مصارع العشاق

الكاتب : علي المآربي   المشاهدات : 769   الردود : 1    ‏2005-06-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-06-17
  1. علي المآربي

    علي المآربي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-10
    المشاركات:
    5,835
    الإعجاب :
    0
    مصارع العشاق


    الشيخ الدكتور عائض بن عبدالله القرني

    مقدمة

    من هو الله ؟

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام علي أشرف الأنبياء المرسلين نبينا محمد واله وصحبه أجمعين .

    يا من يرى مد البعوض جناها *** في ظلمة الليل البهيم الأليل
    ويرى نياط عروقها في مخها *** والمخ في تلك العظام النحل
    اغفر لعبد تاب من زلاته *** ما كان منه في الزمان الأول

    يقول الله لموسى ، عليه السلام ، وهو يرسله للطاغية فرعون الملحد يقول له ، ويثبته على العقيدة الصحيحة ، قبل أن يقوم بمهام الدعوة : ( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ) (طه: من الآية14) . فهذا تعريف الله عند أهل السنة والجماعة ، وهذا أحسن تعريف لصاحب النعم تبارك وتعالى ، وهذه هي أحسن الصفات أن تسميه : الله الذي لا إله إلا هو .
    * سيبويه صاحب أعظم كتاب في النحو رؤي في المنام ، فقالوا : ماذا فعل الله بك ؟ قال : غفر لي وأدخلني الجنة .
    قالوا : بماذا ؟
    قال : لما وصلت إلى باب : الله لفظ الجلالة ، قلت : هو أعرف المعارف ، لا يعرف ( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّ ) (مريم: من الآية65) .
    * في قوله سبحانه وتعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21) قد سئل أبو حنيفة رحمة الله من الملاحدة والزنادقة ، عن دليل قدرة الباري ، جل وعلا .
    فقال أبو حنيفة لهم : سفينة تجوب عباب البحر ، بلا ربان ، وبلا قائد في بحر دجلة .
    فقالوا : هذا لا يكون أبداً ، يا أبا حنيفة .
    قال : سبحانه الله ! ليل داج ، وسماء ذات أبراج ، وبحر يزجر ، ونجوم تزهر ، ألا تدل على السميع البصير .
    وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد
    فيا عجباً كيف يعصى الإله **** أم كيف يجحده الجاحد
    أما سألت الزهرة من أنبتها وجملها ؟
    أما سألت الليل من كساه وأعطاه ؟
    أما سألت من رفع السماء وبسط الأرض ؟
    أننا جميعاً أو معظمنا نعيش ركوداً فكرياً عن التدبر في الكائنات ، قد أركدتنا أصوات الآلات ، وهدير المصانع ، والمشروبات ، والملبوسات ، والمطعومات .
    * قيل للإمام أحمد : ما دليل القدرة ؟
    قال : سبحانه الله ! بيضة الدجاجة ، أما سطحها : ففضة بيضاء ، وأما باطنها : فذهب أبريز ، تفقس فيخرج منها حيوان سميع بصير .
    وقال هارون الرشيد للإمام مالك : ما دليل القدرة ؟
    قال : سبحان الله ، اختلاف الأصوات ، وتعدد النغمات ، وتباين اللهجات .
    * قالوا لابن الراوندي الزنديق : اكتب كتاباً في تفسير القرآن .
    قال : بل أكتب كتاباً ، أرد به على القرآن ، وأدمغ به القرآن !
    فدمغه الله على أم رأسه : ( وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ) (فصلت: من الآية16) .
    وأتى أبو العلاء المعري ، أعمى القلب والبصر ، يعترض على الشريعة يخاطب رب العزة ويقول :
    يد بخمس مئين عسجدٍ وديت *** ما بالها قطعت في ربع دينار
    تناقض مالنا إلا السكوت عليه *** ونستعيذ بمولانا من النار
    يقول : ما بال اليد اليمنى إذا قطعت وديت بخمسمائة دينار ذهب ؟ وهي تقطع إذا سرقت ربع دينار ؟
    فنقول له ولأمثاله : يا عدو الله ، هذا شرع الله ودينه ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50) فما كان لأعمى القلب والبصر أن يعترض عليه . ولكن .. قد رد على هذا الأعمى كثير من أهل السنة ، وبينوا الحكمة في هذا الحكم الإلهي .
    يقول أحدهم :
    عز الأمانة أغلاها وأرخصها *** ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
    ويقول عبد الوهاب المالكي :
    قل للمعري عار أيما عار *** جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عاري
    لا تقدحن بنود الشرع عن شبه *** فشرائع الدين لا تقدح بأشعار
    * أعرابي يصلي في الصحراء ، مر به زنديق ملحد ، فقال له لمن تصلي ؟
    قال : اصلي لربي .
    قال : هل رأيته ؟ قال سبحان الله ، البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير ، وسماء ذات أبراج ، وليل داج ، ونجوم تزهر ، ألا تدل على السميع البصير ؟ فهبت الذي كفر .
    * قال ابن كثير : رؤي أبو نواس في المنام ، فقالوا له : ما فعل الله بك ؟ قال غفر لي .
    قالوا : ماذا ؟
    قال : بقصيدتي في النرجسة التي يقول فيها :
    تأمل في نبات الأرض وانظر *** إلى آثار ما صنع المليك
    عيون من لجين شاخصات *** بأحداق هي الذهب السبيك
    على كثب الزبرجد شاهدات *** بأن الله ليس له شريك

    * في الحديث أن أنس بن مالك قال : كنا جلوساً مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في المسجد بعد صلاة العصر ، فدخل أعرابي ، قائلاً : أين ابن عبد المطلب ؟
    قالوا : هو ذاك الرجل الأبيض الأمهق المرتفق .
    فدخل ، فوقف على رأس المصطفى ، عليه الصلاة والسلام ، وقال : يا محمد .
    قال : ( قد أجبتك ) .
    قال : أني سائلك ، فمشدد عليك في المسألة .
    قال : ( سل ما بدا لك ) .
    قال الأعرابي : من رفع السماء ؟ وكان ( صلى الله عليه وسلم ) متكئاً ، فقال : ( الله ) .
    قال الأعرابي : ومن بسط الأرض ؟ قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( الله ) .
    قال الأعرابي : ومن نصب الجبال ؟ قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( الله ) .
    قال الأعرابي : أسألك بالذي رفع السماء ، وبسط الأرض ، ونصب الجبال آلله أرسلك إلينا رسولاً ؟ فاحمر وجهه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وتربع ، وقال : ( اللهم نعم ) .
    قال الأعرابي : أسألك بمن رفع السماء ، وبسط الأرض ، ونصب الجبال ، آلله أمرك بأن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة . قال : ( اللهم نعم ) .
    وأخذ يسأله ، حتى انتهى من أركان الإسلام ، ثم قال في الأخير : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص ، أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر .. ثم ولى !
    فالتفت عليه الصلاة والسلام إلى أصحابه يتبسم ويقول : ( من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ) (1) .
    * عمير بن الحمام رضي الله عنه ،خرج مجاهداً في سبيل الله ، وترك أهله، وماله وأولاده وكل ما يملك .
    فسمع الرسول (صلى الله عليه وسلم ) وهو يقول في المعركة : ( يأهل بدر ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء ) .
    فيقول عمير بن الحمام : يا رسول الله ، ما بيننا وبين الجنة إلا أن يقتلنا هؤلاء ؟
    قال (صلى الله عليه وسلم ) : ( إي والذي نفسي بيده ) .
    فأخذ تمرات كانت بيده ، وألقاها ، وقال : والله ، إنها لحياة طويلة ، وإذا بقيت كي آكل هذه التمرات ! ثم كسر غمد سيفه على ركبته ، بالسيف مسلولاً وهو يقول : اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى (2) .
    من ذا الذي السيوف ليرفع *** أسمك فوق هامات النجوم منارا
    كنا جبالاً في الجبال وربما *** سرنا على موج البحار بحارا
    بمعابد الإفرنج كان أذننا *** قبل الكتائب يفتح الأمصارا
    لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها *** سجداتنا والأرض تقذف نارا
    وكأن ظل السيف ظل حديقة *** خضراء تنبت حولنا الأزهارا
    أرواحنا يا رب فوق أكفنا *** نرجو ثوابك مغنماً وجوارا

    * وقف عقبة بن نافع بفرسه على المحيط الأطلنطي ، قال : والله الذي لا إله إلا هو ، لو أعلم أن وراءك ، يا بحر ، أرضاً لخضتك حتى أصل إليها ، لأرفع لا إله إلا الله محمد رسول الله .
    * سليمان بن مهران ، الأعمش ، لما حضرته الوفاة ، بكى أطفاله قال : أبكوا أو لا تبكوا ، والله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الجماعة ستين سنة ، فبيض الله وجهه ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوه) (آل عمران : من الآية106) .
    ألا لا أحب السير إلا مصعدا *** ولا البرق إلا أن يكون يمانيا
    وهذا سعد بن المسيب ، حضرته الوفاة ، فبكت ابنته ، قال : يا بنتي لا تبكي ، فو الله ما أذن المؤذن من أربعين سنة إلا وأنا في مسجده ، عليه الصلاة والسلام .
    * رفع عمار بن ثابت بن الزبير يديه بعد صلاة الفجر ، وقال : يا رب أسألك الميتة الحسنة ، فقال أبناؤه : ما هي الميتة الحسنة ؟ قال : أن يتوفاني ربي وأنا ساجد .
    فحضرته سكرات الموت ، وقد صدق الله ، فصدقه ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69) ، فقبضت روحه ، وهو في السجدة الأخيرة في صلاة المغرب !
    * يقول الذهبي : أن عبد الملك بن مروان لما حضرته الوفاة قال : أنزلوني من على سريري ، فأنزلوه ، فسمع بجانب القصر غسالاً يتغنى .
    فقال : يا ليتني كنت غسالاً ! يا ليتني ما توليت الخلافة !
    قال ابن المسيب لما سمع ذلك : الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الموت ، ولا نفر إليهم .
    * قالوا أن بعض الصالحين كان نجاراً ، فإذا سمع الصلاة وكان رافعاً المطرقة ألقاها قبل أن ينولها وقام إلى الصلاة .
    وصح عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) إذا سمع الأذان قام كأنا لا نعرفه ولا يعرفنا .
    وقال وهو في سكرات الموت ( الصلاة الصَلاة ) (3) وقال عمر بن الخطاب ، ( لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ) (4) .
    وإذا كان مهتماً أو مغتماً يقول : ( أرحنا بالصلاة يا بلال ) (5) .
    وقل لبلال العزم من قلب صادق *** أرحنا بها إن كنت حقاً مصلياً
    توضأ بماء التوبة اليوم مخلصا ً **** به تلقى أبواب الجنان الثمانيا
    * شاب من الجزائر ، البلد المسلم ، أصيب في حادث تصادم ، فأغمى عليه أربعة أيام ، فظل يكرر الفاتحة حتى مات .
    مات عليها ؛ لأنه عاش عليها .
    ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) (إبراهيم:27) .
    * ذكر أهل العلم أن الإمام أحمد كان يصلي غير الفرائض ثلاثمائة ركعة ‍ فمن مثله منا ؟ اللهم لا تؤخذنا بتقصيرنا .
    * الخشوع في الصلاة ، هو : أن تدخل الصلاة ، وأنت متيقن بأنه لا أعظم ولا أجل من الله ، وأن ترسل أشواقك إلى الحي القيوم ، وأن تصلي وكأنك ترى الحي القيوم ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
    * قالوا لأحد الصالحين : هل تتذكر أحداً وأنت في صلاتك ؟ قال : والله لو اختلفت الأسنة وراء ظهري ، ما تذكرت إلا الله .
    قالوا عن أبي بكر الصديق : أنه كان إذا قام ليصلي كأنه الظل الذي لا يزول ، تأتي الطيور فتقف على رأسه من خشوعه .. فأين نحن من هذا الجيل ؟
    نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم *** والحرب تسقي الأرض دماً أحمرا
    جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا *** في مسمع الروح الأمين فكبرا

    * قال الرسول عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن مسعود : ( اقرأ على القرآن ) .
    قال : أقرأ عليك وعليك أنزل .
    قال : ( أقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري ) .
    فبدأ ابن مسعود يقرأ في سورة النساء حتى بلغ إلى قوله تعالى : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) (النساء:41) .
    قال عليه الصلاة والسلام : ( حسبك الآن ) .
    قال : فنظرت فإذا عيناه تذرفان (6) .

    من الآثار المترتبة على ترك الصلاة :
    1- المقت والغضب من الله ن والكفر لمن تركها ، فقد صح عنه (صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر ) (7) .وصح عنه أنه قال : ( بين المسلم والكافر ترك الصلاة ) (8) .
    2- البغضاء والبعد بينه وبين الخلق ، فإن أبعد الناس إلى الناس : أبعدهم عن رب الناس تبارك وتعالى .
    3- قسوة القلب ، وضيق الصدر ، وسواد الوجه ، وظلمة القلب ، وضيق الرزق واللعنة ، والشؤم ، وكل مصيبة في الدنيا والآخرة .
    4- انقطاع الحبل بين العبد وربه الحي القيوم ، وعدم الولاية .

    * يقول الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي في منظومته :
    خذ واضح الحل ودع ما أشتبه *** مخافة المحذور يا من فقه
    وازهد في دنياك وأقصر الأمل *** واجعل لوجه الله إجماع العمل
    وزهرة الدنيا بها لا تفتتن *** ولا تغرنك وكن ممن فطن
    تالله لو علمت ما وراءكا *** لما ضحكت ولأكثرت البكا


    إلى أن يقول :
    والموت فاذكره وما وراءه *** فمنه ما لأحد براءه
    وإنه للفيصل الذي به *** ينكشف الحال فلا يشتبه
    والقبر روضة من الجنان *** أو حفرة من حفر النيران
    إن يك خيراً فالذي بعده *** أفضل عند ربنا لعبده
    وإن يك شراً فما بعد أشد *** ويل لعبد عن سبيل صد
    هذه الكلمات كالمقدمة لكتابي هذا ( مصارع العشاق ) وسيظهر بعد قليل ، من هم العشاق ، ومن عشقوا ، ولماذا عشقوا ، فإن ذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم وأسأل الله تعالى أن ينتفع بها من كتبها وقرأها وساهم في نشرها ، أنه ولي ذلك والقادر عليه .
    والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

    وكتب
    د. عائض القرني


    مصارع العشاق

    الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ، وبعد .
    فهذه بنات فكر ضمرت مرائرها ، وسرحت ضفائرها ، سموها ما شئتم : مقامات أدبية ، أو صولات خطابية ، إلياذة أو ملحمة ، المهم أنني آمن بأفكارها ، وتبطنت أسرارها ، جعلت عنوانها ( مصارع العشاق ) . فإن كنتم منهم حصل الاتفاق ، وإلا فالسماع يكفي ، والقراءة تشفي .
    * نحن أمة تسال عن دم البعوضة ، وتهريق دم الحسين !!
    لبست قمص المثنى بن حارثة ، وفي يدها حربة بابك الخرمي .
    * حج محمد ، عليه الصلاة والسلام ، ليقول للحجاج : ( أنا كأفقركم ! ) ففهمها الفطناء ، لكن أبا جهل ما حضر الموقف ..!
    * عرب بلا عمر .. وأكراد بلا صلاح الدين .. وترك بلا فاتح .. وأفارقة بلا بلال .. لا قيمة لهم .
    * جسم الأمة كله جراح يوم عرفة : جؤار البوسنة والهرسك أخجل أهل الموقف ، وخلاف الأفغان أزعج المحرمين ، وضياع بيت المقدس نكس رؤوسنا عند الصخرات .
    * من لم تنفعه عينه ، لم تنفعه أذنه .. ونحن كذبنا ما سمعناه بآذاننا ، وقد رأيناه بعيوننا .
    لقد نصحتك عينك في نهار من التبيانِ حتى سال ماها
    * حج عمر فأنفق عشرين درهماً ، وقد ختم بالرق على عنق كسرى وقيصر ، وقد حججنا ندوس الحرير ونستخشن الديباج ، ونحن نسبح للرق في أدبار الصلوات !!
    أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى رجال الحي غير رجالها
    * صحن طعامنا مكسور ؛ لأنه ما صنع في المدينة ، وخيمتنا ممزقة ؛ لأن أطنابها مستورة ، ونسينا ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) (النساء: من الآية65).
    * نحن ثلاثة حجاج ضاع رابعنا !
    حاج في عرفة ، وما له في البنك الربوي ، وحاج في مزدلفة ، ولكنه بات مع نغمة ووتر ، وحاج رمى الجمرات ، وأشعل في قلوبنا الجمرات ، والرابع أشعث أغبر ، رفعت دموعه إلى العرش .
    لا تسل عن خلدي قد ضاع مني عدني في زحمتي أو عد عني
    * عشق بلال الجنة ، فأمهرها ركعتين مع كل وضوء ، فسمع صاحب العقد دفي نعليه باب المخطوبة ، فعرف أن ليلة العرس حانت :
    ألم ترى أني كلما زرت زينباً وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
    وقصر بلال تلوح عليه أحرف : (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الزخرف:72) .
    وعشق أبو جهل النار فصعبت عليه لا إله إلا الله ؛ لأن نافخ الكير تزكمه نفحة المسك .
    قيل لأبي جهل : قد أقام بلال الصلاة ، فصل وراء الإمام ، فقال لست على وضوء ، فمات قبل أن يصلي .
    قيل لأبي جهل : لماذا تدخل النار ؟ قال : لني عاشق !
    لا تلمني في هواها والجوى فأنا من لومكم في صمم
    صاح في وجه أبي جهل لسان القدر : ( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (فصلت:19) .

    * أبو مسلم الخراساني .
    عشق الإمارة حتى الثمالة ، فعاش من أجلها وهاش ، وسكر من حبها وطاش ، وبقر بطون المساكين بالخنجر ، فبقر بطنه أبو جعفر (9):
    كل بطاح من الناس له يوم بطوح
    تعلق بغير الله فعلقه أقرب الناس إليه من قدميه ( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام:129) .
    أبعين مفتقر إليك نظرت لي *** فأهنتني وقذفتني من حالقي
    لست الملوم أنا الملوم لأنني *** علقت آمالي بغير الخالق
    جعل الرياسة تميمة في عنقه، وقد قال المعصوم ، عليه الصلاة والسلام :( من علق تميمة فقد أشرك ) (10).
    عشق أبو مسلم الخراساني المنصب فما تراجع عنه ، والتراجع حرام عند العاشقين .
    * مات الجعد بن درهم في حب البدعة ، فما أحس للذبح في هوى المحبوب ألماً ، فلماذا يألم أهل السنة من الذبح في حب السنة ، والله يقول :( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ ) (النساء: من الآية104) .
    سقيناهموا كأساً سقونا بمثلها *** ولكننا كنا على الموت أصبرا
    خرج خالد القسري على الجعد بن درهم بالسكين ، فما تاب المسكين ؛ لأنه عاشق ، والعاشق يقول :
    والله لو قطعوا رأسي لأهجرها *** لسار نحو هواها في الحمى راسي
    الجعد بن درهم : ممن زين له سوء عمله فرآه حسناً .
    صاح النذير لأبطال السنة بلسان : ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ )(آل عمران: من الآية140) فما أحسوا لمس حسا !
    * تحدى أحمد بن حنبل الدنيا في حب مبدئه الحق ، فتكسرت السياط على البساط ، وأبو عبد الله يضحك في وجوه المنايا ، والوحي يهتف به : ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ) (الفرقان: من الآية58) . ليعلم أحمد أن : المتوكل سوف يتولى ، والمعتصم يموت .
    * في قاموس أحمد بن حنبل : حديث قدسي : ( وعزتي وجلالي ما اعتصم بي أحد فكادت له السماوات والأرض إلا جعلت له من بينها فرجاً ومخرجاً ) .
    أراد أهل البدعة أن يصرفوه عن الحق فما انصرف ، لأن أحمد ممنوع من الصرف !
    عجباً كيف شربت الموت شربا *** وجعلت السيف للعلياء دربا
    عجباً كيف تحديت الملا *** وسقيت الرمح حتى صب صبا
    كنا أطفالاً نسمع بأحمد بن حنبل ، فحسبناه مفتياً في الزوايا ، فلما كبرنا علمنا أنه معلم جيل ، وشيخ حياة .
    * عشق الدماء الحجاج بن يوسف .. كما عشقت امرأة العزيز يوسف ! فجرد السيف على الملة ، فشقي بسعيد ، وكسر بابن جبير منارة الدين .
    الرجل محنط في الدماء فما سمع من سكاره : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء:93) .
    * أحد الفنانين رقص على نغمة :
    أخبروها إذا أتيتم حماها *** أنني ذبت في الغرام فداها
    وتراقصت أطراف جعفر الطيار على زمجرة :
    يا حبذا الجنة واقترابها *** طيبة وبارد شرابها
    طارت روح جعفر إلى الجنة ، فأعطاه مولاه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء ، والذي يطير أعظم ممن يسير .
    نطير إليك من شوق الحشايا *** وبعض الناس نحوكم يسير
    * حمل أبو بكر الصديق الصدق فصار في قافلة : ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) (الزمر: من الآية33 ) فسمي الصديق ، فلا يعرفه العالم إلا ( بالصديق ) وصار خليفة الصادق المصدوق .
    وحمل مسيلمة الكذاب رداء الكذب ، فهو زنزانة ( أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود: من الآية18) فلا يعرف مسيلمة إلا ( بالكذاب ) .
    أراد خالد بن الوليد أن يداوي مسيلمة الكذاب من الكذب ، فما نجع الدواء ، فقطع رأسه ، ليزول الألم بالكلية !!
    عشاق الصدق كثير يموتون من أجله ، وعشاق الكذب أكثر يقتلون تحت نعليه !
    * جرحت أصبع رسولنا ( صلى الله عليه وسلم ، فسال الدم الطاهر فقال :
    ( هل أنت إصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت ) (11)
    لأن من قرب روحه للرحمن ، لا يحزن على إصبعه ، ومن انتظر أن يسيل دم ظهره ، لا يبكي على دم ظفره .
    * حرام بن ملحان طعن بالرمح من قفاه ، فأخذ من دم صدره ، ورش القاتل وهو يقول : فزت ورب الكعبة ! شهد له دمه أنه محب وأقام دليل المحبة ، فسلوا رمح القاتل .. ( فالبينة على المدعي واليمين على من أنكر ) .
    يأتي حرام بن ملحان يوم القيامة ، وكلمه يدمي ، الريح ريح المسك ، واللون لون الدم .
    تفوح أرواح نجد من ثيابهم *** عند القدوم لقرب العهد بالدار
    الشيح والكاد والريحان قد عقبت *** يا موقد النار أطفئ شعلة النار
    * دخل المهدي خليفة بني العباس المسجد ، والعلماء جلوس ، فلما رأوه قاموا ، وقعد ابن أبي ذئب ، لأن الذئاب لا تقوم للثعالب ، فقال له : لمَلم تقم لي ؟ قال كدت أفعل فذكرت : ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (المطففين:6) . فتركت القيام لذاك اليوم ، فقال الخليفة
    اجلس فقد أقمت شعر رأسي ! . فقامت الدنيا لابن أبي ذئب ؛ لأنه ما قام ، والقيام مع القدرة ، ولا قدرة لمن يدخر قيامه لمولاه !
    * مد سعيد الحلبي رجله في المسجد ، فدخل السلطان عليه فما رد رجله ، فأعطاه مالاً ، فقال سعيد : إن الذي يمد رجله لا يمد يده ، ولو مد سعيد يده لقطع السلطان رأسه !
    أنا لا أرغب تقبيل يد *** قطعها أحسن من تلك القبل
    إن جزتني عن صنيعي كنت في *** رقها أولا فيكفيني الخجل
    * الكافر يولد مرة ، ويموت مرتين ، والمؤمن يولد مرتين ، ويموت مرة ، الكافر : جثماني بليد ، والمؤمن : روحاني مجيد .
    * الهدهد أذكى من فرعون ؛ لأن الهدهد أنكر على بلقيس سجودها للشمس ، وفرعون يقول : ( مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (القصص: من الآية38) !!
    رزق الهدهد يخبئه في الأرض ، فلما عرف ربه قال : ( الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (النمل: من الآية25).
    أحب الهدهد رب العالمين ، فأتى سليمان من سبأ بنبأ يقين ، وفرعون مهين ، دس أنفه في الطين !
    الهدهد آمن في الرخاء ، فنفعه إيمانه في الشدة ، وفرعون كفر في الرخاء ، فما نفعه إيمانه في الشدة ، بل قيل له : يا فتان ، الآن ! فات لأوان .
    قد مضى الركب وخلفت لوحدك *** فابك ما شئت ولا تأنس برشدك
    * عبد الدينار يرد النار كلما كثرت دراهمه دار همه .
    إمامه : قارون ، خرج في زينته ، فدفن في طينه !
    صاح متكبراً : ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) (القصص: من الآية78) .قيل له عندك أو عندنا ؟ هيا إلى الدور الأرضي ، وخذ دارك معك !
    ( فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ ) (القصص: من الآية81) ؟‍!
    * دراهم أبي بكر ختمت ب ( يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) (الليل : من الآية18) .
    ودراهم أمية بن خلف عليها ( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ) (الهمزة:1) !
    أعطي أبو بكر حلة ( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) (الليل:17) . وألبس أمية قميص ( فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ) (لأنفال: من الآية36) .

    لشتان ما بين اليزيدين في الندى *** يزيد بن عمرو والأغر بن حاتم
    فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله *** وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
    فلا يحسب التمتام أني هجرته ** ولكنني فضلت أهل المكارم
    * سمع حنظلة مؤذن الجهاد في أحد ، وعليه جنابة ، فطار إلى سيفه ، وصب دمه مع دماء الأبرار ، وقدم لحمه مع لحوم الأخيار ، هذه الكتائب ( لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ) (الحج: من الآية37) .
    يا حنظلة : ثمار شجرك ما حنظل ، وحب زرعك قد سنبل ، قبل أن تدخل الجنة تغسل :
    أملاك ربي بماء المزن قد غسلوا *** جثمان حنظلة والروح تختطف
    وكلم الله من أوس شهيدهم من *** غير ترجمة زيحت له السجف
    * تلاميذ عبد الله بن أبي يحفظون ( لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ) (المنافقون: من الآية7) . وينسون ( وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (المنافقون: من الآية7)، فيسرقون لقمة العيش من على الشفاه !
    ومداوي الداء بالداء ، أعله وما شفاه .
    * عبد الله بن أبي ، فاكهته : لحوم الصحابة ، ومصحفه : الربابة ، سهامه طائشة ؛ لأن الصيد عائشة :
    أتدري من رميت وكيف تدري ؟ **** فما أعماك عن شمس وبدر
    رميت الفجر بالبهتان كيداً *** ونور الحق محفوف بفجر

