ما بعد صنعاء : ماءٌ بفطرته الأولى ...

الكاتب : مـروان الغفوري   المشاهدات : 580   الردود : 7    ‏2005-06-28
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-06-28
  1. مـروان الغفوري

    مـروان الغفوري أديب و كاتب يمني

    التسجيل :
    ‏2005-06-25
    المشاركات:
    179
    الإعجاب :
    0
    [align=justify]



    سألتِك مرّة أخرى ، و أعلمُ أنّه ما كان لي أولى سوى قلقي الذي أبديه :
    من نحنُ ؟
    .. و هل نحنُوا إذا شئنا ؟ و كم يبقى إذا شاؤا ؟
    فقلتِ : الله ثالثنا ، و لكنّا نكونُ اثنينِ حين يسوقنا ألمٌ إلى " طوبى " ..
    [align=left]فينسانا ، و يخفيها !

    **

    أحبّك ، ليس في الأشعارِ متّسعٌ لأقسمَ ، أو أرى الجدارن صافيةً لتحملَ ، خلسةً ، ما ضلّ من رسمِك !
    أحبّكِ ، لا تجيئي الآن ..
    بي ، ما بين أحزاني و مغرب شالك القدسي ، أقدارٌ تراودني على خوفي ، و أشواقٌ معبّأةٌ ستهدِمني ببابكِ .. إنني ولدٌ غريبُ الخطوِ ، تدركني مساءاتي و تعبُرني ، و لا تدري . و تلسعني صباواتي فأذبلَ في نشيدِ الموتِ منسيّاً بلا وجلٍ ، و مخلوقاً بلا أحزان !
    أحبّك ، هكذا .. ولدٌ يعيثُ بقلبه في البردِ ، يجرحُ شعرَه بالصدقِ رغم الصدق ، يسألُ عن بلادِ الله .. عن مدُنٍ يذوبُ بجوفها الإيمانُ ، و الموتى ..

    لماذا كلّما وافيتُ موعِدنا ، مضمّخةً يدي من طين إنسانٍ قلاهُ الله ، تبتعدين خلف دموعنا ، و أنا .. بلادٌ آنست كفّيك فلّاحاً ليشعل نهره فيها .. ؟

    أمّا ، و اللهِ ، ما كانت سوى صنعاء من نادت على رسمي ، و دسّت فيّ أغنيةً من الحنّاء ..
    أدرِكُ ، دونما فرحٍ ، بأنّ الطين بين أصابعي غسقٌ ، و أنّك لا ترينَ به سوى فقري ..
    و بين الزرعِ و الماء الذي يجري بلا طمرٍ .. هوىً يبكي الهوى فيها !


    ***

    .. و قالت نسوةٌ :


    " تركته دون مكانِها قدراً بلا ألمٍ ، و كان أميرُها الفضيّ منتظراً أمام الباب مزهوّاً بشامته ، يعدّ لأمّها أشجار ضيعته ..
    يقول لها : البلادُ أنا .. ستزهرُ مرّة في العام حين نحطّ في دمها "

    و قالت طفلةٌ مرّت بضيعته :

    ستثمرُ مرّتينِ ، و لكنّ الرياح تمرّ الآن في فمها !

    .. غداً قالت فتاةٌ لا تمرّ بنا :

    سيكبو شاعرٌ من دونما أحدٍ ليحنوَ ، أو يضيع دمٌ ، و تخبو من غدٍ أعوادُه و نرى الغادين لا يجدون في أسمائه
    أملاً يعلّم خوفهم أن السماء تلينُ إن ذبلت قصائدُنا ، و تجفلُ حينما تنمو أمانينا !

    الآن أكتبُ دونما ورقٍ أكرّره على عينيك ،
    لستِ - الآن - شيطاناً ، و ما كنّا ، و لا وجعاً تحنّطه صلاواتي
    و لن أبكي لأجبر قلبكِ المشطور أن يبكي
    - قليلا ً -
    لن أردّ صرير دمعك للذين تحدّثوا عن حظّنا القدسي
    لا وجعٌ سيحمِلني ،
    و لا خوف الذين دهنتُهم ، في البردِ ، بالكافور و الشعرِ الذي كنتيه !
    ما كل الذي أرجوهُ يقصِدني ، و لا أرجوه أن يأتي ...

