارئـــي ينبع اعتــزازي بمــا أكتب00ومن تقديـــري لنظــرته تأتلــق خواطــري ..


    هنا يكمن نجاح الكاتب ، في الرقم 14 أظهر لنا الكاتب صورة جملية ملؤها
    الوفا ءالنادر في العشرة الزوجية .. وفي موعد مع الحزن وضح لنا مدى تهور الشباب وكيف نهايته ..

    وفي كلا القصتين يبدو كاتبنا جميل السرد واسع الخيال غني المعني ..

    حبيبنا وأديبنا / فهمي ..

    الشكر فيما تتحفنا به قليل لك عميق الحب وصادق الود .
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2002-02-17
  11. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    إخواني الكرام الأحبة :-
    يهر
    واحمد السيد
    ودرهم جباري
    تقبلوا خالص المحبة والتقدير لشخصكم الكريم الغالي ..
    ونواصل معكم رحلة الابداع مع أديبنا الغالي محمد عطيف :)
    ----------------------------------
    الفجر الأخير
    الفجر الأخيـــر 00
    أخذ يغذُّ الخطى وسط بقايا الظلام بكل همة في وقت كان يخشى فيه أن يتعثر 00كان يحاول اختراق الظلام بعينيه بالتحديق ما بين فترة وأخرى 00و 00 تعثر ، ثم نهض بسرعة وهو يتأفف ويئن 00واصل المسير وفي داخله الكثير00 وجد نفسه يقول :
    -(" آه يا أرضنا الطيبة لكم تنكرت لنا! 00 لم أتعثر على بساطك يوماً ما 00كنت دائماً تنجبين وتفيضين بالخيرات 00أكبرنا ؟ أما مللتنا ؟! 00) 00
    تذكر حينها كم سار على هذه الطريق مذ كان يافعاً 00تذكر فورة شبابه وعنفوان صباه 00لاحت بخاطره صورة لعصاه الضخمة التي كان يســــميها ( أم الرياح ) 00لقد قتل بها ذئباً مفترساً ذات يوم ولم تطرف له عين 00 لم يكن يخشى شيئاً ويده تحتضنها
    شعر بقدميه تظلان طريقها الترابي وتعلو طبقة الإسفلت ، وكمن أحدث ذنباً سارع بتعديل مساره إلى ما كان عليه 00كان يحب التراب ويعشقه 00من هنا وقبل أربعين سنة كان يمر يومياً وقطيع أغنامه 00كان يغيب أياماً طوالاً في هذه الفيافي 00يتشرب قفرتها ، ويتنفس حرّها ، ويسمر ليلها ، فلا يزداد إلا شبابًا ، ولا يتفجر إلا قوة 00لم يكن يعرف المرض أبداً 00
    بدت مشارف ( الأحد ) وبعض أنواره تلوح في الأفق أمام عينيه 00بدت ملامح الفجر 00غير أنه كان لا يرى جيداً 00 كل يوم يذهب قبل الفجر إلى سوق الأحد 00أطلق تنهيدة عميقة وأتبعها بأخرى قبل أن يطلق لخياله العنان 00تذكر زينب 00يعلم أنها الآن تتألم 00 لقد عانت من المرض في السنوات الأخيرة الكثير00 وتغلغل أكثر في ذاكرته القوية فتذكر يوم رآها لأول مرة 00 كان ذلك على البئر 00كانت ظفائرها أطول من رشا البئر وجسدها الغض يتفجر بالأنوثة 00أيام لا تنسى 00 لكم يؤلمه أنه الآن عاجز عن علاجها ولم يكن يتصور يوماً أنه سيقف في هذا الموقف 00وليلى ، وحسين 00هم عنده بالدنيا كلها 00انهم ينتظرون منه الكثير00 شعر بأن الحياة قد قست عليه كثيراً 00 ومرة أخرى عادت قدماه إلى الإسفلت وهو يفكر في جهاز التكييف الذي تعطل البارحة 00لوهلة تمنى الموت لكي يرتاح 00 وفي نفس الوقت تمنى لو تعود الحياة إلى الوراء خمسين عاماً 00اشتاق كثيراً لنباح الكلاب وليالي (الساري) وأيام ( النجاع ) 00مع هذه الذكرى أحس بقلبه الكهل يتزحزح في لوعة 00عدل وضع شماغه البالي و 00وتعثر مرة أخرى ، وعندما سقط سبقته يده إلى الأرض فشعر بحجر صغير تحتها 00لوهلة أدرك أنه جُرح فقال في خفوت :
    ( ألم أقل لك يا أرضنا الطيبة ما عدت تطيقيننا ! كأنك سئمت بقاءنا عليك 00أنني أشعر بذلك 00) 00 تحسس حزامه ، آه لقد سقطت المحفظة 00توقف لحظات 00لم يكن يشعر بالأسف فلم تكن تحوي ما يهم 00سوى بطاقته 00لا يهم فهو يشعر أنه بلا هوية 00 بلا ذات 00ورغم ذلك قرر أن يعود للبحث عنها 00كان يشعر بوجود بعض الضباب وسماء ملبدة وأدت الكثير من أنوار الفجر 00والتفت00 ومع التفاتته شعر بجسم هائل صلب يصطــدم به في قوة 00ولم يسمع أحد أنته الأخيرة 00
    وفي داخل ذلك الشيء تمتم أحدهم : ما كان هذا ؟ وعندما توقف ونزل ليتبين الأمر تمتم وهو يرتجف : لا حول ولا قوة إلا بالله 00كان يرى جسداً نحيلاً بلا حراك 00 غير أنه لم ير بقايا الكثير من الأمنيات والحسرات 0



    :rolleyes: :eek:
     

مشاركة هذه الصفحة