    * درسنا قصة ( طه والطبلة ) فألهانا طه عن : ( طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) (طه:2) . والذي حفظ قصة الطلبة خرج أبله ..! وقيم المدرسة أرقم ؛ لأنه ألغى منهج دار الأرقم بن أبي الأرقم .
    * صاح أنس بن النضر : إني لأجد ريح الجنة من دون أحد فقتل على مبدأ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) (الإخلاص:1) !
    بحثت عنه أخته ، فما عرفته إلا ببنانه ؛ لأن داخل الجنة يحتاج إلى شهود ، وقد كتبوا شهادتهم بخطوطهم على جسم أنس ، فكل جرح يقول : ( وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ) (يوسف: من الآية81).
    * قالوا لأحد المنافقين : جاهد لتؤجر ، قال : أخاف بنات بني الأصفر ، قيل له تضحك على من ؟ ونزلت فتوى ( أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) (التوبة: من الآية49) .فضحهم الوحي ، فسجلاتهم مكشوفة وأسماؤهم معروفة .
    وقال أحدهم : أنا لا أخشى بنات بني الأصفر ، لكن لا تنفروا في الحر ، فما أصبح الأمر سراً ( جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً ) (التوبة: من الآية81) .
    تفر من الهجير وتتقيه *** فهلا من جهنم قد فررتا
    وتشفق للمصر على الخطايا *** وترحمه ونفسك ما رحمتا !!
    * عاشق الشهادة تأتيه على الفراش : ( من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه ) . لأن الحب يفتت الأكباد ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69).
    نسيت في حبك الدنيا وما حملت *** وبعت من أجلك الأنفاس والنفسا
    * درس الطلاب التدمرية لابن تيمية فنجح عشرون في المية ، لأنها تدمر كل شرك بأمر ربها ( فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ) (الأحقاف: من الآية25) .
    * كان ابن تيمية يعلم الشباب ، فسجنه الحجاب .. فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) (الحديد: من الآية13) .
    * هل سمعت أنشودة شيخ الإسلام ؟ ولكنها من الشعر المنثور ؛ لأن العبيد لا يفهمون إلا الشعر الحر .
    أنا جنتي وبستاني في صدري ، أنى سرت فهي معي ، أنا قتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة ، وسجني خلوة .
    كتب القصيمي عن ابن تيمية في ( صراع بين الإسلام والوثنية ) لكن ابن تيمية أصيل والكاتب عميل ؛ لأنه وارد بترومكس ، ومن فصيلة كارل ماركس ( آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ) (الأعراف: من الآية175)
    واحسرتاه على السبورة ، والطبشرة ، والملعب ، والكورة .
    أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة *** إذاً فتباع الجهل قد كان أحزما
    ولو أن أهل العلم صانوه صانهم *** ولو عظموه في النفوس لعظما
    * قال الحجاج لعجوز : والله لأقتلن ابنك ، قالت العجوز : لو لم تقتله مات ! وهذا من ذكاء العجوز ، ولكن الظلمة لا يفهمون الرموز ! ( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ) (الجمعة: من الآية8).
    * أرسلنا شاعرنا في المربد ليغرد فعربد ، ظننا أنه بالدين سوف يجول ويصول ،فذهب قليل الحياء يسب الرسول .
    نبهناه فما أدرك ؛ لأن الرجل مجمرك : ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) (الفرقان:44) .
    * شعراء مدحوا صدام قبل الغزو ، وذموه بعده ، قلنا : كشفناكم يا أوباش ، ( الولد للفراش ) .
    هؤلاء لا ينفع فيهم الوعظ ؛ لأن المنافقين بعضهم من بعض .
    * قاتلوا موشه ديان في حزيران ، فهربوا كالفئران ؛ لأنه لم يحضر المعركة سيف الله أبو سليمان .
    وأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطب
    وقاتلت دوننا الأبواق صامدة أما الرجال فماتوا ثم أو هربوا
    * قيل للرسمي : ألا تحج البيت العتيق ؟ فأنشد بنغمة العاشق :
    حجي إلى الباب الجديد وكعبتي الباب العتيق وبالمصلى الموقف
    والله لو عرف الحجيج مكاننا من زندروز وشعبه ما عرفوا
    أو شاهدوا زمن الربيع طوافنا بالخندقين عشية ما طوفوا
    زار الحجيج منى وزار ذوو الهوى جسر الحسين وشعبه واستشرفوا
    ورأوا ظباء الخيف في جنباته فرموا هنالك بالجمار وخيفوا
    أرض حصاها جوهر وترابها مسك وماء المد فيها قرقف
    أقول لهذا : أما سمعت بدار قيل فيها : ( وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (الزخرف: من الآية71). وعند ابن ماجه : ( ألا مشمر للجنة ، فإن الجنة والذي نفسي بيده نور يتلألأ ، وقصر منيف ، وشجرة تهتز ) . الخطاب كثيرون ، ولكن المهر غالٍ ، من صفات الخاطب : أن يرنم في السحر ، وكثير من الخطاب ينام عن صلاة الفجر .
    ومن صفاته أن يقدم مهجته حلية للخطوبة ، وبعضهم يبخل بدرهمه !
    ثمن المجد دم جدنا به فاسألوا كيف دفعنا الثمنا
    واسألوا ماذا فعلنا في الوغى يوم هال الهول فينا ودنا
    الذبح للعاشق في سبيل معشوقه : برد وسلام .
    * ذكر المجد في ( المنتقى ) : أن رسولنا ( صلى الله عليه وسلم ) ، لما أراد أن ينحر الإبل في منى تسابقت إليه؛ أيتها ينحر أولاً فمن أخبر البعير، أن صاحب الحربة هو البشير النذير، والسراج المنير ؟!
    ما خرت الأبل وهو ينحر ، وما استقرت ، بل دنت وأقبلت ؛ لأن التولي يوم الزحف حرام .
    ويقبح من سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا
    على عمد من التوفيق قدماً أحبك من أحبك فاصطفاكا
    * خطب صاحب المنهج العظيم رسولنا الكريم ، عليه الصلاة والسلام ، في جنوده في بدر ، فأخبرهم أن بينهم وبين الجنة القتل فمن يقتل يدخل ، ومن يذبح يفلح .
    فقام عمير بن الحمام ، ورمى بالتمرات ، ولسان الحال يقول : خذوا تمركم ، فالغداء هناك ، وإجابة الدعوة واجبة ، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكيف يجيب الأمر من ألهاه التمر ؟
    لله درك والردى متكالب والمشرفة تستحق الأبطالا
    ووقفت تخطب والرؤوس تطايرت أسقيت العز حتى سالا
    * حضر محمد بن حميد الطوسي القتال مع الروم ، فوقف يقطع رؤوسهم من الفجر إلى الظهر ، وما أحسن الذبح على الطريقة الإسلامية .
    فر أصحابه فخجل أن يفر ، لأن صاحب الشريعة لا يقر ، فتكسر سيفه ، ومال رأسه ، فكفنه أبو تمام بقصيدته الخالدة :
    لقد مات بين الضرب والطعن ميتة تقوم مقام النصر إن فاته النصر
    تردى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر
    ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
    * وقف القائد ( صلى الله عليه وسلم ) ، أمام الكتيبة ، فسل السيف وقال : ( من يأخذ هذا السيف مني ؟) فكلهم رفع يده ، وظنوا السيف جائزة ، فقال : ( من يأخذه بحقه ؟ ) فعلموا أن في المسألة سراً فتوقفوا ، وألح أبو دجانة في الطلب ، وسأل القائد : ما حق السيف ؟
    قال : ( أن تضرب به في الأعداء حتى ينحني ) فأخذ أبو دجانة يعدل به رؤوس الضلال ، مرة في اليمين، ومرة في الشمال ، ينشب السيف في الجماجم فيهزه هزا ؛ لأن في الجمجمة مسامير اللات والعزى .
    أخرج عصابته الحمراء من الجلباب ، فصاح الناس : خطر ممنوع الاقتراب .
    ومن تكن الأسد الضواري جدوده يكن زاده رفداً ومطعمه غصبا
    فحب الجبان العيش أورده البقا وحب الشجاع الموت أورده الحربا
    * عندنا أعظم ميراث عرفه التاريخ ، وأكبر ثورة رأتها الدنيا ، عندنا : متون من الوحي ما اختلطت بالطين ؛ لأنها من رب العالمين ، لكن الطلاب كسالى ، المرعى أخضر ، لكن العنز مريضة ، وثيقتنا كتبت من أربعة عشر قرناً ، خطب بها على منابر المعمورة ، وصلي بها في محاريب القارات، وأذن بها على منائر الكون :
    والوحي مدرستي الكبرى وغار حرا ميلاد فجري وتوحيدي وإيماني
    وثيقتي كتبت في اللوح وانهمرت آياتها فاقرؤوا يا قوم قرآني
    معجزتنا : أن معلمنا أمي أعجز البلغاء ، لا يكتب ، وقد أفحم الكتيبة ، ولا يقرأ ولكنه بذ القراء : ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (العنكبوت:48).
    * وقف في عرفة محرماً أشعث أغبر ليخاطب الدنيا ، فقال له مولاه في الموقف : ( وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (المائدة: من الآية3) فعلم أن النعمة ليست في ناقته القصواء ، ولا في حصيره الممزق ، الذي أثر في جنبه ، ولا في درعه ، المرهونة عند اليهود ، ولا في الحجرين المربوطين على بطنه ، إنما نعمته : دعوته ، وحبوره : نوره ( وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى: من الآية52) .
    * عقدة الوليد بن المغيرة في كفره بصاحب السيرة ، أنه ليس له كنز ، وليس له جنة يأكل منها ، وما علم أن صاحب الكنز ، والبنز ، والجنز لا يرشح للعز .
    تركت السرى خلفي لمن ضاع عمره وأوردت قلبي في عظيم الموارد
    * تمزقت الأمة في العصر ، فالبعض ذبح ، والبعض في الأسر ، ومن نجى منا نسى ( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (لأنفال: من الآية72) .
    لماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخوان
    صار صوت المفجوعة في عمورية ، يعبر المحيطات ، ينادي : وامعتصماه ، فوصل الصوت قبل الصورة فصاح المعتصم : قربوا أفراسي ، وهاتوا أتراسي ، الجنسية مسلم ، والنسل عباسي .
    أحرق المدن ؛ لأن ليلة النصر تحتاج إلى بخور ، وهو ممن يرجون تجارة لن تبور .
    فغردت كتائبه ؛ وتراقصت ركائبه على إلياذة :
    أجبت صوتاً زبطريا هرقت له كأس الكرى ولعاب الخرد العرب
    أبقيت جد بني الإسلام صعد والمشركين ودار الشرك في صبب
    المعتصم ، أبوه الرشيد ، وجده : ابن عباس ، فما أذعن ليوحنا ، ولا توماس ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) (محمد:11) . المعتصم بطل في النزال ، لكن فيه بدعة الاعتزال .
    * زياد ، أمه : سمية ، يريد بني أمية ، انجب عبيد الله السمين ليقتل الحسين ، جنود عبيد الله هذا كالعجول ، يكبرون لمقتل ابن البتول .
    ويكبرون بأن قتلت وإنما قتلوا بك التكبير والتهليلا
    * خربت خيبر ؛ لأنها بنيت على شفا جرف هار ، حجر الزاوية : كعب بن الأشرف ، وسدة الباب : ابن غوريون ، والطباخة : جولدامائير ، نادى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يا علي : قال : مرحباً ، قال : اقتل مرحباً ، يقول مرحب لعلي : أنا الذي سمتني أمي مرحباً ..
    قال لسان الحال : أمك سامرية عبدت العجل ، وأم على هاشمية لا تحب الدجل ، أنا الذي سمتني أمي حيدره ..
    فتحدر رأس مرحب على سيف حيدر !
    يا أبا السبطين أحسنت فزد فعلكم يا شيخنا فعل الأسد
    رمد تفعل هذا في العدا كيف لو عوفيت من ذاك الرمد ؟
    بطاقة علي في الزحام : يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، وبطاقة مرحب : ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ) (المائدة: من الآية13).
    * يا شباب الصحوة : من لا يدعو منكم ويؤثر ، فلا ينمنم ويثرثر ! ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) إذا لم تصاحبنا ، فنرجوك لا تضربنا ..
    الذي بيته من زجاج لا يرمي بيوت الناس ، والذي يضرب العود لا يحمل الفأس .
    * اللهم إنك نثرت على أهل الدنيا الدنانير ، فشروا الذمم بالدينار ، اللهم فأعطنا تاج النجاة ؛ لننجو به من النار .
    * أحرقونا فقلنا : أح قال الصبر : هذا ما يصح .
    لا تقل للنار أح إن قلت أحا فرح الباغي وسح الجرح سحا
    * أمر الله بني إسرائيل بذبح بقرة ، فأخذوا الأمر مستهترين ، ورأى رسولنا ( صلى الله عليه وسلم ) بقراً تنحر في المنام ، فنحر من أصحابه في أحد سبعون .
    * سود الله وجوه اليهود ، قيل : اذبحوا بقرة ، قالوا : ما بقرة ؟ قيل : لا فارض ولا بكر قالوا : لا بد من معرفة اللون ، قيل : صفراء قالوا : ما سنها ؟ قيل : عوان بين ذلك . فتلكؤوا وما كادوا يفعلون ، ومحمد ، عليه الصلاة والسلام ، طلب من الأنصار الحماية قالوا : بالأرواح ، والنصرة ، قالوا : السلاح السَلاح ، قال لهم بلال العزم : حي على الصلاة ، قالوا : حي على الفلاح .
    يقول خطيبهم : يا رسول الله أعط من شئت ، وامنع من شئت ، وصل حبل من شئت ، واقطع حبل من شئت ، عسى الله أن يريك منا ما تقر به عينك ! فقتل هذا الخطيب فاهتز له عرش الرحمن .
    * أحدهم ذهب يتعلم في جنيف كيف يصيد الشريعة ، وصيد غير المعلم حرام ، لأن الله يقول : ( مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ)(المائدة: من الآية4) .
    عرفناك يوم الجزع تحدوا ركابنا فلما ذهبنا عنك أشعلتها حربا
    * الحسن بن على ، هاشمي ، أراد الخلافة فتذكر : ( إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) ، تنازل في مؤتمر القمة ، ليحقن دماء الأمة .
    ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً ) (القصص: من الآية83).
    * أرسلناك تسابق على الخيل المضمرة ، من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ، فذهبت تتزلج على الثلوج وتصاحب العلوج ، أما سمعت ( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) (المائدة: من الآية51) . فهل أنت منا أو منهم ؟!
    * انتصر عبد الحميد بن باديس ؛ لأنه يحب باريس ، وفضح الأمة ابن بيلا لأن زنبيله صنع في مانلا .
    * زار أبو سفيان وهو مشرك ابنته رمله زوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، لما دخل البيت، رفعت فراش المعصوم ، خوفاً عليه من غبار الوثنية ؛ لأن في الحديث : ( لا يورد ممرض على مصح ) والفراش الأجل لا يصلح لمن سجد لهبل .
    * أدونيس أبياته من الشيطان ، وروح القدس يؤيد بالقوافي حسان ، ولذا استطاع شاعر الرسول أن يقول:
    وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد
    * وتقيأ أدونيس بعد أن بال الشيطان في أذنه فقال ( خرافية تلك أسطورة هي الملة النحلة البائدة ) .
    حسان على وزن رضوان ، وأدونيس على وزن إبليس ، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .
    حسان أزدي زكي ، وطاغور مزدكي ( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (الشورى: من الآية7).
    * تركيا نور نسي بموت النورسي ، أتاتورك في آخر درك ، أتاتورك : نجس البحيرة وأوقع الأمة في حيرة ، كسر ظهر الخلافة ، ومزق عمامة المفتي ، وهدم أعواد المنبر .
    * ألقيت أنت على الناس محاضرة ، فتبجحت بها في البادية والحاضرة ، وعبد الله بن عمرو الأنصاري ، وجد مقتولاً ، به ثمانون طعنة فما أخبر أحداً ؛ لأن صدقة السر تطفئ غضب الرب ، والمحبون يتسترون بالليل لزيارة المحبوب :
    كم زورة لك في الأعراب داهية أدهى وقد رقدوا من زورة الذيب
    أزورهم وظلام الليل يشفع لي وأنثني وبياض الصبح يغري بي
    * تصدقت أنت للبوسنة والهرسك بخمسين ريالاً ، وتمنيت بها على الله الأماني ، وخالد بن الوليد احتبس أدرعه ، وأعتده في سبيل الله ، ثم أتبعها خليه ، ثم اتبعها نفسه .
    * جهز عثمان جيش العسرة من جيبه ، فسمع الثمن نقداً على المنبر : ( اللهم اغفر لعثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر ) .
    يقول المترفون : أنتم متطرفون ، أنتم تهرفون بما لا تعرفون ، قلنا هذا فرية ، والدليل ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ) (الإسراء: من الآية16).
    * حاول صبيغ بن عسل أن يخلط في الآيات ، ويشوش في المنهج ، فضربه عمر بعصا خضراء حتى أغمي عليه ، فاستفاق ولسان حاله يقول : أصبحنا وأصبح الملك لله .
    والحداثيون خلطوا في الدين تخليطاً ، ويحتاجون إلى دواء كدواء صبيغ ، لكن الطبيب مات :
    تشفي بسيفك داء الناكثين له وتجعل الرمح تاج الفارس البطل
    * يقول فرعون لموسى : ( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ) (الشعراء: من الآية19) قلنا : وأنت يا مجرم ما فعلت شيئاً وأنت أبو الفعائل ؟
    أبصرت القذى في إناء موسى ، ولم تر الجذع في إنائك .
    إذا محاسني اللائي أدل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
    * وقفوا بعرفات ما يقارب ثلاثة ملايين ، يسألون ربا غنياً قديراً رحيماً حليماً .
    أتيناك بالفقر يا ذا الغنى وأنت الذي لم تزل محسنا
    وعودتنا كل فصل عسى يدوم الذي منك عودتنا
    فما في الغنى أحد مثلكم وفي الفقر لا أحد مثلنا
    وقصت ناقة محرماً بعرفة فقتلته ، وصاحب المنهج ، عليه الصلاة والسلام ، موجود ، فقال : ( كفنوه في ثوبيه وجنبوه الطيب ، ولا تخمروا رأسه ، فإنه يبعث يوم القيام ملبياً ) .
    هل تأملت الصورة ؟ إذا أهل هذا الميت من قبره ملبياً ، ميقاته قبره ، ومن تجاوز الميقات يريد الحج بلا إحرام فعليه دم ، وهذا يريد الجنة ؛ لأنه مطلوب هناك ، والجواب ( لبيك اللهم لبيك ) .
    أتيناكم نخب السير خبا ونحمل في حشايا القلب حبا
    نهيم ببيتكم شوقاً ونسقي بدمع العين في العرصات صبا
    فهيا سامحونا قد أسأنا وهيا فاغفروا يا رب ذنبا
    تقرب غيرنا لسواك جهلا ونحن لقربكم نزداد قربا
    ( رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (آل عمران:194)
    * بجانب هيئة الإذاعة البريطانية في لندن ، شاعر عربي قام في الصباح بنشد :
    أنت القوي فقد حملت عقيدة أما سواك فحاملو أسفار
    يتعلقون بهذه الدنيا وقد طبعت على الإيراد والإصدار
    دنيا وباعوا دونها العليا فيا بؤساً لبيع المشتري والشاري
    * يا أيها الذين آمنوا ما لكم لا تنفقوا من كنوز الرسالة دنانير الحكم ، وصاحب الغلة يقول : ( بلغوا عني ولو آيه ) .
    كل منكم بحسبه ، فمن لم يجد سيفاً فعصاً ، وافعلوا فعل علي بن عمار ، هجم عليه الأسد ، وسيفه معلق في بيته ، ولو انتظر وصل السيف ، لوصل رأسه إلى الأرض على الكيف ، فأخذ هراوة غليظة ، وفلق بها هام الأسد ، حتى يأتي المدد ، فحياه أبو الطيب فقال :
    أمعفر الليث الهزبر بسوطه لمن ادخرت الصارم المصقولا
    * إذا لم تلق محاضرة فاحضرها ، وإن لم تدبج خطبة فكلمة ، أنفق رجل من بره ، ومن تمره ، من درهمه، من ديناره ، من علمه ، من شعره ، من فكره ، والذي لا يركب في سفينة الصحوة ( رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ ) (التوبة: من الآية87) ، فليس لهم في الغنيمة قسم ، ولا في الخيالة اسم ، ولا في الديوان رسم ، بعضهم حفظ المتون ، وجمع الفنون ، وكتب الحواشي ، وهو ما شي .
    قلنا : علم ، قال : حتى أتعلم ، قلنا : أجل ، درس ، قال : حتى أؤسس ، قلنا : فهل سمعت ( وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: من الآية161) .
    قم خاطب الدنيا بنبرتك التي عزفت قلوب الأهل والأصحاب
    فمنابر التوحيد من خطبائها ومحافل العلياء للخطاب
    * شبيب الخارجي في ستين من أصحابه هزم ثلاثة آلاف ، وكان في المعركة ينعس على البغلة من ثبات الجأش ، قلنا : دعونا من نعاس الخوارج ، فأين نعاس أهل السنة ؟ ( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ) (الأنفال : من الآية11) . فنعاس طلحة بن عبيد الله في أحد خير من نعاس شبيب ، لأن طلحة : متبع ، وشبيباً : مبتدع ، وطلحة : من نكاح ، وشبيب من سفاح :
    قوم أبوهم سنان حين تندبهم طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
    لو كان يقعد فوق الشمس من كرم قوم بآبائهم أو مجدهم قعدوا
    * غفار من المغفرة ، وأسلم من المسالمة وعصية من المعصية ثلاث قبائل وافقت أسماؤها مسمياتها ، فقال المعلم :
    ( غفار غفر الله لها ، وأسلم سالمها الله ، وعصية عصت الله ورسوله ) وأقول : وماركس أركسه الله .
    * صاحب المنهج يدرس الطلاب ، وفي الفصل : منافقون لم يعرفهم ، فأنزل الله ( لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (التوبة: من الآية101) فلاحظ التصرفات ، والتلونات ( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) (محمد: من الآية30) . فلما انكشفوا سمع : ( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون: من الآية4) .
    * أراد السلطان أن يشتري الأعمش المحدث الكبير برسالة فيها فتوى لتكون حبة الطائر ، فإذا وقع في الشباك قيل : نصيبك ما أخطأك ، فعرف الأعمش العلة ، لأنه عالم بعلل الأسانيد ، وتدليس الرجال ، فأعطى الرسالة شاة عنده ، فأكلت الرسالة ، وحملها الخطأ ؛ لأنها تأكل الرسائل .
    فلا كتب إلا المشرفيات عنده ولا خط إلا بالقنا والقنابل
    (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) (الأحزاب:39) .
    * العقيدة الإسلامية ، لا شرقية ولا غربية ، يكاد زيت أصالتها يضيء ، ولو لم تمسسه نار الشوق ، فكيف إذا اجتمع نور الفطرة ونور الاتباع ؟ ( نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النور: من الآية35) .
    * قال اليهود لموسى ، عليه السلام :( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة: من الآية24) . وقال الصحابة للرسول ، عليه الصلاة والسلام : لو استعرضت بنا البحر لخضناه معك ، فقطعوا أمامه ، فكل بيت فيه قتيل :
    سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا إياك نعبد من سلسالها رشفوا
    في كفك الشهم من حبل الهوى طرف على الصراط وفي أرواحنا طرف
    فكن شهيداً على ما في القلوب فما تحوي الضمائر منا فوق ما نصف
    (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:148) .
    * يقول الرسول عليه الصلاة والسلام : ( *** الله اليهود ، إن الله لما حرم عليهم شحوم الميتة جملوه ، فباعوه فأكلوه ثمنه ) .
    وذاك يسمع الغناء ، ويقول : غناء إسلامي ، والبعيد يتناول المسكر ، ويقول : شراب روحي وعلام الغيوب لا يلعب عليه ولا يخادع .
    ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ) (النساء: من الآية142) ، ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال: من الآية30) .
    * قال الحسن البصري : يا ابن آدم ، خالف موسى الخضر ثلاث مرات ، ألا تخشى أن يقول لك هذا فراق بيني وبينك ؟!
    أغفر اللهم ربي ذنبنا ثم زدنا من عطاياك الجسام
    لا تعاقبنا فقد عاقبنا قلق أسهرنا جنح الظلام
    * العالم ينتظر من يدعوه إلى الإسلام ، والملة تحتاج إلى حملة .
    التمر مقفزي ، لكن البخل مروزي !
    ( فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران: من الآية187) .
    * رفعوا خبيب بن عدي على خشبة الموت ، فأنشد طرباً وامتلأ عجباً ، وقال قصيدة الحب كل الحب ، فسمعها المحبون ، لكن عبدة الأصنام في سكرة يعمهون .
    ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي
    ما يحلو الشعر إلا في المعمعة : ( وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: من الآية 4) (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) (محمد:6) .
    قال خبيب للكفار : انظروني لحظة ، قالوا : تكتب الوصية ؟ قال لسان الحال : لا ميراث ، لكن أصلي ركعتين ، أراد أن يطيلهما ، فخاف أن يوصم بالجبن ، وهو أبو الشجاعة ، رفعوه على المشنقة فدعا دعاء القنوت :
    اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تغادر منهم أحدا ...آمين .
    * استحيت خزاعة من ربها أن ترد الحوض بلا بطل ، فأنجبت أحمد بن نصر الخزاعي حامل لواء السنة ، محدث بغداد ، رأى المداد يلطخ ثياب طلاب السنة ، فعزم على أن يلطخ بدمه ثياب المبتدعة ، قال له الواثق : وافق ، قال : لا يا منافق ، فنحره بالخنجر ، فوقع ميتاً لتحيا السنة .
    دم أزكى من المسك المصفى وروح في ذكاء القحوان
    وتاريخ من الإقدام فدم كأن بريقه نصل يماني
    ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) (البقرة:154) .
    * الصدق حبيب الله ، وصل الطعن الرقبة .
    أمة دمها رخيص ، ودماء الناس غالية ، يتيمها في المحافل يبكي ، وشيخها على القديم ينوح .
    تربية اللحى ، وركعتا الضحى : ثابتة شرعاً ن لكن نقض الميثاق ، وخلط الأوراق ، من أركان النفاق .
    إذا لم تتهجد ، فاحضر الجماعة في المسجد ، الذي يكشف صادقنا من كاذبنا : صلاة العشاء والفجر .
    * أتى ابن المبارك ليشرب من زمزم ، فتذكر حديثاً من مروياته نصبه : ( ماء زمزم لما شرب له ) . فقال : اللهم إني أشربه لظمأ ذاك اليوم .. فدمعت العيون !
    ابن المبارك يعرف أن زمزم الوحي يشرب منه ليتشافى به من العلل ، لكن من يقنع من !! يطلب العلاج في بروكسل بقناعة ابن المبارك :
    من زمزم قد سقينا الناس قاطبة وجيلنا اليوم من أعدائنا شربا
    وقال زميلي سلمان ، وأحسن أيما إحسان :
    زمزم في بلدي لكن من يقنع الناس بجدوى زمزم
    تسمع ابن المبارك صياح المجاهدين وهو يتقلب في الساجدين ففك لجام البغلة وهتف :
    بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا
    إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما أتزنا
    ذهب إلى الشمال ، يقطع رؤوس الضلال ، فلامه الفضيل على ترك الحرم ، ولسان الحال يقول : ترك الجهاد حرام ، فكتب ابن المبارك إلياذة : يا عابد الحرمين لو أبصرتنا فتمنى المصلون عند الركن اليماني قتال الكفار بالسيف اليماني .
    ( فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) (آل عمران: من الآية195) .
    * شرب الخمر شارب ، والرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، حي فأدبه ، وقال للعذال : ( ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله ) .
    إذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
    * الحديد يتمدد بالحرارة ، وينكمش بالبرودة ، والخشب يتمدد بالبرودة وينكمش بالحرارة ، وبعض الناس لا يتمدد ولا ينكمش ( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا ) (لأعراف: من الآية179) .
    لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
    * أحد الرؤساء ، سجن العلماء ، ثم خطب في الدهماء وقال : أنا إمام عادل كعمر بن الخطاب ، فقال له أحد العلماء : نعم ، عمر إمام عادل ، وأنت عادل أمام !
    تقايس بين طلحة وابن ساوي رعاك الله ما هذا التساوي ؟
    فطلحة مشرق الطلعات بدر وذاك الجور في الحانات عاوي
    * كلما انخفض الأسهم ، ارتفع ضغط الدم ، لأن الشيك مكتوب عليه ( وإذا شيك فلا انتقش ..!). كل شيك من رباً معه شوكة من لظى ( اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا ) (الطور: من الآية16) .
    * علمناك الفاتحة تصلي بها التراويح في الليالي ، فتركتها وذهبت تغني : البارحة ما نمت مما جرى لي .
    الكلاب تحب الجيف ، والأسود تأكل مما تقتل ، ومن رضي بأفكار البشر ، عن وحي رب البشر ، فبشره بسقر ( لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ) (المدثر:28) .
    * روى البخاري في ( الرقاق ) : أن علياً قال : إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة ، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن الدنيا عمل ولا حساب ، والآخرة حساب ولا عمل .
    وفي ترجمة يقول : يا دنيا ، غري غيري ، زادك **** ، وعمرك قصير ، وسفرك طويل ، آه من قلة الزاد ، وبعد السفر ولقاء الموت ، يا دنيا ، طلقتك ثلاثاً لا رجعة بعدها ، وعلي لا يرى نكاح المحلل ؛ لأنه راوي حديث ( *** الله المحلل والمحلل له ) .
    * لما شمر عمر ثوبه في اليقظة ، جره في المنام ، والقميص في النوم ، هو : الدين واليقين ، وأبو حفص أحد الأساطين .
    نام عمر بلا حراسة تحت الشجرة ؛ لأنه خوف الفجرة ، عدل في الرعية فنام في البرية .
    كان في التاريخ درة ؛ لأن له درة فلله دره .
    * الكعبة ، وحبة القلب ، وإنسان العين ، كلها سود فلا عاش الحسود .
    يروق لي منظر البيت العتيق إذا بدا لطرفي في الإصباح والطفل
    كأن حلته السوداء قد نسجت من حبة القلب أو من أسود المقل
    أسامة بن زيد : أسود ، وأبو لهب : أبيض و( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) (آل عمران: من الآية106) يبيض الأول ، ويسود الثاني ؛ لأن بياض أبي لهب بهرجاني .
    * ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (السجدة:16) ، في الليل إشفاق وفي النهار إنفاق !
    النوم لذيذ ولكن الخوف أطاره ، وبعض العباد كان يتمنى أن يطول الليل :
    طاول بها الليل ضن الجفن أو سمحا وما طل النجم مال النجم أو جنحا
    فإن تشكت فعللها المجرة من ضوء الصباح وعدها بالقدوم ضحا
    أسرار القرآن تبوح في الليل ، والخوف والرجى يتسابقان في الدجى .
    * في صحيح مسلم أن عائشة سئلت : متى يقوم الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ؟
    قالت : كان إذا سمع الصارخ وثب ، تقول : وثب ولم تقل : قام ، وأنت عربي تعرف معنى ( وثب ) والصارخ هو الديك .
    يصوت ديك الحي من حر ما بنا ويرثي لنا القمري ويبكي لنا الحجل
    إذا ما بكتك الطير فأعلم بأنه تقارب منك العمر بل زارك الأجل
    يقول عليه الصلاة والسلام ، في الصحيح : ( نعم عبد الله ، لو كان يقوم من الليل ) ، فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلا .
    إذا لم تصبر للسهر ، فركعتان عند السحر : ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ ) (النساء: من الآية25) .
    نحن نتحدث عن الربح ، وقد وقع النقص في رأس المال .
    لأن من لم يحضر الفجر جماعة لا يرشح لطاعة .
    طالب الأمة بالفرائض، قبل النوافل ، أما قيام الليل فلذاك الرعيل ، والخيل المضمرة تسبق التي لم تضمر .
    دعنا من التشبيه بالسلف الأولى قاموا الدجى وتقطعوا في المعترك
    * يقول شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي : عرضت على السيف خمس مرات ، لا يقال لي : اترك مذهبك ، بل يقال : لا تتعرض للمذاهب ، فقلت : لا .
    قلنا : أما أنت فما سمعنا بمثلك ، وما عندنا إلا هروي واحد ، وما سميت شيخ الإسلام إلا بعد تعب .
    قالوا لتلميذ الأنصاري هذا قبل أن يقتل : قل لا إله إلا الله فقال : إن شيخي قال لي : إن الدابة لا تسمن في أسفل العقبة ، وصدق الأنصاري ، تريد أن تتعامل بالربا ، فإذا حشرجت النفس تبت .
    تسمع الغناء ، فإذا حضر اليقين كسرت العود .
    تتهاون في الصلاة ، فإذا حانت الوفاة أذنت .
    (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس:90- 91) .
    أترجو أن تكون وأنت شيخ كما قد كنت في عصر الشباب
    لقد كذبتك نفسك ليس ثوب جديد كالخليق من الثياب
    * أفتى النابلسي محدث مصر ، فقال : من عنده عشرة أسهم فليرم النصارى بسهم ، والفاطميين بتسعة ، فغلط الجاسوس ، فرفع الخبر للسلطان وفيه : فليرم النصارى بتسعة ، والفاطميين بسهم ، فاستدعى السلطان النابلسي ، وقرأ عليه الخبر ، قال : هذا غلط حرفتم الفتيا ، قلت : يرمكم بتسعة والنصارى بسهم .
    فصاح السلطان : علي بالجزار والسكين ، فصاح النابلسي : ( لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (طه:72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه:73) .
    فأخذه يهودي ، يسلخ جلده سلخاً بالسكين ، بعد أن علقوه ، بقدميه ، فأخذ يسبح ربه ؛ لأنه من رواة حديث: ( من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت كزبد البحر ) ، أما قلت : لن تجد أشجع من أهل السنة وقت التضحيات ؟!
    السني وقت التضحية ، يزري بالبعثي ، والناصري ، والقومي ؛ لأن السني من سلالة أبطال بدر وأحد ، وأولئك من سلالة أبطال حزيران وأيلول الأسود .
    بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
    ولو كان سيفي في يمينك لا نتحى عليك ولكن فات يوم التلاوم
    * أطعم ابن بقية ، الوزير ، المساكين والفقراء ، وأكرم العلماء ، فغار منه السلطان ، واحتال عليه ، حتى قتله وصلبه ، فلما ارتفع على الخشبة مصلوباً ، وقفت الأمة كلها بوقوفه ، فطافت به قلوب المحبين ، ونامت بغداد على أصوات البكاء ، فترجل أبو الحسن الأنباري عن فرسه إلى خشبه الصلب ، وسلم على الجثمان ، ودشنه بتلك القصيدة التي من لم يحفظها ففي تذوقه للشعر ، نظر :
    علو في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات
    كأنك قائم فيهم خطيباً وهم وقفوا قياماً للصلاة
    مددت يديك نحوهم احتفاء كمدهما إليهم بالهبات
    ولما ضاق بطن الأرض عن أن يواروا فيه تلك المكرمات
    أصاروا الجو قبرك واستعاضوا على مثواك صوت النائحات
    لعظمك في النفوس تبات ترعى بحراس وحفاظ ثقات
    وتوقد حولك النيران ليلاً كذلك كنت أيام الحياة
    ومالك تربة فأقول تسقى لأنك نصب هطل الهاطلات
    أصبحت خشبة ابن بقية مسرحاً ، تلقى عليه قصائد المادحين ، وخطب المثنين ، واصبح من قتله في صغار، كأنه طلي بالقار .
    * الذي يعشق الليالي الحمراء لا يستعد قرطبة والزهراء ،ومن يستورد أفكاره من لندن يسهر على دندن .
    ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) (المائدة : من الآية51) .
    * خرج سعد بن أبي وقاص على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومعه الصحابة ، فلما رأى سعداً قال : ( هذا خالي فليرني كل خاله ) . فلم يخرج له أحد خالاً كخاله ، المتحدي قوي ، والمتحدى به أبي .
    فلما حضرت القادسية ، والجموع الفارسية ، حضر الخال ، يقود الأبطال ، فحصل النصر قبل العصر ؛ لأن الناصر هو القهار ، والقائد خال المختار :
    وقفت لك الأبطال تصغي في الوغى ووقفت تخطب بالقنا الخطار
    والخيل تسمع والكتائب صفقت وترى الجماجم حرقت بالنار
    * أرسل القائد العظيم رسولنا الكريم ( صلى الله عليه وسلم ) ، عبد الله بن أنيس ؛ ليقتل خالد بن سفيان الهذلي عدو الدين ، فقتله واحتز رأسه ، ليعطي المعصوم البينة على قتله ، فسلم الرأس ، وضمن له ( صلى الله عليه وسلم ) الجنة ، وشهد العقد الحضور على أعطاه ( صلى الله عليه وسلم ) عصاه ليتوكأ بها ابن أنيس في الجنة زيادة في التبجيل :
    يتوكؤون على العصي من هيبة أهل الرزانة في حضور المحفل
    قرع العصا عند الخطابة دأبهم لا يتركون الخطب حتى ينجلي
    أدخل ابن أنيس رأسه في الجنة ، لما أدخل رأس خالد الهذلي النار ، رأس برأس ، والجروح قصاص .
    * أم سليم أنصارية ، لا تملك ذهباً ، ولا فضة ، أرادت أن تهدي لمعلم البشرية هدية ، فما وجدت أغلى من أبنها أنس ، فدفعته خادماً للإمام ، فقال لسان الحال : ( يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ ) (يوسف: من الآية19) . فكان ثواب الهدية ( اللهم أطل عمره ، وكثر ماله وولده ، واغفر ذنبه ) . فسعد الخادم بخدمة المخدوم سعادة لا شقاء بعدها .
    أم سليم ، مهرها من أبي طلحة : لا إله إلا الله ، فأخجلت بمهرها كل فتاة تغالي في المهر .
    يقول عليه الصلاة والسلام : ( دخلت الجنة البارحة فرأيت الرميصاء في الجنة ) والرميصاء : أم سليم ؛ لأن مهرها أدخلها من الباب ، فأذن لها الحجاب ، عرفت المفتاح ، فسكنت الدار .
    لك الله من مخطوبة عز مهرها تعالت بثوب المجد عن كل خاطب
    أبوها من الأعياص زينب أمها وزينب بنت الفضل لا كالزيانب
    * جاء جابر بالجمل ، فاشتراه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلما قبض جابر الثمن ، رد عليه الجمل ، وقال له : ( خذ الثمن والجمل بارك الله لك فيه ) . قال بعضهم : ليذكره بأن الله هدى أباه عبد الله بن عمرو ثم وفقه للشهادة ، ثم رد عليه روحه ، ثم أدخله الجنة ، ثم كلمه :
    تلك المكارم لا قصور قضاعة الذل في جنبات تلك يصفق
    نار تضيء على الثنية في الدجا سرب الجموع على القرى يتدفق
    جابر يقرأ المدح في أبيه كل صباح ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران:169) .
    ما أجل الذبح ، وما أجمل المدح .
    * ما كان لأهل الصحوة ، ومن حولهم من المحبين أن يتخلفوا عن قافلة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، ذلك بأنه لا يصيبهم ظمأ المشقة والبذل ، ولا يطأون موطئاً يغيظ كل كافر و*** ، إلا كتب لهم في الصحائف ، كما وعد بذلك في المصاحف .
    * أراد المعتصم أن يغزو الروم ، قال المنجمون : البرج في الذنب ، فلا تخرج للغزو وقت الذنب والعقرب ، قال : ما أعرف الذنب من العقرب ، هذا الذنب ومد السيف ، وهذا العقرب ومد الرمح . وأفتاه أبو تمام بجواز الخروج ، وقال له في الفتوى :
    العلم في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشهب
    بهارجاً وأحاديثاً ملفقة ليست بنبع إذا عدت ولا غرب
    * صلى إمام الأنصار بهم ، فكان يقرأ في كل ركعة ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) (الإخلاص:1) مع سورة أخرى ، قالوا له : إما أن تكتفي بها ، وأما أن تقرأ غيرها ، قال : إما أن أصلي بكم وأقرأها ، وإما أن أعتزل الإمامة ، فسأله المعصوم ، عليه الصلاة والسلام ، لماذا تقرؤها في كل ركعة ؟ قال : لأن فيها صفة الرحمن فأنا أحبها ، فتوجه بتاج : ( حبك إياها أدخلك الجنة ) .
    وداع دعا نحن بالخيف من منى فهيج أشواق الفؤاد وما ندري
    دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بليلى طائراً كان في صدري
    أولئك القوم يحبهم ويحبونه ، فخلف من بعدهم خلف لا يحبهم ، ولا يحبونه ، والعياذ بالله .
    * ابن رواحة بايع حبيبه في العقبة ، وبعد العقد قال : ربح البيع ، والله لا نقبل ولا نستقبل وتفرقاً عن المجلس ، وفي ( الصحيحين ) : ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإذا تفرقا وجب البيع ) .
    فجاء أبن رواحة بالثمن ، ودفعه في مؤتة : ودخل الجنة : ( وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ) (التوبة: من الآية111) .
    فمات حتى مات مضرب سيفه من الضرب واعتلت عليه القنا السمر
    * أصبحت الأمة مثل قبيلة ( باهلة ) كلما فاخرتها العرب قالت : منا قتيبة بن مسلم ، ولكن مات ، يرحمه الله ، كلما قالت لنا الأمم : انظروا لإبداعنا ، واختراعنا ، وإنتاجنا ، قلنا : منا عمر ، صلاح الدين ، والمثنى ، فإلي متى هذا الخداع ؟!
    ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (البقرة:134) .
    * أهل السنة ذهب أحمر ، لا تزيده النار إلا لمعاناً ، وأهل البدعة خبث الحديد ، يحترق الخبث ، ويذوب الحديد . ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: من الآية17) .
    أحمدنا بن حنبل شيعه مليون ، وأحمدهم بن أبي داؤد شيعه ثلاثة بالأجرة .
    * ذرفت إحدى عيني سعيد بن المسيب من البكاء في السحر ، وبقى على عين واحدة يحضر بها صلاة العتمة ، والمرثية تقول :
    بكت عيني اليمنى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معاً
    ( وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ) (المائدة : من الآية83 ).
    سعيد بن المسيب سجل للمكرمات ، وديوان للصالحات ، أربعون سنة ما فاتته تكبيرة الإحرام ، دائماً في الصف الأول ؛ لأن الرباني يأنف من الصف الثاني .
    خطب الوليد ، بنت سعيد ، قال : أنالا أزوج البليد ، فجلدوه مائة بالجريد ، كان يجلد في حر المدينة ، وقتادة بن دعامة يستمليه الحديث في القرطاس ، والضرب على الرأس ، لماذا لم يزوج سعيد الوليد ، وهو ولي العهد ؟ لأن العقد لا يتم لمن ينقض العهد ( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف:67) .
    * عطس ابن هبيرة فشمته أهل بغداد ؛ لأنه سني ، وأهل السنة يرون مشروعية تشميت العاطس ، فانظر ما أعظم الحب والقبول : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) (مريم:96) .
    ابن هبيرة وزير ، ولكن لا يعرف الطبلة ولا الزير .
    استسقى في منى للحجاج فنزل المطر كالأمواج .
    كنيته أبو المظفر ، فقال فيه الخليفة المستنجد :
    ولم أر من ينوي لك السوء يا أبا المظفر إلا كنت أنت المظفر
    وزهدك والدنيا إليك فقيرة وجودك والمعروف في الناس ينكر
    * دخل سهل بن عبد الله التستري على أبي داود ( صاحب السنن ) ، فسأله بالله أن يلبي مسألته ، قال : قل ، قال : مد لسانك لأقبله ، لأنه روى حديث الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، ففعل . اللسان سني ، وصاحبه إمام سنة ( وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران: من الآية79) .
    * محدثان سنيان : حماد بن سلمة بن دينار ، وحماد بن زيد بن درهم ، والدينار عشرة دراهم ، وفارق الصرف يخبر بأفضل الرجلين ، فهل فهمت الحساب ؟ والدراهم كلها سنية .
    أما درهم المبتدعة فلا يساوي فلساً .
    * كثرت مجالس اللغو ، هذا يتحدث عن دنياه ، وهذا عن ديناره ، وذاك عن داره ، وآخر عن قصره ، عندها قال معاذ لأخيه : تعال بنا نؤمن ساعة ، وهذه الساعة لله ، وفي الله عز وجل حديث في أسمائه ، وصفاته ، وآياته ، وأفعاله .
    يطيب حديثنا فيكم ويحلو ويغلو عند ذكركم الكلام
    وأما غيركم فالقلب يأبى حرام مدح غيركم حرام
    ( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: من الآية28) .فكيف يطمئن قلب من أصعب الأشياء عليه أن تحدثه عن الله عز وجل ؟!
    ( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (الزمر:45) .
    * أرسل عمر أميراً على بيسان ؛ ليقيم هناك السنة والقرآن ، فسمر الأمير مع أصحابه وأنشد :
    إذا كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقي بالأصغر المتثلم
    لعل أمير المؤمنين يسوؤه تنادمنا بالجوسق المتهدم
    فبلغ الخبر عمر ، فغضب وبسر ؛ لأن الخلافة الراشدة لا تتحمل تبعات الأبيات ، واستدعى الوالي فعزله ، لأن الأمة كانت تعزل ، والقرآن ينزل ، فمات عمر ليبقى صدام في الخلافة خمسين عام ، كلها ذبح للشيوخ والأيتام، وعليكم السلام .
    * ابن الرواندي يهودي لعله نزعه عرق ، ألف كتاب ( الدامغ ) يدمغ به القرآن ! دمغ الله رأسه في النار.
    ترجم له ابن خلكان ، فملس عليه ، وتسامح معه كأن الكلب لم يأكل له عجيناً ، فأين الغضب للدين والملة ؟ ولماذا هذا الانهزام والذلة ؟
    والذهبي من ذهب السنة معدنه ، لما ترجم لابن الرواندي قال : هو الكلب المعثر ؛ لأن الذهبي يكتب بقلم الولاء والبراء ، وابن خلكان ، يسجل بقلم العجائز ( كان يا ما كان ) أهل السنة ينقدون الرجال ،فليس عندهم للتدليس مجال .
    أنت يا أستاذ موفور الأدب لا تزكي كل من هب ودب
    ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) (النساء: من الآية135) .
    * انتمى أهل السنة إلى حزب الله ، والعبد وما ملك لسيده ، إذا سئلت : ما اسم أهل السنة ؟ فقل : هم الذين ليس لهم اسم إلا أهل السنة ، شيخ أهل السنة : محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وبيوتهم : المساجد ، وكتبهم القرآن ، ودواوينهم : السنة ، يريدون وجهه ، مواعيد الدروس عندهم بالغدو والآصال ، لهم علامات ، منها : حب الصحابة ، والترضي عنهم ، وعندهم : عدم تكفير أهل الكبائر ما لم يستحلوها ، وزيادة الإيمان ونقصانه ، والقدر عندهم من الله ، خيره وشره ، والأعمال عندهم من الإيمان ، والعبد له مشيئة تحت مشيئة الله عز وجل .
    أهل السنة رواد الجنة :
    هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
    ولا يستطيع الفاعلون فعالهم ولو حاولوا في النازلات وأجملوا
    * آه .. طعن عمر فما قال : آه ، خنجر أبي لؤلؤة مصنوع في الخارج ، والمؤامرة محبوكة ، سقط في المحراب ، وكفن في الثياب ، وكسر الباب .
    عمر عظيم ما يموت فطيسة ، ما يموت إلا مزكي ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) (المائدة:من الآية3) . ( وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً) (الإنسان :13) .
    قال ابن الحداد المالكي : دفنت سعادة الإسلام في أكفان عمر ، وصدق ، فلأن الإسلام لا زال جريحاً بعد جرح عمر ، فالله المستعان .
    * حاطب بن أبي بلتعة عنده حصانة حضور بدر ، أراد عمر أن يؤدبه بقطع الرأس ، فقال لسان الحال : على أي أساس ، قال أبو حفص : لقد خان الله ورسوله ، فقال صاحب الشرع ، عليه الصلاة والسلام : ( وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )!! فسالت دموع عمر واكتشف الخبر ، فمهما حدث ، ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ) .
    في دفتر الوحي ( أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) (الأحقاف:16).
    * قيل أيهما أقرب إلى الإسلام : الحداثة أو العلمانية ؟
    قلنا : كان للعبادي حماران ، فقيل له : أيهما أقبح ؟ قال : هذا ثم هذا .
    ( تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) (المائدة:80) .
    * لما تولى استالين *** لينين ، فلما تولى خروتشوف *** استالين ، فلما جاء غورباتشوف قطع الرباط وانتهى ، ( كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا ) (لأعراف: من الآية38) .
    * جوائز البشر مكتوب عليها : ( مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ) (النحل: من الآية96) وجوائز ملك الملك كتب عليها : ( وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ) (النحل: من الآية96) ، قل لعباد الدنيا : ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود:16) .
    * دخل سالم بن عبد الله بن عمر الحرم طائفاً ، فلقيه الخليفة هشام بن عبد الملك ، فقال لسالم : يا سالم ، آلك إلى حاجة ؟ قال سالم : أما تستحي ، تقول هذا الكلام ، وأنا في بيت ملك الملوك ؟ علم سالم أن عطايا الخدم ، لا تتجاوز القدم ، كيف يمد يديه إلى هشام ، وهو في حضرة الملك العلام ؟ كيف يترك العطاء القدسي ، لعطاء عبد الكرسي ؟ لما خرج سالم من الحرم ، عرض له هشام ، وأعاد عليه : هل من حاجة ؟ قال سالم : من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة ؟ قال : حوائج الآخرة لا أملكها ، وإنما أملك حوائج الدنيا ، قال سالم : والله ، ما سألت الدنيا ممن يملكها ، فكيف أسالها منك ؟! الخدم يشترون الذمم ، حتى في الحرم ، لكن سالماً عرف الجواب ، فحوى الخطاب ، لأن جده عمر بن الخطاب :
    يا ابن الذين سما كسرى لجمعهم فجللوا وجهه قاراً بذي قار
    يا دوحة الصدق والفاروق رائدها تلك السلالة لا أوباش ديار
    * جلسوا تحت الشجرة ، وتظللوا بالمرة ، وبايعوه على قتال الفجرة ، فما قاموا حتى سمعوا : ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) (الفتح: من الآية18) . فقل لي بربك ، أي فرح فرحوه ، وأي كسب ربحوه ؟ لو قيل لك : الملك رضي عنك ، لأصابتك نشوة الفرح ، فكيف إذا رضي ملك الملوك ؟
    رضاك رضَاك يا مولاي عني فهل يرضيك أن قدمت نفسي
    أهل بيعة الرضوان ، ضيوف الرحمن ، لكن الكافر ما دري ، بسر ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى ) (التوبة: من الآية111) .
    * ( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله ، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء ، فإنه من طلبه بذمته أدركه ، ومن أدركه كبه على وجهه في النار ) .
    من علامة المنافق : حذف صلاة الفجر من جدوله ، وربما نقرها بعد الشروق ، ولكن هيهات ، الوقوف بعرفة في اليوم التاسع ، ومن فاته الوقوف بعرفات ، فليبك على نفسه قبل الوفاة ، ضيعت رأس المال ونحن نطلب الربح ، أردنا منك صلاة الليل فتركت الصبح ، حرصك على النوم الطويل ، أوقعك في الخطأ الوبيل .
    فما أطال النوم عمر وما قصر في الأعمار طول السهر
    ( بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) .
    قيل للحسن : لماذا صفت وجوه المتهجدين بالنور ؟ قال : خلوا بالرحمن ، فألبسهم نوراً من نوره .
    * صلى أسيد بن حضير في الغلس ، فدنا الحرس ، وتحرك الفرس ، فأخبر معلمه ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( تلك الملائكة تنزلت للقرآن ، ولو بقيت تقرأ لأصبح يراها الناس لا تتواري منهم ) !
    ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) (غافر:7) .
    * مساكين نحن ، ندعي أنا أمة الخلافة ولا يحضر لصلاة الفجر إلا صف واحد إذا ... فلو بدأ قتال الكفار ما وجدنا ولو صفاً .
    من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح
    هاتوا من المليار مليوناً صحاحاً من صحاح
    * وزع ( صلى الله عليه وسلم ) الغنائم ، فأعطاها مسلمة الفتح ، وترك أبطال الفتح ، فجرى همس العتاب في الأصحاب .
    فخلا الأنصار المختار بالأنصار بالمختار ، وبين لهم سر المسألة في قوله : ( أما ترضون أن يذهب الناس بالشاه والبعير ، وتذهبون برسول الله إلى رحاكم ؟ ! فو الذي نفسي بيده لما تذهبون به خير مما يذهب به الناس ) .
    وصدق المعصوم ، فإنه ( صلى الله عليه وسلم ) نصيب الأنصار من الغنائم ، وأولئك نصيبهم البهائم .
    خذوا الشياه والجمال والبقر فقد أخذنا عنكم خير البشر
    يا قسمة ترفع رأس مجدنا حزنا اليواقيت وقد حازوا البعر
    * الأبرار يأتون إلى مسجده ( صلى الله عليه وسلم ) ، من بني سلمة ، ويتخلف الظلمة ، عن صلاة العتمة ، فقام منذراً ، وصاح محذراً : ( والذي نفسي بيده لقد هممت بالصلاة فتقام ، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون معنا العشاء فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ) .
    أشعل بيوت الناكثين بأهلها أصل الوجوه السود صلوا بالنار
    يتخلفون عن الصلاة دناءة ألهاك يا سهران ضرب الطار
    * بلال يناديك من أعلى المنارة ، وأنت نائم في العمارة ، لو أطلعت بلال ، لدخلت في مسمى الرجال ، (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور:37) .
    * كان المنافقون يتخلفون عن صلاة العشاء والفجر ؛ لأنه لم يكن في المدينة كهرباء في ذلك العصر ، فلما أضيء الكهرباء ، ظهر الوباء .
    * أشعل النمرود الفتيل ، وسعر النار في الأصيل، ورمى فيها بالخليل ، فأطفأها حسبنا الله ونعم الوكيل .
    الأعداء خططوا لكم ، فخذوا حذركم ، إن الناس قد جمعوا لكم ، فحسبنا الله ونعم الوكيل .
    أبرمت خيوط الفتنة ، ونسجت حبال المحنة ، ونقض عهد الهدنة ، فحسبنا الله ونعم الوكيل .
    اتفق المنافقون ، واجتمع المارقون ، وقل الصادقون ، فحسبنا الله ونعم الوكيل .
    سألتك لا تكلني للأعادي فقد أسكنت حبك في فؤادي
    فزودني من التوفيق زاداً عطاؤك يا إلهي خير زادي
    ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر:36) .
    * هاك بعض صفات المنافقين في الجملة ، فاحذر أن تكون في الحملة ، كسل عن الصلوات ، واستهزاء بالدين في الخلوات ، وانقضاض على الأعراض ، وسماع الآيات في إعراض ، الدين عندهم ثانوي ، لأن الجد مانوي !
    الله كم من صرح للإسلام هدموه ، وكم من طريق للحق ردموه ، يظنون كل إشارة إليهم ، و ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ) (المنافقون: من الآية4) كم زلزلهم الوحي وأنذرهم ، ( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ) (المنافقون: من الآية4) ( وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِم) (المنافقون: من الآية4) لكن العلامات عليهم ومن حولهم .
    سهامهم في نحور العلماء مسددة ، ( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ) (المنافقون: من الآية4) ، رفعت مع الباطل أعلموهم ، ( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ) (المنافقون: من الآية4) .
    عثرت بعبد الله بن أبي بغلة التوفيق ، فسقط في الطريق ، ما طهرته صلاة الإمام ؛ لأنه غارق في الإجرام ، أراد المعصوم أن يمده مدداً فنزلت : ( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ) (التوبة: من الآية84) خاف عمر على نفسه من النفاق ، قيل له : سبحان الله يا شيخ ، أنت الفاروق باتفاق .
    أصبحت منهم الدنيا كالجيفة ، تستروا لأنه مات حذيفة :
    أنت مني وتدعي حمل حبي كل يوم تعطي اليمين الغموسا
    ول عني عرفت فيك أموراً حربة في القفا ووجهاً عبوساً
    * سقطت الأندلس لما تولى السقط ، ضعفت الملة ، وتداعى المنبر ، وعزل القرآن عن الميدان ، وطمست معالم الرسالة ، وصار اللهو أمنية ، ودوت الأغنية ، وصار الناس حيارى ، وتحالف الأدعياء مع النصارى ، وتنحى العلماء عن الدهماء ، فلا آمر ولا منكر ، ولا واعظ ولا مذكر ، الخطيب مرتج ، والسامعون يلعبون الشطرنج .
    ( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً) (الكهف:59)
    أبك مثل النساء مجداً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال
    * المرأة درة مصونة ، وياقوتة مكنونة ، أرادوا أن تنزع الجلباب وتخلع الحجاب ، أرادوا لها حياة فوضوية ، والله يقول : ( وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ ) (الأحزاب: من الآية33) .
    يريد المصلحون لها منهجاً قويماً ، ( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيما ً) (النساء: من الآية27) .
    يا فتاة الدين قومي للغبي ردي عليه
    حين نادى يا ابنة الإس لام خدرك مزقيه
    يا خسيس الطبع لص كل *** يدعيه
    ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب:59) .
    * تفوق الصحابة على من بعدهم بأمور :
    منها : أنهم يطالعون الغيب المستور ، كما يرون الشاهد المنظور ، فكان أحدهم في الغزوات ، لو مد يده لتناول عنب الجنة ، من يقينه بخبر الصادق المصدوق .
    ومنها : أنهم بدمائهم أجود منا بدراهمنا ، ويكفي أن يصب الواحد منهم دمه في سبيل الله ، كلمات من معلم الخير ( صلى الله عليه وسلم ) ، بينما يقوم واعظنا بالخطب الطوال يطلب المال ، لوجه ذي الجلال ، فنكدي في العطية ونمن بالبذل .
    ومنها : أن من عصى من أولئك يأتي إلى الموت نشيطاً ليطهر نفسه ولو كان في ذلك ذهاب رأسه ، فقل لي بربك أي إقدام هو إقدام ماعز والغامدية ؟! في طلب التطير من رسول البشرية .
    ومنها : أن علم الصحابة للعمل ، وثقافتهم لما يحتاجون إليه ، بينما أصبح العلم ترفاً ، والفكر خيالاً ، والثقافة موضة .
    ومنها : أن الصحابة يعيشون على الكفاية ، ومن زاد منهم ماله قدمه لمآله ، والمتأخر ون أصبح جمع المال عندهم مهنة ، والسعي وراء الحطام حرفة ، فاشتغلوا بفضول العيش عن أصول العمل .
    ومنها : أن الصحابة قاموا بأعمال القلوب خير قيام ، من الخوف ، والرجاء ، والرغبة ، والرهبة ، والخشية ، والمحبة وغيرها ، مع قيامهم بأعمال الجوارح ، بينما الخلف يهتمون بالظاهر أكثر من الباطن ، فلذلك وقع الخلل في الأعمال والأقوال ، لأن ( في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ) .
    * اشكر لمن شرفك بصعود المنبر ، وعرف الناس به في كلامك ، ولا تعرف الناس بنفسك فإنه سبحانه أعرف المعارف ، وأنت نكرة من النكرات .
    ولولا أن تعظمه سبحانه ما عظمك الناس .
    وما دام أنه ستر معايبك عن الحضور ، فانتشر مدائحه سبحانه في الجمهور ، الله يستحق المدح ويحبه ، ولذلك مدح نفسه بأشرف المدائح ، ونزه نفسه عن القبائح .
    كلما بالغت في مدح المخلوق ، قال الناس : هذا غير صدوق ، وكلما أكثرت من مدح الخالق ، قالت القلوب : حياك الله يا صادق .
    * إذا لم تصاحب الصحابة الأخيار فأقرأ الأخبار .
    فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أن أرى الديار بسمعي
    قراءة سير الصحابة حسنة من الحسنات ، تظهر للقارئ سمو حياتهم ، وجلالة قدرهم ، وعظيم تضحيتهم ؛ ليعرف الإنسان قدر نفسه ، وضآلته أمام هؤلاء الأعلام الكرام ، وربما شده مقام من مقاما تهم ، إلى الاتصاف ببعض صفاتهم .
    كان ابن المبارك يخلو بأخبار الصحابة في خلوة شرعية روحية ، ويخبر طلابه ، أنه جلس مع الصحابة .
    ما في الخيام أخو وجد نطاحه حديث نجد ولا خل نجاريه
    * حضرت أبا بكر الصديق الوفاة ، ليلقى بعدها رباً طالما عبده ووحده ، وأحبه ، وتقرب إليه وجاهد من أجله .
    ليلقى رباً طالما أحب فيه البعيد ، وابغض فيه القريب ، سالم من أجله وحارب ، ورضي لرضاه ، وغضب لغضبه .
    ربا أعطي لوجهه النفس والنفيس ، والغالي والرخيص ، سكب لمرضاته الدمع والدم ، وأتعب لدينه الروح والبدن ، ربا ملك حبه على أبي بكر كل لحظة ولفظة .
    كأن رقيباً منك يرعى جوارحي وآخر يرعى ناظري وفؤادي
    رباً سال حبه في عروق أبي بكر وعرقه ، من أخمصِه إلى مفرقه ، به يبصر وبه يرى ، وبه يسمع .
    رباً هو صاحب كل خير ، وصل أبا بكر .
    هو الذي خلق ورزق ، وأعطى ، وأفاد ، وهدى .
    إنها أمنية ابي بكر أن يلقى ربه ، لذلك خف لهذا اللقاء ، ونشط لهذا النداء ، وتخفف لهذا السفر ، فإذا التركة بغلة ، لكن لبيت المال ، وثياب لكنها كفن للصديق ، أما الثروة الطائلة التي جمعها أبو بكر ، أما الأموال التي حصلها ، أما الكنوز ، والخيول ، والجمال ، والغنم ، فقد قدمها أبو بكر أمامه عند من لا تضيع عنده الودائع .
    ماذا قدمنا نحن ؟ ماذا فعلنا ؟ ماذا بذلنا ؟ ماذا حصلنا ؟ أي جهد بذلناه ، أي دمع سكبناه ، أي دم أسلناه ؟ لاشيء .
    ننكص عن الفجر ، وقد قام الصديق في الدجى ، ولا نبكي في الخوف ، والصديق يبكي في الرجا .
    نحن نجر المطارف ، يوم مطارف أبي بكر تجر بسيوف الغزاة في بدر وأحد .
    * قليل في اتباع خير من كثير في ابتداع .
    الفرائض الخمس مع ركعتي الضحى ، والوتر قبل النوم ، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر ، ومداومة الذكر، والكف عن الذنوب ، هذا منهج الراشدين ، مع ما يتيسر من كتاب رب العالمين .
    * السلف كلامهم قليل ، لكنه كله درر ، والخلف كثرة كلام وإسهاب منطق ، لكن غالبيه سقط وجله زخرف .
    ختاماً :
    انتهت مصارع العشاق ، وكان القصد منها طرحاً جديداً في قالب أدبي أخاذ ، فنحن أمة الإبداع ، وقرآننا سر البلاغة والإعجاز .
    وصدت من هذا الفن إراحة النفوس من الرتابة ، وإقالتها من النمط الواحد ، فالنفس ملولة ، والأذن مجاجة، وتنويع الطرح وتصريف الكلام أدعى للقبول ، وكلما تعددت أساليب الحق فهم ، وكلما تنوعت قوالب الصدق علم . وتبارك القائل في كتابه : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) (الكهف :54) .
    سبحان ربك رب العزة عما يصفون . وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

     قالوا ...
     قلنا ...