    سألتِك مرّة أخرى ، و أعلمُ أنّه ما كان لي أولى سوى قلقي الذي أبديه :
    من نحنُ ؟
    .. و كم نحنُوا إذا شئنا ؟ و كم يبقى إذا شاؤا ؟
    فقلتِ : الله ثالثنا ، و لكنّا نكونُ اثنينِ حين يسوقنا ألمٌ إلى " طوبى " ،
    فينسانا ، و يخفيها !

    و كنت ترين صنعاء ، التي تنأى بلا سببٍ ، بلاداً لا يمرّ بصدرها العاري جنودُ اللهِ ،
    أو يرسو بقلب بناتها الشعرُ
    و أنتَ ترين في عينيّ أوتاراً بها موتٌ صغيرُ السنِّ
    تختلجين حين أقولُ :

    " صنعاءُ التي قلبي تعلّمُ صبيةً في الحيّ أن يدعوا السماء تمرّ إن شاءت ،
    و أن لا يتركوا جوعاً بلا دفئٍ ، و لا شبحاً يناديها "!

    و تبتسمين ... تبتسمين حين أقولُ :

    لم نعشقْ بها أحداً سوى الانسانِ
    لم نعرِف ثيابَ بناتِها أبداً ،
    و لم ندرِك ، بفعل براءة الشيطانِ ، شيئاً من معانيها ..

    و حين أقولُ :

    لم نكتب قصائدنا على الجدران إلا بعد أن طالت أيادينا ،
    و مالت من نوافذها عيونُ بناتِها تيها ..
    و حتى جاءنا الشعراءُ ممتلئينَ بالخوفِ الذي يفضي إلى ليلٍ بلا عنوان ..


    .. سندركُ عندما كنا صغار القلبِ أن الفقرَ أغنيةٌ توسّع دهرها ركضاً ،
    و أنّ الحب عاريةٌ تخافُ الليل ، و الموتى
    و ندركُ عندما متنا ، بباب خيامنا الأولى ، بأنّ نساءنا وجعٌ يضلّ ببابِه الانسان !


    ***

    وحيداً ، مثلما جئنا .. بلادي لا ترى وجهي ، و لا أمّي ، و لا أدري أبَعْدَ الموتِ أمنيةٌ يجوزُ لمن رأى عينيك أن يرقى بعيداً كي يلمّ بها !

    و لا أدري ، أتلك بلادنا ، خلفي ، التي شاءت عيونُ نسائها الأولى بأن يردمنَ سرّ الماء ،
    أن يغرقنَ في أحلام يقظته إلى الأحداقِ .. أم حزنٌ صغيرُ السن أطفأها ، و أدخل في يد الشعراء لعنته ..
    أو استلقى على غدِها !
    **

    و أذكرها :

    " تحدّثني عن الأطفال بين أكفّها ينمون ، ثم تعيدُ - مرّاتٍ - حكايتها .. فأقسمُ : يا إلهي .. كيف لا أدري و ما خبّرتني أبداً !

    أهيمُ بقلبها ، يا ناسُ ، أعشق شالها المفرود بين الباب و الشبّاكِ .. أرقُبها إذا فازت بلعبتها تنطّ كأنّ حمائم الرحمن طارت خلف قامتها! "


    و أذكر :

    قلتُ : يا ألله .. هذي الأرض واسعة ، فقسّم همّنا في الخلق كي يرثوك في الأشجار و الماء الذي يغلي بلا سببٍ ..
    فغامت خلف دمعتها !

    و أذكرُ :

    قلتُ يوم غدٍ ستنبتُ لي بلادٌ لا يموت بها الذي يغشاه خالقه يزمّ شفاهه ضجراً من الأسعار ..

    قالت :
    و التي انكسرت لأن الخلق لم يجدوا بها أمّاً ، و لا طفلاً ليحبوَ في قصائدها !؟

    فقلتُ : أنا ..


    مروان الغفوري
    27 / 6 /05
    مجلة جهات



     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-06-30
  3. يمنيةولي الفخر

    يمنيةولي الفخر عضو

    التسجيل :
    ‏2003-08-01
    المشاركات:
    99
    الإعجاب :
    0
    سألتِك مرّة أخرى ، و أعلمُ أنّه ما كان لي أولى سوى قلقي الذي أبديه :
    من نحنُ ؟
    .. و هل نحنُوا إذا شئنا ؟ و كم يبقى إذا شاؤا ؟
    فقلتِ : الله ثالثنا ، و لكنّا نكونُ اثنينِ حين يسوقنا ألمٌ إلى " طوبى " ..
    فينسانا ، و يخفيها !

    **

    أحبّك ، ليس في الأشعارِ متّسعٌ لأقسمَ ، أو أرى الجدارن صافيةً لتحملَ ، خلسةً ، ما ضلّ من رسمِك !
    أحبّكِ ، لا تجيئي الآن ..
    بي ، ما بين أحزاني و مغرب شالك القدسي ، أقدارٌ تراودني على خوفي ، و أشواقٌ معبّأةٌ ستهدِمني ببابكِ .. إنني ولدٌ غريبُ الخطوِ ، تدركني مساءاتي و تعبُرني ، و لا تدري . و تلسعني صباواتي فأذبلَ في نشيدِ الموتِ منسيّاً بلا وجلٍ ، و مخلوقاً بلا أحزان !
    أحبّك ، هكذا .. ولدٌ يعيثُ بقلبه في البردِ ، يجرحُ شعرَه بالصدقِ رغم الصدق ، يسألُ عن بلادِ الله .. عن مدُنٍ يذوبُ بجوفها الإيمانُ ، و الموتى ..

    لماذا كلّما وافيتُ موعِدنا ، مضمّخةً يدي من طين إنسانٍ قلاهُ الله ، تبتعدين خلف دموعنا ، و أنا .. بلادٌ آنست كفّيك فلّاحاً ليشعل نهره فيها .. ؟

    أمّا ، و اللهِ ، ما كانت سوى صنعاء من نادت على رسمي ، و دسّت فيّ أغنيةً من الحنّاء ..
    أدرِكُ ، دونما فرحٍ ، بأنّ الطين بين أصابعي غسقٌ ، و أنّك لا ترينَ به سوى فقري ..
    و بين الزرعِ و الماء الذي يجري بلا طمرٍ .. هوىً يبكي الهوى فيها !


    ***

    .. و قالت نسوةٌ :


    " تركته دون مكانِها قدراً بلا ألمٍ ، و كان أميرُها الفضيّ منتظراً أمام الباب مزهوّاً بشامته ، يعدّ لأمّها أشجار ضيعته ..
    يقول لها : البلادُ أنا .. ستزهرُ مرّة في العام حين نحطّ في دمها "

    و قالت طفلةٌ مرّت بضيعته :

    ستثمرُ مرّتينِ ، و لكنّ الرياح تمرّ الآن في فمها

    .. غداً قالت فتاةٌ لا تمرّ بنا :

    سيكبو شاعرٌ من دونما أحدٍ ليحنوَ ، أو يضيع دمٌ ، و تخبو من غدٍ أعوادُه و نرى الغادين لا يجدون في أسمائه
    أملاً يعلّم خوفهم أن السماء تلينُ إن ذبلت قصائدُنا ، و تجفلُ حينما تنمو أمانينا !

    الآن أكتبُ دونما ورقٍ أكرّره على عينيك ،
    لستِ - الآن - شيطاناً ، و ما كنّا ، و لا وجعاً تحنّطه صلاواتي
    و لن أبكي لأجبر قلبكِ المشطور أن يبكي
    - قليلا ً -
    لن أردّ صرير دمعك للذين تحدّثوا عن حظّنا القدسي
    لا وجعٌ سيحمِلني ،
    و لا خوف الذين دهنتُهم ، في البردِ ، بالكافور و الشعرِ الذي كنتيه !
    ما كل الذي أرجوهُ يقصِدني ، و لا أرجوه أن يأتي ...

    سألتِك مرّة أخرى ، و أعلمُ أنّه ما كان لي أولى سوى قلقي الذي أبديه :
    من نحنُ ؟
    .. و كم نحنُوا إذا شئنا ؟ و كم يبقى إذا شاؤا ؟
    فقلتِ : الله ثالثنا ، و لكنّا نكونُ اثنينِ حين يسوقنا ألمٌ إلى " طوبى " ،
    فينسانا ، و يخفيها !

    و كنت ترين صنعاء ، التي تنأى بلا سببٍ ، بلاداً لا يمرّ بصدرها العاري جنودُ اللهِ ،
    أو يرسو بقلب بناتها الشعرُ
    و أنتَ ترين في عينيّ أوتاراً بها موتٌ صغيرُ السنِّ
    تختلجين حين أقولُ :

    " صنعاءُ التي قلبي تعلّمُ صبيةً في الحيّ أن يدعوا السماء تمرّ إن شاءت ،
    و أن لا يتركوا جوعاً بلا دفئٍ ، و لا شبحاً يناديها "!