    قالوا .. و.. قلنا عبارات مختصرة تحمل معاني مركزة كتبتها من راس القلم ، دون تنميق أو إطالة ، فهي ردود سريعة تناسب زمن السرعة الذي نعيشه الآن .
    قالوا : نحن ندعو إلى حرية المرأة .
    قلنا : حريتها ليس فيما تدعون إليه ، فهل تدرون ما هي حرية المرأة ؟ حريتها في الحجاب الشرعي ، حريتها في الستر والعفاف ، حريتها في الطهر والوقار والسكينة ، حريتها أن تكون أم لله تملأ قلبها بلا إله إلا الله ، وعينها بحياء الله .
    كأن رقيباً منك يرعى جوارحي وآخر يرعى مسمعي وجناني
    ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ) (النور: من الآية31) ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب: من الآية33) .
    حرية المرأة : أن تصلي الصلوات الخمس في أوقاتهن .
    حرية المرأة : أن تخرج من البيت أطفالاً ، يؤمنون بالله ، لا أطفال شوارع .
    أما حريتهم فهي : أن تكون المرأة عارضة أزياء ، وبائعة في البوفيه ، ومشترية تجوب السواق صباح مساء ، معروضة للفساق .
    وقف أعرابي ، فرأى امرأته تنظر للأجانب ، فقال : أتنظرين للأجانب ؟
    قالت : إني أنظر فقط .
    فطلقها بالثلاث .
    فلامه الناس .
    فقال : أضاجعها ، وأدخلها بيتي ، وقد ملأت عينيها من الأجانب ، ثم قال :
    إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه
    وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كن الكلاب ولغن فيه
    سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه كان من أغير الناس ، يقول للرسول ( صلى الله عليه وسلم ): يا رسول الله ، إذا وجد أحدنا ، والعياذ بالله ، مع امرأته رجلاً أجنبياً فماذا يفعل ؟
    قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( يأتي بأربعة شهود ) .
    حتى لا تضيع دماء ، الناس وأعراض الناس ، وسمعة الناس .
    فقال : يا رسول الله ، أمكث حتى أجمع أربعة ؟! لأضربنه هو وإياها بالسيف غير مصفح .
    فتبسم ( صلى الله عليه وسلم ) وقال : ( تعجبون من غيرة سعد ، والذي نفسي بيده ، إني أغير من سعد، وإن الله أغير مني ) (12) .

    قالوا : الغناء حلال .
    قلنا : الغناء حرام بإجماع العلماء ، كما قال الشوكاني ، والآجري ، وغيرهما ، وبأدلة كثيرة من الكتاب والسنة ، وبفتاوى العلماء الأجلاء .. وراجع لذلك إغاثة اللهفان لأبن القيم .
    قالوا : هل في الشعر كفر ؟ وما أمثلة ذلك .
    قلنا : نعم .. وإليكم الأمثلة وأنتم تحكمون .
    1 أحد الشعراء دخل مع بعض الجيوش العربية فلسطين ، يوم دخلت بعض الجيوش بغير لا لإله لإلا الله ، فكتب على أحد الأعلام :
    آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني
    وهكذا كفر بإجماع العلماء بل بإجماع العقلاء ؛ لأنه استبدل الإسلام بالعروبة .
    2 ويقوا آخر :
    هبوا لي ديناً يجعل العرب ملة وسيروا بجثماني على دين برهم
    ألا حبذا كفراً يؤلف بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
    3 ويقول ثالث يخاطب سلطاناً :
    أنت الذي تنزل الأيام منزلها وتنزل الدهر من حال إلى حال
    ولا مددت يداً في اللوح كاتبة إلا قضيت بأعمار وآجال
    لا إله إلا الله !
    4 ويقول رابع ويخاطب سلطاناً أيضاً :
    ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
    5 ويقول خامس لما زلزلت مصر في عهد أحد السلاطين الظلمة تنبيهاً له من الله ، فقال الشاعر قالباً الحقائق ، وصارفاً لهذا السلطان عن التوبة :
    ما زلزلت مصر من كيد ألم بها لكنها رقصت من عدلكم طربا
    قالوا : انتم منعتم المرأة من مزاولة الأعمال والمهن .
    قلنا : هذا كذب ، فإن ديننا علمها العمل الكريم ، والمهنة الشريفة ، علمها أن تكون مربية .
    يقول البخاري في كتاب العلم : (باب) هل يجعل الإمام للمرأة يوماً من نفسه .
    ويوم الاثنين كان يوماً معروفاً عند الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يعلم المرأة ، ويجلس مع النساء ، ويربي النساء ، ويفهم النساء ، ويفتي للنساء .
    وكان يعيش مع المرأة قضاياها : الحيض ، والنفاس ، والولادة ، والحياة الزوجية ، والبيت ، وكل دقيقة ، وجليلة من حياتها ، وعلمها الإسلام كيف تربي الأجيال .
    ولكن لما ضيع الناس المرأة ، أخرجت سفهاء ، أخرجت أناساً يصل الواحد منهم الأربعين وهوايته جمع الطوابع والمراسلة وصيد الحمام ! .
    قالوا : الإسلام دين التطرف .
    قلنا : ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ) (الكهف: من الآية5) .
    ولو أني بليت بهاشمي خؤولته بنو عبد المداني
    لهان على ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
    لقد أراهم الله ما هو التطرف ، فرئيس رومانيا قام عليه شعبه فسحبوه كالدجاجة ، حتى ذبحوه في الشارع ، وآمنوا بالتعددية وكفروا بالشيوعية .
    قالوا : الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أشد عظمة في عسكريته من نابليون .
    قلنا :
    ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل أن السيف أمضى من العصا
    لا يجوز لك هذه المقارنة بين عظيم يتلقى الوحي من السماء ، وبين مجرم فرنسي ، سحق الأطفال والشيوخ ، واستعمر العالم ، وسفك الدماء وهدم المساجد .
    فالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يقول الله فيه : ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) ما ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (النجم : 1-4) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107) ، وأما ذاك فتلعنه الشعوب .
    قالوا : أنتم ليس عندكم حب .
    قلنا : لأن القوم أهل حب وعشق ثم :
    قالوا الهوى والحب هل تغني له أم أنت في دينا الهوى متجلد
    قلت المحبة للذي حمل الهدى فحبيب قلبي في الحياة محمد
    فالحب ، مثل حب سعد بن معاذ ، الذي يقول : يا رسول الله ، والذي نفسي بيده لو استعرضت بنا البحر فخضته ، لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد .
    وحب أنس بن النضر الذي يقول : إليك عني يا سعد ، والذي نفسي بيده إني لأجد الجنة من دون أحد .
    وحب جعفر الطيار ن الذي يقول :
    يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
    والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
    على إن لاقيتها ضرابها
    وحب عمير بن الحمام الذي قال : اللهم خذ من دمي هذا اليوم بخ بَخ ، إذا بقيت إلى أن آكل هذه التمرات فإنها لحياة طويلة .
    وحب سعد بن الربيع ، الذي قال : اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى .
    قالوا : شاعر الإنجليز شكسبير دخل على فنانين رسامين في حديقة في لندن .
    فقالوا : ما رأيك في اللوحات ؟
    قال : جيدة .
    قالوا : هل لك اقتراح ؟
    قال : لي اقتراح أن يعلق الرسامون بدل هذه اللوحات .
    قلنا : صدق شكسبير ، وهو كذوب ، فبعض الرسامين ينبغي أن يعلق بدلاً من لوحته !
    قالوا : إسرائيل تقتل الأطفال والشيوخ بهمجية .
    قلنا :
    لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
    فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا شدوا على الغارات فرساناً وركبانا
    لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
    قالوا لماذا كثرت العنوسة في النساء ؟
    قلنا : لأنهن مشغولات بتأمين المستقبل ، والمستقبل لا يؤمنه إلا الله .
    وتأمين المستقبل هذا نشره الغزو الفكري على أسماع بنات الإسلام ، فأصبحت المرأة ترى أن مستقبلها : الشهادة ، فتترك الزواج إلى أن يفوت وقت الزواج ، ثم لا يرغب بها أحد .
    والحل أن تؤمن بالله وتعلم قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه ، إن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ) . رواه الترمذي بسند صحيح (13) .
    يقول مصدر مطلع : بلغ نسبة الرجال للنساء في بلدنا رجلاً واحداً إلى أربع نساء .
    قالوا : ما هي أجمل عبارة ؟
    قلنا : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5) .
    يقول ابن القيم : أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب ، جمع حكمتها في أربعة كتب : في الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن ، ثم جمع حكمة الأربعة في القرآن ، ثم جمع القرآن في المفصل ، ثم جمعه في الفاتحة ، ثم جمع الفاتحة في : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5) .
    قالوا : ما أجمل أسم ؟
    قلنا : الله أجمل اسم .
    لما توفي سيبويه رؤى في المنام فقالوا : ما فعل الله بك ؟
    قال : غفر لي .
    قالوا : بماذا ؟
    قال : لما وصلت في كتاب النحو إلى لفظ الجلالة ، قلت االله أعرف المعارف ، لا يحتاج إلى تعريف ، فغفر الله له .
    قالوا : ما أجل كتاب ؟
    قلنا : القرآن الكريم الذي ما أعطيناه حقه ، وما عشنا معه ، كما ينبغي أن يعاش معه ، حتى أخذت المجلة وقت المصحف .
    اركب من أبها إلى جدة ، أو الرياض ، وانظر في الركاب ، وهم مسلمون جميعاً من الذي يفتح المصحف في الرحلة ؟
    فكل رجل منهم معه صحيفة يقرأها ، وقراءة الصحف لابد منها لمعرفة أخبار العالم والناس ، لكن .. أين وقت القرآن ؟
    يقول أحد الصالحين لأبنه لما حضرته الوفاة : يا بني لا تعص الله في هذا البيت ، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد ختمت كتاب الله في هذه الزاوية ثمانية آلاف مرة .
    إن الأمة كانت ميتة ، فأنزل الله عليها روحاً ، هو : القرآن ( وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) (الشورى: من الآية52) .
    حدثنا بعض العلماء في الرياض : أن بعض العباد في الرياض ، لا زالوا أحياء اليوم ، في السبعين والثمانين ، يصلون صلاة الفجر يوم الجمعة في المسجد الجامع ، ثم يفتحون المصحف ، فيقرأونه من أوله من الفاتحة ، وقبل دخول الخطيب بدقائق ينتهون من سورة الناس .
    يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) (14) .
    يقول : ( من قرأ القرآن فله بكل حرف حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول لام ميم حرف ولكن ألف حرف ، ولام حرف وميم حرف ) (15) .
    قالوا : ما أجمل بيت ؟
    قلنا : الكعبة التي نظر إليها ( صلى الله عليه وسلم ) وقال : ( ما أعظمك ، وما أشد حرمتك ، والذي نفسي بيده ! للمسلم أعظم حرمة منك ) (16) .
    قالوا : من أفضل شاعر ؟
    قلنا : حسان بن ثابت حبيبنا ، وهو قائد الشعراء إلى الجنة يوم القيامة ، يدخل الجنة بالأدب .
    كان ( صلى الله عليه وسلم ) يسمع هجو المشركين ، يسبونه ويشتمونه وينتهكون كرامته ، فيقول : ( يا حسان كيفك مع المشركين ) ؟ يعني : هل تستطيع أن تمرغهم في التراب .
    قال يا رسول الله ، أستطيع .
    قال : ( بماذا ؟ ) فأخرج حسان لسانه ، وضرب به أرنبة أنفه ، وقال : يا رسول الله بهذا ، الذي لو وضعته على صخر لفلقه ، ولو وضعته على شعر لحلقه .
    قال : ( اللهم أيده بروح القدس ) (17) ، أي : جبريل ، لن جبريل يحب حساناً وحساناً يحب جبريل ، وحسان مدح جبريل بقوله :
    وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد
    يقول : القيادة العليا في يد جبريل ، وفي يد محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
    قال بعض العلماء : بل القائد الأعلى ، هو : محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
    وجبريل ، عليه السلام ، تحت قيادته .
    وهو صاحب الأبيات الجميلة التي يقول فيها :
    فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم فداء
    فإما تعرضوا عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء
    وإلا فاصبوا لجلاد يوم يعز الله فيه من يشاء
    قالوا : ما أقرى ركن ؟
    قلنا : التوكل على الله .
    قالوا : وأنبل زعيم ؟
    قلنا : عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه .
    قالوا : وأنجح قائد ؟
    قلنا : خالد بن الوليد ، لذي خاض في الجاهلية ، والإسلام مائة معركة ، فما غلب في الجاهلية ولا في الإسلام .
    خالد الذي بقي قبل الموت سنوات ، بعدها فتح الله الفتوح على المسلمين ، وبعدها قتل أعداء الله ، وبعدها استلمت ثلاثة أرباع الدنيا بنصر الله ، ثم بسيف الله خالد .
    أتت الغنائم ، وأتى الذهب ، وأتت الفضة ، وأتت الحدائق والقصور والبساتين فتركها خالد ، وأتى إلى قرية في حمص ، فأخذ مصحفاً ، لا يزال إلى اليوم في المسجد الأموي في دمشق ، كما يقول المؤرخون ، فكان يفتحه من الصباح ، ولا يطبقه إلا في صلاة الظهر .
    وكان يبكي ويقول : شغلني الجهاد عن القرآن ، شغلني الجهاد عن القرآن ، فلما أخرجوا جنازته أخذت أخته تبكي وتقول :
    أنت خير من ألف ألفَ من القوم إذا ما كبت وجوه الرجال
    ومهين للنفس العزيزة للذكر إذا ما التقت صدور العوالي
    وأتى الخبر عمر في المدينة ، فأخذ بردته يجرها ، وجلس وحده يبكي ، وأخذ يضرب رجله بعصا عنده ، ويقول : ذهبوا وتركوني .
    فأتى رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، امنع النساء البكاء .
    قال : دعهن ، على مثل أبي سليمان فلتبك البواكي .
    تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها
    وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها
    ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
    قالوا : ما رأيك في هذه الأسماء : نزار قباني ؟
    قلنا : هو الذي أضله الله على علم ، وختم على سمعه وقلبه ، وجعل على بصره غشاوة .
    قالوا : شعره جميل .
    قلنا : كقول فرعون : ( آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ ) (يونس: من الآية90) ، له قصائد جميلة ، ولكن لا يعني ذلك أن نتبناه ، أو ننشر شعره ، أو نطالع ما يبثه من سموم ، فهو متهتك متعدٍ لحدود الله .
    قالوا : ونازك الملائكة ؟
    قلنا :
    وما شر الثلاثة أم عمرو بصاحبك الذي لا تصحبينا
    قالوا : وطه حسين ؟
    قلنا : مؤرخ الفراعنة ، وهويته فرنسية ، إذا عاد إلى مصر قال : الفراعنة الفراعنة ، ,إذا ذهب إلى الغرب قال باريس باريس .
    قالوا : وعبد العزيز بن عبد الله بن باز ؟
    قلنا :
    عليه سلام الله ما أشرق الضحى ورحمته ما شاء أن يترحما
    تحية شهم باع لله نفسه مقاصده أغلى وأعلى وأعظما
    قالوا : الشباب لا يقرأون .
    قلنا : إذا كبروا سوف يندمون .
    قالوا ما هو أعز مكان وأحسن جليس يتولى ؟
    قلنا : كما قال المتنبي :
    أعز مكان في الدنيا سرج سابح وخير جليس في الأنام كتاب
    يقول : أعز مكان في الدنيا : ظهر الفرس ، إذا قاتلت به في سبيل الله .
    والعرب أحدهم كان يتمنى قبل الإسلام ، إذا مات أن يموت على ظهر الفرس .
    أتى عامر بن الطفيل ، أحد شجعان العرب في الجاهلية ، وعظماء العرب ، هو ، وأربد بن قيس يريدان اغتيال الرسول ( صلى الله عليه وسلم )، فحماه الله منهم ، فلما ولى عامر بن الطفيل قال ( صلى الله عليه وسلم ): ( اللهم اكفنيهم بما شئت ) .
    فدخل عامر في بيت عجوز سلولية يريد أن يشرب ماء فأصابه الله بغدة كغدة البعير ، فأصبحت الغدة كالثدي في نحره ، فعرف أنه الموت ، فأخذ سيفه وصعد على ظهر الفرس ، وقال :
    غدة كغدة البعير في بيت امرأة سلولية ، والله لا أموت إلا على الفرس .
    مت على الفرس ، أو تحت الفرس ، أو في بطن الفرس ، فأنت عدو لله .
    والشاهد أنهم يرون : أن أعز مكان سرج الفرس .
    وخير جليس في الأنام هو كتاب الله .
    يقول ابن كثير عن المتقي الخليفة العباسي أنه لما تولى الخلافة ، كان إذا صلى العشاء أغلق أبوابه وقال : أريد أن أخلو بنفسي هذه الليلة مع كتاب الله ، فربما تكون آخر ليلة . فيقرأ إلى صلاة الفجر .
    فيأتونه الليلة الثانية فيقول : ربما تكون آخر ليلة ، حتى لقي الله .
    قال له الناس في الصباح : نريد أن نسامرك .
    قال : كفى بالله جليساً ، وكفى بكتاب الله أنيساً .
    قالوا صف لنا الزهرة ؟
    قلت : يقول أبو نواس :
    تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك
    عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك
    على كثب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك
    قالوا : متى نقرأ الصحف والمجلات ؟
    قلنا : إذا قرأتم حزبكم اليومي من القرآن .
    قالوا : حدثنا عن الأعمش رحمه الله ؟
    قلنا : امتاز الأعمش بخفة الروح ، وفيه دليل على : أن الإسلام دين لطيف ، وأن فيه متسعاً للناس .
    قيل لسفيان الثوري : المزاح هجنة .
    قال : بل سنة .
    كان الأعمش مزاحاً ، فكان إذا أتاه الثقلاء ، قال : ( رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) (الدخان:12) .
    وكان متواضعاً ، ومن تواضعه عدم الاعتناء بالمظهر ، والاعتناء بالمظهر : طيب ، لكن هو متواضع يظهر البذاذة ، فكان يلبس الفرو مقلوباً .
    فيقول له أحد تلاميذه : لو قبلت فروك كان أحسن .
    قال أشر على الخروف بذلك ، أي : أن الفرو على الخروف مقلوب أصلاً .
    قال له أحد الحاكة : هل تجوز إمامة الحاكة ؟
    قال : نعم بلا وضوء .
    قالوا : من هم المتطرفون ؟
    قلنا : هم مروجو المخدرات ، وتاركو الصلوات ، وعاقو الآباء والأمهات .
    قالوا : إلى أين وصلت الدعوة الإسلامية ؟
    قلنا : إلى موسكو ، فقد خرج هذه السنة من موسكو ما يقارب ألفي حاج .
    قالوا : لماذا لا تحضر النساء الدروس والمحاضرات النافعة ؟
    قلنا : لأن أزواجهن لا يحضرون .
    قالوا : ما هي أحسن هدية للصديق المسلم ؟
    قلنا : الشريط الإسلامي ، والكتاب النافع .
    قالوا : زارك أحباب لك .
    قلنا :
    ضيوف الخير قد شرفتمونا بلقياكم ربوع الجو طاب
    فنفسي من زيارتكم تباهت بثوب الخلد أطلقت الضباب
    قالوا : كيف نقضي على الفراغ ؟
    قلنا : تذكروا قوله تعالى : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (المؤمنون:115-116) . قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ ) (18) .
    وتذكروا قول الشاعر :
    دقات قلب المرء قائله له أن الحياة دقائق وثواني
    فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني

    قالوا : ما هو الخطر الداهم الذي يهدد العالم ؟
    قلنا : هو الموت ، ولقاء الله ( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (البقرة:281) .

    يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أكثروا من ذكر هاذم اللذات ) (19).
    ويقول الشاعر :
    هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب
    نؤمل أملاً ونرجوا نتاجها لعل الرجا مما نرجيه أقرب
    ونبني القصور المشمخرات في الهوا وفي علمنا أنا نموت وتخرب
    إلى الله نشكوا قسوة في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب
    قالوا : الكفار أكثر الناس أمولاً وديناً .
    قلنا : ( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ) (التوبة: من الآية55) .
    قالوا : المصارعون أقوى الناس أجساماً .
    قلنا : ( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ) (المنافقون: من الآية4).
    قالوا : اليهود يهاجرون إلى فلسطين .
    قلنا : يسعون إلى حتفهم .
    لقيناهم بأرماح طوال ولا قونا بأعمار قصار
    قالوا : على الدعوة الإسلامية ملاحظات .
    قلنا : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث .
    أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمو من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
    وقال آخر :
    هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
    ولا يستطيع الفاعلون كفعلهم وإن حاولوا في النائبات وأجملوا
    شرف الأمة الإسلامية ، هم : هؤلاء الشباب ، فهم رفعتها ، وعزها ، وكرامتها ، ومجدها .
    لقد فاخرنا بهم في أمريكا ، يوم كانوا دعاة ملتزمين ، وفي فرنسا ، وفي بريطانيا ، وفي كل دولة من دول العالم ، فأصبحوا تاجاً على رأس الأمة الإسلامية ، فمهما لاحظ الناس عليهم من ملاحظات ، فقد تجاوزوا القنطرة ، وأصبحوا بحمد الله عدولاً ، وأصبحوا بررة ، وأصبحوا على نهج محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
    عناقهم : شرف ، والجلوس معهم : كرامة وتعليمهم : ريادة ، والاستفادة من دعائهم : بركة ونور وهداية ، والاستماع إلى نصائحهم : إرشاد وفهم وفقه .
    إنهم ذخيرة الأمة .
    ( رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) (آل عمران:193) .


    سؤال وجواب

    أيها الأخوة الفضلاء لقد أمر الله ورسوله بالسؤال فقال : ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) (الزخرف:45) .
    والسؤال نصف العلم ، والجواب نصف العلم ، وحسن السؤال من حسن العقل .
    قالوا : لا رخصة لك .
    والله تعالى يقول : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (الأنبياء: من الآية7) .
    لكن السؤال محذور في مواطنين اثنين :
    الموطن الأول : أن تسأل عما لا يعنيك ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (المائدة:101) فما لا يعنيك لا تسأل عنه ، كمن يضيع عمره في مسألة وهو بحاجة إلى مسائل خير منها ، أو أحسن منها ، ولكنه دائماً يسأل عنها ، مثل الجدال البيزنطي حول دوران الأرض خول الشمس ، أو دوران الشمس حول الأرض ، أو أطفال أهل الفترة أو أسئلة لا تعنينا ، أو تنفعنا في الحياة .
    الثاني : ألا تسأل عن شيء ، استأثر الله بعلمه ، سبحانه وتعالى ، كالمتشابه من القرآن ، وتتكلف علم مثل (حمَ ) (غافر :1) ( الَمَ ) ( العنكبوت : 1) (نَ) ( القلم : 1) ( طسَمَ ) (القصص:1) ، إلى غير ذلك من الحروف التي استأثر الله بعلمها ، أو علم المتشابه ، فإن أهل العلم يقولون : معتقد أهل السنة أن يكفوا عن المتشابه ، والله يقول : ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِه) (آل عمران: من الآية7) ، ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) (آل عمران:7) .
    صح عنه ، عليه الصلاة والسلام ، أنه نهى عن كثرة السؤال ؛ وقال الإمام مالك : أراها المعضلات والأغلوطات ، يعني : كثرة السؤال من المعضلات التي يحاول بها البعض تعجيز العلماء والدعاة ، ليس قصده : العلم والفائدة ، بل قصده : أن يعجزهم ، فهذا منهي عنه .
    وقيل : كثرة السؤال : من يسأل الناس مالاً تكثراً فإنما يسأل جمراً .
    أيها الأخوة الفضلاء ، بين يدي : عشرون سؤالاً ، منها : أسئلة في العقيدة ، منها أسئلة في التوحيد ، وأسئلة : في الفقه ، وأسئلة في الحديث النبوي ، وأسئلة في الفكر الإسلامي ، ومنها أسئلة في المؤلفات والأدب وأسئلة اجتماعية ، فعسى ، الله أن يسدد ، وأن يهدي بما نخط وأن ينفع بما أكتب ونسأله سبحانه وتعالى أن هذا العلم حجة لنا لا حجة علينا .
    السؤال الأول : ما سبب قوله سبحانه وتعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ ) (التوبة:75-77) .
    الجواب : قال أهل السنة من العلماء وعلى رأسهم : ابن جرير وابن كثير : سبب نزولها : أن رجلاً اسمه : ابن جميل عاهد الله عز وجل وكان فقيراً فقال : يا رب ، أعاهدك إذا رزقتني مالاً أن أجعله في طاعتك وأن أنفقه في مرضاتك ، فأعطاه الله ما شاء من المال ، فأرسل الرسول ، عليه أفضل الصلاة والسلام ، عمر بن الخطاب يجمع الصدقة أمير المؤمنين الفاروق فذهب ، فمر على المسلمين ، فأعطوه الصدقات إلا العباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام ، وخالد بن الوليد ، وابن جميل امتنعوا .
    فأتى فأخبر الرسول ، عليه أفضل الصلاة والسلام ، فقال ، عليه أفضل الصلاة والسلام : ( أما العباس فهي على ومثلها ..) يعني : الصدقة ؛ لأنه دفعها لسنتين ، وهي دين على الرسول ، عليه أفضل الصلاة والسلام .
    ( وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً .. ) يعني : سيف الله المسلول أبا سليمان ( لقد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله ) يعني جعل ماله وقفاً ، يعني لا زكاة عليه ، فلماذا تطلب منه الزكاة (20) ؟
    يقولون معن لا زكاة لماله وكيف يزكي المال من هو باذله
    خالد عنده مائة فرس ، ومائة سيف ، ومائة درع ، جعلها وقفاً في سبيل الله .
    والوقف لا زكاة فيه .
    وأما ابن جميل هذا فيقول ، عليه الصلاة والسلام : ( أما ابن جميل فما كان ينقم إلا كان فقيراً فأغناه الله .. ) يقول : يحق لابن جميل أن يمنع فهو كالمستهزئ به ، فهل هذا جزاء المعروف ؟ وهذا جزاء الإحسان ؟
    فأنزل الله في ابن جميل ، وأسلوب القرآن ، لا يجرح ، ولا يشهر ، وهو أسلوب الداعي الناجح ، ألا تسمي الأسماء ، ولا تذكر الكيانات ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ) (التوبة: من الآية75) وكان يقول عليه الصلاة والسلام : ( ما بال أقوام يصنعون كذا وكذا ) .
    قال تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ ) (التوبة:75-77) وهذه الآية تسري على كل من يفعل ذلك ؛ لأن المال مال الله ، والمنصب لله ، والصحة أعطاها الله ، والرزق من الله ، فليس لأحد منة على الله ، بل المنة له وحده .
    وكثير من الناس تمر بهم ظروف فقر ، ويعاهدون الله في وقت الرخاء : أن يبذلوا ، وأن يعطوا ، فلما أعطاهم ، ومنحهم الله ، تولوا على أعقابهم ونقضوا عهد الله ، ومسثاق الله عز وجل .
    وأذكر قصة ذكرها رسول الهدى ، عليه الصلاة والسلام ، وهي في ( الصحيحين ) (21) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( كان فيمن كان قبلنا من بني إسرائيل ثلاثة : أقرع وأبرص وأعمى ) .
    الأقرع : الذي لا شعر في رأسه .
    والأبرص : الذي تغير جلده من البرص ، وذهب بهاؤه .
    والأعمى : الذي ذهب بصره .
    ( أراد الله أن يبتليهم فأرسل لهم ملكاً من السماء فنزل الملك فمر على الأقرع وقال : ماذا تشتهي ؟
    قال : أتمنى من الله أن يرد على شعر رأسي الذي قذرني الناس به .
    فسال الله أن يرد عليه شعر رأسه فرده .
    ثم قال : ماذا تشتهي من الأنعام ؟
    قال : أشتهي الإبل .
    فدعا الله له ، فرزقه الله بناقة ، ولدت ، وأنتجت حتى ملأت الوادي .
    ثم ذهب إلى الأبرص ، وقال : ماذا تطلب من الله ؟
    قال : جلداً حسناً يرده الله علي فقد قذرني الناس بجلدي .
    فسأل الله ، فرد عليه الجلد الحسن .
    قال : ماذا تشتهي من الأنعام ؟
    قال : البقر .
    فسأل الله عز وجل ، فأعطاه بقرة فولدت ، وأنتجت حتى ملأت الوادي .
    فذهب إلى الأعمى ، وقال : ماذا تشتهي ؟
    قال : أن يرد الله علي بصري .
    قال : وماذا تشتهي من النعام ؟
    قال : الغنم .
    فسأل الله شاة فأعطاه ، شاة فأنتجت حتى ملأت الوادي .
    ثم ذهب الملك وتغير في صورة مسكين والله الذي يصوره فمر بالأقرع ، قال : أريد منك ناقة أنا فقير ومسكين .
    قال : المال مالي ، وما عندي ما أعطيك .
    قال : قد كنت أقرع ، وكنت فقيراً فرزقك الله .
    قال : لا ، ورثت المال كابراً عن كابر .
    قال : إن كنت كاذباً فرد الله إلى ما كنت .
    فرده الله أقرع فقيراً .
    ثم ذهب إلى الأبرص ، وقال : أعطني بقرة أتقوت بها .
    قال : لا ، المال مالي .
    قال : لقد كنت أبرص وكنت فقيراً .
    قال : لا ، بل ورثته كابراً عن كابر
    قال : إن كنت كاذباً فرد الله إلى ما كنت .
    فرده الله كما كان .
    وذهب إلى الأعمى فسأله .
    فقال له : خذ ما شئت ، واترك ما شئت والله ، لا أشكرك على ما تركت ، فقد كنت أعمى فرد الله علي بصري ، وكنت فقيراً فأعطاني الله ، فخذ ما أردت .
    قال : أما أنت فقد رضي الله عليك ، وغضب على صاحبيك ) .
    فيا عباد الله ، هذه النعم تجري عندنا ، وزكاة البدن : أن تستخدمه في طاعة الله ، وزكاة العينين : البكاء ، وزكاة اللسان : الثناء ، وزكاة القلب : الحياء ، وكلها مما يستوجبه سبحانه على عباده .
    السؤال الثاني : ما سبب نزول قوله سبحانه وتعالى : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(النساء:65) ، وما هي ظلال الآية في واقعنا المعاصر ؟؟
    الجواب : سبب نزول الآية : كما في حديث ابن الزبير ، أن الزبير بن العوام حواري الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، اختصم هو ورجل من الأنصار في مزرعة ، فأتى ( صلى الله عليه وسلم ) إلى صاحب المزرعة ، ومزرعة الزبير فوق مزرعة الأنصاري ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) للزبير : ( اترك الماء قليلاً حتى يعود إلى الجدر ثم اتركه للأنصاري ) (22) .
    فقال الأنصاري للرسول عليه الصلاة والسلام : أإن كان ابن عمتك قضيت له .
    لا إله إلا الله ! يعني يقول أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) جار في الحكم ؛ لأن الزبير ابن عمته صفية بنت عبد المطلب ، وهي عمة الرسول عليه الصلاة والسلام .
    فغضب ، عليه الصلاة والسلام ، فقال : ( اترك الماء ) .
    قال بعض العلماء : حتى يصل إلى الجدر : وهذا هو الحكم ، فنزل قوله : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:65) .

    ولها ظلال ثلاثة :
    الأول : يقول بعض العلماء : معنى الآية : لا يؤمنوا حتى يحكموك ، أي يرضوا ، ويرضون بك إماماً (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21) فيحكموك في معتقداتهم ، وعباداتهم ، وأخلاقهم وسلوكهم .
    فمن رضي بإمامة الرسول عليه الصلاة والسلام جعله إماماً في المعتقد والأخلاق والسلوك وفي السنن ، كاللحية والثوب ، وهي من السنن ، وإماطة الأذى عن الطريق ، وقص الشارب ، والسواك ، وكل دقيقة وجليلة يحكم فيها محمد ، عليه الصلاة والسلام .

    يا مدعي حب طه لا تخالفه الخلف يحرم في دنيا المحبينا
    أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تدويناً وتهوينا
    خذها جميعاً تجد فوزاً تفوز به أو فاطرحها وخذ رجس الشياطينا
    وإنما أقول هذا لتعلق بعض الناس ببعض المغرضين ، ك ... وله أتباع رأيناهم يأخذون صورته ، ويقبلونه ، ويقولون : من أجل عينيك ! ولكن ( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ) (البقرة: من الآية165) ، فأولياء الله عز وجل وأولياء الرسول عليه الصلاة والسلام ، أشد ، وأحسن ، وأقوى ، وأعظم حباً من هؤلاء ، ولكن أين هم على الساحة ؟
    تعال يا من حاله في وبال ونفسه محبوسة في عقال
    يا راقداً لم يستفق عندما أذن في صبح الليالي بلال
    روض النبي المصطفى وارف أزهاره فاحت بريا الشمال
    يقول ( صلى الله عليه وسلم ) في صحيح مسلم : ( والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار ) (23) .
    والظلال الثاني : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ) (النساء: من الآية65) وهو تحكيم الدستور الإسلامي ( الكتاب والسنة ) في حياة الأمم والشعوب ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة : من الآية44) ، ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة: من الآية45) ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (المائدة: من الآية47) .
    فمن حكم بغير ما أنزل الله ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفاً ، ولا عدلاً ، ولا كلاماً ، ولا يزكيه وله عذاب أليم ، يقول تعالى : ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50) .
    ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد رحمة الله قصة مشهورة عند أهل السنة ، أن رجلاً يهودياً ، ومنافقاً اختصما في قضية ، فقال اليهودي للمنافق : نذهب إلى محمد والمنافق يقول لا .
    لأن اليهودي يعلم أن الرسول، عليه الصلاة والسلام، سوف يحكم بالحق ، والمنافق خائف لأن الحق عليه .
    فلما ذهبا إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) حكم بالحق ، فقال المنافق : ما رأيك نأتي أبا بكر لعله أن يسهل لنا .
    فذهبا إلى أبي بكر ، فحكم كما حكم الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، لكن أبا بكر سهل ، رحيم فما سألهم هل حكم قبله أحد .
    فذهبا إلى عمر ، وكان في البيت فقالا : نعرض عليك قضية .
    قال : ما هي ؟
    قالا : كيت وكيت ، فقصا عليه القصة .
    قال : أحكم فيها قبلي أحد ؟
    قالا : نعم .
    قال : من ؟
    قالا : الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأبو بكر .
    قال : فهل رضيتم ؟
    قالا : أردنا أن نسمع حكمك .
    قال : انتظرا قليلاً ؛ لأخرج شيئاً حتى تريا الحكم ، فذهب في طرف بيته ، وأخرج السيف مسلولاً ، فضرب به رأس المنافق ، لأنه لم يرض حكم الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومع ذلك هو يدعي الإسلام .
    الظلال الثالث : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجا ً) (النساء : من الآية65) ؛ لأن بعض الناس يحكم الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولكنه يجد حرجاً من حكمه ، وهذا دليل على النفاق .
    مثلاً من يحمل السنة ، وفي قلبه حرج من الناس ، وهو متضايق منها ، وإنما يفعل ذلك مجاملة ، كمن يحضر صلاة الجماعة ، لكن كالمجامل ، ويعرف أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) حث عليها ، لكن في قلبه حرجاً .
    وبعض الناس يقول : ليت الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، ما أتى بالحجاب ، ومع ذلك هو يحجب بناته ، فهذا لا يعد مؤمناً كامل الإيمان ، بل في قلبه مرض ، وفي قلبه شبهة .
    السؤال الثالث : ما معنى قوله تعالى : ( فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:43) .
    الجواب : ( فلولا ) عند أهل العلم بمعنى : هلا ، يعني : فهلا إذا جاءهم بأسنا .
    والبأس ، قيل : النكبة في الحياة ، وقيل : المصائب التي يبتلي بها الله الناس ، وهي أخذ الله ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) (هود: من الآية102) .
    معنى الآية ببساطة ، يقول سبحانه لماذا عندما أتاهم بأسنا وعذابنا ، ونكباتنا ، ومصائبنا ما رجعوا إلينا ، وتضرعوا ، وبكوا ، وندموا ، واستغفروا .
    هذه الآية ، أيها المسلمون نحن نعيش ظلالها هذه الأيام ن فلا ينقذنا والله من الله ، ومن عذاب الله ، ولا من نقمة الله ، ولا من تدمير الله إلا هو ، والله لن تنقذنا أمريكا ، ولا غير أمريكا ، ولا بريطانيا ، ولا فرنسا ، ولا دول الأرض ، فإن الله إذا غضب ، فلن يقوم لغضبه أحد ، فالمفر ، إلى الله الذي يقول : ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذريات:50) ، والذي يعتقد أن قوى الأرض وأن أركان الأرض هم الذين يحولون بينه وبين أخذ الله والله هو واهم .
    فعلينا أن نحفظ النعم بالشكر ، ولا نكون كالبلد الذي رأيناه ، كان بلداً ناعماً سعيداً بات هادئاً وما علم أنه سوف يجتاح في الصباح .
    يا راقد الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

    ولكن ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ) (هود: من الآية102) ، ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل:112) .
    إذا غضب الله فلا يقوم لغضبه أحد ، يقول سبحانه وتعالى : ( إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود: من الآية102) ، ويقول سبحانه : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَت) (الطلاق: من الآية8) عتت : أي تمردت على آياتنا ، ناعمة ، لكن لا يصلى أهلها جماعة في المساجد ، ويخرجون على شريعة الله ، ويتعدون حدود الله ، ويسهرون على معاصي الله (عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً ) (الطلاق:9) .
    قوله تعالى : ( تَضَرَّعُوا ) (الأنعام: من الآية43) عادوا إلى الله .
    كان السلف إذا أتت حروب على الحدود يلجأون إلى المساجد بقيادة الخلفاء ويكثرون من النوافل ومن دعاء النوازل ومن البكاء .
    وقعت في المدينة هزة خفيفة ، يقولون : سقطت بعض الحوائط والخليفة كان عمر ، فلما وقعت الهزة صعد المنبر، وقال : الصلاة الصَلاة ، في الظهيرة ، فاجتمع الناس ، فخطبهم وبكى ، وقال : ما هذه الهزة ؟
    قالوا : من الله .
    قال : أعلم أنها من الله ، فما سببها ؟
    قالوا : لا ندري يا أمير المؤمنين .
    قال : ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41) والذي نفسي بيده لو تكررت هذه الهزة لا أجاوركم في المدينة .
    قالوا : ماذا نفعل ؟
    قال : توبوا إلى الله ، وتضرعوا ، فإن الله يقول ( فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:43) .
    وقال أهل التاريخ : هبت ريح شديدة على بغداد ، وأخذت بعض الشجر ، وهدمت بعض القرى ، والخليفة هارون الرشيد ، نزل من قصره ، ودخل المسجد ، وكشف البساط ، ووضع خده ، قال : والله يا رب لا أرفع خدي حتى تهدأ الريح ؛ لأنك إن قتلت أمة محمد فبسبب ذنوبي .
    قالوا : فما رفع رأسه ، حتى هدأت الريح ، واطمأنوا إلى رحمة الله عز وجل .

    السؤال الرابع : ما شرح وصحة حديث : ( *** الله المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال ) (24) ؟
    الجواب : الحديث صحيح .
    وأما شرحه ، فقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( *** الله المتشبهين من الرجال بالنساء ) هو الرجل الذي يتشبه بالمرأة بما يخص المرأة في كلامها ، وفي مشيها ، وفي لبسها ، وفي أخذها ، وفي تثنيها ، وعلى ذلك استحق لعنة الله وغضب الله ، هذا ملخص المعنى .
    ( ولعن الله المتشبهات من النساء بالرجال ) من تشبه بالرجل في مشيته وفي كلامه وفي لباسه وفي أخذه وفي عطائه وفي خروجه .
    ومن التشبه بالرجال : ما يدعوا إليه الآن ، العقلانيون ، بمشاركة الذين ضلوا سواء السبيل ، لمشاركة المرأة في البرلمان وتوليها المنصب ، وأخذها الوزارة والوظيفة ، وهذا ليس وارداً في الإسلام ، يقول ، عليه الصلاة والسلام : ( لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة ) (25) والإسلام يحرم أن تتولى المرأة منصباً ، أمر فيه وتنهى ، لأنها ناقصة عقل ودين ، هذا حفظكم الله .
    ورأيت كتيبات تباع في الأسواق , فيها فصول تنادي بهذا الأمر من صغار طلبة العلم ، يكونون مغرورين بالثقافة المنحرفة ، والعقلانيون العصريون اغتروا بهذا ، وناقشوه نقاشاً باطلاً ، ليدحضوا به الحق .
    والتشبه ظهر في هذا العصر في كثير من الناس ، وكثير من الجيل ، لكن بدأت هذه المسحة تخف ، والحمد لله ؛ لأنه قد ظهر في بعض الجيل يوم كانوا يسافرون إلى أوربا وأمريكا فلصق بهم التأنث والتشبه بأعداء الله عز وجل ، وجعل الدين رجعية وتخلف وازدراء .
    السؤال الخامس : ما صحة وما شرح حديث : ( من تشبه بقوم فهو منهم ) (26) .
    الجواب : الحديث صحيح ، رواه أحمد وأبو داود والمعنى من تشبه بقوم في زيهم وفيما اختصوا به ، وفي حركاتهم ، التي اختصوا بها فهو يحشر معهم .
    أيها الأخوة ، إن ما يفعله بعض المسلمين ، الآن من الانهزاميين الذين أصيبوا بهزيمة نفسية ، هو : المؤدي للتشبيه بأعداء الله .
    فبعض الناس يرون الخواجة هذا ، كأنه ملك نزل من السماء ، لا طهر الله الخواجة ، فهم أنجس خلق الله ، وهم أعداء الله عز وجل ، في كل أرض ، وفي كل عصر ، وهم يرصدون الإسلام بالمراصيد ، ولذلك فإن الهزيمة النفسية التي أصابتنا نحن لأننا لم نقدم للبشرية شيئاً هي التي أدت للتشبه .
    كم صرفنا يد كنا نصرفها وبات يملكنا شعب ملكناه