    و تبتسمين ... تبتسمين حين أقولُ :

    لم نعشقْ بها أحداً سوى الانسانِ
    لم نعرِف ثيابَ بناتِها أبداً ،
    و لم ندرِك ، بفعل براءة الشيطانِ ، شيئاً من معانيها ..

    و حين أقولُ :

    لم نكتب قصائدنا على الجدران إلا بعد أن طالت أيادينا ،
    و مالت من نوافذها عيونُ بناتِها تيها ..
    و حتى جاءنا الشعراءُ ممتلئينَ بالخوفِ الذي يفضي إلى ليلٍ بلا عنوان ..


    .. سندركُ عندما كنا صغار القلبِ أن الفقرَ أغنيةٌ توسّع دهرها ركضاً ،
    و أنّ الحب عاريةٌ تخافُ الليل ، و الموتى
    و ندركُ عندما متنا ، بباب خيامنا الأولى ، بأنّ نساءنا وجعٌ يضلّ ببابِه الانسان !


    ***

    وحيداً ، مثلما جئنا .. بلادي لا ترى وجهي ، و لا أمّي ، و لا أدري أبَعْدَ الموتِ أمنيةٌ يجوزُ لمن رأى عينيك أن يرقى بعيداً كي يلمّ بها !

    و لا أدري ، أتلك بلادنا ، خلفي ، التي شاءت عيونُ نسائها الأولى بأن يردمنَ سرّ الماء ،
    أن يغرقنَ في أحلام يقظته إلى الأحداقِ .. أم حزنٌ صغيرُ السن أطفأها ، و أدخل في يد الشعراء لعنته ..
    أو استلقى على غدِها
    **

    و أذكرها :

    " تحدّثني عن الأطفال بين أكفّها ينمون ، ثم تعيدُ - مرّاتٍ - حكايتها .. فأقسمُ : يا إلهي .. كيف لا أدري و ما خبّرتني أبداً !

    أهيمُ بقلبها ، يا ناسُ ، أعشق شالها المفرود بين الباب و الشبّاكِ .. أرقُبها إذا فازت بلعبتها تنطّ كأنّ حمائم الرحمن طارت خلف قامتها! "


    و أذكر :

    قلتُ : يا ألله .. هذي الأرض واسعة ، فقسّم همّنا في الخلق كي يرثوك في الأشجار و الماء الذي يغلي بلا سببٍ ..
    فغامت خلف دمعتها !

    و أذكرُ :

    قلتُ يوم غدٍ ستنبتُ لي بلادٌ لا يموت بها الذي يغشاه خالقه يزمّ شفاهه ضجراً من الأسعار ..

    قالت :
    و التي انكسرت لأن الخلق لم يجدوا بها أمّاً ، و لا طفلاً ليحبوَ في قصائدها !؟

    فقلتُ : أنا ..





    رائعة هي القصيدة ..
    عشنا مع كل كلمة فيها ..
    و ما زلنا نعيش معها .. لتأخذنا إلى صنعاء ...
    و تنسينا مشقة الأسفار فيها ..
    ..
    يعجر القلم عن وصف الشعور مع هذه القصيدة ..
    و تستحق قراءتها مرارا ..
    جزاك الله خيرا
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-06-30
  5. يمنيةولي الفخر

    يمنيةولي الفخر عضو

    التسجيل :
    ‏2003-08-01
    المشاركات:
    99
    الإعجاب :
    0
    سألتِك مرّة أخرى ، و أعلمُ أنّه ما كان لي أولى سوى قلقي الذي أبديه :
    من نحنُ ؟
    .. و هل نحنُوا إذا شئنا ؟ و كم يبقى إذا شاؤا ؟
    فقلتِ : الله ثالثنا ، و لكنّا نكونُ اثنينِ حين يسوقنا ألمٌ إلى " طوبى " ..
    فينسانا ، و يخفيها !

    **

    أحبّك ، ليس في الأشعارِ متّسعٌ لأقسمَ ، أو أرى الجدارن صافيةً لتحملَ ، خلسةً ، ما ضلّ من رسمِك !
    أحبّكِ ، لا تجيئي الآن ..
    بي ، ما بين أحزاني و مغرب شالك القدسي ، أقدارٌ تراودني على خوفي ، و أشواقٌ معبّأةٌ ستهدِمني ببابكِ .. إنني ولدٌ غريبُ الخطوِ ، تدركني مساءاتي و تعبُرني ، و لا تدري . و تلسعني صباواتي فأذبلَ في نشيدِ الموتِ منسيّاً بلا وجلٍ ، و مخلوقاً بلا أحزان !
    أحبّك ، هكذا .. ولدٌ يعيثُ بقلبه في البردِ ، يجرحُ شعرَه بالصدقِ رغم الصدق ، يسألُ عن بلادِ الله .. عن مدُنٍ يذوبُ بجوفها الإيمانُ ، و الموتى ..

    لماذا كلّما وافيتُ موعِدنا ، مضمّخةً يدي من طين إنسانٍ قلاهُ الله ، تبتعدين خلف دموعنا ، و أنا .. بلادٌ آنست كفّيك فلّاحاً ليشعل نهره فيها .. ؟

    أمّا ، و اللهِ ، ما كانت سوى صنعاء من نادت على رسمي ، و دسّت فيّ أغنيةً من الحنّاء ..
    أدرِكُ ، دونما فرحٍ ، بأنّ الطين بين أصابعي غسقٌ ، و أنّك لا ترينَ به سوى فقري ..
    و بين الزرعِ و الماء الذي يجري بلا طمرٍ .. هوىً يبكي الهوى فيها !


    ***

    .. و قالت نسوةٌ :


    " تركته دون مكانِها قدراً بلا ألمٍ ، و كان أميرُها الفضيّ منتظراً أمام الباب مزهوّاً بشامته ، يعدّ لأمّها أشجار ضيعته ..
    يقول لها : البلادُ أنا .. ستزهرُ مرّة في العام حين نحطّ في دمها "

    و قالت طفلةٌ مرّت بضيعته :

    ستثمرُ مرّتينِ ، و لكنّ الرياح تمرّ الآن في فمها

    .. غداً قالت فتاةٌ لا تمرّ بنا :

    سيكبو شاعرٌ من دونما أحدٍ ليحنوَ ، أو يضيع دمٌ ، و تخبو من غدٍ أعوادُه و نرى الغادين لا يجدون في أسمائه
    أملاً يعلّم خوفهم أن السماء تلينُ إن ذبلت قصائدُنا ، و تجفلُ حينما تنمو أمانينا !

    الآن أكتبُ دونما ورقٍ أكرّره على عينيك ،
    لستِ - الآن - شيطاناً ، و ما كنّا ، و لا وجعاً تحنّطه صلاواتي
    و لن أبكي لأجبر قلبكِ المشطور أن يبكي
    - قليلا ً -
    لن أردّ صرير دمعك للذين تحدّثوا عن حظّنا القدسي
    لا وجعٌ سيحمِلني ،
    و لا خوف الذين دهنتُهم ، في البردِ ، بالكافور و الشعرِ الذي كنتيه !
    ما كل الذي أرجوهُ يقصِدني ، و لا أرجوه أن يأتي ...

    سألتِك مرّة أخرى ، و أعلمُ أنّه ما كان لي أولى سوى قلقي الذي أبديه :
    من نحنُ ؟
    .. و كم نحنُوا إذا شئنا ؟ و كم يبقى إذا شاؤا ؟
    فقلتِ : الله ثالثنا ، و لكنّا نكونُ اثنينِ حين يسوقنا ألمٌ إلى " طوبى " ،
    فينسانا ، و يخفيها !

    و كنت ترين صنعاء ، التي تنأى بلا سببٍ ، بلاداً لا يمرّ بصدرها العاري جنودُ اللهِ ،
    أو يرسو بقلب بناتها الشعرُ
    و أنتَ ترين في عينيّ أوتاراً بها موتٌ صغيرُ السنِّ
    تختلجين حين أقولُ :

    " صنعاءُ التي قلبي تعلّمُ صبيةً في الحيّ أن يدعوا السماء تمرّ إن شاءت ،
    و أن لا يتركوا جوعاً بلا دفئٍ ، و لا شبحاً يناديها "!

    و تبتسمين ... تبتسمين حين أقولُ :

    لم نعشقْ بها أحداً سوى الانسانِ
    لم نعرِف ثيابَ بناتِها أبداً ،
    و لم ندرِك ، بفعل براءة الشيطانِ ، شيئاً من معانيها ..

    و حين أقولُ :

    لم نكتب قصائدنا على الجدران إلا بعد أن طالت أيادينا ،
    و مالت من نوافذها عيونُ بناتِها تيها ..
    و حتى جاءنا الشعراءُ ممتلئينَ بالخوفِ الذي يفضي إلى ليلٍ بلا عنوان ..