    نحن الآن عالة على البشر ، إذا ما حملنا الدين ، وقدمناه للناس ، فما قدمنا شيئاً ، يقول ( كرسي مرسون ) في كتابه الإنسان لا يقوم وحده ) : قدمنا لكم الثلاجة ، والبرادة ، والطائرة ، والسيارة ، وما قدمتم لنا الإسلام ، يعني : ينتظر الغرب ، والروس ، والأمريكان منا أن نقدم لهم الإيمان والإسلام ، ولا ينتظرون أن نصنع لهم طيارة ، فنحن لا نصنع حتى الطابشير بل كله مستورد ، وهكذا كل صغيرة وكبيرة حياتنا .
    فالناس ينتظرون منا الإسلام ، فمتى نصل به إلى الناس ؟
    يقول أحد هؤلاء الحيارى : ( جئت لا أعلم من أين .. ولكني أتيت .. ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت .. وسأبقي سائراً أشئت هذا أم أبيت ) .
    لكن أهل الإيمان على بصيرة من الله ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ في ) (الأنعام : من الآية122) .
    فالتشبه موجود بسبب الانهزامية ، التي عاشها بعض المسلمين ، فظهر التشبه في الأكل ، والشرب ، واللباس ، والحركة ، الخ ، فنسأل الله العزة .
    السؤال السادس : ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام : ( مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع ) .
    الجواب : الحديث صحيح ، رواه أبو داود وأحمد (26) وغيرهما .
    ومعنى ( مروا أبنائكم بالصلاة لسبع ) يقول أهل العلم : إذا بلغ الابن سبع أو البنت ، فيؤمر بالصلاة أمراً ، لا ضرباً ، فيقال له صلّ هداك الله ، لماذا لا تصلي ؟ ويلام ويعاتب .
    فإذا بلغ العاشرة ، عزر للترك بالضرب ؛ لأن السن التي يكلف بها الصلاة ، هي : العاشرة ، ويؤخذ إلى المسجد في العاشرة .
    أما ما دون السابعة ، فلا يؤتي بهم إلى المساجد ، لئلا يتحول المسجد إلى روضة أطفال ، وتشويش على المسلمين ، وإضاعة لمقدسات المسلمين ، ومقدراتهم ، واحترامهم ، وتوقيرهم في بيوت الله عز وجل .
    أما قوله : ( فرقوا بينهم في المضاجع ) فهذا عند النوم .
    والعلماء لهم تعليق على هذا الحديث ، فبعضهم يقول : لا بأس أن يكونوا في غرفة واحدة ، لكن يفرق بين الذكر والأنثى ، والذكر ، والذكر والأنثى والأنَثى .
    السؤال السابع : ما حكم تعلم السحر والكهان ، وما حكم من ذهب إلى من يزاولها .
    الجواب : السحر من تعلمه فقد كفر عند جمهور العلماء ؛ لأن الشوافع لهم رواية بتحريمه وأنه من الكبائر ولا يرون أنه يكفر .
    ( وحد الساحر ضربه بالسيف ) كما قال عليه الصلاة والسلام (27) .
    وقد قتلت حفصة ساحرة .
    وجابر بن سمرة قتل ساحراً .
    وأما الكاهن ، فهو الذي يدعي علم الغيب ، ومن ذهب إلى هؤلاء فقد كفر بما أنزل على محمد ، عليه الصلاة والسلام ، يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) (28) .
    هذا من صدقه ، أما من أتى إليه ولم يصدقه لم تقبل منه صلاة أربعين يوماً لقوله ( صلى الله عليه وسلم ): ( مت أتى عرافاً أو كاهناً لم يقبل له صلاة أربعين يوماً ) (29) . قال أهل العلم : هذا فيما لم يصدقه ، أما من صدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
    وهم منتشرون ،وأنا ألفت انتباهكم إلى الذين يدعون إخراج الماء من بطون الأرض، وهؤلاء على قسمين :
    قسم جائز .
    وقسم محرم .
    الجائز : من يستدل على الماء بالعلامات ، فهذا لا بأس به ، وهو علم موجود عند العرب من قديم ، وقد أثبته علماء الجيولوجيا حديثاً .
    أما من يبقى في بيته ، فيقول : في البقعة الفلانية بئر ، وإذا حفرت كذا وجدت الماء ، فهذا ضال مضل ، ***** ، ***** على لسانه ( صلى الله عليه وسلم ) .
    السؤال الثامن : هل يجوز تعليق شيء من الحروز ، ولو كتب عليها القرآن ؟
    الجواب : الأصل في ذلك المنع ، وما علمت أحداً يجيز أن يعلق شيئاً مكتوباً إلا ابن عمر إذا كان من القرآن .
    ولكن الصحيح منع ذلك : سواء من القرآن أو من غيره ، لا يكتب في قراطيس ، ولا يعلق على الطفل ، أو على الكبير من هذه الحروز سواء من القرآن ، أو من التوراة ، أو من غيرها ، وسد هذا الباب وارد ، وقد ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب .
    فلا يتجوز في هذا ، ولو كان من القرآن ، ويكفي أن يقرأ على المريض المصروع المسحور ، الذي أصابه المس ، الآيات البينات المؤثرة كآية الكرسي ، والفاتحة ، والمعوذات ، والإخلاص .
    السؤال التاسع : ما هي الألفاظ الشركية المنهي عنها ؟
    الجواب : اشتهر بين الناس ألفاظ شركية مثل ( لولا الله وفلان ) ( ما شاء الله وشئت ) والحلف بغير الله .
    يقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) (30) .
    وهكذا ، أقسام شركية مثل : ( وحياتي ) ( وشرفك ) ، (والنبي ) ، وهذه الألفاظ محرمة وهي : شركية ، وقد انتشرت حتى في أبناء التوحيد الذي كان مفروضاً عليهم : أن ينشأوا على التوحيد الخالص الصافي ، لكن هكذا تفعل السنن ، واتباع الأقوام ، والتأثر بالآخرين .
    السؤال العاشر : البيع بالتقسيط هل هو جائز أم لا ؟
    الجواب : أيها الأخوة ! البيع بالتقسيط على صورتين :
    الصورة الجائزة : أن تزيد له في الثمن من أجل زيادة الأجل يقول ابن القيم : زيادة الثمن من أجل زيادة الأجل لا بأس فيها ، مثلاً سيارة عرضها أصحابها بعشرة آلاف درهم ، وتريد أن تشتريها ، ولا تملك هذا المبلغ ، فتذهب إلى أصحابها ، وتعلمهم قبل أن تسمع منهم السعر أنك تريد أن تشتريها بالأجل أي : بالتقسيط ، فلو أنهم زادوا السعر من عشرة آلاف إلى أكثر من هذا ، فلا بأس به لأجل الأجل والصواب : أنه لا يسمع المشتري ثمنين للسلعة الواحدة ..
    وأما من قال لا يصح فهذا ليس بالصحيح ، وقد خالف كلام أهل السنة والجمهور ، لا بل يزاد في الثمن من أجل زيادة الأجل .
    ولا يستوي أن تبيع بيتاً ، الآن بمائة ألف ، وبعد سنة بمائة ألف ، هذا لا يقوله أحد ، لابد أن تزيد من أجل زيادة الأجل .
    أما بيع الجاهلية ، فصورته : أن تبيع مثلاً السيارة بثلاثين ألف بعد شهر ، فيأتي بعد شهر ، فيقول ليس عندي مال الآن ، فيقول : أترك شهر أخر وأزيد عليك خمسة آلاف .
    ثم يأتي ، ويقول ليس عندي شيء ، فيقول : أمهلك ، وأزيد عليك خمسة آلاف فهو محرم .
    ويقول له في الجاهلية : أتربي أم تقضي .
    السؤال الحادي عشر : المسح على الخفين ووصفه ومدته وشروطه ؟
    الجواب : هذه ، دائماً ، يسأل عنها كثيراً ، أيها الأخوة ، من لطف الله عز وجل أن جعل المسح على الخفين رخصة للمسلمين ، وما خالف في ذلك إلا الرافضة ، وهو شبه إجماع بين أهل العلم ، رواه سبعون من الصحابة عن الرسول ، عليه الصلاة والسلام .
    وشوطه :
    أولاً : أن تلبس هذين الخفين على طهارة .
    الشرط الثاني : أن يكونا ساترين للمحل الممسوح ساتراً لكل جزء ، ويكون إلى ما فوق الكعب بقليل ، ولو كان فيه ثقوباً صغيرة فلا بأس ، قال ابن تيميه : فإن الصحابة كانوا يلبسون اللفائف وفيها ثقوب ، وكانوا في فقر ومشقة وكانوا لا يجدون ما يسترها .
    الشرط الثالث : أن يكون داخل المدة ، فإذا انتهت المدة ، أو خلع الخف فقد انتهى المسح ، ولا ينقض الوضوء بانقضاء المدة ، وإنما ينقض بالنواقص المعروفة .
    أما كيفية المسح ، فهو : أن تأخذ الماء بأصابعك رشاً ، فتمسح على ظاهر الخف من أول أصابع الرجل إلى ما والى أعلى القدم ، إلى أول الساق ، وكذلك اليسرى .
    السؤال الثاني عشر : ذكر بعض صفات المنافقين في القرآن ؟
    الجواب : وف الله المنافقين في القرآن بأوصاف كثيرة ، يقول سبحانه وتعالى : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ) (النساء: من الآية142) في الأعمال ، يعني : يظهرون للناس بأعمال ، وهم في الباطن ليسوا صادقين ، ( وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى ) (النساء: من الآية142) يصلون ويأتون المساجد لكن بكسل ، ومن يتخلف عن صلاة الفجر ،فهو علامة على النفاق ، ومن يتأخر عن الصلاة ، ويأتي وهو كسلان علامة على النفاق ( يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً) (النساء: من الآية142) الرياء شعبة من النفاق ، وقلة الذكر من علامات النفاق .
    لم يقل : لا يذكرون الله ، بل يذكرون الله قيلاً ، فالمنافق الآن يذكر سيارته ، ووظيفته ، ومنصبه ، وأهله ، وأطفاله أكثر من ذكر الله .
    قيل لعلي بن أبي طالب وقد سئل عمن حاربه من الصحابة : أكفار هم؟
    قال : من الكفر فروا .
    قيل له : أمنافقون هم ؟
    قال : لا ، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا ً ، وهؤلاء يذكرون الله كثيراً .
    قالوا : فمن هم ؟
    قال : إخواننا بغوا علينا .
    يقول ابن القيم في ( الوابل الصيب ) : لو لم يكن من فوائد الذكر إلا أن صاحب الذكر يأمن النفاق لكفاه به فائدة .
    فإذا رأيت الإنسان يدندن بالذكر ، ويدعو كثيراً ، ويسبح ، فاعلم أنه بريء ، إن شاء الله ، من النفاق ؛ لأن صاحب النفاق ، ولو جامل قليلاً وذكر الله كثيراً فإنه سرعان ما ينتكس ويعرف .
    ومن علامات المنافقين : أنهم إذا خلوا إلى شياطينهم ، وإلى زملائهم في السهرات الماجنة ، يستهزؤون بأهل الدين ، وأهل الفضل ، وبالعلم ، وبالرسالة ، وبالإسلام ( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) (البقرة: من الآية14) ( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (البقرة : 15)هذه بعض علاماتهم ، وهي من أساليب العلمانية الحديثة ، وسوف أذكرها : الاستهزاء بالمسجد ، الاستهزاء بالملتزمين ، الاستهزاء بالدعاة ، الاستهزاء بالعلماء ، وصف الدين بأنه تأخر ورجعية وتزمت ، كل ذلك من علامات النفاق العملي ، الذي أصاب أصحابه ، وربما يصل إلى الاعتقاد إذا اعتقدوا ذلك في نفوسهم .
    السؤال الثالث عشر : يقول عليه الصلاة والسلام : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) (31) ما صحة هذا الحديث وشرحه .
    الجواب : هذا الحديث مختلف في صحته ، والراجح أنه حسن ، يقول النووي في ( الأربعين النووية ) : رويناه في كتاب الحجة بسند صحيح .
    إذن فهو حسن ، وبعضهم يضعفه ، ومعناه صحيح .
    وأما معناه فيقول ( صلى الله عليه وسلم ) ( لا يؤمن أحدكم ) أي : لا يكون كامل الإيمان حتى يكون هواه ورغبته بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ، أي حتى لا يرتاح إلا في سنته عليه الصلاة والسلام ، ولا ينبسط خاطره وينشرح صدره إلا بما يقربه من رسول الهدى عليه الصلاة والسلام .
    بعض الناس ، الآن يأكل بشماله ، بدون عذر ، وهو مرتاح ، لكن الآن تعال بمؤمن ملتزم ، وقل له : كل بشمالك ، فإنه ينزعج ، ويضرب ، ويلومه ضميره ، ويؤنبه قلبه ، ويلدغه إيمانه ، فلا يستطيع ، ويظن أن الدنيا قامت عليه ، وأن الناس تلمحه وأن الرأي العام لامه ؛ لأن هناك إيماناً فهواه تابع لما جاء به الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
    لكن بعض الناس ، لا يبالي أبداً يأكل باليسار ، أم بغيرها .
    السؤال الربع عشر : حديث : ( لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء ) (32) .
    الجواب : هذا الحديث رواه مسلم عن أبي ذر ، ومعناه : أن الله عز وجل ، تعزيراً ، لهذا ، لا ينظر إليه النظر الذي يليق بجلاله ، فلا ينظر إلى هذا العبد ، وهذا دليل على ازدراء الله له ، ومقت الله له سبحانه وتعالى ، وهو من باب العتاب ، ومن باب العذاب .
    وهناك حديث آخر ، وهو : ( ما أسفل من الإزار فهو في النار ) (33) فقال أهل العلم : الذي يجر إزاره ، سواء كان الثوب ، أو السروال ، أو البشت ، أو القميص ، أو ما يدخل فيها ، إذا كان تحت الكعب ، فهو على قسمين اثنين :
    أما من جره هكذا بلا كبر ، فما أسفل الكعبين ففي النار .
    أما من جره كبراً ففي النار ، ولا ينظر الله إليه ، وإذن هنا وهنا النهي وارد .
    قالوا : لما زاد ، عليه الصلاة والسلام ، في هذا الحديث زيادة لوصف الخيلاء زاد في العذاب فقال : ( لا ينظر الله إليه ) سبحانه وتعالى .
    وأزرة المسلم إلى نصف ساقيه ، وإلا ففوق الكعب ، وهي سنة محمد وهديه ، عليه الصلاة والسلام .
    السؤال الخامس عشر : حديث ( *** الله من غير منار الأرض ) (34) .
    الجواب : هذا الحديث صحيح من حديث علي ، رضي الله عنه وأرضاه ، وهو حديث طويل منه : ( *** الله من غير منار الأرض ) .
    أما معنى من غير منار الأرض : فهو الذي ينقل الحدود ، ويزيد في بعض الأراضي على بعض لمصلحة خاصة .
    وهذه من نقلها ظلماً وعدواناً ، فعليه لعنة الله عز وجل .
    وهذا إن دلنا على شيء فإنما يدل على تحريم الظلم وهو أمر محرم معروف ، يقول عليه الصلاة والسلام : ( من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان ) (35) .
    قالوا : ولو كان شيئاً يسيراً يا رسول الله ؟ قال : ( ولو كان قضيباً من أراك ) .
    وقال ، عليه الصلاة والسلام : ( من اقتطع قيد شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين ) (36) .
    وهذا الحديث رواية سعيد بن زيد بن نفيل ، أحد العشرة المبشرين بالجنة ، ابتلته امرأة في عهد مروان ابن الحكم في المدينة ، فقالت : هذا سرق من مزرعتي .
    والمزرعة ، له والنخل والبئر له ، وهو من العشرة المبشرين بالجنة ، ومن دعاة الإسلام والمجاهدين ، فقال سعيد بن زيد : لقد سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول : ( من اغتصب قيد شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين ) اللهم ، إن كانت كاذبة فأعمى بصرها ، واقتلها في مزرعتها .
    قال أهل العلم ويرويها الذهبي بالسند الصحيح قال : فعميت في المزرعة ، ثم ذهبت فوقعت على رأسها في البئر فماتت .
    أما والله إن الظلم شؤم وما زال المسيء هو الظلوم
    إلى ديان يوم الحشر نمضي وعند الله تجمع الخصوم
    يقول ابن كثير : دخل أحد الصالحين على سلطان من السلاطين ، وكان هذا السلطان جباراً ، يضرب الناس على وجوههم ، وهذا الفعل لا يفعله إلا فرعون ، ما يفعله مسلم ، فدخل على السلطان فضربه على وجهه .
    فقال : اللهم إني لا قوي فأنتصر ، وإني لا مذنب فأعتذر ، اللهم إني مغلوب فانتصر ، اللهم اقطع يده .
    قال : اعف عني .
    قال : لا أعفو عنك .
    قال : فما مرت عليه جمعة ، إلا وقطعت يده ، وعلقت بباب الإمارة بالكوفة ، وهذا أمر الله وسنته : أنه يخزي الظالم في آخر المطاف .
    السؤال السادس عشر : حكم صلاة الجماعة وما ورد فيها ؟
    الجواب : الصحيح عند المحدثين : أنها واجبة ، ولو قال الفقهاء أنها سنة .
    وقد رأيت عشر أدلة في ( السلسبيل ) للبليهي ، رحمه الله ، منها قوله تعالى ( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) (البقرة: من الآية43) ومنها : حديث الأعمى لما أتى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وقال : إني شاسع الدار أتجد لي رخصة .
    قال له : ( أتسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ) .
    قال : نعم
    قال : ( أجب فإني لا أجد لك رخصة ) (37) ، الحديث عند مسلم والأعمى قيل : هو ابن أم مكتوم .
    وحديث : ( من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر ) (38) ، رواه ابن ماجه وصححه الحافظ ابن تيمية رحمة الله رحمة واسعة .
    أما حديث : ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) فهو موقوف على علي (39) .
    وحديث : ( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ) ضعيف جداً عند الترمذي (40) .
    إذن ، يا أيها الأخوة فالجماعة واجبة ، ومن علامة النفاق : ترك صلاة الجماعة في المسجد ، فإذا رأيت الإنسان لا يتعهد المسجد في اليوم خمس ، مرات بلا عذر شرعي ، فاحكم عليه بالنفاق ؛ لأنكم شهداء الله في أرضه .
    ونحن نشهد أن من صلى خمس مرات في المسجد ، نشهد له بالإيمان يوم القيامة ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: من الآية143) .
    يقول ابن مسعود رضي الله عنه : ما يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق ، ولقد كان يؤتي بالرجل يهادى به بين الرجلين حتى يقام في الصف (41) .
    السؤال السابع عشر : الكلام عن بعض الكتب المشهورة في الساحة .
    الجواب :
    1 ( الإحياء للغزالي ) هذا الكتاب مشهور ، ويسأل عنه بعض طلبة العلم ، وأنا أرى أن الإنسان لو اكتفى بكتب أهل السنة وترك هذا الكتاب كان أحسن لأن فيه غبش .
    ففيه ثلاث ملاحظات كبرى هي :
    أولاً : لا تأخذوا المعتقد من هذا الكتاب ، نحن ، بحمد الله ، في مجتمع صافي العقيدة ، والعامي عندنا يغلب مئة من أمثال الغزالي في العقيدة ؛ لأنه أشعري في الغالب ، ومرة يكون صوفياً ، ومرة فلسفياً ومرة يوافقنا .
    يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن وإن لقيت معدياً فعدنان
    حتى أن ابن تيميه دائماً يتكلم عنه في بعض القضايا وينتقده ، وابن تيميه هو منظر أهل السنة والجماعة في المعتقد ، فهو إمام أهل السنة والجماعة .
    يقول أحد المستشرقين : وضع الإمام ابن تيميه ألغاماً في الأرض ففجر بعضها محمد بن عبد الوهاب وبقى بعضها لم يفجر حتى الآن ، وقد رد على الملاحدة ، والفلاسفة ، والمناطقة ، والمعتزلة ، والأشاعرة ، والمعطلة ، ورد على الصوفية ، ورد على كل فرقة ، وقاتل بالسيف وخطب ، ووعظ ، وأفتى ، وزهد ، وألف ، فرضي الله عنه وأرضاه .
    هو البحر من أي النواحي أتيته فدرته المعروف والجود ساحله
    والأمر الثاني : أنه في الأحاديث لا يصحح ولا يضعف بل يأتي بالحديث قال الرسول ،عليه الصلاة والسلام دون تمحيص ، ولذلك خرج أحاديث كتابه العراقي ، وعامة أحاديثه ضعيفة ، إن لم تكن موضوعة ، ولكنه ولو بعد تخرج العراقي أنا أحذر من ( إحياء علوم الدين ) .
    الأمر الثالث : أنه معجب بالصوفية ، ويعجبه فعل الصوفية ، فيأتي بقصص عجيبة عنهم ، وخزعبلات ، وزهد غير شرعي ، وأمور لا تدخل عقل المؤمن الموحد .
    ومن يقرأ كتاب ( الإحياء ) تجده يصاب بالهلوسة .
    لذلك أقول : إذا كان الأستاذ والمعلم ، والعالم عنده عقل ، وعلم فبإمكانه أن يستفيد من هذا الكتاب عدة فوائد جليلة .
    والغزالي صاحب عقلية ضخمة ، وهو بحر في العلم ، لكن تجد هذا الدر في مثل مزبلة ، لا يخرجها إلا غواص ، أو منقي ، أو فطن .

    2 ( المحلى ) لابن حزم هذا الكتاب في الفقه ، وهو مشهور ، ورحم الله ابن حزم .. كان من أسرة وزارة في الأندلس وترك الوزارة .
    يقول : والله كنت أكتب في شبابي على ماسة من الذهب ، بقلم من ذهب ، والدواة من ذهب ، ثم تركت ذلك لوجه الله ، حتى ما أجد اليوم عشاء ليلة .
    يقال : كان عمره ستة وعشرون سنة ، وما تعلم العلم إلا بعد ستة وعشرين سنة ، دخل المسجد ليصلي على جنازة لأحد الولاة ، فلما دخل المسجد بعد صلاة العصر صلى على رأي المالكية ، فقال له أحد العلماء الحاضرين : اجلس فهذا وقت نهي فجلس .
    فأتي في ضحى اليوم الثاني في وقت آخر فجلس ، فقال له العالم : قم فصل .
    قال : بالأمس تجلسني ، واليوم تقول لي : صل ، فأوضح له المسألة .
    فقال : لا جرم لأتعلمن علماً أرد به عليك ، وعلى أمثالك فذهب فهجر بيته ، وقصره ، ووزارته ، فتعلم ، حتى أصبح من المجتهدين في الأمة .
    ابن حزم هذا عقلية جبارة ، ويسمى منجنيق الأندلس ؛ لأنه دائماً يرمي المخالفين بأبشع الألفاظ ، رحمه الله ، ويرد عليهم بشدة .
    ولذلك يقول : لسان ابن حزم ، وسيف الحجاج شقيقان .
    وهناك أمر ينتبه له ، وهو أن الرجل مؤول للصفات الإلهية ، ونحن أهل السنة نمرها كما جاءت بدون تأويل .
    والعجيب : أنه لا يؤول الفرعيات ، والأحكام ، فهو قد سال في موضع الجمود وجمد في موضع السيلان .
    والواجب عليه : أن يترك الصفات ما يتكلم فيها ، وإذا أتت الأحكام تكلم ، لكنه عكس الأمر ، إذا أتت الأحكام جمد على ألفاظ ، وإذا أتت نصوص الأسماء والصفات تكلم .
    الأمر الثالث : أنه نفى القياس ففاته ثلث الشريعة ، مثلاً زكاة الفطر يقول ( صلى الله عليه وسلم ) في الصحيح (42) : ( صاع من تمر وصاع من بر وصاع من شعير وصاع من زبيب ) قال : هي فقط من الأعيان ، والربا فقط في الربويات التي ذكرها ( صلى الله عليه وسلم )في الحديث ، وهناك بعض الآراء الباطلة التي اختارها : كمسألة الغناء التي تبناها رحمه الله وتبعه عليها كثير من المعاصرين ممن يتبعون أهواءهم .

    3 كتب 1لعقاد : وهي كثيرة ، ومنتشرة ، وأنا لي عليها ملاحظات :
    أولاً قلة النصوص فيها ، فلا آية ، ولا حديث ، وكأن الرجل يكتب من كلام الغرب .
    الأمر الثاني : أنه لا يحمد بعض تفسيره ، وبعض مقارناته ، كمقارنته بين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وبين نابليون في (عبقرية محمد ) .
    وقد أكرم الله رسولنا ورفع قدره عن نابليون .
    ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل أن السيف أمضى من العصا
    الأمر الثالث : أن الرجل ما عنده حرارة إيمانية ، فهو يقول : قال محمد ، ويذكر عن محمد ، يعني الرسول ، عليه الصلاة والسلام .
    سبحان الله ! يتكلم عنه بهذا البرود ، ألست من أمته ؟ ألست كاتباً من كتاب دعوته ؟ فما هذا البرود ؟ إنه من وصمات الاستشراق ، ومن اثر الغزو الفكري على كثير من الكتاب ، على كل حال من أراد أن يقرأ فيها ، فلا بأس لكن انبه على القضايا السابقة .
    السؤال الثامن عشر : ما هي صور الغزو الفكري ؟
    الجواب : من صور الغزو الفكري أو من أساليب أهل العلمنة : الغزو الفكري في الإعلام والغزو الفكري في التعلم ، والغزو الفكري في الاجتماع : مجتمعات الناس .
    والغزو الفكري في الإعلام : أن يبقى إعلاماً غير موجه للأمة ، يجمع الخبيث والطيب لكي لا يعرف له حكم ، وهذا من خبثهم .
    فهو يموه على الناس ، ولكنه يصرفهم دون أن يشعروا عن القرآن ؛ وعن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام .
    وهو من أقوى أساليب الغزو الفكري ، الذي فتك بالأمة .
    أما الغزو الفكري في التعلم ، فله صور عدة ، منها : عدم إعطاء الكتاب والسنة وميراث الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مكانته في كثير من المدارس ، فيجعلون حصص القرآن في الحصة السادسة ، وحصة في الأسبوع ، فيخرج الطلاب ، وهم لا يعرفون قراءة قصار السور ، بينما لو سألته عن تاريخ فرنسا لسرده لك ، وعن الجغرافيا ، وعن العواصم ، وعن المنتجات ، والمناخ ، والتضاريس ، فهو يحفظه كالفاتحة .
    فأي علم هذا ؟ من هو الذي خطط هذه المناهج ؟ إنه غزو فكري حمله أهل العلمنة .
    ومن الغزو : تهوين شأن الدين ن حتى تجد بعض الناس ، لا يريد ابنه أن يدخل كلية الشريعة ، ويقول : أريده أن يدخل في الطب ، أو الهندسة ، أما مجالات الشريعة ، فهي معروفة !
    ومن الأساليب : الهجوم على الدين تحت ستار الغيرة ، فتجد بعض الناس يشوه الدين بأسلوب ما كر .
    فهو في العلانية : يمدح الدين ، وفي الخفاء : يقتل الإسلام ، ووالله ، إني لأعلم أن بعض الآباء وقف حجر عثرة في طريق ابنه ، فلا يهتدي ، ولا يتوب ، ولا يصلي ، ولا يستقيم ، وإني أعرف شباباً ، شكوا إلى من أباهم ، يقول : إن أبي رفض أن أربي لحيتي ، وأن أقصر ثوبي ، ورفض أن أتعهد المسجد ، وأن أمشي مع الطيبين ، وأن أحضر المحاضرات وأن أحضر الدروس ، وهذا غزو فتاك ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:10) وهناك صور كثيرة ووافرة ، من الغزو الفكري : كالإعجاب بالكافر ؛ بأن يجعلوه رمزاً .
    فتجد أن كثيراً من الأطفال ، الآن يعرفون سير نابليون ، وهتلر وأمثالهما ، لكن اسألهم في سيرة محمد ، عليه الصلاة والسلام ، أو سيرة أبي بكر ، أو عمر أو عثمان ، فهو لا يعرف عنها إلا القليل .
    وهم يظنون أننا نقصد بالسيرة : أن يعرف أين ولد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأين مات ، لا ، بل أنا أريد أن تحدثني عن الرسول عليه الصلاة والسلام كما تحدث ابن القيم .
    أنا أريد أن تحدثني عن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) العابد ، المجاهد ، الصادق ، الوفي ، الخاشع ، الفاتح ، المنتصر ، الصابر ، الثابت ، الكريم ، الحليم .
    أنا أريد أن تحدثني عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، كيف يصلي ، وكيف كان يصوم ، وكيف كان يتعبد ربه .
    لكي يصبح الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قدوة لشبابنا في كل مجالات الحياة .
    ومن أساليب الغزو الفكري : تضخم العلم المادي ، الأرضي ، المنحرف ن على حساب العلم الموروث عن محمد ، عليه الصلاة والسلام ، والقرآن .
    السؤال التاسع عشر : ما معنى المصطلحات التالية : الحلول الاتحاد العلمانية القومية ؟
    الجواب : أيها الفضلاء ! معرفة الشر مطلوبة للمسلم ؛ لقوله سبحانه وتعالى : ( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (الأنعام:55) .
    عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الشر جدير أن يقع فيه
    وقال عمر رضي الله عنه : إنما تنقض عرى الإسلام عروة عَروة من أناس نشأوا في الإسلام ، لا يعرفون الجاهلية .
    1 الحلول : مذهب ضال زنديق ، حمله كثير من الناس ، وعلى رأسهم : ابن عربي صاحب ( فصوص الحكم ) ، و( الفتوحات المكية ) ، وأمره إلى الله .
    أما كتابه ، فقال الذهبي عن ( الفتوحات ) : إن لم يكن فيه كفر فما في الدنيا كفر !
    والحلول ، تعالى الله ، عز وجل ، علواً كبيراً يقول : إن الله حل في بعض الناس ، يأتي بعض غلاة الصوفية المنحرفة ، فيقول أحدهم : حل الله في ، تعالى الله ، عز وجل ، بل الله ، عز وجل ، مستو على عرشه ، بائن من خلقه ، ليس في ذاته من خلقه من شيء ، ولا من خلقه في ذاته من شيء ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ ) (المجادلة:7) .
    قال الإمام أحمد : أي بعلمه ، ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه:5) .
    ومن اعتقد بالحلول فقد كفر بالله العظيم وحده : السيف ، يقتل كما أفتى علماء الإسلام بذلك .
    2 الاتحاد : مذهب ضال ***** إلحادي ، يقول : إن الله ، عز وجل اتحد في مخلوقاته ، وهي دعوة ينادي بها ، الآن ، بعض الصوفية في السودان ، وفي الهند ، ولهم منشورات ، رأيت بعض الصحف يفيد بهذا عليهم غضب الله ، وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
    بل الله بائن من خلقه ، مستو على عرشه ، لا يغيب عنه علم ، ولا يغيب عنه شيء ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (الأنعام:59) .
    3 العلمانية : فمذهب نشأ عام 1902م ، نشأ في فرنسا ، عند انفصال بين الكنيسة ، وبين العلم التجريبي ، وسببه : أن الكنيسة حذرت الناس أن يكتشفوا ، وأن يبدعوا ، وأن يخترعوا ، فظنوا أن الدين ، كل دين سوف يعادي الاختراع ، حتى الإسلام ، فنادوا بفصل الدنيا عن الدين ويسمون : اللادينيين .
    وأدخل هذا المذهب في العالم العربي منذ زمن ، وأول من أدخله في العالم الإسلامي : كمال أتاتورك عليه من الله ما يستحق ، ويسمونه محرر تركيا ! بل هو معذب تركيا ، وهو الذي أدخله أتون الشر والبلاء ، والنكبات ، وسقطت الخلافة على يديه .
    والعلمانية تقوم على أمور منها : أن الدين سبب تأخر الشعوب ويسمونه : رجعية ، وتخلفاً .
    ومنها : أن الدين أمر خاص ، ولذلك ، الآن ، العلمانيون ، لا يريدون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لأنه يقوم على التدخل في حريات الآخرين ، وجرح مشاعر الآخرين ، ويرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخالفاً لحقوق الإنسان ، فيحاربون الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر محاربة ويقولون : للدين في حرية شخصية ، فلك أن تصلي وتصوم ، وأما أن تدخل في الدنيا : في القوانين ،وفي التعليم ، وفي الإعلام ، وفي الرأي العام ، وفي ثقافة الناس ، فلا يجوز لك ذلك .
    وهذه : محاربة الله ، عز وجل ، نهاراً جهاراً .
    بل الدين يدخل في كل شيء ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50) .
    ومن أساليب العلمانية ، أيها الأخوة : أنهم قد يصلون بعض الصلوات ، فيصلي العيد والاستسقاء ، وقد يمدح الإسلام في خطبة عامة ، ولكن لا يعتقد نفع الإسلام ، ولا يعتقد أثره ، ولا يحترم أهله ، ولا يرى له مكانة في الأرض ، ويرى أن الإسلام ليس وفياً ، ولا يستطيع أن يقوم بحقوق الناس ولو ادعى بلسانه .
    ولذلك تجد بعض العلمانيين ، يصلون العيد ، ويصلي الاستسقاء وقد يصلي الجمعة ، ولكن لا ينفعه عند الله ذلك لأن في قلبه زيغ ومرض وكفر .
    هذه هي العلمانية ، وإنما سميت علمانية ؛ لأحد سببن : أنها تدعو إلى العلم ليكون إلهاً ، فهي تنادي بالعلم ، فتجعل العلم كل شيء ، والعلم إذا انفصل عن الإيمان أصبح كفراً .
    وقيل : العلمانية ، هي : اللادينية ؛ لأنهم ينادون بمسح الدين من الشعوب ، وترك الشعوب بلا دين .
    4 القومية : مذهب أرضي ، وهي : نزعة كافرة ، إن انفصلت عن الدين .
    تدعو هذه القومية إلى أن يكون لكل قوم شعارهم ، فالعرب وحدهم ، وهكذا الترك والأكراد ، والأفغان ، وكل شعوب الأرض .
    فهم لا يأبهون ببلال ولا صهيب ، ولا سلمان ، قاتلهم الله ! وهل العرب شيء بدون لا إله إلا الله ؟ !
    قال تعالى : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات: من الآية13) .
    السؤال العشرين : ما هي الصوارف عن الهداية ؟
    الجواب : الصوارف عن الهداية أربعة صوارف :
    أولها : الكير .
    الثاني : الغفلة .
    الثالث : الخبث في النفس .
    الرابع : التسويف .
    الأول : الكبر ؛ فهو : أعظم صارف عن الهداية قال تعالى : ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ) (لأعراف: من الآية146) فالتكبر لا ينقاد للحق ولا يهديه الله سواء السبيل بسبب كبره .
    وأعظم صارف لليهود : الكبر ، والحسد ، وإلا فيعرفون أن الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، من عند الله ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة: من الآية89) ، ونعلم من بعض الناس ، الذين أثرت فيهم نزعة العلمانية ، وتعاليم العلمانية ، أساليب العلمانية ، أنهم ما يمنعهم من سلوك الهداية إلا الكبر ، وإلا فهو يعلم أنه مخطئ ، ومذنب ، فعسى الله أن يجازيه بفعله .
    والثاني : الغفلة ؛ قال تعالى : ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) (الأعراف:179) فالغفلة : حجاب على القلب ، لا يبصر معها الهداية .
    فتجد بعض الناس بارعاً في علوم الدنيا ، بارعاً في معطيات الدنيا ، متحدثاً لبقاً ، لكنه لا يعرف من الإيمان ، ولا من الدين شيئاً .
    فقيه في كل شيء ، إلا الإسلام .
    يستطيع أن يتكلم ثلاث ساعات ، لكن في العمار ، والدور ، والقصور والأمطار ، والأسعار ، والأشجار ، والخضروات ، والفواكه ، لكن إذا أتيت به في أبسط أمور العبادة لا يعرف شيئاً وهذا دليل على الخسران ، يقول (صلى الله عليه وسلم ) في الصحيحين : ( من يرد الله به خيراً يفقه في الدين ) (43) .
    الثالث : الخبث في النفس ، فبعض الناس مهما سمع ، ومهما دعي ، لا يستجيب لخبث في نفسه ( وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (لأنفال:23) ، فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (الصف: من الآية5) .
    الأمر الرابع : التسويف : فإن كثيراً من الناس ما استجابوا بسبب التسويف ، ولذلك لا مهم الله سبحانه وتعالى فقال : ( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الحجر:3) ، قال بعض المفسرين : استخدم سوف في العتاب ، واللوم عليهم ؛ لأنهم كانوا يعتمدون على سوف كل يوم .
    وكثير من الناس المعرضين ، كلما خاطبته بالتوبة ، وبالصلاة ، وبالعودة إلى الله قال : سوف أتوب ، وهذه هي علامة الحرمان ، ومن زرع شجرة ( سوف ) أخرجت له شجرة ( لعل ) وأثمرت له ثمراً يسمى : ( الحسرة والندامة ) .
    وبهذا السؤال انتهت هذه الأسئلة ، التي أرجو أن تكون نافعة للمسلمين بحول الله .
    والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .

    الترياق

    * دخل ابن السماك على أبي جعفر المنصور فجلس ، فأخذ ذباب يطير ، ثم يقع على أنف أبي جعفر ، حتى أضجره ، فقال أبو جعفر لابن السماك متهكماً : لماذا خلق الله الذباب ؟
    فقال ابن السماك : ليذل به أنوف الطغاة .
    فهل سمعت أحسن من هذا الجواب جواباً ؟ !
    * ولما فتح عبد الله بن علي العباسي دمشق ، أعمل في أهلها قتلاً ذريعاً ، وأسأل الدماء ، ونهب الأموال، فقال لوزرائه ، وحاشيته : هل يخالفني أحد ؟ قالوا : إلا أن يكون الإمام الأوزاعي ، فأرسل للأوزاعي الإمام فلبس الأوزاعي أكفانه تحت ثيابه ، بعد أن أغتسل ن وأيقن بالموت ، وأخذ عصاه فدخل على عبد الله بن علي العباسي السلطان .
    فإذا بالحراس يحملون السيوف ، وإذا بالموت يدور على رؤوس الناس .
    فقال عبد الله بن علي للأوزاعي : ما رأيك في هذه الدماء التي سفكناها ؟ فقال الأوزاعي في ثباتة جأشٍ ، وفي جنان : حدثنا فلان ، عن فلان ، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بثلاث ، المفارق للجماعة ) (44) .
    فغضب عبد الله بن علي ، ونكت بعصا خيزران في الأرض ، وقام عرق في جبهته .
    قال الأوزاعي : وأيقنت بالقتل ، فو الذي نفسي بيده ، لكأنه ذباب أمام عيني .
    فأخذ وزراؤه ، يرفعون ثيابهم ؛ خشية أن يصيبهم دم الأوزاعي .
    فسأله عن الأموال ، التي أخذها ، قال : إن كانت حلالاً فحساب ، وإن كانت حراماً فعقاب .
    قال : اخرج ، فلما هم أن ينصرف أعطاه بذرة من المال ( كيساً ) فأخذه ، فوزعه على الناس ، ثم رمى بالكيس ، فخرج ، فأصبح إماماً معتبراً .
    قال تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24) .
    ويقول سبحانه : ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) (الأحزاب:39) .
    وقال (صلى الله عليه وسلم ) : ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) (45) .
    * أبو الطيب الطبري عالم شافعي ، جليل ، كان دعوباً ، ضحوكاً السن ، محباً لأهل الفضل ، بل معظم الفضل فيه ، بلغ عمره الثمانين ، فخرج مع طلابه في سفينة ، فلما قاربوا الشاطئ ، قفز من السفينة ، فأراد الطلاب أن يقفزوا فما استطاعوا ، فقالوا : كيف استطعت وأنت في الثمانين ؟
    قال : هذه أعضاء حفظناها في الصغر ، فحفظها الله علينا في الكبر .
    أبو الطيب هذا وضع حذاءه عند الحذاء ليصلحه ، فتأخر عليه الحذاء ، وكان أبو الطيب يمر عليه ، فكلما رآه الحذاء ، وضع الحذاء في الماء ليوهمه أنه يريد أن يصلحه ، فقال أبو الطيب : أعطيناك الحذاء لتصلحه ، لا لتعلمه السباحة .
    * قال بعض الناس لبعض العلماء : غداً نتعاتب ( أي نتحاسب ويعاتب بعضنا بعضاً ) ، فقال العالم : لا والله ، غداً نتغافر ( أي يغفر بعضنا لبعض ) .
    * كان ابن المسيب ، إذا جن ليله، تقلب في فراشه كالطائر الخائف، فإذا انتصف الليل قام رحمه الله فقال لنفسه : قومي يا مأوى كل شر ، ثم صلى حتى الفجر .
    ومما يذكر لابن المبارك في هذا الباب باب التواضع وهضم النفس أنه قال : ( أكره العصاة وأنا شر منهم ، وأحب الصالحين ولم أعمل بعملهم ) .
    بل هو من أصلح الصالحين ، رضي الله عنه وأرضاه ، وما بلغ هذه المنزلة إلا بمثل هذه المبادئ .
    * حفظ عن الشافعي كلمات ، من أروع الكلمات ، قالوا : تفرد بها عن الناس ، يقول فيها : ( ما جادلت أحداً إلا أحببت أن تكون له الغلبة ) فأتنا يستطيع ذلك ؟
    ويقول : ( لو أعلم أن الماء يفسد مروءتي ما شربته ) فكيف بمن يفسد دينه ومروءته بغير شرب الماء ، بل بشرب شيء آخر ؟ !
    ويقول : ( وددت لو أن الناس استفادوا من علمي ، ولم ينسبوه لي ) .
    وهذا منتهى الصدق والإخلاص مع الله .
    * قال عبد المؤمن بن علي ( سلطان الموحدين ) : أصولنا ثلاثة :
    1- المصحف : كتاب الله .
    2- وسنن أبي داود
    3- وأخرج السيف وقال : وهذا .
    فقال فيه الشاعر :
    ما هز عِطفَيهِ بَيْن البيضِ والأسل مثلُ المؤيدِ عبدِ المؤمنِ بنِ علي
    * قال أبو معاذ الرازي لأصحابه : ما هو الدليل من القرآن على أن الحبيب لا يعذب حبيبه ؟ فسكتوا ، فقال : من قوله سبحانه وتعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ) (المائدة: من الآية18).
    * قال البخاري رحمه الله : ( منذ احتلمت ما اغتبت مسلماً ) .
    فجزاك اله ، يا بخاري ، عن أمة محمد ، أفضل ما جزى عالماً عن أمته .
    * قال أحدهم : من ملك ثلاثمائة وخمسة وستين رغيفاً ، وجرة خل كبيرة ، وثلاثة آلاف واثنتي عشرة تمرة ، استغنى عن الناس ، ولم يستعبده الطغاة !
    فلماذا يذل المسلم رقبته لخلق من خلق الله من أجل لقمة عيش ؟
    * يا فاروق مصر إنك لن تشبه الفاروق ، حتى تنام في العراء ، وتمشي بلا حذاء ، وتجوع ليشبع الفقراء ، فإن لم تفعل ، فو الذي نفسي بيده ، لو شهد مجلس الأمن ، حقوق الإنسان ، وجمعية الرافة بالحيوان لن تكون كالفاروق ، لأنك أنت فاروق مصر ، وهو الفاروق ، وأل التعريف عند عمر ، وأنت لم تدخل عليك أل ، وفاروق نكرة ، وعمك : ابن مالك يقول : ( ولا يجوز الابتداء بالنكرة ) .
    وأنا قلت : من أجاز ذلك فهو بقرة .
    * فرق بين الطفيل بن عمرو ، وعامر بن الطفيل ، فالطفيل بن عمرو جميل الذكر ، عظيم الصبر ؛ لأنه أجاب الأمر .
    وعامر بن الطفيل : عميل ، ذليل ، ثقيل .
    * قالوا لأحد الفضلاء :
    لماذا سمي العصفور عصفوراً ؟
    قال : لأنه عصى .. وفر .
    وفرعون .. لماذا سمى فرعون ؟
    قال : لأنه فر ممن يدعون وهذه من الملح .
    وما جزاء من سأل هذه الأسئلة ، إلا أن يجاب بمثل هذه الأجوبة .
    * ال**** : لا يؤبه ، ولا يسب ، ولا يشتم ، ولا يهجر ، ولا يتعرض له ، ولا ينتقد ؛ لأنه أهون من الكلب الميت .
    بعض الناس مثل الميتة ، لا لحم ، ولا مرق ! ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) (المائدة: من الآية3)
    * صلى أحد العلماء على جنازة أحد الطغاة الظلمة ، فقيل له : أتصلي عليه وقد كان يفعل ، ويفعل ، قال : لقد كبرت الأولى فقلت : الله أكبر منك ، وقلت في الثانية الله أكبر عليك ، وقلت في الثالثة : الله أكبر ينتقم لنا منك .
    * إذا احلولك الليل ، انبلج الصبح ، وإذا اشتدت ظلمة الغيث ، لمع البرق ، وإذا شد الحبل انقطع : اشتدي أزمة تنفرجي ، وأفضل من ذلك ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) (الشرح:6) .
    * أحد الرواة الضعفاء اسمه حرام ، قال الشافعي : ( الرواية عن حرام حَرام ) .
    وقالوا عن بقية بن الوليد :
    ( أحاديث بقية ، ليست نقية ، فكن منها على تقية ) .
    وقالوا عن عطية بن سعيد : ( عطية للضعف مطية ) .
    وقالوا عن مسدد بن مسرهد بن عرندل بن سرندل بن مغربل بن مسربل : هو كاسمه ، إي : أنه مسدد في الرواية ؛ لأنه من رجال البخاري ، أما اسمه : فهو رقية للعقرب .
    وقال أحد العلماء : شعبة من شعبة ، أي : جزء من شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث .
    * كان هارون الرشيد الخليفة في ( الرقة ) ، واجتمع عليه الناس ، فدخل ابن المبارك العالم الزاهد العابد ، فسمع به الناس ، فهرعوا إليه وتركوا الخليفة في نفر بسيط ، واجتمعت الأمة على ابن المبارك ، فقالت امرأة هارون ، وهي تنظر من القصر : ( هذا والله الملك ، ولا ملك هارون الذي يجمع الناس بالسوط والسيف ) .
    * تجادل شريك ( القاضي ) والمهدي ( الخليفة ) ، فقال الخليفة مغضباً لشريك القاضي : يا زنديق ، قال شريك : للزنديق علامات ؛ ترك صلاة الجماعة ، وسماع القيان ، وشرب المسكر .
    قالوا كأنك تعرض الخليفة ، قال : بل أقصده .
    * جاء ابن قيس الرقيات إلى عبد الله بن الزبير وهو والٍ بمكة فقال : أعطني من مال الله ، قال : نشبعك ونشبع ناقتك ، قال : فحسب ؟ قال : نعم
    قال : *** الله ناقة حملتني إليك .
    قال ابن الزبير : ( إن وصاحبها ) يعني : نعم ، وصاحبها .
    فخرج ابن الرقيات إلى عبد الملك بن مروان ، وأنشد قصائد كثيرة ، ذم فيها ابن الزبير ، منها :
    من الأعياص أو من آل حرب أغر كغرة الفرس الجواد
    أرى الحاجات عند أبي خبيب نكثن ولا أمية بالبلاء
    * عمرو بن سعيد بن سلمى بن قتيبة بن مسلم ، سند متصل بأجاويد وكرام .
    أصح وأعلى ما سمعناه في الندى من الأثر المعروف منذ قديم
    أحاديث ترويها السيول عن الحيا عن الغيث عن كف الأمير تميم
    فأما قتيبة ، فهو : فاتح المشرق ، وحامي بيضة الإسلام ، وهازم جيوش الأصنام ، وملصق أنوف الطغاة بالرغام .
    وسعيد بن سلمى ، حفيده ، أحد الأجواد قيل فيه :
    كلما عضت النوائب قالوا رضي الله عن سعيد بن سلمى
    أما عمرو بن سعيد ، فحاتمي زمانه ، والجود دفن في أكفانه ، والسخاء نبت في جثمانه ، خلد ذكره أحد الشعراء بقوله :
    مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ولا مغرب إلا له فيه مادح
    وما كنت أدري ما بوادر كفه على الناس حتى غيبته الصفائح
    وأبح في لحد ما الأرض ضيق وكان به حيا تضيق الصحاصح
    سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تفض فحسبك مني ما تجن الجوانح
    فما أنا من رزء وإن جل جازع ولا أنا مسرور بموتك فارح
    كأن لم يمت حي سواك ولم يقم على أحد إلا عليك النوائح
    لئن حسنت فيك المواثي وذكرها لقد حسنت من قبل فيك المدائح
    * بعض المبتدعة تجده معتزليا باطنياً ، أو رافضياً معتزلياً ، ( إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ) (البقرة: من الآية70) .
    شهداء السنة ، الذين صبغت لحاهم بدمائهم في سبيل الله ، كثير بعد الصحابة ، منهم :
    سعيد بن جبير ، وأحمد بن نصر الخزاعي ، والنابلسي .
    دمانا في هوى ليلي جبار وأرواح لها ليلى تدار
    نعم والله أرخصنا نفوساً لذاك الوجه فانعم يا عرار
    * لله در الأوزاعي ، صعب الله به قلوب الجبابرة ، حتى أنه لما مات ، جلس أحد الخلفاء على قبره فقال : ( والله ما تهنيت بعيشي وبملكي الإ بعد دفنت هذا ) .
    * قال أحد السلف : (إذا رأيت الرجل لا يحافظ على تكبيرة الإحرام ، فانفض يديك من صحبته ) ، قلت : ( إذا لم يحافظ على الصلاة فانفض التراب على رأسه ، فما أغلى التراب ، وما أرخص كثير ممن يمشي عليه ) .
    * الإمام الزهري ، زهرة العلم والحفظ ، ولسان الحال ينشد :
    أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت وإذا نطقت فإنني الجوزاء
    قال هشام بن عبد الملك ( الخليفة ) للزهري : من الذي تولى كبره يا زهري ؟
    لأن هشماً كان ( ناصبياً ) يناصب على بن أبي طالب العداء ، وكان هشام يظن أن تفسير الآية : ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ) (النور: من الآية11) أنه علي بن أبي طالب معاذ الله .
    فقال له الزهري : الذي تولى كبره ، هو : عبد الله بن أبي بن سلول .
    قال : كذبت .
    قال الزهري للخليفة : كذبت أنت ، وأبوك ، وجدك ، والذي نفسي بيده ، ولو نطق ناطق من السماء : أن الكذب حلال لأهله ما كذبت .
    وهكذا ..فلتكن المواقف .
    * كان الشجعان يرون أن الموت على الفراش عيباً ، قال ابن الزبير ، يوم قتل أخوه مصعب بالعراق : ( إنا لسنا كبني مروان يقتلون صبحاً ( تخمة على الفرش ) ،والله ما نقتل إلا ضرباً بالسيوف ، وقصفاً بالرماح .. )
    فليس على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أعقابنا تقطر الدما
    تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
    قال ابن عمر ، يدعو على زياد بن أبيه ، وهو على العراق :
    ( اللهم لا تقتله قتلاً ، فإن القتل كفارة ، وأمته موتاً ) فمات على فراشه شر ميتة .
    * لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما أتي برأسه إلى عبيد الله بن زياد في العراق ، فوضع رأسه على مصطبة أمامه ، والناس جلوس ، ثم وضع عبيد الله بن زياد عصاه في أنف الحسين ورأسه مقطوع ، فقام أحد الصحابة يصيح ويبكي ويقول : ارفع عصاك ، فو الذي نفسي بيده ، لقد رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقبل ذاك الموطن .
    ثم كان الإنتصاف ، فبعد سنة ، قطع رأس عبيد الله بن زياد وجيء به ، ووضع على هذه المصطبة ، فلما اجتمع الناس ، أتت حية صغيرة فدخلت في منخره ، لتقتص من العصا قبل سنة ( وَالْجُرُوحَ قِصَاص) (المائدة : من الآية45) .
    * قالوا عن أحد الأدباء :
    ( أمرضه الشفاء ) ، والمعنى : أن هذا الأديب قرأ كتاب الشفاء لابن سينا فمرض منه ، لأن فيه طواماً وبلايا .
    وفي ابن سينا يصح البيت :
    وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو عليل
    * كان ابن عباد الملك الأندلسي يحتجب عن الشعراء وقت إنشادهم القصائد ، فدخل عليه شاعر ، وبينهما حجاب .
    فقال الشاعر : ( انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) (الحديد: من الآية13) إنه من نور رب العالمين .
    فرفع ابن عباد الحجاب ، وقال لهم :
    املأوا فم هذا الشاعر دراً .
    * يقول شاعر أعجمي ، وقد تفوق على العرب بهذين البيتين :
    بكت عيني غداة البين دمعاً وأخرى بالبكا بخلت علينا
    فعاقبت التي بالدمع ضنت بأن أغمضتها يوم التقينا
    * سافر ثابت البناني إلى خرا سان ، فمر بجنان ، وحدائق ، وبساتين ، وأنهار ، فلما عاد قال له الناس ، وكان عالماً ، عابداً ، وزاهداً : ماذا رأيت من الجمال والفرجة ؟
    قال : والله ، ما أعجبني شيء إلا عجوز رأيتها في الطريق كانت تصلي ركعتي الضحى .
    هو في شأن ، وهم في شأن ، يرى الجمال بعين ، ويرون هم الجمال بأعين أخرى .
    لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه
    * أبو جهل : غبي بليد ، ولو كان ذكياً لعلم أن اليتيم ، الأمين ، الصادق في الجاهلية ، لا يخون في الإسلام ، وأن الذي لا يكذب على الناس ، لا يكذب على رب الناس ، وأن الذي لا يطلب الملك ، يطلب شيئاً آخر أعلى ، وأجل ، وأغلى من الملك ، ولكنه ما درى .
    ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام: من الآية33) .
    * لما مات الحجاج بن يوسف ، بكى كثير من الأخيار فرحاً .
    طفح السرو علي حتى أنني من عظم ما قد سرني أبكاني
    ولما مات عمر بن عبد العزيز ، أمست مدن الإسلام في بكاء ويتم من الحزن .
    والناس مأتمهم عليه واحد في كل بيت رنة وزفير
    * الله سبحانه وتعالى عادل ، لا يولي الحجاج على رعية عمر بن عبد العزيز ، ولا يولي عمر بن عبد العزيز على رعية الحجاج .
    ( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام:129) .
    وقد قال رجل لعي بن أبي طالب :
    كيف اتفقت الأمة على أبي بكر وعمر واختلفت عليك ؟
    قال علي : لأن رعية أبي بكر وعمر : أنا وأمثالي ، ورعيتي : أنت وأمثالك .
    * مدح رجل من أعداء علي ، علي بن أبي طالب تزلفاً ، فقال علي :
    أنا فوق ما في نفسك ، ودون ما تقول :
    هنيئاً مريئاً غير داء مخامر لعزة من أعرضنا ما استحلت
    * انكسر سيف أحد الصحابة في غزوة بدر ، فأتى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، والمعركة دائرة ، والأبطال تصول وتجول ، والأرواح تتطاير ، والرؤوس تتساقط ، فقال : يا رسول الله : فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خشبه ، فقال : ( خذ هذه ) ، فهزها الرجل فأصبحت سيفاً ، بإذن الله ، والحديث صحيح (46) .
    تصافحنا سيوف الهند شوقاً فنكسرها على هام الذليل
    * دخل قيس بن أبي حازم على أحد خلفاء بني أمية ، فقال الخليفة : ما لنا نكره الموت ، ونحب الحياة ، يا أبا حازم ؟ قال : لأنكم عمرتم الدنيا ، وخربتم الآخرة ، فتكرهون أن تنقلوا من العمار إلى الخراب .
    قال : أتريد أن تبقي معي ، ولك نصف ملكي ؟
    قال قيس : وكم تعطيني من جناح البعوضة ، وكم هو نصف جناح البعوضة ( يعني : أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة ) .
    طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار
    ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
    * خالد بن الوليد : سيف ن سله الله على المشركين ، فقطع به رؤوسهم ، وكسر به ظهورهم ، وبقر به بطونهم .
    تمرد بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب على أبي بكر الصديق .
    فقال أبو بكر : والله ، لأذهبن وساوس الشيطان من رؤوس بني حنيفة بخالد .
    فلما وصلهم خالد ، في أرضهم : اليمامة ، أراهم نجوم الليل في الظهيرة ، وتمنى كل مقاتل منهم أن أمه لم تلده .
    فمن في كفه منهم قناة كمن في كفه منهم خضاب
    وفي خالد يصح :
    يا ابن الوليد لك التاريخ خط به ما شئت من قيم تترى ومن كرم
    * ميراث أبي بكر الصديق : ثوبان ، وبغلة ، ما ترك غلة ؛ لأنه أنفق ماله كله ، فلله ما أجله ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) (مريم:96) .
    * لما حضرت سليمان بن عبد الملك الوفاة ، بكى ، لأنه لم يترك أحداً من أبنائه يصلح للخلافة ؛ لأنهم صغار ، فأنشد وقال :
    أفلح من كان له كبار إن بني فتية صغار
    فقال عمر بن عبد العزيز : لا ، والله ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (الأعلى:15) .
    * قرأ الوليد بن عبد الملك ، وكان لحاناً ، لا يجيد القراءة مع غشم وظلم ، قرأ ( يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ) (الحاقة:27) بالرفع فقال عمر بن عبد العزيز : ( تأخذك ، وتريحنا منك ) .
    * ( عضد الدولة ) سلطان كبير ظالم جلس في المطر مع من حضر ، وشرب الخمر حتى سكر ، ثم أنشد :
    ليس شرب الراح إلا في المطر من فتاة ذات دل وحور
    ثم مدح نفسه فقال :
    عضد الدولة من ساس الورى حاكم الأمة غلاب القدر
    فأصابه الله ، بعدها ، بالعلة ، والذلة ، والقلة ، فمات في أسوأ حال ، وأنكد بال ، شر مآل .
    * دخل أحد الشعراء على الحاكم الفاطمي ، فقال الشاعر :
    نظمت فيك هجاء .
    فسل الحاكم السيف ، وقال للشاعر :
    انثر ما نظمت ، وإلا نثرت رأسك بهذا .
    فنثر الهجاء ، ونظم فيه مدحاً فنثر الذهب على رأسه .
    * قال أحد الملاحدة لأحد المسلمين : أسألك بالله ما الدليل على وجود الله ؟
    قال المسلم : الدليل على وجوده : أنك سألتني به سبحانه : الذي لا يسأل إلا به ، تبارك الله رب العالمين ( أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض) (إبراهيم: من الآية10) .
    * سبحان الله ! ما أعظم الله ، خلق الخلق البديع ، ورزق الجميع ، فيهم العاصي والمطيع ، والتحدي قائم ( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )( لقمان: من الآية11) .
    * أمر مضحك ، خباب بن الأرت أعجمي ، ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ) عربي ، بل أفصح العرب ، والأغبياء يقولون : محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يتعلم من خباب والوحي يحكم بينهم ، ويقول : ( يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (النحل: من الآية103) .
    ولو أنه جهل بسيط عذرته ولكنه يدلي بجهل مركب
    * قال حمار الحكيم ( توما )
    لو أنصف الدهر كنت أركب لأنني جاهل بسيط وصاحبي جهله مركب
    * الملاحدة ذبان ( وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)(الحج: من الآية73).
    * أتريد أن تقرأ عن توحيد الربوبية ، والألوهية ، والأسماء والصفات ؟ أما رأيت الغدير إذا ترقرق ؟ والرياح إذا هبت ؟ والحمام إذا هدل ؟ والطير إذا صفر ؟ والورد إذا مال ؟ والزهر إذا فاح ؟ والنجم إذا طلع ؟ والشمس إذا شعت ؟ والنسيم إذا هب ؟ والضوء إذا تلألأ ؟ والغيث إذا انهمر ؟ والقمر ؟ والحجر ؟ والمدر ؟ والشجر ؟ والدرر ؟ ومن وصل ؟ ومن هجر ؟ ومن اغتنى ؟ ومن افتقر ؟ والأنثى والذكر ؟ والمبتدأ والخبر ؟ والعرب والعجم والبربر ؟ ومن عاشرهم من ذوي السلطان الأكبر ؟ وابن تيمية ؟ وابن القيم ؟ وابن حجر ؟ كلها علامات على وجود وقدرة من علا فقدر .
    * الحمار يحمل ( فتح الباري ) و( المغني ) و ( فتاوى شيخ الإسلام ) و (تفسير ابن كثير ) وعشرة أمثالها لكن المشكلة : أنه حمار ، ومعضلة المعضلات : أنه حمار ، ولا يفهم أنه حمار ، وهذا مثل اليهود ، وأبنائهم وأذيالهم وعملائهم .
    * قال الحائط للوتد : لم تشقني ؟
    قال : اسال من يدقني .
    * يا حبيبنا ، يا صاحب الفجر ، ويا مصلي الوتر ، والدائم على الذكر ، أبشر بالنصر، لأن المولى يقول : ( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (المجادلة:21) ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) (غافر:51) ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (لأعراف: من الآية128).
    ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) (المنافقون: من الآية8) .
    ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) (الحج:38) .
    ( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة:56) .
    * قبح الله اليهود ، قالوا : يد الله مغلولة ، فجاء الرد مفحماً ، محطماً ، مرعداً ، مزبداً ، غاضباً ( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) (المائدة: من الآية64) .
    غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا : طرد
    بل يداه مبسوطتان : مد .
    ينفق كيف يشاء : جد .
    * الماء والهواء ، والسناء والضياء ، والصحراء ، والظلماء ، والفيحاء ، والداء والدواء ، والرازي ، وابن سيناء ، ومؤلف كتاب الأذكياء ، وصاحب العصابة الحمراء ، وحامل الراية الخضراء ، ومن حضر كربلاء ، وسمية ، وأسماء ، والصخرة الصماء ، كلها قصائد لمدح رب الأرض والسماء ، وخالق الأشياء ، أحمده ، وأشكره كما شاء .
    والجمال والجبال ، والرمال ، والحبال والخيال ، وسلمان ، وسلال وابن التين ، وابن بطال ، وكتاب الأموال ، آيات في ملك شديد المحال ، عظيم النوال ، ذي الجلال .
    * مر جماعة من النصارى بأعرابي ، معه سيف .
    فقال : من أنتم ؟
    قالوا : نصارى .
    قال : أين عيسى بن مريم ؟
    قالوا : قتلناه .
    فسل سيفه ، وقال : والذي نفسي بيده ، لا تذهبوا حتى تدفعوا الدية ، فدفعوا الدية وذهبوا خاسئين .
    * اسمع عناوين محاضرات الدجاجلة ، التي حضرها المهووسون والموسوسون ، والمنكوثون ، والمحبوسون منها :
    ( مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (القصص: من الآية38) .
    ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَاد) (غافر: من الآية29) .
    ( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ) (الزخرف: من الآية51) .
    ( مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُول) (هود: من الآية91) .
    ( وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً) (هود: من الآية91) .
    * سلمان : من أصبهان بإيران ، أطاع الرحمن فدخل الجنان ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن:13) ، وأبو لهب : قائد الكفار من بني عبد الدار ، ابن عم المختار ، مسكنه في النار ، يجاور فرعون ، وبئس القرار .
    تشاكلوا فهمو في العين كل قذى أرذال قوم وفجار وأشرار
    * والقضاة ، أيضاً ، ينظمون ، ويشاركون في النشيد ، وهم رواد القافلة ، وندعكم الآن مع قاضي الشام الحنفي الشهرزوري ليتفضل بإمتاعنا أبدع وأروع ما قيل في الوصل .. والهجر .
    لمعت نارهم وقد عسعس الليل ومل الحادي وحار الدليل
    فتأملتها وفكري من البين عليل وطرف عيني كليل
    وفؤادي ذاك الفؤاد المعنى وغرامي ذاك الغرام الدخيل
    وقاض آخر من الشمال ، ينشد في المحكمة ، وهو : الأرجاني ، يقول مشكوراً :
    أعيناي كفا عن فؤادي فإنه من الظلم سعي اثنين في قتل واحد
    إذن عندنا محدثون شعراء ، وشعراء محدثون ( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) (الرحمن:22) .
    * أمور ، والله ، عالية ، ونيات ، والله ، سامية ، الخطيب البغدادي سافر إلى مكة ، فطلب منه أن يحدثهم حديثاً في الصباح .
    فقال : أنظروني حتى أقرأ القرآن .
    فابتدأ بالفاتحة حتى وصل إلى سورة الناس قبل الغروب ، ثم بدأ يحثهم !
    * ابن عقيل كان يأكل الكعك ، ولا يأكل الخبز ، قال : لأن بينهما قدر قراءة خمسين آية ، وأنا أوفرها من عمري .
    * مسْروق بن الأجدع ، حج فنام ساجداً .
    * عروة بن الزبير : كان يختم القرآن ، كل أربعة أيام .
    * محدث الأندلس ك قرأ البخاري سبعمائة مرة .
    فأين أنت من أولئك ؟
    * وأيضاً يذكرون الله كثيراً .
    * معاذ بن جبل : يسبح الله في اليوم عشرة آلاف تسبيحة ، قالها ابن رجب .
    * وأبو هريرة : يسبح ربه اثنتي عشر ألفاً في اليوم .
    * وخالد بن معدان : يسبح في اليوم مائة ألف تسبيحة .
    فكم تسبح أنت يا بطل ؟
    * أنصف الحكام : الحسد ، لله در الحسد ما أعدله ، بدأ بصاحبه فقتله .
    أيحسدوني على موتي فوا أسفا حتى من الموت لا أخلو من الحسد
    ( ما خلا جسد من حسد ) .
    أحرص على جمع الفضائل واجتهد وتجافي عمن حمل الضغينة والحسد
    اصبر على كيد الحسود مدارياً يا صاح بعد الموت ينقطع الحسد
    ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه) (النساء: من الآية54) .
    ( حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم) (البقرة: من الآية109).

    ألا قل لمن ظل لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب
    أسأت إلى الله في حكمه لأنك لم ترض لي ما وهب
    فجازاك عني بأن زادني وسد عليك وجه الطلب
    * الإحرام : كفن ، والحلق : حك للذنوب ، والرمي : رمز للإذعان ، والطواف : لإظهار للمسكنة ، وتقبيل الحجر : امتثال ، وشرب زمزم لظمأ ذلك اليوم ، والوقوف بعرفة : لقاء مع ملك الملوك ، والذبح : فداء للذبيح ، والسعي : تضامن مع الأم .
    * يوم ميلادنا في الغار ، وشجرتنا عند سدرة المنتهى ، ويوم الأم عندنا : يوم نزل على خديجة بشرى : ( قصر في الجنة ، من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب ) .
    وليس لدينا إلا عيدان : عيد الفطر ، وعيد الأضحى .
    عيدي إذا نصرت رسالة أحمد وتلألأ التيجان من أبطالها
    في أمة أعلى قدرها وأذل شانئها وأصلح بالها
    * لا تكن صوفياً ، ولا أشعرياً ، ولا خارجياً ، ولا رافضياً ، ولا مرجئاً ، ولا قدرياً ن ولا معتزلياً ، ولا جبرياً ، ولا ناصبياً ، ولكن كن حنيفاً مسلماً ، سلفياً ، سنياً ، محمدياً ، ربانياً ( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) (الروم: من الآية30) ( فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ) (البقرة: من الآية213) ( رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) (آل عمران:193) .
    يقول صاحب المنهج ( صلى الله عليه وسلم ) ، ( فمن رغب عن سنتي فليس مني ) (47) .
    * التقى الجمعان في بدر وشاركت الملائكة مع حزب الله في دحر أعدائه ، وقائد حزب الله : محمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )،وتحت لوائه : جبريل ، عليه السلام ، وقائد الكفار : الشيطان الرجيم ، وتحت إمرته : أبو جهل الأثيم .
    وكانت النتيجة نصراً ساحقاً للحق ، وسحقاً للباطل ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء:18) ، ( أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) (الزخرف:80) .
    ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (آل عمران:123) .
    ( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ ) (آل عمران: من الآية160) .
    ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) (لأنفال: من الآية10) .
    وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد
    * قتل عمر الفاروق أبو حفص على يد غلام مجوسي فارسي ، وسالت دماء أمير المؤمنين في المحراب ، فاهتز العالم الإسلامي لموته ، وأظلمت الدنيا لفوته ، عاش حميداً ، ومات شهيداً .
    ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
    عليك سلام الله وقفا فإنني رأيت الكريم الحرص ليس له عمر
    ( وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) (الحديد: من الآية19) .
    * حجاج بن أرطأة ، تورط ورطة إذ يقول :
    ( لا تتم مروءة الرجل حتى يترك صلاة الجماعة ) .
    فقال الذهبي : ( لعنها الله من مروءة ) .
    * قالوا لابن الجوزي : فيك خير ، غير أنك تغالي في حب أحمد بن حنبل ، قال :
    أتوب إليك يا رحمن مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب
    وأما من هوى ليلي وتركي زيارتها فإني لا أتوب
    * الحجاج للدماء مهريق ، والحلاج زنديق ، وشعبة بن الحجاج عالم في التحقيق ، ومسلم بن الحجاج صديق ، وابن الحجاج شاعر منطق .
    * سبحانك ، ما أعظمك ، وأكرمك ، وأحلمك ، وأعلمك .
    سبحانك ، ما أكملك ، وأعدلك ، وأرحمك .
    من جاد فمن جودك ، ومن ملك فداخل حدودك ، ومن تجبر ففي قيودك .
    جيوش البشر ذرة من جنودك .
    من أعطى فمن خزائنك .
    لك الحمد كل الحمد يا خير واهب فلن أطلب الإسعاد من كل طالب
    سبحانه دام قوياً .
    ( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) (مريم: من الآية65) .
    * سلطان الفاطميين لما دخل مصر شكوا في نسبه ، وشوشوا في حسبه ، فأخرج بطاقته الشخصية وسل سيفه ، فقال : هذا نسبي ، ونثر الذهب ، وقال : هذا حسبي .
    والمسلم معه بطاقة ترجح بتسعة وتسعين سجلاً ، كل سجل مد البصر ن وهي بطاقة : ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) والحديث صحيح .
    هذه الأشواق من تلك البطاقة مبدأ كل عميل ما أطاقه
    * بنى الناصر الزهراء في الأندلس ، فجملها وحسنها ، وصرف الأموال في بنائها ، فقام المنذر بن سعيد البلوطي ، الخطيب المصقاع ، والعالم الشجاع ، فهتف بثباته ، وصاح في غفلاته ، وحجه بالوحي وآياته وقال (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ) (الشعراء:128) فانهار الحضور بكاء ، وارتفع الناس صراخاً ، وكان هذا المعلم حجة من الله على خلقه .
    * الله يرحم أبا إسحاق الشيرازي : العالم ، المحقق ، الورع ، يقول فيه الشاعر :
    تراه من الذكاء نحل جسم عليه من توقده دليل
    إذا كان الفتى ضخم المعالي فليس يضره الجسم النحيل
    كان آية في الزهد والعبادة ، ورزق القبول وزيادة ، دخل ما وراء النهر ، فاجتمع الناس عليه ، ومنهم من كان يلقي بالعمامة عليه والسبحات ، ونثرت على رأسه الدعوات ، وحيي بتحية ما حيي بها ملوك الأرض يقول : ( ما دخلت بلدة إلا وفيها قاض من طلابي ) قلت : والله هذا هو الشرف .
    تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعاد بعد أبوالاً
    * مجلس الأمن يكيل بصاعين ، وينفق بمدين ، كالرجل صاحب الصاعين : الصغير والكبير ، فإذا اكتال من الناس أخذ بالكبير، وإذا كال لهم أعطى بالصغير ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (المطففين :1- 5) .
    والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يذبحون ، وفي القدس يسحقون ، وأعضاء مجلس الأمن يضحكون ( أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) (المطففين:4) .
    * يا أيها الشيوعيون ، *** الله الكذب ، قلتم وكذبتم : لا إله ، والحياة مادة ، وقلتم : وهذا خلقته الطبيعة ، وقلتم : أموال الناس اشتراكية ، ثلاث عورات لكم ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ) (الطور:35-36) .
    * عرف الله جل في علاه نفسه إلى موسى فقال : يا موسى : ( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) (طه : من الآية14) فأعظم تعريف ، وأعظم كلمة في حقه سبحانه وتعالى : لا إله إلا الله ، فلا إلا الله ، ما أعظم لا إله إلا الله
    * سئل موسى عن العصا ، والله سبحانه وتعالى ، هو خلقها ، وسواها ، وأبدعها ، وكان في الإمكان أن يقتصر على قوله : هذه عصا ، ولكنه هش للخطاب ، وارتاح للجواب ، فقال : ( قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) (طه:18)
    * وضع الخليل في المنجنيق ، فحقق التوحيد أعظم تحقيق ، وتوكل على الله في الطريق ، فما مسه حريق ، نجا الخليل بحسبنا الله ، ونعم الوكيل ، وهتف : ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء :69) ، لأنه قابل الأمر بالتسليم ، وقام بحقوق التوحيد والتعظيم .
    * افرح في حدود الشرع وامرح واسرح من الحق تربح
    واغفر لمن أخطأ واسمح ولا تسبني ولا تجرح
    وإذا ضاقت الزوايا فاذكر ( أَلَمْ نَشْرَحْ
    عطش الصحابة وما في السماء سحابة ، فقام العلاء صاحب الإصابة فدعا الله ، فأجابه ، هتف بربه وناداه : يا عليم ، يا حكيم ، يا عل] ، يا عظيم ، فنزل الغيث ، فشربت الأكباد الظمأى ، ورويت النفوس العطشى ، فما أحس الداعي ، وما أكرم المدعو جل في علاه ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) (البقرة: من الآية186) .
    ادع من جوده العطاء العميم واترك الخلق كل ذاك لئيم
    * قطع الجسر في القادسية ، وتوقفت خيول المسلمين وجيوشهم على ضفة عند النهر ، فصاح سعد بأعلى صوته : ( يا خليل الله أركبي ) فاقتحمت الخيول بأبطالها في النهر ، فحمدها الله عز وجل حتى صار يبساً ، فسارت الخيول ، ونجت بإذن الله ، وانتصر القوم المسلمين .
    اركبي يا خيل سعد في مدد واتل دوما ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)
    إنها خيل أجابت ربها حسبك التوحيد نهجاً يا سعد
    * عبد الرزاق بن همام : إمام ، له بالسنة إلمام ، وفي كيس علمه معلقة ، انغمرت في بحار الحسنات .
    وإذا الحبيب أتى بذنب واحد محاسنه بألف شفيع
    * عبد الملك بن مروان : سفاك ، في عهده سالت الدماء ، وقطعت الأشلاء ، فسارت الرعية تعيش مسرحية ، قطع الرؤوس ، وأزهق النفوس ، فالدماء أرخص من الإماء .
    والوليد بن عبد الملك : معماري هندسي ، فتحول الناس إلى البناء ، وصارت الأمة على السقائل ، وغلا الحديد والبلك ، وفتحت مكاتب العقار ، وانغمس الناس في الدنيا بلا وقار .
    وسليمان بن عبد الملك : أكول ، صاحب موائد مشيده ، فوقع الناس في الدجاج والعصيدة ، والمروق والثريدة ، وكل يلعق يده ، ويصبغ بالمرق جيده .
    ثم جاء الراشد الكريم : عمر بن عبد العزيز ، فزهد في الفانية ، وآثر الباقية ، فتوجه الناس إلى المساجد ، وهجروا المفاسد ، وقيدوا الحكم والفوائد ؛ لأن سر المهنة عند القاعد .
    يا علم أنت لنا تاريخ أمة أنت يا قمة من يهفو لقمة
    * ما أغلى الوقت عند السلف :
    قيل لأحدهم : تعال معنا نتكلم .
    قال : احبس الشمس ، أي أنها تقرض الأعمار .
    وقيل لداود الطائي : لم ى تمشط لحيتك ؟
    قال : ما فرغت .
    ( ولي عليه ملاحظة ) .
    وقيل لأحدهم وهو يهتف بالتسبيح : كأنه تساق .
    قال : لا ، أطرد طرداً .
    وقيل للربيع بن خثيم لماذا لا تتكئ ؟
    قال : لا يتكئ إلا آمن ، وأنا خائف .
    قالوا : متى تأمن ؟
    قال : إذا جزت الصراط
    رحم الله ذا الركب كل تحية وباشرهم من جانب السفح رائد


     رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ....
    تاريخنا أنت لا نرضى به بدلا لو أن تاريخ أحفاد الورى بدلوا
    ومنك صحوتنا الكبرى متوجة بصوتك العذب يحدو السادة النبل
    * الصديق : أتعبت ، والله من جاء بعدك .
    * الفاروق : باب يحجب الفتنة ، ثم كسر .
    * عثمان :
    جرحان في كبد الإسلام ما التأما جرح الشهيد وجرح بالكتاب دمي
    * علي :
    أبا حسن لك الأيام وقف وأرواح الملا تهدى إليكم
    * كافينا : يكفينا ويشفينا ، وكافيهم : لا يكفيهم ، الله لا يعافيهم .
    فهل فهمت يا أبا دلامة : كافي الكليني ( صلى الله عليه وسلم ) وابن قدامة ؟
    * دخل دعبل الخزاعي على الشريف الرضي أو المرتضى فمدحه قصيدته في أهل البيت التي منها :
    إذا وتروا مدوا إلى واتريهم وأكفاً عن الأوتار منقبضات
    نساء زياد في القصور نواعم وآل رسول الله في الفلوات
    وهي طويلة عامرة ، فأهدي له جبة ، فذهب دعبل بالجبة عليه ن فرآه أهل قم ، وأكثرهم : روافض ، يتبركون بحب أهل البيت : التبرك البدعي ، فقاموا إليه ، فمزقوها قطعة قَطعة ، ما بقى على كتفه إلا كالشراب .
    * ابن إسحاق ، بطل السباق ، وهو في السيرة عملاق ، فوثقه إلا إذا عنعن ، ولا تتلكأ ، وتقول : أن أَن .
    * استدعى ملك الروم عالماً من علماء المسلمين ليحاجه ، فأرسلوا له أبا بكر الباقلاني ، الذكي الأريب ، وقالوا لملك الروم : لا ينحني إذا أتاك .
    فجعل بابه منحنياً ، حتى يضطر أبو بكر الباقلاني للانحناء ، فلما اقترب من الباب عرف المكيدة ، فطلب وجهه للملك ، فأعطى الملك ظهره ، ودخل منحنياً إلى الوراء ، ثم دخل فوجد أحد الرهبان ، فسأله عن أبنائه ، وعندهم عيب وعار أن يكون للراهب أبناء ، ويريد أبو بكر أن يحجَهم بأنه ليس لله ولد ، سبحانه وتعالى ، لقولهم : إن عيسى ابن الله .
    قال الراهب : أتسألني هذا السؤال ؟
    قال أتتبرأ من الولد ، وتنسبه إلى الله ؟؟
    وقالوا له : فيما رميت به عائشة رضي الله عنها .
    فقال : هما : امرأتان ، رميتا بالفاحشة ، فبرأهما الله ، وعائشة لها زوج ، ولم تأت بولد ، ومريم ليس لها زوج وولدت بولد ، فلو تطرق الشك لعائشة كان لمريم أولى ، وقد برأهما الله عليهما السلام والرضوان .
    فبهت الذين كفروا .
    * قالوا لابن جرير الطبري : من أنت ؟
    قال : محمد بن جرير .
    قالوا : ابن من ؟
    قال :
    قد رفع العجاج ذكري فادعني باسمي عن الأنساب هنا يكفني
    قسموا مؤلفات ابن جرير الطبري علي عدد أيامه ، فخرج في كل يوم كراسة ، فحيا الله رأسه ، وأنعش أنفاسه ، وكثر في الجنة أغراسه .
    عود دائم في كل قلب وذكر كالضياء فلا انقطاع
    * قصة الموت طويلة ، فضح الموت الدنيا ، ولم يدع لذي لب فرحاً ، هدم الملوك والممالك ، ونسف المقاتلين والمعارك ، وأخذ مليكه وملكان ومالك ، وسوف يأخذك كذلك .
    بني ملك قصراً ، وقال للحكماء : هل ترون فيه من عيب ؟
    فقال أحدهم : عيبه أنه يخرب ، ويموت صاحبه .
    * رسم أحدهم سنبلة قمح جميلة ، عليها عصفور قد وقع ، وهي محملة بالحب ، فنصب لوحة على باب الملك ، فمر الناس ، وأثنوا على من رسمها ، إلا رجلاً أعور قال : لي عليها ملاحظة ونقد .
    فدعي به إلى الملك .
    فقال : ما هو نقدك ؟
    قال : وقع العصفور على السنبلة ، وهي قائمة لم تمل ، وهذا خطأ ، لابد أن يميلها الرسام ؛ لأن العصفور إذا وقع على السنبلة أمالها .
    قال : صدقت ، فخلعوا اللوحة .
    * ما أريد أن أزكي كتب الغربيين ، فإن عندنا ما يكفينا والحمد لله من ميراث محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، لكن الحكمة ضالة المؤمن ، يأخذها أنى وجدها ، والشيطان علم أبا هريرة آية الكرسي ، فلابد من أن نستفيد من تجارب القوم ، بشرط ألا تتصادم ، أو تتعارض مع ديننا الحنيف .
    في الكتب التي طالعتها من كتب الغرب كتاب أردده كثيراً ، لعجبي به ، ولي عليه ملاحظات ، وهو : كتاب ( دع القلق وابدأ الحياة ) .
    والكتاب أيها الناس بديع عجيب ، ملك علي مشاعري وعواطفي ، وإن تعجب فعجب هو ، ,إن تخالفني في إعجابي به .
    فدعني ففي قلبي من الحب ثلمة عليها شهود من سهادي وادمعي
    وإنني أتكلم عن مؤلفات البشر ، لا عن الوحي من الكتاب والسنة ، فذلك النوران لا يجب المقارنة بهما عند ذكرهما ، عرفت هذا الكتاب الذي بين يدي منذ سنوات ، لكنه جديد علي كل يوم .
    ألم تر أن كلما زرت دارها وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
    لعلك ستلومني على إعجابي بالكتاب ؛ لأن كاتبه أمريكي ، فهل تخاف علي وعليك من قراءة لأجنبي عن ديننا ، لا ، لا ، عندي وعندك ميراث ، نزله صاحب الملك الذي لا يبلي ، وسنة حملها صاحبي وصاحبك ، الذي ما ضل وما غوى .
    هذا الكتاب لا يحمل ترفاً علمياً ، أو نقولات متكررة ، فهذا نعرفه في كثير من المجلدات ، أو المؤلفات ، التي نفعها في جمال أوراقها ، وحسن تجليدها فحسب .
    هل لنا أن نسمع أقوال الأمم وتجارب الشعوب ؟
    هل لنا أن نقرأ أفكار النابهين ، ونضعها في ميزان : ( نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ) (الشورى: من الآية52) .
    وافقت المؤلف كثيراً ، واختلفت معه قليلاً ، والميزان عندي الذي أحاكم إليه إسلامي الحنيف .
    لقد انهار المؤلف بأمثلة لأساطين المربين من الأميين ، ودلف بأقوال الجهابذة المفكرين ، ونفث في روع القارئ مقطوعات الشعر للشعراء .
    ولقد كان رشيقاً مهذباً ، وهو يتلو علينا القصص من أمته .
    كنت أظن أنني أنا المعجب وحدي ، وكلما قابلت ذا همة وجدت العجب يملؤه .
    فلا تحسبن هنداً الغدر وحدها سجية طبع كل غانية هند
    والعجب أن عندنا والحمد لله أحسن ، وأروع ، وأبدع مما كتبه هو ، ولكن ما وافق ما كتب ، علمت أن هذا الدين دين الفطرة .
    ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) (فصلت: من الآية53) .
    * يقولون : أكثر ما يخاف لا يكون :
    أي : أن كثيراً مما يتوقعه الناس لا يقع .
    يقول أحد العرب في هذا :
    فقلت لقلبي إن ذابك نزوة من الهم أقصر أكثر الروع باطله
    * قال الشاعر ميلتون :
    ( في وسع العقل أن يخلق ، وهو في مكانه مقيم ، نعيماً من الجنة ، أو جحيماً من الجحيم ) .
    قلت : يقول المتنبي :
    ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
    * يقول أبكتيتوس الفيلسوف الروائي :
    ( إزالة الأفكار الخاطئة من العقل ، أجدى بكثير من إزالة أورام الجسد ) .
    وفي القرآن خير من ذلك ، فإن الله ذكر مرض الأبدان ، ومرض الجنان ، فحذر من مرض القلب تحذيراً ، وقال سبحانه وتعالى : ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:10) .
    يقول أحد علماء السلف معلقاً على الآية : ( لأن مرض الأبدان قصاراه أن يموت العبد ، ومرض القلوب قصاراه أن يموت ، فيدخل النار .
    * يقول مونتان الفيلسوف الفرنسي :
    ( إن المرء لا تضره الحوادث ، وإنما الذي يضيره حقاً ، هو تقديره للحوادث ، وتقديرنا للحوادث أمر متروك لنا وحدنا ) .
    قلت : بل لله وحده ، إنه المقدر : ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ( يوسف : من الآية21) .
    وأقول : كلما صعب على الإنسان حياته ، وتعرض للحوادث والمصائب ، نضج عقله وفكره ، إن لم تستحقه هذه الحوادث .
    يقول المتنبي :
    إذا اعتاد الفتى خوض المنايا فأقصر ما يمر به الوحول
    * يقول وليم جيمس وهو من أكبر علماء النفس الأمريكان : ( إن أعظم علاج للقلق ، ولا شك ، هو الإيمان )
    قلت : الحمد لله الذي هداك ؛ لأن تقول العدل والميزان .
    * أنشودة غربية مترجمة :
    الأمان .. الأمان .. يا لروعة الأمان
    إذ يسكبه في نفوسنا .. الرحيم الرحمن .
    إليك اللهم أدعو أدعو أن تحيطني بالأمان .
    فيضاً غامراً ، يملأ القلب والجنان .
    * لا تكن نصف عالم ، ولا نصف مفسر ، ولا نصف محدث ، ولا نصف فقيه ، ولكن كن كاملاً في أمورك بحسب الإمكان ، وتعمق في الإيمان ، وفي طاعة الرحمن ، تصل إلى الرضوان والجنان .
    * يقول فرنسيس بيكون :
    ( إن قليلاً من الفلسفة يجنح بالعقل إلى الإلحاد ، ولكن التعمق في الفلسفة خليق بان يعود بالمرء إلى الدين )
    قلت : لا فلسفة ، ولا علم كلام ، ولا منطق ، عندنا كتاب وسنة ، ولكنك ما ذقت ما ذقنا .
    ألا بلغ الله الحمى من يريده وبلغ أكناف الحمى من يريدها
    يقول المولى سبحانه وتعالى :
    ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) (يونس:62-63) .
    وقال سبحانه :
    (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97) .
    إذاً ن فعليك أن تطرد الهم ، والغم ، واليأس ، والقنوط ، والوحشة ، بذكر الله والإيمان ، وسوف أستشهد بكلام الغربيين ، والحق ما شهدت به الأعداء :
    يقول الدكتور ( كارل يونج ) ، أعظم الأطباء النفسيين في هذا الجيل ، في كتاب بعنوان : ( الرجل العصري يبحث عن روح ) يذكر من تجربته : أنه لم يبرأ واحد من المرضى عنده ، إلا حين استعاد إيمانه ، واستعان بأوامر الدين ونواهيه على مواجهة الحياة .
    وقال وليم جميس :
    الإيمان من القوى التي لابد من توافرها ؛ لمعاونة المرء على العيش ، وفقدها : نذير للعجز عن معاناة الحياة .
    * يقول هاري أمرسون في كتابه ( القدرة على الإنجاز ) :
    من أين أتتنا الفكرة القائلة بأن الحياة الرائدة المستقرة ، هي التي تخرج الأذكياء ، والأبطال والفاتحين والمخترعين ؟ لقد نام أناس على الحرير والديباج ، فما خرجوا إلا أغبياء بلداء ، ولكن هناك أناس عاشوا شظف العيش ، فخرجوا عظماء .
    فلا هذه ، ولا هذه ، وإنما هي الهمم .
    وأقول أنا : إنما هو التوفيق من الله ، عز وجل ، ثم سعى العبد .
    فبلال من الاضطهاد ، إلى رفع الأذان في الوهاد .
    وسلمان من عبادة النيران ، إلى رضا الرحمن .
    * يقول وليم بلوثر :
    ليس أهم شيء في الحياة : أن تستثمر مكاسبك ، فأي أبله يسعه أن يفعل هذا ، ولكن المهم حقاً : أن تحل خسائرك إلى مكاسب .
    ويقول شوبان هور :
    ذوو النفوس الدنيئة يجدون متعة في البحث عن أخطاء شخص عظيم .
    ويقول الأول :
    إن العرانين تلقاها محسدة ولا ترى للئام الناس حساداً
    والله يقول : ( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذى) (آل عمران: من الآية111) .
    * يقول إبراهام لنكولن :
    لو أنني حاولت أن أقرأ ، لكي أرد فحسب على ما وجه إلي من نقد ، لشغلني هذا ، وأخذ وقتي ، وعطل عملي ، إنني أبذل جهدي في أداء واجبي ، فإن أثمر شيء من جهودي ، فلا شيء من النقد يضيرني ، وإن خاب مسعاي ، فلو أقسمت الملائكة على حسن نواياي ن لم يجد هذا فتيلاً .
    إذا نطق السفينة فلا تجبه فخير من إجابته السكوت
    * مر الذئب من السكة ، فتهدده التيس من على سقف منزل مرتفع .
    فقال الذئب :
    والله ، إني كنت أعرفك ، لو كنا في مكان واحد ، ولكن المكان المرتفع شجعك .
    وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا
    [ البيت للمتنبي ، وليس للذئب ]!!
    * أخذ الأحنف بن قيس يمر طريقه إلى بيته ، فلحقه سيفه يسبه ، فلما اقترب من حيه ، قال الأحنف للسفيه : عد ، كي لا يراك سفهاء الحي فيضربونك .
    وقال حاتم الطائي :
    وأعقر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرماً

     الرموز والكنوز :
    خ : البخاري : وبصحيحه خر سقف المبتدع من فوقه .
    م : مسلم بن الحجاج : بحر في الأثر ثجاج ، علم الطوائف والأفواج .
    ت : الترمذي : عبقري ، فقد البصر ، فزيد في نور بصيرته ، وهو يافعة ساطعة جامعة .
    د : أبو داود : ألين الحديث لأبي داود كما الجديد لداود ، أن اعمل يا أبا داود من كلام المحمود سابغات لأهل السنة ، وقدر في السرد لترد البرد .
    ن : النسائي : أبو عبد الرحمن ، مقارع الفرسان في حومة الطعن ، مجرح ، معدل ، إمام مبجل ، داسوا خصيتيه من أجل ( الخصائص ) ، فليته جعلها للخاصة .
    ه : ابن ماجة : مشكاة نور حديثه فيها مصباح ، المصباح في زجاجة .
    قط : الدار قطني : دار ، قطنها : العلم ، فيها الخير فقط ، بلا شطط ولا غلط ، ولا سقط .
    هق : البيهقي : شرف الشوافع ، وإمام الجوامع ، ومسيل المدامع .
    طب : الطبراني : طبه براني ، وكبير أوسطه صغير ، وصغير أكبره وسط ، ووسط أصغره كبير ، فهل عرفت الثلاثة ؟
    حب : ابن حبان : حبه آن ، وفضله في كل أوان ، وهكذا فلتكن الهمم بلا توان ، صنع المدينة لا صنع تايوان .
    * التقى القاضي الفاضل ، والعماد الأصفهاني ، وكانا ذكيين لا معين ، فقال القاضي الفاضل للعماد :
    دام علا العماد .
    ( وهذه الكلمة إذا قرأتها من آخرها أو من أولها أتت بنفس المعنى واللفظ ) .
    ففهم العماد مقصوده فقال :
    * [ سر فلا كبابك الفرس ] ( وهذه الكلمة أيضاً قرئت من الأول أو من الآخر فالمعنى واللفظ واحد ) .
    وهذا من الذكاء ، لكن قوم شعيب أغبياء .
    قالوا : ( مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ ) (هود: من الآية91) ، لأن عقولهم في سفول .
    * الشوكاني : صلى بالناس إماماً ، فسقطت منه العمامة ، وهو في الصلاة ، فحملها ، فقال له الناس : أتحمل العمامة يوم سقطت ، وأنت تصلي ؟
    فقال : حمل العمامة أخف من حمل أمامة .
    ( ومقصوده بأمامة : ابنة زينب بنت الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، يوم حملها ( صلى الله عليه وسلم ) في الصلاة ، والحديث في ( الصحيحين ) عن أبي قتادة ) .
    ورحم الله الشوكاني ما أعظم اجتهاده ، وما أكبر جهاده ، فهو القائل : ( لا هجرة بعد الفتح ) يوم سألوه أن يشرح ( صحيح ) البخاري ، والمقصود ( فتح الباري ) : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً) (الفتح:2) .
    * ماتت حمادة : عمة أبي جعفر المنصور ، فحضر دفنها ، وحضر مع الناس : أبو دلامة المزاح ، فجلس أبو جعفر حزيناً ، على شفير القبر ، وهو يحفر، وحمادة مكفنة بجانبه ، فالتفت أبو جعفر إلى أبي دلامة، وقال له :
    يا أبا دلامة : ما أعددت لهذه الحفرة ؟
    فقال أبو دلامة : أعددت لها حمادة ، عمة أمير المؤمنين .
    فضحك أبو جعفر المنصور ، وضحك الناس .
    وما أبالي إذا نفسي تطاوعني على الهلاك بمن قد مات أو هلكا
    * أما أشعب الطماع ، فإنه طلب الحديث أياماً ، ثم سأله الناس ماذا استفت من هذا ؟
    قال حدثنا عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً :
    ( إن الله يحب خصلتين ) ثم قال : نسى عكرمة خصلة ، ونسيت الثانية .
    * ألف ابن المبارك رحمه الله كتاب ( الزهد ) ، فجاء يقرأه على الناس ، فغلبه البكاء ، حتى أصبح كأنه بقرة منحورة ، ودموعه مهمورة ، وجهوده مشكورة .
    وكان سحنون المالكي ، تقرأ عليه السير ، والدمع يسيل سيلاناً ، وربما انتحب .
    * يقول عدي بن حاتم ، قبل معركة صفين : لا ينتطح في هذا الأمر عنزان ، فوقعت المعركة ، وفقئت عينه رضي الله عنه فلقيه بعض الأعيان ، فقالوا يا عدي :
    ( والله لقد انتطحت فيه تيوس كثيرة ، وفقئت فيه عيون ) .
    * كان الرازي يدرس في المسجد ، في يوم بارد ، وعليه كساء فأتت حمامة قد قيدها البرد فوقعت على حجره ، فقام أحد طلابه وقال :
    جاءت إليك حمامة مشتاقة تشكو إليك بقلب صب واجف
    من أخبر الورقاء أن مكانكم حرم وأنك ملجأ للخائف
    * كتب أحد السلاطين إلى الأعمش ، يطلب منه أن يأتي إليه ليحدثه .
    فكتب له الأعمش : أنا لا آتي إلى السلاطين أحدثهم .
    فكتب إليه السلطان كتاباً يتهدده ويتوعده ، فأخذ الأعمش الكتاب . وأعطاه شاته ، فأكلت الكتاب .
    إذا تهددك شاهٍ شاه ، فأعط خطابه الشاه ، والسلام .
    قال موالي السلطان :
    أين كتاب السلطان يا أعمش ؟
    قال : الشاه تجيبه .
    * قال ابن مالك :
    ترفع كان المبتدأ اسماً والخبر تنصبه ككان سيداً عمر
    فلما سمع الرافضي لفظ عمر رفضه ، وقال :
    ترفع كان المبتدأ اسماً والذي يلي تنصبه ككان سيداً علي
    قلت : عمر سيد ، وعلي سيد ، والرافضي بليد .
    * الكولنج : ومنهم من يقول اسمه القولون ، وكان ابن سيناء يداوي منه الناس ن وأصيب هو بمرض القولون ، فما استطاع ان يداوي نفسه فمات .
    سبحان الحي الذي لا يموت .
    ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص: من الآية88) .
    ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ) (الرحمن :26-27) .
    * ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ ) (الأحقاف: من الآية10) هو : عبد الله بن سلام ، شهد بنبوته ( صلى الله عليه وسلم ) ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً ) (يّس: من الآية78) وهو العاص بن وائل ، وكان هبلاً .
    ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) (المدثر:11) وهو الوليد ، وكان بليداً ، خرج من صلبه خالد مجيداً .
    ( وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) (آل عمران: من الآية27) .
    ورب أصل لفرع في الفجار نمى .
    * صدق أحمد ، وأحمد ، وأحمد :
    صدق أحمد عليه الصلاة والسلام ، في رسالته ، وصدق أحمد بن حنبل في إمامته ، وصدق أحمد بن تيمية في دعوته .
    * وكذب أحمد ، وأحمد ، وأحمد :
    كذب أحمد شوقي في قوله :
    الاشتراكيون أنت إمامهم لولا دعاوي القوم والغلواء
    ( يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم ) .
    وكذب أحمد المتنبي في قوله :
    أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود
    وكذب أحمد غلام ميرزا في ادعاء النبوة .
    * أبو عبد الله إمام دار الهجرة .
    وأبو عبد الله إمام السنة .
    وأبو عبد الله مجدد الملة .
    فالأول : مالك ، وكيف لا يكون كذلك ، وهو نبيل المسالك .
    والثاني : الشافعي ، شفاء وعافية ، وشمس دافية ، وعين صافية .
    والثالث : أحمد صاحب المنهج الأحمد ، والطريق الأرشد .
    ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24) .
    هينون لينون أيسار من بني يسر صيد بهاليل حفاظون للجار
    * أعوذ بالله من شين :
    الشيطان ، والشر ، والشؤم ، والشرعية ، والاشتراكية ، والشك ، وشامير ، وشاه إيران .
    مبادئ ورموز كلها سفه تهوي إلى النار لا تلوي على أحد
    ( كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ) (لأعراف: من الآية38) .
    * أعوذ بالله من جيم :
    الجعد ، والجبر ، والجور ، والجن ، والجحيم ، والجريمة ، والجناية ، والجبن ، والجهل .
    عجبت لدجال دعا الناس جهرة إلى النار واشتق اسمه من جهنم
    * إذا اجتمعت العزلة ، والعزيمة ، والعزة بالله ، عز وجل ، أثمرت شجرة القبول .
    ( نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (النور: من الآية35) .
    سند من التبجل كل فضيلة حبلى بمكرمة على أنجاب
    سمسمة في العلم تعلو بها واحمد لمن أعطى لو سمسمة
    والمح كمال الوصف حتى ترى قاض يدير الحكم في المحكمة
    والجم جماح النفس عن غيها ففيها يذهب بالجمجمة
    * خرج النعمان بن المنذر ، ملك العراق ، ومعه : عدي بن زيد فأراد عدي أن يعظه ، فقال : أبيت اللعن ، أيها الملك ، أتدري ماذا تقول هذه الشجرة ؟ .
    قال : ما أدري ؟
    قال : تقول :
    رب ركب قد أناخوا حولنا يمزجون الخمر بالماء الزلالا
    سعدوا حيناً وعاشوا زمناً ثم صاروا جثثاً تحت الرمالا
    فبكى النعمان ، وأمر برفع السفرة ، وما عليها من الطليان ، وأدرك أن كل من عليها فان .
    * قال أبو جعفر المنصور للشعراء : من يجيز هذا البيت ، أعطيه هذه البردة التي علي ، وهي : بردة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، فصعب القافية عليهم ، وقال :
    وهاجرة وقفت بها قلوصي يقطع حرها ظهر العظايا
    فقام الشعراء على ركبهم ، فابتدرهم بشار بن برد ، وقال :
    وقفت بها القلوص ففاض دمعي على خدي وأكثر واعظايا
    فأعطاه البردة ، فاشتريت منه ، فباعها بثمن بخس . ( بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ) (يوسف: من الآية20) وكان فيها من الزاهدين ، وقال الذي اشتراها يا بشرى : هذه بردة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فكان من الرابحين .
    * اللهم صل على محمد وسلم ، يقول في الصحيح :( إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي بالنبوة ) (48).
    ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا
    وما ذاك إلا أن هنداً عشية تمشت وجرت في جوانبه بردا
    * رافق أبو طالب أبا جهل ، ذاك ال*** ، ففاته الفصل ، وهو شيخ الأباطح ، وبطل الجحاجح ، ورافق الكلب الفتية في الغار ، فأدرك الشرف والفخار ، وذكر في كتاب الأبرار ( وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِِ ) (الكهف: من الآية18) وكل بصحبة الآخر سعيد ، فلا تصاحب الرعديد الطريد .
    * تحدثت مع سليمان النملة ، وحورب فرعون بقملة ، وقتل أمية بن خلف في شملة ، وسحق قوم عاد بالجملة ، ( فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِه) (العنكبوت: من الآية40) ؛ لأنه كفر بربه .
    * فقد سيف الزبير رضي الله عنه في بدر ، وأخذه ابنه عبد الله ، وقاتل به الحجاج ، ثم أخذ السيف لعبد الملك ، فذهب عروة لأخذه .
    فقال عبد الملك : تعرفه من بين السيوف .
    فعرفه ز
    فقال : بم عرفته ؟
    قال : بهن فلول من قراع الكتائب .
    * محمد بن عبد الوهاب ، طاهر الثياب ، نقي الإهاب، ناصر للسنة والكتاب ، بلغ المجد ، وشع في نجد .
    خذا من صبا نجد أماناً لقلبه فقد كان رياها يطير بلبه
    وإياكما هذا النسيم فإنه متى يسر كان الوجد أيسر خطبه
    * ابن باز : ممتاز ، ابن عثيمين : ثمين ، وابن حميد : حميد ، والألباني : باني ، وابن باديس : رئيس ، والزنداني : زند واري ، فسبحان من علم آدم الأسماء كلها .
    * السبت لليهود ؛ لأنهم في سبات ، والأحد للنصارى ؛ لأنهم ثلثوا الواحد ، ولم يعرفوا ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الإخلاص:1) ، والجمعة لنا ؛ لأن الله جمع لنا الفضائل .
    فمن مثلنا في الناس أهل مآثر تمر بها الأزمان وهي بواقي
    * الكعبة قبلة الحب والاستقلال .
    المصحف : المنهج والوحدة .
    السنة : سفينة نوح .
    الصحابة : دوحة المثل .
    العلماء : ربان السفينة .
    الجزيرة : سياج الملة .
    الشهداء : قرابين الفداء .
    الملاحدة : شياطين الإنسانية .
    المسجد : شعار القوة .
    قريش : ابنهم داعية الإنسانية ، وحامل الهداية الربانية . بنو سعد : إخواننا من الرضاعة ، هناك أمنا حليمة .
    بنو تميم : كتائبنا يوم يخرج الدخال ، وأنعم بالرجال .
    الأزد : أنصار المنهج ، وأجداد الأوس والخزرج ، والجيش المدجج .
    * تبارك الذي نزل الفرقان ، فالناس فيه فريقان ، وبسببه التقى الجمعان ، وتقاتلت من أجله الفئتان ، ووقعت بآثاره بدر ، وأحد ، وبيعة الرضوان .
    تبارك الذي نزل الفرقان ، فآمن به : الصديق ، والفاروق ، وعثمان ، وناصره : سعد ، وعلي ، وسلمان ، ودعا إلى نوره : معاذ ، ومالك ، وسفيان ، وقتل من أجل مبادئه : حنظلة وحمزة وعمران .
    وننكر يوم الروع ألوان خليلنا من الضرب حتى نحسب البيض أحمرا
    * يا مسلمون ، أقرضوا الله قرضاً ، ولا تضربوا بالذكر عرضاً ولا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ، فقد أورثكم أموالاً وجيوشاً وأرضاً ، فلك الحمد حتى ترضى ، فناصروه بكل ما تستطيعون ولو كنتم مرضى .
    لك الحمد أنفاس من القلب درجت بدمع من العينين أسكبه سكباً
    * البلداء الطغام ، يقولون : ( مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ) (الفرقان: من الآية7) ، ويعيش عيشة الأيتام وما عنده كنز ولا قصور ولا خيام ، فجاء الجواب من العلام ( تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ) (الفرقان: من الآية10) ، خلود في أحسن الممالك ، وأنهار في أروع المسالك ، وحور عين وحرير ، وإستبرق كذلك .
    * قمص عثمان ، ودرة عمر ، ودماء حنظلة ، وصوت أبي طلحة ، وأذان بلال ، هي تاريخنا ، وانطلاقتنا الكبرى :
    سل عن رسالتنا الدنيا وما فيها نحن الأشاوس أعط القوس باريها
    * أم سليم تشرب من التسنيم ، وتعب من السلسبيل ؛ لأنها أهدت أنساً للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
    وعكاشة في الإيمان أخمصه ومشاشه ، أنفق للحق قوته وقماشه، فصار الحرير في الجنة قماشه .
    والوليد بن المغيرة ، أحرقه الحسد والغيرة ، وأوبقته الهمم الصغيرة ، فوقع في الحفيرة .
    * وقف سفيان الثوري في وجه أبي جعفر المنصور يعرضه ، وعلمه وعرفه ، وأنكر عليه تبذيره في المال وتصرفه ، وذكره بسيرة عمر بن الخطاب ، وتلا عليه فصل الخطاب ، فما أجاب ، فأغلق سفيان الباب .
    * عفر الله لسفيان زللاً ، يحفظ حديث : ( سيد الشهداء حمزة ، ورجل قام إلى سلطان فأمره أو نهاه فقتله ) . سفيان يروي في الدفاتر : ( افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) (49) .
    * رغم أنف من حارب الرسالة ، وسفك الله دمه وأساله ، ( نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ) (لقمان:24) .
    * ( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا) (التغابن: من الآية7) قاتلهم الله ، كيف يمكثوا ، النار أمامهم مهما تلبثوا ، كلما دعوا إلى الوضوء أحدثوا .
    * اللهم بصرنا بالعيوب ، واغفر لنا الذنوب ، وأصلح منا القلوب ، اللهم سلمنا من الرياء ، والخيلاء ، والضغناء ، والشحناء ، اللهم اجعلنا أقوياء ، أوفياء ، سعداء ، شهداء .
    اللهم صل على المعصوم ، وسلم عليه عدد النجوم ، وبارك على من نشر العلوم ، وعلى آله وصحبه صلاة وسلاماً وبركات تدوم .
    اللهم إني مسني الضر ، وأنا المضطر ، المعترف المقر ، إليك المفر ، أجعل الجنة المستقر ، واحفظنا في الجو والبحر والبر .
    ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الصافات:180- 182) .



    مواقف ساخنة

    هذه مواقف متعددة سميتها : ( مواقف ساخنة ) ، لأنها أحداث ، ذات عبر ن وفيها من الحركة والحياة الشيء الكثير ، فهي تحمل الانفعالات ، والعواطف المتدفقة من جيل لن يتكرر ، إلا أن يشاء الله ، لعلنا نتوقف عندها ، ونأخذ من كل موقف منها عبراً ودروساً ، تكون زاداً لنا في طريق الهداية ، فإليكم إياها .

    الموقف الأول : عمر يجمع الصدقات

    أتي ( صلى الله عليه وسلم ) والحديث عند البخاري فأرسل عمر ، وعمر في تلك الفترة وبعد تلك الفترة تلميذ لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
    أرسله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( اذهب اجمع الصدقات ) . ( أي : الزكاة ) .
    من أين يجمعها ؟ من المسلمين .
    أخذ عمر ، رضي الله عنه وأرضاه ، جهته ، وامتثل الأمر ، وطاف على المسلمين : ادفعوا الصدقة .
    لمن الصدقة ؟ أللقصور أللدور ؟ لا ، بل للفقراء ، وللمساكين وللمحتاجين .
    وعمر : صارم وهو يصلح لمثل هذه المهمات ، والرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يعرف أن يضع الرجال ، فأبي بن كعب يضعه سيداً للقراء ، ومعاذ قاضياً إماماً ، وأبو بكر أستاذاً في الإدارة ، وأول خليفة ، وحسان للقوافي ، والمجالس الأدبية ، التي ينافح بها عن الإسلام ، وزيد بن ثابت للفرائض ، وخالد بن الوليد لفصل الرؤوس عن الأكتاف ، في سبيل الله ، وعلي بن أبي طالب قاضياً وللمهمات ، والزبير : الحواري ، وعثمان للإنفاق ، وابن عوف للبذل .
    وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
    ذهب عمر يطرق على الأبواب : ادفعوا الزكاة .
    يقولون : من أرسلك ؟ فيقول : محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فإذا سمعوا محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) دفعوا الصدقة ؛ لأن عمر مهما أوتي من قوة ، لا يملك القلوب كما يملكها ( صلى الله عليه وسلم ) حتى يقول فيه أحد الشعراء :
    محاسنه هيولى كل حسن ومغناطيس أفئدة القلوب
    حتى العذارى في الخدر يتبعن كلامه ( صلى الله عليه وسلم ) .
    فذهب عمر ليطرق الأبواب ، ومر بالناس جميعاً ، فوصل إلى العباس والعباس : عم الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فقال له : ادفع الصدقة .
    قال : من أرسلك ؟
    قال : الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
    قال : لن أدفع .
    فذهب إلى خالد ، سيف الله المسلول ، أبي سليمان ، صاحب الغارات ، وقال له : ادفع الصدقة .
    قال : من أرسلك ؟
    قال : الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
    قال : لن أدفع ؟
    فذهب لبن جميل ، قال : أدفع الصدقة .
    قال : من أرسلك .
    قال : محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
    قال : لن أدفع ؟
    فرجع عمر بالأموال ، وقال : يا رسول الله ، دفع الناس جميعاً إلا ثلاثة .
    قال : ( من هم ؟ )
    قال : عمك : العباس وخالد بن الوليد ، وابن جميل .
    قال : ( يا عمر، أما تعلم أن العباس عمي ، أما تعلم أن عمر الرجل صنو أبيه ، هي علي ومثلها لعامين) ( يقول : صدقته علي ومثلها، فأنا اقترضت منه صدقة عامين ، ولكن استحيا العباس أن يقول لعمر أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) اقترض مني زكاة عامين ، وعلم أنه إذا رد عمر سوف يتذكر الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
    قال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ( أما خالد ، فإنكم تظلمون خالداً ، إنه قد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله ) ( عنده مائة سيف وعنده مائة رمح ، وعنده : مائة فرس ، قال : هي رهن ، وهي محبوسة في سبيل الله ) .
    وهل في الوقف صدقة ؟ وهل فيه زكاة ؟ لماذا يا عمر تطلب من خالد أن يزكي وهو قد وقفها ؟
    يقولون معن لا زكاة لماله وكيف يزكي المال من هو باذله
    ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد فيها فليتق الله سائله
    خالد إذا حضر المعركة ، دعا مائة فارس ، وأعطاهم مائة سيف ، ومائة رمح ، ومائة فرس ، فهي لله ، ولذلك لا يرثها أبناء خالد .
    خالد مات ، ولا يملك إلا ثوبه .
    خالد بن الوليد خاض مائة معركة . خالد بن الوليد ما في جسمه شبر إلا وفيه ضربة بالسيف ، أو طعنة برمح ، أو رمية بسهم .
    فماذا فعلت أنا وأنت للإسلام ؟ خالد قدم دموعه ودمه ووقته .
    تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها
    وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها
    وما أتت بلدة إلا سمعت بها الله أكبر تدوي في نواحيها
    ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
    خالد ، يوم اعتزل الجيش ، وهو كبير ، أخذ مصحفاً يقرأ من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر ، ويبكي ، ويقول : شغلني جهادي عن القرآن ، ونقول : يا أبا سليمان ، عندنا شباب ، شغلهم البلوت عن القرآن ، والمجلة الخليعة ، والأغنية الماجنة .
    يا أبا سليمان ، لقد شغلك الجهاد عن القرآن ، إن جهادك أعظم من قراءة القرآن ؛ لأنك رفعت لا إله إلا الله بجهادك .
    أتته سكرات الموت ، فقال : لقد خضت مائة معركة ، وها أنا أموت على فراشي ، كما يموت البعير ، فلا نامت أعين الجبناء .
    يقول : اليوم يفرح الجبناء أني مت .
    يقول ابن كثير : قاتل خالد يوم مؤته ، فكسر تسعة أسياف في يده ، وما ثبت في يده إلا صحيفة يمانية .
    وكان جسيماً بديناً كالحصن ، وقتل بيده يوم مؤته خلقاً كثيراً .
    يقول عمر : لما تولى أبو بكر طلبت منه عزل خالد .
    فقام أبو بكر غاضباً على المنبر ، وقال : والله لا أغمد سيفاً سله الله على المشركين .
    فالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( خالد سيف الله المسلول سله على المشركين ) (50) .
    فلما تولى عمر كان أول ما أصدر : عزل خالد . فقال خالد : والله ما قاتلت بالأمس لعمر ، وما قاتلت اليوم لعمر ، وإنما قاتلت لله , أنا أقاتل لله قائداً أو مقوداً .
    إذا عذره الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وقال : ( إنكم تظلمون خالداً ) .
    وأما ابن جميل فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( وأما ابن جميل فما ينقم إلا أن كان فقيراً فأغناه الله ) (51) أي : أنه لا عذر له .
    قال الله في ابن جميل وأمثاله ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّه َ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ) (التوبة:75-77) لا عذر لابن جميل ، أما العباس فمعذور وخالد معذور .



    الموقف الثاني : أسامة ولا إله إلا الله

    أرسل الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) جيشاً ، قائده أسامة بن زيد ( وعمره آنذاك قيل : قبل الرابعة عشر والثالثة عشر ، إلى الخامسة عشر ) إلى الحرقات من جهينة على البحر الأحمر .
    أتدرون من في قيادة أسامة ؟ ومن هم الجيش ؟ أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلى بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، والقائد : أسامة عبد مولى ، وكلنا عبيد لله .
    وبعض شبابنا اليوم ، عمره : ثلاث عشر سنة ، ولا يعرف شيئاً ؛ لأن من يتربى على جمع الطوابع ، والمراسلة ، يأتي بعقلية مثل هذه العقلية .
    أما أسامة فتربى على لا إله إلا الله ، وتربى على الصلوات الخمس، وعلى قيام الليل ، وعلى تدبر القرآن .
    ذهب أسامة ، وقاد الجيوش ، فوصل إلى هناك في جهينة ، فخرجت جهينة تقاتل الصحابة ، فخرج رجل من الكفار فأتى للمسلمين ، لا يقصد مسلماً إلا قتله ، فانطلق إليه أسامة فهرب الرجل من أسامة واختفى وراء شجرة فخرج عليه فلما رفع السيف لقتله قال الرجل : لا إله إلا الله محمد رسول الله .
    فكأن لسان حال أسامة أن قال : ( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) (يونس: 91- 92) فضربه فقتله .
    لمن ترفع القضية هذه ؟ قضية شائكة .. إنسان يقاتل ، ثم تذهب إليه فتطارده ، ثم يقول : لا إله إلا الله ، فتقتله .
    رفعت للمصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأتى الصحابة ، فأخبروا الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فتغير لونه ، واحمر وجهه ، ورعد أمره ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأشرف أسامة ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) قبل أن يسلم : ( يا أسامة ، أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله ) ؟.
    قال : يا رسول الله إنه قالها مستجيراً بعد أن قتل المسلمين .
    قال : ( ماذا تصنع بلا إله إلا الله ) ؟
    قال : يا رسول الله قالها مستجيراً .
    قال : ( يا أسامة ما تصنع بلا إله إلا الله إذا أتت يوم القيامة ) (52) .
    موقف تشيب له الولدان .
    فقال أسامة : يا ليتني ما أسلمت إلا هذه الساعة ، أجاهد ، وأقتل مسلماً يا ليتني ما أسلمت إلا الآن ، يا ليتني ما ذهبت في الجيش .
    ( ماذا تصنع بلا إله إلا الله ) ؟ تأتى لا إله إلا الله في بطاقة فتنزل فتدافع عن صاحبها .
    لا إله إلا الله ، من أجلها أقيمت الأرض .
    لا إله إلا الله ، أثقل كلمة قالها الناس .
    لا إله إلا الله : مفتاح الجنة .
    ( ماذا تصنع بلا إله إلا الله ) ؟
    قال : ليتني ما أسلمت إلا الآن .
    حنانيك يا أسامة ، وغفر الله ذنبك يا أسامة ، وعطف الله عليك القلوب ، وقد فعل .
    أما الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقد توقف ، وما أفتاه ، بل قال : ( ماذا تصنع بلا إله إلا الله ) ؟ يعني : احتكم أنت وإياه يوم العرض الأكبر .
    وفيه دليل على أن لا إله إلا الله محمد رسول الله مفتاح الجنة .
    وعلى أنها تنقذ العبد من القتل في الدنيا ، إن لم يترك الصلاة .
    وعلى أنها من أحسن الكلمات .
    وعلى أنها عظيمة ، دمرت الأرض من أجل لا إله إلا الله خمس مرات .


    الموقف الثالث : الصحابة يبحثون عن الرسول ( صلى الله عليه وسلم )

    يقول أبو هريرة : جلسنا في مجلس ، ثم بحثنا عن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلم نجده .
    فهم معه كل أمسية ، فبحثوا عنه ، فلم يجدوه ، فانطلقوا يبحثون .
    قالوا : يا أبو هريرة ، أنت عليك بمزرعة فلان ، وعمر هنا ، وأبو بكر هناك ، وكل في مكان .
    أبو هريرة وفق في البحث ، فهو الذي وجده ( صلى الله عليه وسلم ) ، وجده أين ؟
    وجده في مزرعة أحد الأنصار ، أتى إلى الباب ، فسأل ، فقالوا : الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وسط المزرعة .
    تخيل أنت بنفسك أن تذهب إلى مزرعة ، وتفاجأ بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، ليس زعيماً ، بل سيد الزعماء ، وليس عالماً ، بل سيد العلماء ، فدخل ، فقال أبو هريرة : فتحفزت ( أبو هريرة : دعوب ، خفيف الدم ، دوسي ، زهراني ، من أهل الجبال ) قال : فتحفزت ، وجمعت ثيابي ، ثم دخلت ( وفي بعض الروايات كما يتخفز الثعلب ) .
    فدخل ، فإذا الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يراه قال : ( من أين أتيت يا أبا هر ) ؟ ( مداعبة لطيفة ، رواية الإسلام يقول له الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( يا أبا هر ) لأنه كان له هرة يلعب بها فسماه أهله أبا هريرة ) .
    قال : يا رسول الله ، فقدناك فأتينا نلتمسك .
    قال : ( يا أبو هريرة عد إلى الناس وأخبرهم أن من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة ، وهذا حذائي تصدق به ما تقول ) ( يعني : هذا علامة الصدق ) ، فأخذ الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) الحذاء ، وأعطاه أبا هريرة (53).
    فخرج أبو هريرة فرحاً مسروراً بهذا الخبر العجيب ، ولأنه سوف يكون مبشراً للناس أجمعين ، ثم تحفز والحذاء معه ، فخرج ، فلما خرج في الطريق لقيه عمر ، الله أكبر ، عمر واقف أمامه .
    قال : من أين أتيت ، يا أبا هريرة ؟
    قال : وجدت الرسول ( صلى الله عليه وسلم )في هذه المزرعة ، وقد قال لي أخبر من لقيته أن من شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة وهذا حذاؤه علامة ذلك .
    فأخذه عمر بيده وضربه في صدره .
    قال : فخررت على قفاي ( يعني على مؤخرتي ) .
    قال : عد إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) إني أخشى أن يتكل الناس .
    فدخل أبو هريرة بالحذاء ، ودخل على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ووراءه حصن الإسلام : عمر .
    لو كان غير عمر ما عاد ، لكن عمر الذي أخرج عفاريت الجن والشياطين من رؤوس بعض الناس .
    أنا لا أحب السير إلا مصعداً ولا البرق إلا أن يكون يمانياً
    فعاد أبو هريرة يبكي عند الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : ( ما لك ؟ ) .
    قال : ضربني عمر ، يا رسول الله .
    قال : ( ما له ) ؟
    قال : يقول لا أخبر الناس .
    وما هي إلا لحظات ، وقد وقف عمر عند الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ما لك ضربته ) ؟
    قال : يا رسول الله ، أخشى أن يخبر الناس فيتكلوا ، دعهم يعملوا ، يا رسول الله .
    فتبسم ( صلى الله عليه وسلم ) وقال : ( دعهم يعملوا ) .
    فأقره لأنه ذكي ، فإن لم تكن العبقرية هكذا ، وإلا ما كانت .
    وفي هذا الموقف أمور :
    أولاً : مكانة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في قلوب الصحابة .
    ثانياً : حرص أبي هريرة على الحديث .
    ثالثاً : موقف عمر القوي ، والذي جعله يراجع الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فيصدق فيه قول الشاعر :
    وإذا الحبيب أتى بذنب واحد محاسنه بألف شفيع
    ولذلك يقول ابن تيمية : موسى لما أخذ الألواح ، فيها كلام الله ، والله كتبها بيده ، وأتى إلى بني إسرائيل ، غضب على أخيه ، وألقى الألواح ، كما في سورة الأعراف ، وجر أخاه ، وهو نبي مثله ، ومع ذلك سامحه الله ، بينما المنافق لا يسمح له بنقطة ؛ لأنه عدو .
    ولذلك يقال للأستاذ : إذا علمت الطالب مجداً ، مثابراً ن متقياً ذكياً، متوقداً، وأخطأ مرة ، فينبغي أن تقول : عفا الله عنك .
    لكن طالباً إذا حضر في الفصل نام ، ككيس الفحم ، وإن غاب فشارد ، فلا واجب ، ولا مذاكرة ، ولا التزام ، فهذا أكثر من التشديد عليه ، فهو الأولى في معالجته وأمثاله .

    الموقف الرابع : وفد عبد القيس

    وفد عبد القيس هؤلاء من البحرين ، أتوا إلى المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكانت الوفود إذا أتت إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) تضع في أذهانها ، أنها سوف تتكلم مع رسول الله ونبي الله وصفوة الناس من خلقه ، فتهيأ ثمانية منهم ( والعجيب أنهم اختلفوا في عددهم قالوا : أربعة عشر ، أو ثمانية ، أو أربعين ، أورد ذلك ابن حجر ) لبسوا ، وتهيأوا ، ومشوا من الأحساء حتى وصلوا إلى المدينة ، ونزلوا حول المدينة ، فقال لهم أشج عبد القيس : انتظروا ، والبسوا ، وتطيبوا ، واغتسلوا ثم أدخلوا على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ).
    قالوا له : ندخل عليه الآن .
    فأتى بقية الوفد ، ومكث أشج عبد القيس وحده ، فدخلوا بغبار السفر ، وشعث السفر ، وعدم ترتيب السفر .
    وأما أشج عبد القيس ، فخرج إلى نخلة هناك ، واغتسل ، ثم لبس ثيابه ، ثم تعمم ، ثم تطيب ، ثم أخذ عصاه بيده ، ثم أتى ، ودخل المسجد ، والرسول ( صلى الله عليه وسلم ) جالس مع الناس والوفد قد سبقه ، فأخذ يلمحه ( صلى الله عليه وسلم ) خطوة خطَوة ، فتقدم الأشج فجلس .
    فالتفت إليهم ( صلى الله عليه وسلم ) وقال ( من الوفد ) ؟ الوفود كثيرة ، والمدينة أصبحت في حالة انتظار للوفود فهو عام الوفود ، وفد يستقبل وفد ، ويودع وفد ، يأتي وفد ، ويذهب وفود .
    قال : ( من الوفد ؟ )
    قالوا : ربيعة ( نحن من قبائل ربيعة ) .
    قال : ( مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى ) .
    ثم التفت إلى أشج عبد القيس ، وقال : ( إن فيك خصلتين يحبهما الله : الحلم والأناة ) .
    علم ذلك لأنه أتى بهدوء لابساً متجملاً ، ثم جلس ، ثم سأل سؤال العاقل .
    قال : يا رسول الله ، أخلقان جبلني الله عليهما أم تحليت بهما ؟
    قال : ( بل جبلك الله عليهما ) .
    قال : الحمد لله الذي جبلني على خلق يحبه الله ورسوله .
    ثم قال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع : آمركم بالإيمان بالله وحده ، أتدرون ما الإيمان بالله ) ؟
    قالوا : الله ورسوله أعلم .
    قال : ( شهادة ألا إله إلا الله وأن تقيموا الصلاة وتؤدوا خمس ما غنمتم .
    وأنهاكم عن الدباء والنقير ( وفي لفظ المقير ) والمزفت )
    ثم قال : ( أخبروا بها من وراءكم ) (54) .
    والنقير : هو الجذع الذي ينقر ، ويوضع فيه التمر ، والشعير ، فيصبح خمراً .
    والمزفت الجرار الخضر ، تطلى بالزيت ، بالقطران ، ويوضع فيها الشعير ، والتمر ثم تصبح خمراً .
    قالوا : وما أدراك يا رسول الله ؟
    فقال : ( بل تنقرون جذوع النخل ، أو جذوع الشجر ، وتضعون فيه التمر ، والماء ثم يشربه أحكم فربما عدا على ابن أخيه بالسيف وضربه ) .
    قال : وفينا رجل عدا على ابن أخيه بالسيف فضربه في رأسه فأخذ هذا الرجل يخفي الضربة في رأسه بالعمامة .
    هذا وفد عبد القيس ، واستقباله في المدينة ، وكانوا من أحسن الوفود .

    الموقف الخامس : أبو هريرة يكلم الشيطان
    الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يجمع الحب ، الذي يجمع من الصدقة ، والتمر ، والرطب ، يجمعه في جرين ( حوش ) ويجعل له حارساً ، فجعل أبا هريرة يحرس هذا المال .
    قال أبو هريرة : فأتيت أول ليلة أحرس في ظل القمر ، فأتى شيخ كبير ( الشيطان عليه لعنة الله ) ، فأقبل على عصا ، ومعه كيس ، فتكلم مع أبو هريرة ، فقال : أريد من مال الله ، أنا ذو عيال ، وأنا شيخ ( وفي لفظ البخاري أنه حثا دون استئذان ) فقبضه أبو هريرة ، وقال : والله لأرفعنك إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
    قال : اتركني ( وشكا العيال وشكا الحاجة ) فأطلقه .
    وفي الليلة الثانية أتى ، وأخذ يحثو من التمر ، فقبض عليه ثم تركه .
    وفي الليلة الثالثة قال أبو هريرة : والله لأرفعنك إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
    قال : يا أبو هريرة ، أخبرك بشيء إذا قلته في ليلة لا يقربك الشيطان .
    قال : ما هو ؟
    قال : آية الكرسي ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة: من الآية255) سبحان الله ! فأخذها أبو هريرة ، وذهب إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وقال : يا رسول الله أتاني رجل كيت وكيت وكيت .
    فتبسم ( صلى الله عليه وسلم ) وقال : ( تدري من تكلم من ثلاث يا أبا هريرة ) .
    قال : لا .
    قال : ( ذاك الشيطان ، أما إنه صدقك وهو كذوب ) (55).
    صدقك مرة ، ولكن كل مرة كذب ، إلا هذه المرة .
    وفي الحديث قضايا :
    أولها : المسلم لا يأنف من الفائدة ، والحكمة ضالة المؤمن ، يأخذها أنى وجدها ، يأخذها من الكافر ، ومن غيره ما دامت فائدة ؛ لأن لشيطان علم أبا هريرة آية الكرسي ، فما قال : لا آخذها لأنها من الشيطان .
    ثانيها : أن الشيطان يتمثل بما يمثله الله فيه .
    ثالثها : فضل آية الكرسي ، وأنها تقال عند النوم ، وأن من قالها لا يقربه شيطان بإذن الله .

    الموقف السادس : مناظرة بين الصديق والفاروق
    مات ( صلى الله عليه وسلم ) فانقسم الناس إلى مؤمنين صادقين ، وإلى منكرين للزكاة ، وإلى مرتدين عن الإسلام .
    المرتدون بالإجماع يقتلون ، أما تارك الزكاة فاختلف الصحابة فيه ، فقد وقف أبو بكر على المنبر ، فحلف، وأقسم ليقاتلن تارك الزكاة ، فقام عمر في المسجد ، وقال : يا أبا بكر ، كيف تقاتل الناس ، وقد سمعنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا إلا إله إلا وأني رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم )(56) .
    وهذا حوار بعد صلاة الجمعة ، بين لشيخين ، العظيمين ، الجليلين ، بين الشيخ الأول أبي بكر ، وبين عمر بن الخطاب الفاروق ، والناس ساكتون ، وفي الناس : علماء ، وشهداء ، وصادقون ، وبررة ، فسكتوا .
    أبو بكر يقول نقاتلهم .
    وعمر ، يحتج عليه في الحديث ، ويقول : هم يشهدون أن لا إله إلا الله .
    فرفع أبو بكر صوته ، وقال : والله ، الذي لا إله إلا هو ، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والذي نفسي بيده لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لقاتلتهم عليه بالسيف .
    فأجمع الصحابة مع أبي بكر .
    قال عمر : فلما رأيت الله شرح صدر أبي بكر لقتالهم سكت .
    أبو بكر مصدق ، أبو بكر رجل ملهم يلهمه الله ، أبو بكر أفضل من جميع الجالسين في المسجد ، هو في كفة وهم في كفة .
    قال ابن حجر : لماذا لم يستدل أبو بكر على عمر بحديث في الصحيحين ) عن ابن عمر قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) (57) أليس هذا دليل صريح ؟
    فلا الشيخ أبو بكر تذكره ولا الشيخ عمره تذكره .
    والجواب : أن يقال نسي أبو بكر الحديث، نسي عمر، ولا يلزم في المجتهد أن يحفظ كل دليل في المسألة .
    والجواب الثاني : قالوا : لا ، ما نسيا لكن ، ما سمعا بالحديث من أصله ، فهو من رواية ابن عمر ، فلا سمع به أبو بكر ولا عمر ، وإنما سمع به ابن عمر .
    ولكن ، لماذا لم يتكلم ابن عمر ، وهو حاضر في المسجد ؟.
    الجواب : قيل : يمكن أنه كان يتذكر لكن استحيا من تلاطم البحران في المسجد ، فأبو بكر : صديق الإسلام ، وعمر : فاروق الإسلام ، فهل يتدخل بينهما ؟
    وقيل : يمكن أنه نسي ، حتى هو ، وما رواه إلا فيما بعد ، فالله أعلم .
    إنما وقعت هذه المسالة وكان الحق مع أبي بكر ، وهو مصدق بهذا الحديث .
    فقاتل المتمردين .
    وفي الحديث أمور :
    أولها : جلالة أبي بكر الصديق .
    الأمر الثاني : أن المجتهد قد يخفى عليه بعض الأمور ، ولا يلزم من العالم أن يحفظ كل جزئية .
    الأمر الثالث : أن الحكم شورى ، ومن عنده كلمة ، أو دليل فليتحدث به .
    الأمر الرابع : أن القياس يؤخذ به إذا خفي النص ، وقد أخذ به أبو بكر .
    الأمر الخامس : أن الله شرح صدر أبي بكر لقتال المرتدين .

    الموقف السابع : الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يعاتب أبا ذر

    اجتمع الصحابة في مجلس ، لك يكن معهم الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، فجلس خالد بن الوليد ، وجلس ابن عوف ، وجلس بلال ، وجلس أبو ذر ، وكان أبو ذر فيه حدة وحرارة .
    فتكلم الناس في موضوع ما ، فتكلم أبو ذر بكلمة اقتراح : أنا أقترح في الجيش أن يفعل به كذا وكذا .
    قال بلال : لا هذا الاقتراح خطأ .
    فقال أبو ذر : حتى أنت يا ابن السوداء تخطئني .
    لا إله إلا الله ! أين أنت ؟
    فقام بلال مدهوشاً ، مرعوباً ، غضبان أسفاً ، وقال : والله لأرفعنك إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) (أكبر هيئة ) فاندفع بلال ماضياً إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
    ومن هو بلال ؟ إنه روح الإسلام منادي السماء .
    فاستفاقت على أذان جديد ملؤ آذانها أذان بلال
    بلال : الصوت الحبيب إلى القلوب .
    بلال : الذي سحب على الرمل ، وهو يقول أحد .. أحد .
    وصل للرسول ( صلى الله عليه وسلم )، وقال : يا رسول الله ، أما سمعت أبا ذر ماذا يقول في ؟
    قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ماذا يقول فيك ؟ )
    قال : يقول كيت وكيت وكيت .
    فتغير وجه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأتى أبو ذر ، وقد سمع بالخبر ، فاندفع مسرعاً إلى المسجد فقال : يا رسول الله ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
    فغضب ( صلى الله عليه وسلم ) حتى قيل : ما ندري أرد أم لا ؟
    قال : ( يا أبا ذر أعيرته بأمه ، إنك امرؤ فيك جاهلية ) (58) .
    هذه الكلمة ، كأنها صاعقة على أبي ذر .
    فبكى أبو ذر ، وأتى إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، وجلس ، وقال : يا رسول الله ، استغفر لي ، سل الله لي المغفرة .
    ثم خرج أبو ذر من المسجد باكياً .
    إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكمو ألم
    ذهب ، فطرح رأسه في طريق بلال ، وأقبل بلال ، العبد ، الذي ما كانت تقيم له الجاهلية قيمة بالتميز العنصري ، الذي سحقه الإسلام .
    يقول عمر : أبو بكر سيدنا ، وأعتق سيدنا أي : بلالاً .
    أتى أبو ذر فطرح خده على التراب ، وقال : والله يا بلال لا أرفع خذي عن التراب حتى تطأه برجلك ، أنت الكريم وأنا المهان .
    رفع الله منزلتك يا أبا ذر إلى هذا الحد .
    إنه تأديب الإسلام ، وحياة القرآن ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لأنفال:63) .
    فأخذ بلال يبكي من هذا الموقف ، من الذي يستطيع أن يقف هذا الموقف ، ولا ينقطع قلبه ؟
    إن بعضنا يسيء للبعض في اليوم عشرات المرات ، فلا يقول عفواً ، يا أخي ، أو سامحنا .
    إن بعضنا يجرح بعضاً جرحاً عظيماً ن في عقيدته ، ومبادئه ، وأغلى شيء في حياته ولا يقول: سامحني .
    إن البعض قد يتعدى بيده على زميله ، وأخيه ، ولا يقول : عفواً ، يا أخي .
    قال : والله لا أرفع خدي ، حتى تطأه بقدمك ، فبكى بلال ، واقترب ، وقبل ذاك الخد لا يصلح للقدم بل يصلح للقبلة .
    ذاك الخد ، أكرم عند الله ، من أن يضع عليه القدم ؟
    ثم قاما وتعانقا ونباكيا .
    إذا اقتتلت يوماً ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها
    هذه هي حياتهم ، يوم تعاملوا مع الإسلام .
    ( أعيرته بأمه ، إنك امرؤ فيك جاهلية ) فليس عندنا معامل ألوان ، ولا عندنا أبيض ، ولا أحمر ، ولا أسود ، ولا من آل فلان ، أو من آل فلان .. لا عندنا تقوى ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: من الآية13) ، لذلك إذا رأيت إنساناً يمتدح بآبائه وأجداده وهو صفر فاعرف أنه لا قيمة له عند الله .
    إذا فخرت بآبائهم لهم شرف نعم صدقت ولكن بئس ما ولدوا
    طرق طارق على عمر ، قال : من ؟
    قال : أنا الكريم ابن الكريم ابن الكريم .
    تدرون من هو هذا الرجل ؟ إنه عيينة بن حصن بن بدر ، وهو : صادق ، فأسرة بنو بدر ، هؤلاء أسرة من أربع أسر ، من أكبر أسر العرب ، فحاتم الطائي على كرمه كان يمدحهم ويقول : هم أكرم مني .
    يقول حاتم لامرأته لما تغاضبا :
    إن كنت كارهة معيشتنا هذا فحلي من بني بدر
    الضاربون في كل معترك والطاعنون وخيلهم تجري
    فأسرة بني بدر من أعظم الأسر .
    فقال عمر : بل أنت الأخس ، ابن الأخس ، ابن الأخس الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم .
    وفي موقف أبي ذر ، وبلال دروس :
    منها : الإعتذار من الأخ إذا سألت إليه بالهدية ، والبسمة الحانية ، والمعانقة ، وألا تحمل ضغينة على أخيك .
    فأنا وإياكم نشجب كل هذا العداء ، والبغضاء بين الأحبة ، والتفلت على أوامر الله ، والضغينة من أجل أمور نسبية ، يختلف فيها الناس ، وقد تختلف فيها وجهات النظر .
    ألا إن من يفعل ذلك ، أو يحمل على أخيه المسلم ، فقد أساء وظلم .
    ومنها : أن الفضل في الإسلام للتقوى ، لا للون ، ولا للحسب والنسب .

    الموقف الثامن : مواقف لأبي بن كعب

    أبي بن كعب كان أبيض الجسم ، أبيض اللحية ، أبيض الرأي ، أبيض القلب ، أبيض المصحف ( نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (النور: من الآية35) ، لماذا ابيضت لحيته ، وابيض رأيه ، وابيض جسمه ؟
    قيل : أصابته الحمى ثلاثين سنة ، وكان قد قال : يا رسول الله ن أيخفف عنا بما نصاب به ؟
    قال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( والذي نفسي بيده يا أبا المنذر لا تصاب بمرض أو هم أو غم إلا كان كفارة أو حط الله بها من سيئاتك ) .
    فراح إلى بيته ، وسأل الله حمى ، لا تعطله ‘ن صلاة ، ولا عن جهاد ، ولا عن غزوة ، فأصابته الحمى ، حتى يقولون ، ما يقترب منه إنسان إلا وكان يجد منه حرارة ، رضي الله عنه ، يا سيد القراء .
    قال الذهبي في ( السير ) : أكسبته الحمى قوة ، لذلك ما كان يوافق عمر إلا أبي ، فكل الصحابة يحجمون عند عمر ، إلا أبي .
    وله مواقف رضي الله عنه :
    الموقف الأول : أتى جبريل بسورة البينة من عند الله ، عز وجل ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) (البينة:1) .
    فقال جبريل : يا رسول الله ، إن الله يأمرك أن تقرأ هذه السورة على أبي بن كعب .
    فقام ( صلى الله عليه وسلم ) فطرق على أبي ، ففتح الباب : يا رسول الله ، أهلاً وسهلاً ما أسعدني هذا اليوم .
    قال : ( إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة ) .
    قال : وسماني في الملأ الأعلى ؟
    قال : ( نعم ، سماك ) .
    فبكى أبي ، وجلس ( صلى الله عليه وسلم ) يقرأ عليه البينة حتى ختمها . متفق عليه .
    ولذلك يسأل أهل الحديث بطرافة ، يقولون : من شيخ الرسول ( صلى الله عليه وسلم )في القراءة .
    قالوا : هو : أبي بن كعب .
    حياك الله يا أبي ورفع الله منزلتك ، وأكرمك الله ، يا سيد القراء .
    الموقف الثاني : أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) تجاوز آية في الصلاة ، فما رد عليه الناس ، فلما سلم قال له أحد الصحابة : يا رسول الله ، إنك تجاوزت آية في الصلاة أنسيتها أم نسخت ؟ فترك الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) الناس جميعاً ، وقال : ( يا أبا المنذر ( يعني أبياً ) أكما يقول الناس ؟ )
    قال نعم : ، ( أعطوا القوس باريها ) .
    ولذلك قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أقرؤكم أبي ) .
    الموقف الثالث : يأتي ( صلى الله عليه وسلم ) فيقول : ( يا أبا المنذر أي آية في كتاب الله أعظم ) ؟
    قال : الله ورسوله أعلم .
    قال : ( أي آية في كتاب الله أعظم ) ؟
    قال : ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ )(البقرة: من الآية255) .
    فأخذ ( صلى الله عليه وسلم ) كفه ، وضرب به صدر أبي ، وقال : ( لهينك العلم أبا المنذر ) (59) .
    ليهنك الذكاء في كتاب الله ، فهو سيد القراء ، ونحبه كثيراً حتى يقول أحد أهل العراق : وفدت المدينة وإذا عمر جالس في مجمع من الناس من الصحابة ، وحوله شيخ أبيض اللحية ، أبيض الرأس ، أبيض الثياب ، أبيض الجسم ، وكان عمر إذا تكلم نظر إليه كالمهاب أي : يهابه قلت : يا أمير المؤمنين ، من هذا الرجل ؟
    قال : ثكلتك أمك ، ما عرفته ؟
    قال : لا .
    قال : هذا سيد المسلمين : أبي بن كعب ، أبو المنذر ، رفع الله منزلته ، وجمعنا به في مقعد صدق عند مليك مقتدر .