    .. سندركُ عندما كنا صغار القلبِ أن الفقرَ أغنيةٌ توسّع دهرها ركضاً ،
    و أنّ الحب عاريةٌ تخافُ الليل ، و الموتى
    و ندركُ عندما متنا ، بباب خيامنا الأولى ، بأنّ نساءنا وجعٌ يضلّ ببابِه الانسان !


    ***

    وحيداً ، مثلما جئنا .. بلادي لا ترى وجهي ، و لا أمّي ، و لا أدري أبَعْدَ الموتِ أمنيةٌ يجوزُ لمن رأى عينيك أن يرقى بعيداً كي يلمّ بها !

    و لا أدري ، أتلك بلادنا ، خلفي ، التي شاءت عيونُ نسائها الأولى بأن يردمنَ سرّ الماء ،
    أن يغرقنَ في أحلام يقظته إلى الأحداقِ .. أم حزنٌ صغيرُ السن أطفأها ، و أدخل في يد الشعراء لعنته ..
    أو استلقى على غدِها
    **

    و أذكرها :

    " تحدّثني عن الأطفال بين أكفّها ينمون ، ثم تعيدُ - مرّاتٍ - حكايتها .. فأقسمُ : يا إلهي .. كيف لا أدري و ما خبّرتني أبداً !

    أهيمُ بقلبها ، يا ناسُ ، أعشق شالها المفرود بين الباب و الشبّاكِ .. أرقُبها إذا فازت بلعبتها تنطّ كأنّ حمائم الرحمن طارت خلف قامتها! "


    و أذكر :

    قلتُ : يا ألله .. هذي الأرض واسعة ، فقسّم همّنا في الخلق كي يرثوك في الأشجار و الماء الذي يغلي بلا سببٍ ..
    فغامت خلف دمعتها !

    و أذكرُ :

    قلتُ يوم غدٍ ستنبتُ لي بلادٌ لا يموت بها الذي يغشاه خالقه يزمّ شفاهه ضجراً من الأسعار ..

    قالت :
    و التي انكسرت لأن الخلق لم يجدوا بها أمّاً ، و لا طفلاً ليحبوَ في قصائدها !؟

    فقلتُ : أنا ..





    رائعة هي القصيدة ..
    عشنا مع كل كلمة فيها ..
    و ما زلنا نعيش معها .. لتأخذنا إلى صنعاء ...
    و تنسينا مشقة الأسفار فيها ..
    ..
    يعجر القلم عن وصف الشعور مع هذه القصيدة ..
    و تستحق قراءتها مرارا ..
    جزاك الله خيرا
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-06-30
  7. esmaeel

    esmaeel عضو

    التسجيل :
    ‏2005-02-19
    المشاركات:
    93
    الإعجاب :
    0
    يا ابن الغفوري

    حروفك ناسك صوفي وانا على باب قبره اتوسل !!

    دام نزفك ايها السااااااامق امطر علينا ...

    محبتي
    اسماعيل مهدي
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-07-01
  9. أحمد الجبري

    أحمد الجبري عضو

    التسجيل :
    ‏2004-10-22
    المشاركات:
    135
    الإعجاب :
    0
    مروان !!
    سحب الحب قطعا لا تمر بلا شعر
    ولسحب الشعر مطر بلون الحب

    أحب ألوانك المتجدد ة
    أحمد الجبري
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-07-17
  11. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    الحبيب / مروان ..

    سيظل الله معكما وإن ساقكما الألم إلى ( طوبى )

    ويظل قلمك الأنيق يغدقنا بجماله البهي

    وستبقى صنعاء ملهمته القادرة على جعله فارسا لا يبارى ..

    لك الحب أيها الفاره .
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-07-24
  13. مـروان الغفوري

    مـروان الغفوري أديب و كاتب يمني

    التسجيل :
    ‏2005-06-25
    المشاركات:
    179
    الإعجاب :
    0
    الذين نحبّهم ..


    - يمنية و لنا الفخر .. سررتُ بتواجدك .


    - أحمد الجبري .. معلمٌ أحملُه في نصوصي .


    - جباري .. هذا الذي يدخلُ القلب عنوة .

    - اسماعيل .. حين يمر اسمُك بعيني شاعر فليس له إلا أن يحمد الله .


    مروان .
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-07-26
  15. محمد سقاف

    محمد سقاف عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2002-05-26
    المشاركات:
    1,451
    الإعجاب :
    0
    مَروانَ ..
    آهٍ يا مَروانْ ..

    لكمْ تورقني حروفك يا سيّدي ..
     

مشاركة هذه الصفحة