    الموقف التاسع : صوت جميل من أبي محذورة

    أنشد بعضهم :
    أما ورب الكعبة المعمور *** والنغمات من أبي محذور
    وما تلا محمد من سوره *** لأفعلن فعلة منكور (60)
    ما أحسن الأبيات ، فأبو محذورة هذا : كان من أحسن الناس صوتاً ، خرج من مكة ، والرسول ( صلى الله عليه وسلم ) خرج من المدينة يريد غزوة ( صلى الله عليه وسلم ) وأبو محذورة ، عنده : غنم ، وكان مشركاً مع صبية من المشركين ، وأطفال من أطفال قريش .
    فنزل ( صلى الله عليه وسلم ) في وادي ، وأبو محذورة وزملاؤه في وادٍ أخر .
    فأتت صلاة الظهر ، فقام بلال يؤذن لصلاة الظهر .
    فقام أبو محذورة يستهزئ بأذان بلال وراء الجبال .
    يؤذن بلال ، فيقول : الله أكبر .
    فيقول أبو محذورة : الله أكبر .
    بلال يؤذن في المسلمين ، وذلك يؤذن في غنمه .
    فطلب ( صلى الله عليه وسلم ) من علي والزبير أن يأتيا بصاحب الصوت ، فانطلقا من وراء الجبل ، وطوقاه وأتوا بهم إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
    فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من أذن منكم آنفاً ) .
    فخجلوا .
    قال : ( أذنوا ) .
    فأذن الأول ، فإذا صوته ليس الصوت الجميل .
    وأذن الثاني ، فكذلك .
    وأذن الثالث ، فإذا هو أبو محذورة .
    قال : ( أنت من أذن آنفاً ) .
    قال : نعم .
    فتقدم ( صلى الله عليه وسلم ) بيده الشريفة ، فخلع عمامة أبي محذورة ثم قال : ( اللهم بارك فيه واهده إلى الإسلام فمسح رأسه اللهم بارك فيه وأهده إلى الإسلام ).
    فقال أبو محذورة : أشهد أن لا إله إلا الله ,انك رسول الله .
    قال : ( أذهب مؤذناً في أهل مكة ، أنت مؤذن أهل مكة ) (61) .
    فذهب يؤذن .
    قال أبو محذورة : والله لا أحلق هذا الشعر حتى أموت .
    شعر مسه ذاك الكف ، والله ، لا أحلقه حتى أموت ، فوصل شعره إلى نصف جسمه ، ولذلك كان يرده جدائل .
    عليك السلام ، يا رسول الله ، ورضي الله عنك ، يا أبا محذورة .
    عاد مؤذناً في وظيفة شرعية ، بقيت في ذريته ، قيل : ما يقارب ثلاثمائة سنة .
    أبو محذورة في حياته دروس .
    أولاً : الهداية من الله .
    الثاني : جمال الصوت .
    الثالث : بركة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وتلك الكف .
    الرابع : أن آثاره مباركة ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأنه يتبرك بها ، وليس ذلك لأحد غيره .
    هذه حفظكم الله ( مواقف ساخنة ) مع ذاك الجيل الذي أسأل الله أن يجمعنا ، وإياهم في جنته ، بعد عمر ، في طاعته .
    وصلى الله على محمد ، وعلى آله ، وصحبه ، وسلم تسليماً كثيراً .


    أخطاء

    هذه مجموعة من الأخطاء ، التي يقع فيها الناس في زماننا ، ذكرتها متتالية ، وعقبت عليها بالحكم الشرعي لها ، محبة مني في أن يجتنبها إخواني المسلمون ، لكي تصفوا عقائدهم ، ويستقيم إيمانهم ، فإليكم إياها متتالية :
    منها : أخطاء في الزيارة ، وعدم التقيد بما ذكر الله في كتابه ، وبما سنه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في الزيارة ، بل أصبح في نظام الزيارة عشوائية ، وكدر على الزائر والمزور ، والله ذكر الزيارة في سورة النور ، وبين الأوقات التي تكره فيها الزيارة ( ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ) (النور: من الآية58) فهذه الأوقات محظورة الزيارة فيها ، وهذه الأوقات ، هي : وقت استجمام وراحة ، وهي أوقات خاصة للمسلم مع أهله في بيته ، وليس من الحكمة أن تزوره قبل الفجر .
    أسمعت غبياً أو أحمق يطرق عليك قبل الفجر ؟ فتفتح له : ماذا تريد ؟ قال : عندي مسألة ، أو أريد أن أتحدث معك ، يا له من حديث ما أسوده !! من وقت ما أعكره !! أهذا وقت ؟
    وبعد صلاة الظهر ( وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ) (النور: من الآية58) انظر إلى تعبير القرآن ، حين تأتون من الأعمال منهكين ، عليكم من الكلال والمشقة ما الله به عليم ، فتضعون الثياب ، وترتاحون قيلولة فيطرق الطارق ليبحث في مسألة ، وكم يتعرض الإنسان لمثل هذا الأمر ؟ .
    ونحن نتقيد بالكتاب والسنة في جميع أمورنا ، واتصالنا ، وجلوسنا ، وصلاتنا ، وتؤخذ كلها من مشكاة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
    فبعد الظهر ، لا زيارة إلا أن تكون هناك وليمة ، أو عزيمة ، أو دعوة ، أو جدول عملي مرتب فلا بأس بها .
    ( وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ) (النور: من الآية58) وهذا لا يزار فيه ، وإنه لوقت أذهبه كثير من الناس في السهر المضني ، والضياع ، وعدم التحصيل ، والسهر الذي فوت على الكثير منهم صلاة الفجر .
    وإني أدعو إخواني إلى أن يكون وقت زيارتهم من بين صلاة المغرب إلى صلاة العشاء ، وهو وقت مستهلك ، وبسيط ، وسهل على الزائر والمزور .
    وبعض الناس إذا زار أثقل في الزيارة ، يزور بعد العصر ، ولا يخرج إلا في آخر الليل .
    رأى الشافعي رجلاً زاره ، وكان ثقيلاً ، فقال الشافعي : ( رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ)(الدخان:12) وكان الأعمش يقول : إني لأسمع بالثقيل ، فتتمايل بي الأرض ، أي أظن أن الأرض تكاد أن تخسف من جهته .
    وقال ابن الرومي في زائر زاره :
    أنت يا هذا ثقيل وثقيل وثقيَل أنت في المنظر إنسان وفي المخبر فيل
    ونحن نقول لإخواننا : أنتم مسلمون ، وموحدون وأحباب ، وعلى المقل ، وطأوا على شغاف القلب ، لكن في أوقات يرتاح فيها العبد ليأتي إليكم بصفاء ذهن .
    لأن العبد ، وخاصة من يتلقى أمور الناس ، كالأئمة ، والخطباء ، والقضاة ، والمشايخ ، والمسؤولين ، وأعيان الناس ، دائماً عليهم من المشاكل ما الله به عليم ، فإذا بقى في وقت راحته مشغولاً من الناس فلن يجد وقت راحة .
    ومنها : الحلف بغير الله وهو متفش كثيراً في بعض الأماكن ،كأن يقول ( وحياتك ) ( وشرفي ) (ونجاحي) فمن فعل ذلك ، فقد باع حظه من الله ، وقد أشرك ، قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من كان حالفاً فليحلف بالله أو لبصمت ) (62) وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ) (63) ، فلا يحلف أحد بغير الله الواحد الأحد .
    فهو سبحانه العظيم ؛ لأن الحلف تعظيم ، قال ابن مسعود فيما صح عنه : ( لأن الحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً ) ؛ لأن الحلف بالله كاذباً معصية ، والحلف بغيره صادقاً شرك ، والشرك أكبر من المعاصي ، وأكبر الكبائر ، فاستعيذوا بالله من الشرك ظاهراً وباطناً .
    وهذا من عدم توقير الله في قلوبهم ، ومن التعدي على حرمات الله وشعائر الله ، ولا يعظم حرمات الله إلا متقي ولا يعظم شعائر الله إلا من في قلبه تقوى . فالواجب على العبد أن يقدر ما في هذا الكلام .
    ومنها : الحلف بالطلاق ؛ وهو منتشر ، وقد عظم بعض الناس هنا اليمين به على اليمين بالله بل جعلوه في الولائم ، والمناسبات ، والحضر ، والمنع ، والطلب ، وفي الأمور النسبية والعلاقات فيما بينهم أعظم من الحلف بالله ، بل أحدهم لا يجيب طلبه لأخيه إلا إذا حلف له بالطلاق !
    وهذا عند بعض العلماء أنه أقسم بغير الله ، وأشرك ، وعند بعضهم أنه حلف ، وانعقد به الطلاق ، وعند بعضهم أصبح يميناً يقوم به الكفارة . ولسنا نحن في تفصيل الطلاق هنا ، لكن في التحذير من الحلف بالطلاق ، وعدم استخدامه على اللسان ، وما يفعل ذلك إلا من عدم الفقه في الدين ، أو صغرت معلوماته ، بهذه المسألة الضخمة التي استخدمها كثير من الناس .
    ومنها : قولهم ( انتقل إلى مثواه الأخير ) يموت ميت فيقولون : انتقل إلى مثواه الأخير ، وهذه الكلمة ، فيما أعلم ، كلمة لبعض الزنادقة من زنادقة المتصوفة ، بل زنادقة الفلاسفة ، الذين كانوا يقولون : القبر هو آخر مثوى ، وهي من الأقوال التي نسبت لابن سينا ، الضال ، الذي هو محسوب علينا ، ومحسوب على بعض المسلمين ، وليس محسوباً على علماء المسلمين ، والله يتولى أمره ، وقد تعرض له ابن تيمية فقصم ظهره في أكثر من موطن .
    بل قال مسائل كفره بها الغزالي في ( تهافت الفلاسفة ) ، وقال عنه ابن تيمية في بعض المسائل : إن كان صح عنه ما يقول ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .
    فقولهم : ( انتقل إلى مثواه الأخير ) أخذها بعض الصحفيين تقليداً فقالوا : إن فلاناً انتقل إلى مثواه الأخير .
    والقبر ليس مثوى أخير ، بل المثوى الأخير ، هو : الجنة أو النار ، ( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (الشورى: من الآية7) ومقصود الزنادقة : أن يقولوا : لا حياة بعد القبر كما قال عمر الخيام :
    فما أطال النوم عمراً ومتا قصر في الأعمار طول السهر
    لبست ثوب العمر لم أستشر وطفت فيه بين شتى الصور
    ثم يذكر في القصيدة : أن القبر آخر مستقر ، وكذب عدو الله ، ليس القبر آخر مستقر ، فبعد القبر حياة ، إما في الجنة ، ,إما في النار ، وبعد القبر : جنة عرضها السماوات والأرض ، أو نار تلظى ، وبعد القبر حساب ، وصراط وميزان ، وتطاير صحف ، وأنبياء ، وشفاعة ، وملائكة ، وبعد القبر : يوم يشيب له الولدان .
    فليعلم أن هذه الكلمة خاطئة .
    ومنها : قولهم في المناسبات ( فلان غني عن التعريف ) فإذا قدموا لشيخ ، أو داعية ، أو محاضر ، أو مسؤول ، قالوا : فلان علم غني عن العريف .
    وهذه كلمة خطأ ، فالغني عن التعريف ، هو : الله ، وهو الذي عرف نفسه بنفسه ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) (الأنعام:1) ، ( الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فاطر:1) ، فالغني عن التعريف ، هو : الله عرف نفسه لموسى ، فقال : يا موسى ( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (طه:14) ، ( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) (مريم: من الآية65) .
    وفي كل شيء له آيه تدل على أنه واحد
    فيا عجباً كيف يعصي الإله وكيف يجحده الجاحد
    وما منا من أحد ، إلا ويحتاج إلى تعريف ، ملكاً كان ، أو أميراً أو وزيراً ، أو عالماً ، أو موظفاً ، أو مسؤولاً ، هو : لابد أن يعرف .
    وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن وفد عبد القيس قدموا على الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال : ( من القوم ؟ ) أو : ( من الوفد ؟ ) قالوا : من مضر . قال : ( مرحباً بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى ) ؟(64) ؟
    وفي صحيح البخاري عن جابر قال : استأذنت على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( من ؟)
    قلت : أنا .
    قال : ( أنا ..أنا ) . كأنه كرهه (65) .
    قل من أنت ( لأن أنا ) مجهول ، فكل أحد يقول : أنا لكن سم اسمك .
    ولما كان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مع جبريل في ليلة المعراج ، طرق باب السماء فقالوا : ( من ؟ قال : جبريل .
    قالوا : ومن معك (66) ؟
    قال : محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
    قالوا : مرحباً بك وبمن معك ) .
    وطرق أبو ذر على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( من ؟) .
    قال : أبو ذر .
    فكلنا محتاج إلى تعريف .
    قال سبحانه : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات: من الآية13) .
    ومن الأدب في الإسلام : أنك إذا نزل بك ضيف ، أو وفد : أن تسألهم عن أسمائهم ، ولا تبقى معهم أبكم أصم أعمى .
    قال الأسدي :
    أحادث ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب
    وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب
    يقول أنا من صفتي أن أحادث ضيفي ، وهو على الراحلة ، فكيف إذا نزل ؟ ولذلك من أدب الضيافة أن تحدثه وتؤانسه ، قال الله لما كلم موسى ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) (طه:17) وهي من المحادثة والأنس ، فالله يعلم أنها عصا ، فهو الذي خلقها سبحانه وتعالى ويعلم بموسى وفرعون والعصا ، ولكنه تعالى يريد مؤانسة موسى لئلا يخاف .
    ومنها : وقد سمعتها من بعض الناس في دعائهم قولهم : ( الله لا ينسانا ولا يقصانا ) وهل الله ينسى؟ ( فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) (طه: من الآية52) .
    نعم ورد في القرآن : ( قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) (طه:126) ، ( فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ) (لأعراف: من الآية51) ، والنسيان هنا عند العرب في لغتهم بمعنى الترك يعني : تركهم ، لا أنه نسيهم ، وغفل عنهم . فقول القائل : الله لا ينسانا ليس بصحيح، أو : ربي لا تنساني .
    سبحان الله ! خلقك ، وصيرك ، وأحياك ، وأماتك ، ورزقك ، ثم ينساك ، جل الله عن النسيان .
    والنسيان صفة نقص ، لا تنسب له ، سبحانه وتعالى ، لا تقييداً ولا إطلاقاً ، وتنفي عنه ، فهو لا ينسى ، تبارك وتعالى ، ولا ينام ، ولا يسهو ، ولا تأخذه سنة ، ولا يحتاج إلى الطعام ، لا يطعم ، سبحانه وتعالى ، وهو يطعم .
    وابن تيمه يذكر في كتابه ( درء تعارض النقل والعقل ) وغيره أن الصفات عند أهل السنة على أربعة أقسام :
    1- صفات نثبتها مطلقاً لله .
    2- وصفات ننفيها عن الله مطلقاً .
    3- وصفات نثبتها مقيدة .
    4- وفات نستفصل فيها .
    فأما الصفات التي نثبتها لله : فهي الصفات ، التي أثبتها الله لنفسه، وأثبتها له رسوله ( صلى الله عليه وسلم) وهي صفات كمال مطلقة ، مثل الحكيم ، العليم ، الواحد ، الأحد ، وأمثالها فهذه نثبتها لله مطلقاً .
    وأما الصفات التي ننفيها مطلقاً : فهي ما نفاها سبحانه وتعالى عن نفسه ، وما نفاها عنه رسوله (صلى الله عليه وسلم ) مثل : السهو ، والنسيان ، والغفلة ، والنوم ، والحاجة ، والولد ، والصاحب ، فهذه ننفيها مطلقاً .
    وأما الصفات التي نثبتها مقيدة : فهي التي ذكرها الله في القرآن مقيدة مثل : ( فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) (التوبة: من الآية79) فنقول : الله يسخر بمن يسخر به ، سخرية تليق ، بجلاله ، مقيدة ، غير مطلقة فلا نقول : هو ساخر .
    وكقوله سبحانه وتعالى : ( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) (البقرة:14- 15) فنقول : يستهزئ الله بمن يستهزئ به ، مقيدة ، لا نثبتها مطلقة .
    وكقوله سبحانه وتعالى : ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ) (لأنفال: من الآية30) فنقول : الله يمكر بمن يمكر به ، مقيدة ، لا أنه يمكر دائماً .
    وكقوله سبحانه : ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ) (النساء: من الآية142) فالله يخدع من خادعه وليس يخدع مطلقاً ، لكن مقيداً بمن خادعه .
    وانظر إلى قوله سبحانه وتعالى : ( وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ) (لأنفال : من الآية71) ما قال: خانهم ؛ لأن صفة الخيانة: نقص ، سواء أطلقت، أو قيدت ، فلم يأت بها سبحانه وتعالى فليعلم ذلك ، وهذه قاعدة تكتب بماء الذهب ، وبيض الله وجه شيخ الإسلام يوم حررها .
    وأما الصفات التي نستفصل عنها : كصفة الجسم ، فنقول للواصف : ماذا تريد بالجسم أو الجوهر أو التميز؟ فإن كان حقاً أقررنا ، وإن كان باطلاً رددناه عليه ، وهكذا كل ما لم يرد في الكتاب والسنة إذا أطلقه أحد على الله تبارك وتعالى .
    ومنها : وهي من الألفاظ ، التي انتشرت بين الناس ، خاصة في الصحف ، قولهم : ( المرحوم فلان ، والمغفور له ) ولا يعلم السر إلا الله ، ولا يعلم نتائج الناس إلا الله ، ولا نشهد لأحد بجنة ، أو نار ، إلا من شهد له رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، لكننا نسأل الله الجنة للطائعين ، ونثني على الصالحين ، وندعوا لهم ، أما أن نقول : (المرحوم ) فهذا خطأ وما يدريك أهو مرحوم أم لا ؟ فلعله من أهل النار .
    والأفضل : أن نقول للمسلم إذا مات : فلان غفر الله له ، فلان رحمه الله ؛ لأن هذا من باب الإنشاء ، لا من باب الخبر ، وأجاز أهل العلم الإنشاء ، ولم يجيزوا الخبر ؛ لأنك إذا قلت : المغفور له تخبر ، والخبر عن الله من علم الغيب .
    وأما رحمه الله فهو : من باب الدعاء ، وهو إنشاء ، ويجوز إنشاء ، ولا يجوز خبراً ، فليعلم ذلك .
    ومنها : قولهم : (فلان شهيد ) نحن نرجو لمن مات في سبيل الله ، أن يكون شهيداً ، ولذلك عندما مات عثمان بن مظعون كما في ( صحيح البخاري ) قال الناس : هنيئاً له من أهل الجنة ، غضب رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) وقال : ( أنا ,أنا رسول الله ، والذي نفسي بيده لا أعلم ما يفعل بي ) (67) فالعلم عند الله ، لكن نشهد للصالحين كمن يعاود المسجد خمس مرات في اليوم ، والصادق الصالح المنيب ، بار الوالدين ، وصول الرحم ، فهذا نثني عليه ، نحن شهداء الله في أرضه .
    ومنها : قولهم ( لقيته صدفة ) وليس في خلق الله صدفة ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر:49) ، ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد:22)، فكل شيء بقضاء الله وقدره .
    قال الحسن البصري لتلاميذه : والله لو ضع يدي هذه اليمنى في اليسرى إنها بقضاء وقدر من الله .
    ومن لم يؤمن بالقضاء والقدر ، فقد كفر ، وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في أركان الإيمان الستة : ( وأن تؤمن بالقدر خيره وشره ) (68) ، وفي الحديث قوله (صلى الله عليه وسلم ) : ( احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، ولا تقل : لو أني فعلت كذا لكان كذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، أو قدر الله وما شاء فعل ) (69) ، ومن أنكر القضاء والقدر فقد كفر .
    ( فصدفة ) يعني : كأنه ما كان لله سابق علم ، يعني : ما كأن الله قدر أن نلتقي .
    بل قل : قدر الله كذا ، وقضى الله بكذا .
    ومنها : قولهم ( الإنسانية ) ، و( الأخوة الإنسانية ) فلا يذكرون الأخوة الإسلامية ، لكن الإنسانية ، فيدخل عدو الله في هذه المظلة ، وإذا قلنا الأخوة الإسلامية خرج منها أعداء الله ( أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المجادلة: من الآية22) ، ( أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المجادلة: من الآية19) ، ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة:56) ، ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس:63) . وقال سبحانه في سورة المائدة : ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (المائدة: من الآية54) هذه صفات المؤمنين ، فأما أن نقول إنسانية ، فهذه ما سمعنا بها في آبائنا الأولين ، ولا في الكتاب ، ولا في السنة .
    معنى ذلك : أن تدخل الملحدين ، والمعرضين ، وتجعلهم إخواناً لك ، لا أعداء .
    ومنها : قولهم : ( شاءت الأقدار ) ، إنما أقول هذا ؛ لأنه يشعر بالاستقلالية في الأفعال والصفات ، وكذا لا نقول ( يا رحمة الله ) ولا ( يا غوث الله ) ولا ( يا لطف الله ) ، ولان هذه تشعر بالاستقلالية في الصفة ، بل ننادي الواحد الأحد ( يا الله ) ، يا رحمن ) ، ( يا رحيم ) ، ( يا أحد ) ، ( يا صمد ) ، ( يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) .
    ( فشاءت الأقدار ) خطأ إطلاقها ؛ لأن الله هو الذي قدر ، فالأقدار ليست فاعلاً بذاتها .
    ومنها : قول السائل في كثير من الأسئلة التي تعرض ( ما رأي الدين ) ، الدين ليس له رأي ( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (لنجم:4) الدين قال الله ، وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، فالدين ليس له رأي .
    جاء رجل إلى ابن عمر ، فقال : يا ابن عمر ، أرأيت لو أنني زرت قبل أن أسعى ، أو سعيت قبل أن أطوف ، أرأيت لو فعلت كذا .
    قال : اجعل أرأيت في اليمن .
    ولذلك سموا فقهاء الأحناف ، أو بعضهم ، لما أكثروا من الرأي ( ارتيائيين ) ، وهذا الرأي ، لا يصيب دائماً ؛ لأنه متقلب ومتذبذب ، بل نعود إلى الكتاب والسنة .
    ولذلك أمرنا الله عند التنازع ، أن نعود للكتاب والسنة ، لا إلى رأي أحد من الناس .
    ومنها : قولهم ( اللهم اغفر لي إن شئت ) وهذه أفتانا فيها محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال فيما صح عنه : ( لا يقل أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت ، بل ليعزم المسألة ، فإن الله لا مكره له ) (70) . لأن الله يحب الملحاح في الدعاء ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الأنبياء: من الآية90) .
    ومنها : تقديم بعض الألفاظ قبل السلام ، فإن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قال في مسند أحمد عن أبي أمامة : ( أولى المؤمنين بالإيمان بالله من بدأهم بالسلام ) ، والسنة عند المسلمين ، وعند أهل السنة : أن تبدأ بالسلام ، ولا تقدم كلاماً عليه ، كما يفعل بعض الناس ، ولكن لك بعد السلام أن تضيف ما شئت من العبارات التحية .
    وقد عقد البخاري في الأدب المفرد (باب ) قول المضيف مرحباً . وقال : هل يقال : ( أهلاً ) فأورد حديث أم هانئ الذي في الصحيحين ) و( السنن ) و( المسانيد ) أنها دخلت على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فسلمت فقال : ( من هذه ؟ )
    قالوا : أم هانئ .
    قال : ( مرحباً بأم هانئ ) (71) .
    وقال عمر لعدي بن حاتم : حياك الله .

    ومنها : قولهم ( العصمة لله تعالى ) ، تسأله في مسألة فيقول : أخطأت ، والعصمة لله ، وهذا خطأ ، قد نبه عليه كثير من العلماء ؛ لأن الله تعالى لا عاصم له ، والمعصوم يحتاج إلى عاصم ، والعصمة أمر نسبي ، يدخل فيها الاشتقاق ، والله لا يعصمه أحد من الناس ، فلا نقول : العصمة لله ، لكن نقول الكمال لله سبحانه وتعالى والجلال والعظمة لله ، والكبرياء لله ، أما العصمة لله ، فليس بصحيح هذا اللفظ .
    يصح لك أن تقول : المعصوم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، أما الله ، فلا تقل العصمة لله ؛ لأن المعصوم يحتاج إلى عاصم ، والله لا يعصمه أحد .
    ومنها : قولهم بعد التلاوة ، والانتهاء منها : ( صدق الله العظيم ) وهي بدعة ، لم يقلها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا أصحابه ، ولم تأت في السنة ، ومعناها : صحيح واستخدامها خطأ وبدعة ، وإلا فالله يقول في آل عمران : ( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ) (آل عمران: من الآية95) والله صادق ، وهو أصدق الصادقين ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (النساء: من الآية87) ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً) (النساء: من الآية122) لا أحد ، لكن استخدامها بعد التلاوة ليس بصحيح ، وهي بدعة ، فليعلم ذلك .
    ومنها : قول الداخل للمسجد ، والإمام راكع : 0 إن الله مع الصابرين ) لينتظره الإمام ولا يرفع ! بل يفعل كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ) (72) أو كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) . فتدخل بسكينة ووقار ، فإن أدركته في الركوع فبها ونعمت ، وإن لم تدركه فصلي ما فاتك ، ولا تقل : إن الله مع الصابرين ، أو تتنحنح ليسمعك ، وينبغي على الإمام : أن ينتظر الداخل ، إذا أحس بصوته ، بشرط أن لا يشق على المأمومين .
    ومنها : رد التحية بغير السلام ، تقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فيقول : أهلاً مرحباً ، وهذا مخالف لسنة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ومن أفعال الجاهلية ، بل إذا سلم عليك تقول : عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) (النساء: من الآية86) ، ( قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ ) (هود: من الآية69) فالتحية ترد بمثلها ، وبأحسن منها ، وهو السلام ، والأشنع من هذا أن يستبدل السلام كلية بغيره من التحايا كصباح الخير ، ومساء الخير ، ونحوهما .
    ومنها : قولهم إذا قال الإمام : استووا ، قالوا : استوينا لله ، وهذا من الألفاظ غير الشرعية ، فلم يقل الصحابة وراء الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) استوينا لله .
    وهاهنا : طرفة بهذه المناسبة ، وهي أن أحد الأئمة كان يصلي بأناس في الصحراء ، وكان من عادته أن يطيل أثناء تسوية الصفوف ، ليتأكد من استوائها ، وكانت الشمس حارة ذلك اليوم ، فقال لهم : استووا استَووا ، فرد عليه أحدهم وقال : قد استوينا ، أي من الشمس .
    ومنها : قولهم : نويت أن أصلي كذا وكذا ، والجهر بهذا الكلام بدعة ، كقول أحدهم : نويت أن أصلي الظهر أربعاً ، والعصر أربعاً ، وقد نبه عليه ابن القيم في ( زاد المعاد ) في هديه ( صلى الله عليه وسلم ) في الصلاة ، فلا يصح هذا .
    ومنها : قول بعضهم في التحيات في الصلاة : اللهم صل على سيدنا محمد ، كلمة سيدنا لم تأت في النصوص ، وهي دخيلة ، ولا يجوز استخدامها هنا ، ولم يصح بها حديث يعني في التشهد .
    أما كلمة ( سيد ) فاستخدمها الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) كما في البخاري في قوله في الحسن : ( إن ابني هذا سيد ) (73)، ومثله قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( قوموا إلى سيدكم ) (74) ، وفي قوله سبحانه وتعالى ( وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران: من الآية39) .
    والسيد هو كامل السؤدد وهي حرية برسولنا ( صلى الله عليه وسلم ) أما استخدامها في التحيات فلا حيث لم يثبت .
    ومنها : التأمين برفع الأيادي بعد الخطبة يوم الجمعة ، فيخطب الخطيب يوم الجمعة ، اللهم أصلح ولاة المسلمين ، فيقولون : آمين مع رفع الأيدي ، وهذا لم يرد فيه حديث ، ومن عنده دليل فليأت به لنستفيد ، وه من البدع التي انتشرت ، ولم يرد إلا في مسألة واحدة وهي أثناء الاستسقاء من الخطيب ، لحديث قال : ( رفع أي صلى الله عليه وسلم فرفعوا أياديهم ) (75) .
    ومنها : قولهم بعد قول الخطيب ( فاذكروا الله يذكركم ) : لا إله إلا الله ! ويرتج بها المسجد ، وهكذا بعد قوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب: من الآية56) فيصلون على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بصوت مرتفع .
    فالواجب . الإنصات للخطيب ، والذكر ، والصلاة ، والتأمين ، تكون بالإسرار والخفية .
    ومنها : قولهم ( والله ومحمد ) ، و( لولا الله وأنت ) وهذا شرك لفظي ، بل لولا الله وحده ، وما شاء الله وحده ، أو أن تستخدم حرف ( ثم ) ؛ لأنها للتراخي ( لولا الله ثم أنت ) أما الواو فلا لأنها للتشريك .

    ومنها : سب الدهر ، وذم الأيام ، كقول شاعر الجاهلية :
    لحا الله هذا الدهر إني رأيته بصيراً بما ساء ابن آدم مولع
    وكقول أحدهم : ( قبحاً لهذا الزمان ) ، أو ( خيب الله هذا العهد ) أو ( هذا الدهر ) ، و( هذا الليل ) أو ( زماننا زمان قبيح ) ، أو ( هذا الزمان جر علينا النكائب ) هذا لا يصح فقد صح عنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( قال الله عز وجل : يؤذيني ابن آدم ويسبني ابن آدم ويشتمني ابن آدم ، أما سبه إياي فإنه يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار كيف أشاء ، وأما شتمه إياي فإنه يزعم أن لي صاحبة وولداً وما كان لي صاحبة ولا ولداً ) (76) أو كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) .
    فسب الدهر من أفعال الشرك ، ونسبة الأفعال إلى الدهر ، لا يصح فليعلم هذا .
    ومنها : قولهم ( رجال الدين ) أو توزيع الناس إلى ناس للدين وناس للدنيا .
    لا ، نحن للدين والدنيا ، ليس عندنا رجال دين ، بل رجال الدين في الكنيسة ، وهذه الكلمة مترجمة من الكنيسة ؛ لأنه في الكنيسة كان هناك رجال دين ، وكان هناك رجال دنيا ، أما نحن فعندنا قوله سبحانه وتعالى : ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162) فالحياة والموت ، والليل والنهار ، وأعمالنا وتجارتنا ، ووظيفتنا ، وصلاتنا لله الواحد الأحد ، فليس عندنا رجال دين ، ورجال دنيا ، والذي لا يكون للدين فهو للدنيا ، والذي لا يكون لله فهو لإبليس ، فنسبة رجال دين ، وتخصيصها لنفر من الناس ليس صحيح .
    ومنها : قولهم : ( مطوع ) و( مطاوعة ) وهي كلمة في اللغة العربية ليست مستقيمة ، ومبتذلة والطاعة لله عز وجل : ( قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (النساء: من الآية46) فلا يصح استخدامها لنفر مخصوصين ، فليس هناك إلا طائع ، أو عاصي فاختر لنفسك .
    ومنها : الدعاء برفع الأيدي جماعياً بعد أن يسلم الإمام ، وقد نص ابن تيمه ، وابن القيم بأنها من البدع المنتشرة عند المسلمين .
    والدعاء بعد الفريضة وارد لكن لم يرد عنهم رفع الأيدي جماعياً .
    ومنها : اتخاذ المصافحة بعد السلام عادة وسنة ، أو يقول معها : تقبل الله ، ولم يرد هذا عن السلف ، لكن لك أن تصافح أحداً من الناس قدم من سفر ، فرأيته في المسجد ، أما أن يتخذ عادة وسنة ، فلا .
    ومنها : بعض الألفاظ الشركية ، التي انتشرت ، وقد نبه عليها كثير من الأئمة والخطباء ، مثل قولهم : (خذوه وشلوه ) ن وهي نسبة الأفعال والتصرف في الكون للجن ، وهذا شرك ، ولا يصرف إلا الله سبحانه وتعالى : ( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً) (الفرقان:3) فنسبة هذه الأفعال لغير الله عز وجل شرك .
    ومنها : مسألة الإرجاء ، وهي منتشرة بين الناس ، وهي مذهب بدعي ، فالمرجئة يقولون : الإيمان قول واعتقاد ، أما العمل فلا يدخل فيه الناس متساوون في الإيمان ، ولا يلزم على الإنسان أن يفعل صالحاً إذا آمن بل يكفيه إيمانه . قال ابن تيميه : ( لقد ترك المرجئة الإسلام كالثوب السافر ) أي : مزقوه .
    فكثير من الناس خاصة الذين لم يقبلوا على الله ، أو ما عندهم قربة أو عندهم عمل صالح ، تقول له: صل.
    فيقول : الله غفور رحيم ،
    يفعل الكبائر ويقول : الله غفور رحيم !
    وهذا مدخل شيطاني بل الإسلام قول ، واعتقاد ، وعمل ، ولذلك يقرن الله دائماً بين الإيمان والعمل ، فيقول في آيات كثيرة : ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) (الانشقاق: من الآية25) وذكر المؤمنين ووصفهم بصفات كثيرة يأتي على رأسها العمل الصالح : الصلاة ، الزكاة ، الحج ، الصدقة .. الخ .
    فليحذر من هذا الإرجاء الجديد ، عباد الله ، ولينبه أهله لعلهم أن يفيقوا .
    والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .

    خواطر داعية

    فللنفس إقبال وإدبار ، وإشراق وانطماس ، ونشاط ونفور ما روضها المسلم عليه ، هو : هدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فتعطي النفس حقوقها من المباح وتستوفي حظوظها من الطاعة .
    وترك الرسوم والقيود أقوى للنفس ، وأيسر عليها ، فلا عبادة مخصوصة ، إلا بما ورد بها الشرع الحكيم ، ولا لبسة مخصوصة ، إلا كذلك ، وكذلك الجلسة والنوم ، والأكل ، والأوراد والنوافل .
    وتخصيص بعض الأوقات ببعض العبادات ، والتكاليف بما لم يرد : مشقة وعنت .
    واغتنام نشاط النفس : فقه جليل ، وتركها عند الخمول ، والكسل : هدي نبيل .
    فمثلاً في قراءة القرآن ، يجدد على النفس بالأساليب ، ما ترتاح له فمرة نظراً ، ومرة غيباً ، مرة جذراً ، ومرة ترتيلاً ، ومرة سراً ، ومرة جهراً ، ومرة ليلاً ، ومرة نهاراً ، وصبحاً ، وضحى ، وظهراً ، وعصراً ، ومغرباً ، وعشاءً ، وعلى حسب القوة ، والرغبة ، قلة وكثرة .
    ومثلاً : الصلاة وفترة النشاط ، وما يصاحبها من خشوع ، وإقبال تغتنم ، وعند الأدبار ، والفتور يسدد ، ويقارب ، حتى يعود بارق الأمل وسابق العهد ، وستجب تطويلها مرة ، وتخفيفها مرة أخرى ، وتكثير نوافلها عند النشاط والصحة والفراغ .
    وكذلك قيام الليل ، يغتنم صفو النفس ، ونشاطها في ليلة ، وكأنها آخر ليلة ، ويسدد عند فتورها ، اعترافاً بطبائع النفوس .
    وكذلك الذكر ، والدعاء ، كما وكيفاً ، وعموماً وخصوصاً ، ونشاطاً وفتوراً .
    فتنقل النفس في رياضة بلا قيد طليقة من التحديد والرسوم مسامحة من التضييق على لون واحد ، معفية من التقيد بكيفية خاصة ، فإن هذا عون على الاستمرار والإشراق والإفساح .
    وللأيام على بعضها خصائص وفصائل ، فعليها تراض النفس .
    وكذلك مثلاً : اللباس ، فما نيسر يلبس بلا تحديد ، ولا تكليف
    وكذلك الطعام ، والشراب ، وسائر المباحات .
    وهكذا السمت ، والأدب ، والخلق ، له إشراق وانطماس ، من حيث الرضا ، والغضب ، والحلم ، والجهل، والذنب ، والتوبة ، والسداد ، والخطأ ، فطلب الأكمل : مطلوب ، ولكن للعرف والعادة : أثراً في العادات .
    والاعتراف بالواقع لابد منه ، بلا قنوط ، ولا يأس .
    * لبعض المجالس نفحات خير : من صمت عن جهل ، وتكلم بعلم ، أو مصاحبة وقار وتؤدة ، أو سماع فائدة .
    ولبعضها كدر وشؤم : من تكلم لإثم ، أو لغو ، واستماع ما يشين ، أو طيش في حركة ، وانفراط في أدب.
    فالأول : مطلوب ، واغتنامه : مرغوب ، وكأن هذا المجلس ، آخر مجلس في الحياة .
    والثاني : واقع وتسديده ، بناء ما إنهدم منه وجمع شتاته : واجب على الداعية ، لا الامتعاض عليه والندب.
    * مجالسة الناس أشكال وألوان ، فعالم وجاهل ، وعابد وفاسق ، وصالح وفاسد ، وعاقل وأحمق ، وموزون ومفرط ، والاعتراف بهذا مؤكد ، وإنزال النفس في هذه المنازل ، لابد منه وترويضها على ذلك ضرورة.
    والحياة عسر ويسر ، وصفاء وكدر ، وأمن وخوف ، وسرور وحزن ، وترحة وفرحة ، واطمئنان وقلق ، وضحك وبكاء ، وانزعاج وسرور ، ونجاح ورسوب ، وصحة ومرض ، ونشاط وكسل ، فعبادة الله مطلوبة في هذه الأحوال فإنها منازل للمسافر ، ولكل منزل حقه الذي يليق به .
    * لكل نفس صفات ، لا توافق الأخرى ، فلا يتقمص الإنسان شخصية غيره ، فإنه قتل له ، فلكل إنسان صوت خاص ، ولون خاص ، وصفات خاصة ، فلا تقليد ، ولا تبعية للآخرين فيما هو من جبلاّت النفس وطبائعها ، نعم الواجب الاقتداء بالأخيار في صفات الخير ، وما يكسب من الفضائل ، ولكن ذلك ممتنع في الجبلات ، التي جبل عليها الإنسان من الطبائع ، التي لا تخل بالدين ولا بالمروءة ، فالإنسان يتعرف على نفسه ليعرفها بصفاتها .
    * والعيش في حدود اليوم : جمع للقوة ، وتوحيد للطاقة ، ورفع للأمل ، واجتهاد في الخير .
    فاليوم بما فيه هو :الشغل الشاغل ، لا الأمس المنصرم الفاني ، ولا الغد الغائب المعدوم .
    * التفاهات تبدد الجهد ، وتسلب وقت المهمات ، وتذهب صفو الأوقات .
    * الاشتغال بالآخرين : ضياع الحياة ؛ لأن موازينهم مضطربة ، ونزعاتهم في نياتهم ، ورضاهم بعيد .
    * من الخطأ : اليأس من التصحيح ، لفشل سابق في تطبيقه ، فمعاودة المحاولة خير من تركها ، فربما كانت هذه المحاولة هي الناجحة وهي الأخيرة .
    والألف مرة يبدأ بعدها بمرة واحدة .
    * العلوم والفنون لا شيء منها يستقصي ، بل لكل فن ميزة ، وبعضها يقدم على بعض في الاهتمام ، ولا يترك عمل صالح لعذر عدم المداومة ، فإن من ترقب الموت فاته ملاحظة المداومة .
    * الزهد في الدنيا : أروح شيء للنفس ، فلا تعلق بحطام ولا منصب ، ولا جاه ، بل كلما تجردت النفس كان أنشط لها .
    تجرد من الدنيا فإنك إنما أتيت إلى الدنيا وأنت مجرد
    * كثيراً ما تطلب النفس العمل الشاق ؛ لأن فيه شهرة وتلمح العلماء المبرزين ، وهذا خداع من الشيطان ، فإن التقوى ليست قرينة الشهرة ، فانظر إلى ابن عمر ، وأنس ، ومحمد بن جعفر ، وزين العابدين ، والدارمي ، والفضيل .
    * تنقل النفس في أنواع الطاعات ، وأشكال القربات ، وفنون القرارات ، انشط لها ، وأوعب للذاكرة ، فبعض العلوم يشجع على بعض ، وبعضها يشحذ المسن لغيرها .
    * الأجمل بالمسلم : أن يجتهد ، وأن يعمل بالسنة ، ولو مرة واحدة من الهيئات ، والأدعية ، والأذكار والقرب ، لأنها ما عملت يوماً مجتمعة بل عملت متفرقة في حياته ( صلى الله عليه وسلم ) .
    * إذا ورد عمل فاضل ، فإنك تبحث : هل داوم عليه ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ وإلا فلا مكان للمداومة ، ولا يترك هذا العمل لعدم المداومة عليه كما ورد في قراءة ( سورة الكهف ) يوم الجمعة ، (وسورة يس) في النهار ، (والواقعة ) ليلاً ، وكذلك ( سورة تبارك ) بل يفعل ذلك ، ولو مرة واحدة .
    ويعرف ذلك باستقراء سيرته ( صلى الله عليه وسلم )، والتدقيق في عبادته وأوراده من كتب السنة الشريفة.
    * التقيد بما لم يرد : مورد من موارد البدعة ، كما نهى ابن مسعود عن التزام الالتفات من الصلاة على جهة اليمين ، وكما نهى عمر عن تحري الصلاة في أمكنة صلى فيها الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) من غير قصد .
    * طلب العلم كالعبادة ، يؤخذ بالسير والتدرج ، فلا يخصص كتاب ، أو فن بوقت معين ، كجعل القراءة لوقت ، والنسخ لوقت ، والاستماع لوقت ، فهذا صعب شاق ، لا تطيقه النفس .
    * لا يحتقر الخير بقلته ، فرب قليل ربا على كثير ؛ كركعتين في فراغ ، أو تدبر آية ، أو تفهم حديث ، أو قراءة صفحة ، أو قليل من صدقة ، أو كلمة خير قصيرة .
    * لإصلاح الهيئة : مواسم ، ومناسبات : من لبس الجميل والطيب ، والتكحل ، وغير ذلك ، ولبس ما تيسر أوفق للنفس من الغالي ، ومن الداني ، والوسط أحسن ، فلا محافظة على زي مخصوص ، أو لبسة خاصة .
    * للنوم أوقات ، والأصل : نوم الليل ، وقد يعرض من الأمور ما يستدعي السهر ، فتعويضه في النهار أسلم ، وإن غلب المرء على نوم الصبح ، فلا بأس عند الإرهاق والتعب ، ولكن ينبغي أن يبتعد عن النوم بعد العصر ، وقبل العشاء .
    * الأصل في الأكل : أن يكون عند الجوع ، ولكن إذا عرض وقت يشتهي فيه الإنسان الأكل ، فلا بأس بذلك مع الاقتصاد فيه ما استطاع .
    * لكل نفس وجسم كفاية من الأكل ، والنوم ، والترويض ، قد لا تتفق مع الآخرين .
    * للمسلم شغف ببعض العبادة على بعض ، فلا حجر على أحد بما يوافق الآخر ، فالذكر : عند قوم أنسب وأوفق ، وعند آخرين : كثرة نوافل الصلاة ، وآخرين : الصوم ، وقوم : الدعوة ، وتعلم الناس ، وقم : الخدمة والمنفعة .
    * من الإرهاق على النفس : تسييرها في غير ما خلقت له ، من عمل أو حرفة ( فكل ميسر لما خلق له).
    * حفظ القرآن مطلوب ومرغوب ، ولكن يلاحظ فيه الجهد والمشقة بالتدرج فيه ، والتنوع ، حتى يسهل الله حفظه .
    * الحياة الكاملة ، ما استوفت النفس فيها حظها من المباح ، فلا تقصير ولا مجاوزة ، وما أدت فيه حق الله ، عز وجل ، من طاعة وقربة ، وأكمل حياة : حياته ( صلى الله عليه وسلم ) ، وما أعجب حديث : ( إن لبدنك عليك حقاً ، ولأهلك عليك حقاً ، ولنفسك عليك حقاً ، ولضيفك عليك حقاً ) (77) .
    * والجودة والحسن هما المطلوبان في العبادة ، فإن اجتمعت مع الكثرة فهو الكمال ، وإذا فقدت الجودة كان النقص كثيراً .
    * التفكير عبادة ، بل من أجل العبادات ، ولكن بلا إرهاق وتنطع ، بل تفكر يزيد الإيمان ، بما ورد فيه التفكر .
    * ساعة السرور ليست سرمدية ، وكذلك الحزن ، فإن مع العسر يسراً ، وبعد الكرب فرحاً .
    * لله ، سبحانه وتعالى ، في تهذيب النفوس ، وترويضها : حكم بالغة ، وأسرار عجيبة بما يقدره عليها من حزن وسرور ، ومن غم وفرح ، ومن عطية وبلية ، ومن صحة وسقم .
    * كثرة التنطع فيما لم يرد به الشارع : تعمق مذموم ، بل يوقف مع السنة ؛ لأنها أسعد شيء للنفس .
    * ليس لإشراق النفس وقت محدد ، بل قد تصفو في ساعات الأشغال والاختلاط .
    * الحذر من أن تخل نافلة بفريضة ، أو قربة بخير منها ، والنيات تجعل العادات عبادة .
    * للتأنق والترتيب والنظافة تأثير على النفس في سكونها وصفائها ، كتحسين الهيئة ، وترتيب المكتبة ، ووضع كل شيء موضعه .
    * التخفف من الأشغال ، والجواذب ، والدواعي : انطلاق للروح وفسحة لها لتهتم بالمهمات .
    * كثرة النقد من الآخرين : بيان بقيمة المنقود ، ولا يحسد الحساد إلا من ساد .
    * الحكم على قضية ، أو مسألة ، أو شخص ، أو جهة نظر يكون عليها لا غير ، فأما التعميم ، والتحديد، فهو عرضة للخطأ .
    * سكون الجوارح : فضيلة يغري القلب على السكون .
    * الضرب في كل غنيمة بسهم : علامة الكمال ، وعلو الهمة .
    * تدبر النعم في وجوه المحرومين ، وفي حالة المبتلين : عبادة ، والنظر إلى من هو دونك : مسلاة .
    * التنفير والتعمق في أدواء النفس ، وواردات القلوب ، وملابسات الأعمال ، والعبادة : تكليف بما لم يرد.
    * من تجرأ على الحدود ، واستمرأ المحرمات : فالخوف دواؤه ، ومن أقبل على الخير ، وأحب القربات : فالرجاء قوة دافعة له ، وكلما شعر العامل بقربه من الكمال : خف وحلق .
    * خفف أعباءك من الدنيا ، وقلل أشغالك ، وتزود فالعمر قصير ، ولذلك قال أحد العلماء : 0 من أكثر من الأصدقاء اكثر من الغرماء ) .
    * التنويع والتشكيل ظاهر في حياته ( صلى الله عليه وسلم ) ، وفي شؤونه الخاصة والعامة ، فقد توضأ مرة ، ومرتين ، وثلاثاً ، وأطال الصلاة ، وتجوز فيها ، وتنفل في أوقات ، وترك في أخر ، وصلى مع جميع الليل ، وتخول بالموعظة على حسب الحاجة ، ونهى عن تخصيص يوم الجمعة وليلته بالصيام ، والقيام من بين الأيام والليالي .
    * أوقات النشاط تكون للعلوم المهمة : كالحديث ، والفقه والتفسير ، وأوقات الملل والراحة للتاريخ ، والأدب ، والطرائف وغيرها .
    فأول النهار وبعد العصر والمغرب : وقت نشاط ، والقائلة ، وقبل النوم وقت راحة .
    * من الكتب ما تأخذ منها أكثر مما تأخذ منك ، كالحديث الشريف ، واللغة ، والأدب ، والرقائق ، والمشوقات ، والتاريخ ، ومنها ما تأخذ منك أكثر مما تأخذ منها : ككتب الفقه المذهبية ، وخاصة إذا كدرت بالحواشي المملوءة بكلام الناس من قيل وقال ، فإنها مذهبة للعقل في غير جدوى ، وكذلك / كتب أصول الفقه النظرية أو المنطقية ( كالمعتمد ) و ( المستصفى ) ، وما أنفع ( الموافقات ) و( إعلام الموقعين ) .
    * الحذر من التكرير في طريقة القراءة ، فإنه يذهب الوقت في فن واحد ، كمن يقرأ ( مختصر البخاري ) ثم ( الصحيح ) نفسه ثم ( تيسير الوصول ) ثم ( جامع الأصول ) ثم ( الجمع بين الصحيحين ) ، فإنه بهذه الطريقة أعاد الحديث على عشر مرات ، ولو صرف الجهد في غيرها لكان أسلم .
    * ليست تقوى الله ، سبحانه وتعالى ، حجراً على أحد ، وعلى صنف ، فقد تجد التقوى في غير مظانها ، كبعض التجار ، والعوام ، والجنود ، وقد تجد فقدانها في مظانها ( وهي : المصيبة ) كطلبة العلم ، والعلماء ، والوعاظ ، فالله المستعان .
    * النقل من الكتب في موضوع واحد : فيه فائدة جمع المادة ، والتسهيل على القارئ ، وأنفع منه استعرض النصوص ، وإخراج بنات الأفكار ، وومضات الأنوار ، وتدبيج فقه النص .
    * الحفظ يجمع شتات المادة ، ويغزر الذهن بالفوائد ، لكن فهم النصوص وتقعيدها على قواعدها الكلية ، ووضعها على مقاصدها ، خير من ترديد محفوظ ، لا يفهم ، فهم العلم خير من حفظه ، والحفظ وسيلة ليس إلا .
    * خير ما يحفظ : كتاب الله ، فإذا فرغ منه فما استطاع من الحديث ، وما بعد ذلك فما استجاد من الشعر الجميل ، وغير ذلك فهون على نفسك ، وأربع على قلبك .
    * قراءة حديث المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) فن راقٍ ن فمن أراد أن يستفيد منه فليأخذ كتاب الحديث ، وكأنه جالس بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، عن يمينه : أبو هريرة وعن يساره : جابر بن عبد الله ، رضي الله عنهم ، ثم يستمع ما يقال ، فإن الكلام فصيح ، وليس عنعنة الحسن وتدليس الأعمش ، فهذه لها وقتها ومجلسها .
    * أنفع عبادة ، وأسهل عبادة ، وأيسر عبادة ، ذكر الله عز وجل ، فترنم في رياضها وترنح في خمائلها ، وتمش في بساتينها ، واجعلها شغلك الشاغل ، وما زاد عليها من النوافل فحسن .
    * القراءة الخاطفة ، هي الإلمام السريع بالكتاب ، أو الباب في أقصر وقت ، وهي مختصرة للوقت ، مشجعة على الاستفادة ، وهي ليست قراءة التمكن ، ولكن لها فائدة : جمع شتات الموضوع ، واسترجاع المعلومات.
    * من العلم : ما يحتاج له مع كل نفس ، ومنه : ما يحتاج إليه في وقت دون وقت ، ومنه : في اليوم ، ومنه : في الأسبوع ، وفي الشهر ، وفي السنة ، وفي العمر . ومنه : ما يختلف من شخص إلى شخص ، فقد لا يعمل طالب العلم في حياته كلها بأحاديث الولاة ، والتجار ، وغيرها . ولكنها جيدة في معرفة الأحكام ، وفي زيادة العلم ، وتوضع أبواب العلم على هذه الطريقة .
    * ليس عزو الحديث إلى غير البخاري ومسلم تصحيحاً له ، فالمهم في الحديث : معرفة صحته ، أو معرفة ضعفه ، وعلة هذا الضعف ، وليس المهم : حفظ من خرجه كأهل ( السنن ) و( المسانيد ) وغيرهم .
    * كتب الأدب النبوي الشريف أكثر فائدة من غيرها ككتاب ( الأدب المفرد ) للبخاري ، لو جرد من أسانيده ، فإن الأسانيد مع معرفة درجة الحديث قد لا تهم عموم المسلمين ، وإنما بعض خواصهم .
    * من فوائد كتب التراجم ، والأدب ، والطرائف : مد العقلية التربوية ، والملكة الاجتماعية برصيد من المعرفة ، لكثير من مواقف الحياة والأشخاص والمقامات ، ككتاب ( الأذكياء ) و ( الحمقى ) , ( المتطفلين ) و(سير الأعلام ) ، حتى سير الفجار الضلال .
    * لئن أعتزل ، وأفيد نفسي خير لي من أن أخالط الناس وأتضرر .
    * عظم منزلة المسلم ، وعلو درجته في الجنة ، لا في الدنيا ن فليكن هذا مطلبه دائماً .
    * لا يخلو كتاب من فائدة ، وليس العلم بكثرة الرواية ، وانظر ما يلزمك في يومك فاعمله .
    * خصلتان هما روح الإيمان ، ووقوده : الذكر والفكر .
    * الزهد : ترك ما لا ينفع في الآخرة ، والورع : ترك ما يخشى ضرره ، وكفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سنع ، ومخاطبة الناس على قدر عقولهم ، والوقوف بين أمرين : اضطراب وحيرة ، والحزم بشيء بعد الاستخارة والمشاورة .
    * العلم أوسع من أن يحاط به ، فلننظر فيما لابد منه ، ومن كل على أجوده ، والأهم فالأهم .
    * التوسع في الأمور : خير ، وبركة ، وتسديد ، وفي العزلة : تفهم للواقع ، وصيد للفوائد ، ونبأ عجيب ، فإن من بقى مع الناس دائماً سج فكره ، وسف عمله ، ورضي بالواقع .
    * الداعية له مكانته ، فكلما فقدته العيون ، اشتاقت له القلوب، فينبغي له أن يخرج وقت الحاجة ، لا غير.
    * رب ذنب أحدث توبة ، ومنع عجباً ، وأدخل رقة وانكساراً .
    * شرف الوقت بقيمته عند الله ، تعالى ، لا عند الناس .
    في ازدياد العلم إرغام العدا وجمال العلم إصلاح العمل
    * من لا يحفظ القرآن ، ولا يكتب الحديث ، لا يقتدي به في هذا الشأن .
    * من المحبرة إلى المقبرة ، والفائدة تؤخذ ممن قالها ، فرب درة في مزبلة .
    * قيل لابن المبارك : إلى متى تكتب الحديث ظ قال : لعل الكلمة التي تنفعني ما كتبتها بعد .
    * قال الأندلسي في تعظيم الحديث :
    فلا تضع في سوى تقييد شاردة عمراً يفوتك بين اللحظ والنفس
    * من خرج إلى الناس بما عنده من علم ، وترك الزيادة دائماً فهي بداية النهاية .
    * يقولون : إن من علمته بلسانك ، لا يتعلم أبداً ، فلابد من الفعل مع القول ، ثم لابد من التكرير ، والملازمة ، والإعادة ، والمداومة ، فإن كلمة المرة ليست مستقرة .
    * ساعة في السحر ، وساعة في الصباح ، وساعة في المساء جلسات روحية تفيض سكينة وأمناً ، وبركة ، ونوراً ، وفتحاً ، وتوفيقاً ، وحديث : ( اغدوا وروحوا ، وشيء من الدلجة ، والقصد القصد تبلغوا ) (78) .
    * افعل الأروح لقلبك ، وإذا خالطت العوام ، فتغافل عن سقطاتهم .
    * إياك ثم إياك من تجريح الأشخاص ، أو الهيئات ، أو بعض الجهات ، ولا تتكلم إلا بخير .
    * اجعل رجاءك دون يأسك جنة حتى تزول بهمك الأوقات
    واستر عن الجلساء بثك إنما جلساؤك الحساد لك شمات
    ودع التوقع للحوادث إنه للحي من قبل الممات ممات
    فالمهم ليس له ثبات مثلما في أهله ما للسرور ثبات
    لولا مغالطة النفوس عقولها لم يصف للمتيقظين حياة
    * سبحان الله ! ما أنفع ( صحيح البخاري ) مهما كرر ، ومهما قرئ .
    * لما رأى سعيد بن المسيب ، رحمه الله تعالى ، قوماً يتنفلون في المسجد بين الظهر والعصر قال : ليست هذه العبادة ، العبادة هي التفكر في دين الله ، والفقه عن الله .
    * قال معاذ رضي الله عنه ، لرجل ، وهو يوصيه : ( قم ونم ، وصم وأفطر ، واكتسب ولا تأثم ، وابدأ بعمل الآخرة ، ثم عد إلى حظك من الدنيا ) .
    * لما كان يخلو ابن المبارك ، رحمه الله تعالى ، مع كتبه قيل له في ذلك ، فقال : أجالس الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وصحابته .
    * ما أحسن أن يجمع الخطيب ، والواعظ آيات ، وأحاديث ثم يوشحها بأسلوبه الجميل ، وبقليل من كلام الأئمة ن وبيسير من جيد الشعر والأمثال والقصص .
    * الإلحاح في الدعاء : توفيق من الله ، والله عز وجل يقول بعد أن يبين أنه أصلح لزكريا زوجه ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً ) (الأنبياء: من الآية90) وعمر رضي الله عنه يقول : 0 إني لا أحمل هم الإجابة ، ولكن أحمل هم السؤال ) .
    * قال بعضهم : إني لأستغفر الله حتى أنال مطلوبي ، ولا يمنعني كوني في الطريق ، أو في السوق ، وربما استغفرت ألف مرة .
    * ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس:62) لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فلم الحزن والهم إذاً ؟
    * ما أرق ساعة ! يخلو فيها المسلم مع رقائق الآيات ، والأحاديث والأشعار ، والسير ، فيذكر الموت ، ويسكب عبرات التوبة ، ودموع الإنابة .
    * من له همة عالية ، ومقصد نبيل ، فليحفظها في قلبه ، وليكتم سره ، ثم يعمل في وسائلها ، ولا يثنيه لومه لائم ، أو إغراء مغر ، أو مراعاة أحد .
    * ما برز الأخيار والنبلاء ، إلا بالشجاعة ، والثقة بالنفس ، وإلا فإن عند غيرهم بضاعة وكنوزاً ، ولكنهم تخوفوا ، وجبنوا ، فما شعوا ، وما لمعوا .
    * على المبتدئ : أن يخفي نفسه ، ويدس شخصه ، ولا يتعجل الظهور ، حتى يريش ، ويغلظ ساقه ، والبدايات لها أثر في النهايات .
    * كلمة ( لي ) , ( أنا ) , (عندي ) لا تليق بالعبد الفقير المسكين العاجز .
    * إذا اختلطت الأصوات ، وكثر اللغط ، فليكن لك عند الله رغبات في الذكر والدعاء ، فهذا وقت الهمة العالية .
    * فما أطال النوم عمراً وما قصر في الأعمار طول السهر
    * المفسدات كثيرة منها : فضول الكلام ، والنظر ، والخلطة ، والطعام ، والنوم ، والجماع . وكثرة النوم تضيع الوقت على السلك ، وأول اليوم مرحلة مباركة للمسافر تقطع عليه المسافات العظيمة .
    * كثرة الخلطة بالناس تعود النفس الخمول ، والكسل ، عن طلب العلم والعبادة ، فهي أي : الخلطة إما للنفع ، أو لرفع السآمة والملل .
    * المجمر الهندي ، هو : من عامل الله بالتقوى ، فنشر الله طيبه بين الناس فأحبته القلوب .
    * أنفع التفسير ، هو : معاني الكلمات اللغوية ، ومقاصدها ، أما التعلق بكلام الناس ، وتشقيقاتهم ، فهو بعيد عن التفسير ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) (القمر:32).
    * الخلق الحسن : وجه طلق ، وكلام لين ، وأجمع تعريف له هو ( ترك الغضب ) .
    * الصادق يعرف صدقه في لحظه ، ولفظه ، وسماته ، نبرة صوته .
    * عمر ، رضي الله عنه ، يوم السقيفة يقول : ( كنت حبرت في صدري كلاماً لأقوله ) فعلى المتكلم قبل أن يبدأ : أن يهدد ويجمع أفكاره ، ويركز في ما يقوله ، ويبينه في صدره ، أو ثم يتكلم .
    * من فقه الخطيب : ترتيله ، وترسله في كلامه ، وتقليل إشارته ، وهدوء نبرته ، وقوة حجته .
    * من جلس معك ، فلا تتركه حتى تزرع في قلبه خيراً ، ولو بكلمة أو حركة ، أو إشارة .
    * دقائق الليل غالية ، فلا ترخصوها بالغفلة ، والوقت هو الحياة .
    * انظر لكتب شيخ الإسلام لما فيها من فقه ، ويسر ، وشمول وهذا من فتح الله عليه .
    * قال ابن المبارك : من تهاون بالأدب ، عوقب بحرمان السنن ، ومن تهاون بالسنن ، عوقب بحرمان الفرائض ، ومن تهاون بالفرائض ، عوقب بحرمان المعرفة .
    * رب آية واحدة من كتاب الله تعالى تحدث في القلب أثراً عميقاً واستجابة حية ، وسماعها يقلب واع ، وسمع يقظ ، كفيل بالحياة .
    * بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ، والكرامة : لزوم الاستقامة ، وثبات النفس على الخير بلا تأخر: نصر عليها .
    * الجلوس مع البطالين : حمى الربع ، ما جربت انفرادك في طريق ، وسيرك مع الناس ، بالنسبة لذكرك وتفكرك .
    * استمع ، أو أتل ، وطالع ، أذكر الله ، ولا تضيع من الوقت شيئاً ، وإذا كان لك حاجة فأوجز في قضائها .
    * إذا جالست الناس ، فأكثر من التبسم والصمت ، ولا تكن من الذين يجعلون ما رزقه الله ظهورهم وفي بطونهم .
    * سئل أحدهم عن قرض الشعر ، فقال : هو عمرك فاصنع به ما شئت .
    * من كلام الزهري ، رحمه الله تعالى : من أخذ العلم جملة فاته جملة ، والبخاري ، رحمه الله تعالى ، يرى إدامة النظر في المحفوظ أحفظ له .
    * من كلام ابن عون : ثلاث أحبهن ، وأحبهن لأخواني ، فذكر : تدبر القرآن ، تفهم السنة ، وكف الأذى عن الناس .
    * الماجريات مهلكة للوقت ( وهو ذكر ما جرى للشخص في الحياة ) وطول العمل مع العلم زيادة في المعرفة .
    * من كلام ربيعة بن عبد الرحمن : لا ينبغي لمن عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه .
    * يقول الحسن في النفاق ( ومثله الرياء ) : ما خافه إلا مؤمن ، وما أمنه إلا منافق .
    * ذكر ابن المبارك الرقائق فقال : ضاعت أعمارنا في مسائل الحيض والطلاق ، وقال في قصيدة عدي بن زيد : هي خير عندي من قصر ابن طاهر .
    * العمامة تصنع الشيخ ، وطالب العلم يعرف بجلوسه وخشوعه ، ودخوله ، وخروجه ، وسكينته .
    * صاحب القرآن يعرف بليله ، إذا الناس ينامون ، وبصومه إذا الناس يفطرون ، وبصمته إذا الناس يخوضون ، وبحزنه إذا الناس يلهون .
    * يقول على رضي الله عنه : لا يخافن أحدكم إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه .
    * يقول ابن مسعود رضي الله عنه : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يتخولنا بالموعظة كراهية السآمة علينا . ويقول ابن عباس ، رضي الله عنهما : لا تأت الناس وهم في حديثهم فتحدثهم فيلومونك ، ولكن إذا اشتاقوا لحديثك فحدثهم ، وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( قصر خطبة الرجل وطول صلاته مئنة من فقهه ) .
    * بإمكانك أن تملأ يديك ليلة الجمعة ، ويومها بجود الله الهاطل ، وخيره الوفير .
    * تفكر في هذه الكلمة العظيمة : ( إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة ) .
    * إياك ، والتخليط ، فإنه لا قليل من الإثم ، والسلامة لا يعدلها شيء ، فدع الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى .
    * قال ابن المبارك : نحن إلى قليل من الأدب ، أحوج منا إلى كثير من العلم .
    * ( من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ) .
    * حاول أن تبدأ كلامك المهم دائماً بالبسملة ، والحمدلة والصلاة على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
    * قال البخاري ، رحمه الله تعالى : باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر ، حتى يصده عن ذكر الله والعلم ، والقرآن .
    * إذا رويت خبراً ، أو قصة ، فأسنده إلى صاحبه .
    * مخالطة الناس في الخير ، كالصلاة ، والأعياد ، والجنائز ، والدعوة المجابة ، وغيرها : من المحاسن ، والعزلة تكون للقراءة ، والدعاء ، والذكر ، والتفكر ، والمحاسبة .
    * تفقهوا قبل أن تسودوا ، وإذا تصدر الحث فاته علم كثير .
    * كان أحدهم كلما اغتاب تصدق بدينار ، فلما خاف على ذهاب ماله ترك الغيبة .
    * قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( وخالق الناس بحلق حسن ) والخلق الحسن أن تصل من قطعك بالبر والزيارة والدعاء والهدية ، وأن تعطي من حرمك من المال والعلم ، وأن تعفو عمن ظلمك وتحسن إليه .
    * قال الإمام البخاري ، رحمه الله تعالى : وإنما العلم بالتعلم ، وقال عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله تعالى : ولتفشوا العلم ، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم ، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً .
    * قال علي رضي الله عنه : حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله . ؟‍!
    * العاقل إذا أراد أن يتكلم تفكر قبل ذلك ، والجاهل ما وقع على لسانه تكلم به .
    * قال الأوزاعي ، رحمه الله تعالى : كنا نضحك قبل أن ندعى أئمة ، أما الآن فما يسعنا إلا التبسم .
    * قال عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله تعالى : ما انتحى قوم في دينهم دون جماعتهم إلا كانوا على تأسيس ضلالة .
    * ما أسر أحد سريرة ، إلا أبداها الله على صفحات وجهه ، وفلتات لسانه .
    * يقولون : العلوم لها مسحة ، وأثر على وجه صاحبها ، فالقرآن والحديث : له لون ، والشعر والأدب : لون وهكذا .
    قال أحد السلف : لأن أكون ذنباً في الحق أحب إلى من أن أكون رأساً في الباطل .
    * تعجبني ترجمة حماد ين سلمة ، رحمه الله تعالى : لما كان عليه من عمار الوقت في الصلاة ، والقرآن ، والذر ، والحديث .
    * من انفع الأحاديث : ما عملت به في وقته ، كحديث : من قال كذا فله كذا ، ومن فعل كذا فله كذا ..
    *اجهد نفسك في عمل تعتقد أنه صواب ، وأدر ظهرك لكل نقد سخيف يوجه إليك .
    * الذي يقهر نفسه أكثر عظمة من الذي يفتح مدينة .
    * عد معطيات الله عليك ، فكم من نعمة الله عندك .
    * يقول ابن عمر : لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر .
    * قال البخاري : وتعلم أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) في الكبر .
    * معدل صلاته ( صلى الله عليه وسلم ) في اليوم والليلة : أربعون ركعة فريضة ، ونافلة ، وما أجدر من طرق الباب أربعين مرة بالولوج .
    * من سأل الشهادة بصدق أعطيها ، وإن مات على فراشه .
    * الحفظ يكون بإصلاح الطبائع ، وترك اللغو ، وكثرة الاستغفار .
    * على المسلم : أن ينام على أفضل العزائم ، يقول عمر : الراحة للرجال غفلة . وكان سفيان جالساً مع أصحابه ، ثم نهض ، وقال : النهر يعمل عمله ، ولابد من سنة الغفلة ، ورقاد الغفلة ، ولكن كن خفيف النوم .
    * يقول أحد السلف : أنذرتكم ، والآن ، الآن ، وليس غداً .
    * إن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل .
    * الكلام بالقرآن ، وبذكر الله ، عز وجل ، أو بالحاجة التي لا بد منها .
    * قال ابن دقيق العيد : على طالب التحقيق ثلاث وظائف :
    أحدها : أن يجمع طرق الحديث ويحصي الأمور المذكورة فيه ويأخذ بالزائدة ، فإن الأخذ به واجب .
    وثانيها : إذا أقام دليلاً على أحد الأمرين ، إما الوجوب ، أو عدم الوجوب ، فالواجب : العمل به ، ما لم يعارضه ما هو أقوى ، وهذا عند النفي يجب التحرز فيه أكثر ، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين يعمل به ، وإذا استدل على عدم وجوب شيء لعدم ذكره في الحديث ، وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر ، فالمقدم : صيغ الأمر ، وإن كان يمكن أن يقال الحديث : دليل على الوجوب ، ويحمل صيغة الأمر على الندب . ثم ضعفه بأنه إنما يتم إذا كان عدم الذكر في الرواية يدل على الوجوب ؛وهو غير عدم الذكر في نفس الأمر ، فيتقدم ما دل على الوجوب ، لأنه إثبات لزيادة يتعين العمل بها .
    ثالثها : أن يستمر على طريقة واحدة ولا يستعمل في طريقه ما يتركه في الآخر ، يتشعب نظره ، وأن يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالاً واحد فإنه يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير من المتناظرين .
    * يقول شيخ الإسلام : حد الخوف : ما حجزك عن معاصي الله ، فما زاد على ذلك فهو غير محتاج إليه.
    * احرص على أن تكون ثيابك دائماً نظيفة ، وجسمك نظيفاً ورائحتك زكيه ، وهيئتك دائماً منظمة .
    * جدد التوبة كل يوم ، فربما كانت آخر توبة ، وكان آخر ذنب وإياك وطول الأمل .
    * الله الله في إصلاح السرائر ؛ فإنه لا صلاح للظاهر إلا بها . والله الله في الإخلاص ؛ ليكفيك القليل من العمل .
    * قيل لابن سيرين : صل بنا ، قال : لا أجد نية ، وامتنع مرة عن الإمامة فقيل له في ذلك ، قال : أخشى أن يتفرق الناس ، فيقولون صلى بنا ابن سيرين .
    * لا تتبذل تبذل العبد ، ولا تتزين تزين المرأة .
    * القرآن ، والسنة ، واللغة ، وأصول الفقه : عليها مدار العلوم .
    * لو لم يكن من فائدة العلم ، إلا أنه يشغل عن الأفكار السيئة ، والوسواس ، والهموم لكفى به شرفاً .
    * كان النخعي لا يستند إلى سارية ، وقال علقمة : أكره أن يوطأ عقبي ، وكان بعضهم إذا جلس إليه أكثر من أربعة ، قام عنهم ، وكانوا يتدافعون الفتوى ويحبون الخمول ، ويقول أحدهم : إني إذا جلست مع إخواني لم أتحدث بأحسن ما عندي خشية المباهاة .
    * حفظ المال بلا بخل من الدين ، فابن المسيب كان له زيت يتجر فيه ، وكان الثوري يقول : لولا هذا المال لتمندل بنا هؤلاء يعني : الأمراء ، ولكن ليكن المال في حوزتك بمنزلة الكنيف (79) إذا احتجت إليه ، وإلا فلا تفكر فيه .
    والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .


    موجز الأنباء

    وهذا موجز النشرة :
    1- عودة إلى الله في مكان .
    2- توبة الفانين .
    3- إنهيار الشيوعية .
    4- مقابلة مع الشيخ ابن باز .
    5- زيارة للشيخ الألباني .
    6- لقاء حار بالشيخ ابن عثيمين .
    7- وصايا للشباب .
    كان هذا هو موجز النشرة وإليكم الأنباء بالتفصيل :

     عودة إلى الله في كل مكان :
    أما العودة إلى الله في كل مكان ، فحدث ولا حرج ، ففي كل أرض : بنو سعد ، والله يريد لهذه الأمة أن تتجه إليه ، ويريد أن يكون المستقبل لها ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْض) (الرعد: من الآية17) محاضرات في مكة ، وفي جدة ، والباحة ، وفي بلجرشي ، وتمتلئ الأرصفة ، والطرقات ، والمساجد من الشباب ، والنساء ، والكبار : يريدون الله .
    شباب أعلنوا توجههم إلى الله ، و والله ، إن الإنسان يقف أحياناً ، فتدمع عيناه مما يرى من هذا الإقبال العظيم .
    سبحانك يا رب ، قبل سنوات امتلأت المقاهي ، وأعرض الناس عن المساجد ، واليوم لا يجد كثير من الناس أماكن للجلوس لشهود المحاضرات ، أو لرؤية المحاضر ، أو لسماع المحاضرة .
    زحام رهيب ، وإقبال على الطاعة ، عودة في كل مكان .
    لقيت طلبة ، جاء بعضهم من فلسطين ، ومن سنغافورة ، قالوا هناك صحوة .
    وبعضهم من البرازيل .
    وأتت رسالة من أستراليا ، قالوا : الأشرطة التي تلقى هنا بعد ثلاثة أشهر تصل إلى أستراليا .
    لقد اتجهت الدنيا إلى الواحد الأحد ؛ لأن الله يريد أن يسعد الدنيا ؛ لأن الله لطيف بالخليقة ، ومن لطفه : أنه يريد الخليقة للإسلام ، ولذلك يقول أحد المفكرين قبل ثلاثين أو أربعين سنة : المستقبل لهذا الدين ، فلله الحمد على هذه النعمة .

     توبة الفنانين :
    أما توبة المغنين في بلادنا ، فقد كنت قبل أسبوع في محاضرة وهي موجودة بعنوان ( رسالة إلى المغنين والمغنيات ) وقد حضرها جمع هائل منهم ، سبعة تابوا وعادوا إلى الله في أشهر معدودة .
    حضر المحاضرة : المغني الشهير ، والذي أصبح اليوم عابداً داعية : مسفر القثامي رحمه الله ويحيي أبو الكرم ، صاحب الصوت الجميل ، الذي قام بعد المحاضرة ؛ ليتكلم عن مرحلتين ، يومين ، وليلتين في حياته : مرحلة ما قبل الهداية ، ومرحلة ما بعد الهداية .
    مرحلة : يوم كان يأخذ العود ، ويعزف على الموسيقى ، وكان عنده فرقة ، وكان عنده ناي ، وطبل ، ودف ، ووتر ، وسهر ، وضياع ، وكأس ، وسيجارة ، وجمهور ، ولغو ، ولهو ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) (الأنعام: من الآية70) .
    ومرحلة : يوم هداه الله ، ووجهه قد أشرق ، فعليه لحية جميلة من لحى أهل السنة والجماعة ، وثيابه من ثياب أهل السنة ، وعنده سواك وقام أمام الألوف من الناس ليقول : أنا أبو الكرم ، وقد كنت مغنياً ، وأصبحت عابداً لله ، ثم اندفع يبكي ، وتحدث عن روعة الإيمان ونور الإيمان ، وإشراق القرآن .
    فسأله الناس أن يقرأ بصوته الجميل ، الذي كان يغني به (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (هود: من الآية114) فقام واندفع واختار بصوته الجميل سورة (ق) ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (قّ:16) وما كأني سمعت في حياتي صوتاً أجمل من صوته .
    فماذا فعل الجمهور ؟ انفجر الناس يبكون ، وتردد المسجد بالبكاء حتى صوروا لنا يوم القيامة .
    وكان هو يؤدي القرآن تأدية بالغة ومؤثرة ، وتنسكب دموعه مع القرآن لأنه عاش القرآن .
    وفي المحاضرة : سبعة تابوا ، منهم من أعلن أنه كسر العود وعاد ، وترك الموسيقى وأصبح من حمتم المسجد ، وأنه لا يرد أن ينشأ ابنه على الغناء ، وعلى الوتر ، ولا على الموسيقى .
    وقال تفكرت في الغناء ، فإذا هو شهرة ، ثم ماذا ؟ ( ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (الأنعام:62) وآخر اسمه مشاري شري نفسه من الله ، كان مغنياً ثم عاد إلى الواحد الأحد له أكثر من خمسين ، أغنية طافت العالم العربي ، وعاد ، وتركها وطلب من القائمين على الإعلام : أن يمسحوها وأن يدمروها لأنه أسس بنيانه على تقوى الله ( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (التوبة:109) .
    عاد ، واشترى نفسه من الله ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ) (التوبة:111) .
    وهذا : عودة العودة ، عاد إلى الله ، وليس بغريب ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران:135) كان له جمهور ، ولكنه طلب أن تمحى أشرطته المرئية والمسموعة ، وقال : تبت إلى الله ، وحياتي لا يمكن أن تكون حياة غناء ، حياتي أغلى وأرفع ، وسوف أكون من اليوم عبداً للواحد الأحد .
    وبالخياط تاب ، وغيرهم كثير .
    وسوف تسمعون قريباً : الكثير عن الذين تركوا الغناء ، وأقبلوا إلى المساجد ، واهتدوا بهدى الله ، لأن الغناء هذا يحطم الإرادات ، ويمحق العزائم ، ويطفئ النور ، ويطرد القرآن ، ويحارب الفضيلة ، وينشر الرذيلة ، ويبني للفحشاء صروحاً .
    والحمد لله ، فقد عاد الشباب والمغنون زرافات ووحداناً إلى الله .
    شباب الحق للإسلام عودا فأنتم فجره وبكم يسود
    وأنتم سر نهضته قديماً وأنتم فجره الباهي الجديد
     انهيار الشيوعية :
    وأما انهيار الشيوعية في العالم ، وانتصار الإسلام .
    اقرءوا الصحف ، فأول ما يفاجئكم في الصباح : أن ولاية انقسمت من روسيا ، وأعلنت التمرد ، وخرجت بمظاهرات عارمة تحطم دبابات الملاعين الملاحدة ، وفي هذا نصر للإسلام ، وهاهي ولاياتنا الإسلامية في تلك الدولة تعود رويداً رويَداً ، بعد أن عاشت طويلاً تحت سلطة هؤلاء الملاحدة .
    بل ، ولله الحمد ، فتح مركز إسلامي في قلب موسكو ، عاصمة الإلحاد ، والمؤذن يؤذن فيها خمس مرات .
    وأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
    وأما الشيوعية ، فقد كتبت عليها اللعنة ، كل يوم تنسحق دولة ، ويتحطم كيان .
    لما رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخراب لها يوم أعدى من الجرب
    وعندما تزعزع العالم الغربي ، واهتز ، وشعر بالخطر ، فعلاً وبدأت التحليلات الغربية تختلف .
    طائفة من الغربيين ، أبدوا الارتياح الكامل لهذه الخطوات الديموقراطية ، وتفاءلوا بمستقبل زاهر للإنسانية ، كما نسمع الآن ، ويردد كثيراً ، وأن الإنسانية ، والعالم الإنساني مقبل على مرحلة انفراج ، وأن النظم الشمولية ستنتهي ، وأن الديكتاتوريات ستسقط ، وغير ذلك وقالوا : بأن نتيجة ثورة الإنسانية ، وتفاعل الحرية في قلوب العالم أجمع .
    وتحليلات أخرى تقول : لا ، فالاتحاد السوفيتي رأس الشيوعية ، ولم يتنازل عنها ، لكن هذه حركة التفاف ، وعملية مخادعة .
    اختلفت التحليلات ، والذي يتتبع العملية يقول : لا يمكن أن تكون هذه العملية مقصودة .
    ثم لماذا يبرز في كل دولة يسقط فيها الحزب الشيوعي الشيوعيون الناقمون أو الشيوعيون الإصلاحيون كما يسمون ، فكأن تروتسكي الذي قتله ستالين عام 1940 أعيد من جديد ، ونحن لنا الأمور الظاهرة ، فالحمد لله الذي أسقط هذا المبدأ الغاشم ، ونسأله أن يلحق به أذنابه في كل مكان .
     مقابلة مع الشيخ ابن باز :
    ربما قال بعضكم : الخبر ليس بجديد ، فكلنا يعرف الشيخ عبد العزيز بن باز ، فماذا سوف تخبرنا عن العلم والعلم قد بان للناس كلهم ؟ !
    بينما يذكرنني أبصرنني عند قيد الميل يمشي كالأغر
    قال تعرفن الفتى قلن نعم قد عرفناه وهل يخفى القمر
    الشيخ عبد العزيز : مشهور ، لكن في سيرته : جزيئات ، لا يعرفها الناس .
    وقد ترجم للرجل في كتاب ( علماء ومفكرون عرفتهم ) للمجذوب .
    أيها الأخوة ، نحن الآن في حضرة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عبد الله بن بار في لقاء نستطيع أن نسميه لقاء السيرة الذاتية للشيخ عبد العزيز .
    شيخنا الفاضل سنبدأ هذه الأسئلة ، بما يشبه الترجمة عن سماحة الشيخ عبد العزيز ، فنسأل الشيخ أن يقدم نفسه للأخ القارئ .
    يقول الشيخ : ولدت في عام ثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية ، في ذي الحجة ، ونشأت في حضانة والدتي ، وتوفى والدي ، وأنا في آخر السنة الثالثة من عمري .
    درست القرآن ، وحفظته قبل البلوغ ، وكنت في الرياض ، ثم شغلت بطلب العلم إلأى أن تعينت في الخرج .
    والرجل وضع له القبول في الأرض ، والقبول ليس بيد أحد من الناس ، بل بيد الواحد الأحد ، فإذا أحب عبداً جعل الناس يحبونه ، وإذا أبغض عبداً أبغضته القلوب .
    فالحب هذا لا يصطنع ، ولا يأتي بالحديد ، والكرباج ، ولا بالهراوات .
    الحب : موهبة ، وعطية من الله ، عز وجل .
    وفي الحديث : ( أن الله إذا أحب عبداً قال لجبريل : إني أحب فلاناً فيحبه جبريل ، ثم ينادي جبريل في أهل السماء : إن الله يحب فلاناً فأحبوه ، فيحبه أهل السماء . فيوضع له القبول في الأرض .
    وإذا أبغض الله عبداً قال لجبريل : إني أبغض فلاناً فيبغضه جبريل ، ثم ينادي في أهل السماء أن الله يبغض فلاناً فأبغضوه ، فيبغضه أهل السماء ثم يوضع له البغض في الأرض ) (80) .
    ولذلك ، تجد بعض الناس أبغضهم القلوب ، بأعمالهم في الخفاء ، وبعض الناس أحبتهم القلوب ، ولو أنهم ما قدموا للناس شيئاً ، لكن بأعمالهم في الخفاء .
    والشيخ عبد العزيز جمع الله له أموراً : منها التقوى ، فالرجل أول أمر فيه أنه طلب العلم لوجه الله ، وهذا نحسبه ، والله حسبه .
    ثم إنه فقد البصر ولكنه ما فقد البصيرة ، عمى وعمره تسعة عشر سنة .
    والعجيب ، يقولون : أن الشيخ لا يعرف يكتب أسمه ، وهذا العلم كله : القرآن ، وكتب الحديث ، وكتب العلم في رأسه ( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: من الآية46) ( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الرعد:19) .
    بعض الناس عيونهم كالكشافات ، ولكن قلبه مظلم ، ما يبصر شيئاً .
    له عيون يرى ، لكن يبصر الفاحشة ، ويبصر المعصية ، ويبصر الفجور ، وأما النور فما يبصره .
    وبعض الناس ، لا يملك بصراً ، ولكن يملك بصيرة .
    فالشيخ عبد العزيز يملك بصيرة قلب .
    ابن أم مكتوم أعمى ، والله يسميه أعمى في القرآن ، فيقول : ( عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) (عبس:2) فيقول سيد قطب : لماذا تعبس في وجهه ؟ لعل هذا الأعمى أن يكون منارة من منارات الأرض ، تستقبل نور السماء .
    وبالفعل ، كان ابن أم مكتوم : الفقير المسكين : أعمى لكنه استقبل نور السماء .
    يأتي إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فيقول : يا رسول الله ، أنا بعيد الدار : وليس لي قائد يقودني ، فهل تجد لي رخصة ؟ فأرخص له فلما ولى دعاه وقال : ( أتسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ) ؟
    قال : نعم .
    قال : ( فأجب فإني لا أجد لك رخصة ) (81) .
    فكان هذا الأعمى ، يأتي إلى المسجد في البرد ، وفي السيل وفي الحر ، وفي الظلام ، بلا قائد ، يتلمس في الظلمات ؛ ليجعل الله له نوراً ، يوم ينقطع النور عن المجرمين .
    قل لي بالله : أهو خير أن الشباب الذي يسكن بجانب المسجد ، ولا يصلي في المسجد ، ولا يعرف طريق المسجد ، ولا يهتدي للمسجد ، وقد منحه الله قوة ، وشباباً ، ومالاً ، وصحة ، وسيارة ، وكل ما تمنى ، ثم يعرض عن منهج الله ؟
    ابن أم مكتوم الأعمى ، هذا سمع بالجهاد ، فقال : ألبسوني السلاح .
    قالوا : عذرك الله ، أنت أعمى .
    قال : والله ، لا أبقى ، والله يقول ( انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً ) (التوبة: من الآية41) فنفر ، وركز الراية في القادسية ، وهو أعمى ، فقتل مكانه ، فأصبح شهيداً .
    أليس هو منارة تتلقى النور ؟
    وهكذا الشيخ عبد العزيز بن باز عمى مبكراً ، لكن بدأ يلتمس النور من الواحد الأحد .
    ابن عباس عمي في السبعين من عمره ، وهو عالم الأمة العجيب ، الفطحل ، الذي يصور علمه مثل البحر، إذا طم وعم ، وكان يجلس بعد الفجر ، وهو أعمى في آخر عمره ، فيسأله أهل القرآن إلى ارتفاع الشمس ، ثم يأتي أهل الحديث ، فيسألونه حتى يقرب الضحى ، ثم يأتي أهل التفسير ، فيسألونه إلى منتصف الضحى ، ثم يأتي أهل العربية ثم يأتي أهل الشعر ، فهو يتفجر كالبحر .
    عمي فقال : بيتين جميلين في ذلك :
    إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور
    قلبي ذكي وعقلي غير ذي عوج وفي فمي صارم كالسيف مشهور
    القلب : حي ، والعقل حي ، ونور المسجد ، مع نور القرآن .
    وإذا ذهبت العيون فعلى العيون السلام .
    يقول الله عز وجل في ( صحيح البخاري ) وهو حديث قدسي : ( إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضت عنهما الجنة ) (82) ، والحبيبتان هما العينان .
    لكن بعض الناس عنده حبيبتان ، ولكن ما عنده نور ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) (الأعراف:179) .
    الشيخ عبد العزيز بن باز : متواضع ، تأخذه الطفلة ، فيقف معها فهو متخلق بأخلاق محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
    ويوقفه الرجل في الشمس ، وهو عند باب السيارة ، رجل في الأرض ، ورجل في السيارة ، فيمسكه الرجل ، ويقص عليه قصته ، والشيخ يصغي وهو مرهق جداً من الأعمال والأشغال ، فأمور الأمة الإسلامية تدار عليه ، فيصغي ، حتى يكون الرجل هو الذي يترك الشيخ ، فيركب الشيخ .
    وبعض الشباب ، يقصون على الشيخ قصصاً ، فما يرد الشيخ إلا بالدموع ، يتأثر لأحوال العالم .
    يخبرونه عن أحوال أفغانستان ، أو الفليبين فيبكي .
    وقته معمور بذكر الله ، عز وجل ، في الصباح يتنفل ، ثم يلقي الدروس ، في الغالب ، ثم يذهب إلى عمله، فيعود في الثانية .
    وهو مضياف ، وهو حاتمي الأصل ، لن تجد بيته يخلو من الضيوف ، وهذه شهادة ، أقولها للتاريخ ، فهو من أكرم الناس ، إفطاره ، وغداؤه ، وعشاؤه ، وعلمه ، وماله ، وشفاعته ، وجاهه ، كل هذا مبذول للمسلمين ، فهو كما قال الأول :
    هو البحر من أي النواحي أتيته فدرته المعروف والجود ساحله
    ومما يميز الشيخ عبد العزيز بن باز : الصبر ، فهو مثل الجمل ، يجلس في الحلقة ، وهذا من شهود العيان وقد رأيته كثيراً في المحاضرة فلا يتحرك في الدرس أبداً ، بل يبقى كأنه صخرة في مكانه .
    فإذا حرك ( بشته ) أو تنحنح عرف الطلاب أنه قد انتهى الدرس ويجلس متأدباً ، لا يقاطع لمتكلم مهما تكلم فإذا انتهى المتكلم ولو بعد ساعتين قام فعقب في أدب .
    ولذلك أحبته الطوائف ، والجماعات ، والناس ، لأنه لا يجرح أبداً .
    فلسانه ، كالعسل ، وهذه مواهب يجمعها لله لمن يشاء ، وهذا تسديد من الله عز وجل .
    ومن مميزات الشيخ عبد العزيز بن باز : أنه محدث يعرف الأثر .
    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولوا العرفان
    فهو دائماً ، قال الله ، وقال رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، واستمع إليه في الفتوى واستمع إليه في ( نور على الدرب ) ، إذا أتى يفتي ، لا تسمع ، إلا رواه أبو داود بسند جيد . رواه مسلم ، رواه البخاري ، الحديث في الترمذي ، رواه الحاكم .
    وهو يقيد المسائل بالدليل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإذا عارض كلام رجل الدليل ، ترك كلامه لكلام محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ولذلك فتواه كما قال الأول :
    إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام
    والآن ، أصبحت العجوز ، تقول لابنها : والله ، لو تتعلم حتى تصبح مثل ابن بار !
    وفي أمريكا ، إذا قلت لبعض الشباب : أفتى فيها الشيخ ابن باز بكذا وكذا انتهى الأمر .
    بل بعض الجمعيات الإسلامية ، والمؤتمرات تعقد ، فإذا عرضت فتوى الشيخ صوتوا عليها بالأغلبية ، فهو قبول من الواحد الأحد .
    ومما يميز الشيخ عبد العزيز : سلامة الصدر .
    يقول من يقرب منه ، ومن يعرفه من طلابه ، والمشايخ ، والعلماء : ما رأينا أسلم من المسلمين صدراً منه ، فهو لا يحمل حقداً ، ولا حسداً ، ولا غشاً ولا غلاً لأحد ، وهذه أخلاق العلماء ، ينام وليس في قلبه شيء على إخوانه .
    فيخبرونه ببعض ما يقال عنه ، فيقول : غفر الله لهم ، اللهم اعف عنهم ، وسامحهم الله .
    وقد قلت في الشيخ قصيدة اسمها البازية أذكر بعضها :
    قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي
    لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي
    عفواً لك الله قد أحبب طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي
    يا دمع حسبك لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل السافي
    وفي آخرها :
    يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي
    أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعل منهم ومن حافي
    وفيها :
    سر يا أبي واترك الدنيا لعاشقها في ذمة الله فهو الحافظ الكافي
    من مميزات الشيخ عبد العزيز : كثرة الذكر ، فهو يكلمك بالهاتف وهو يسبح ، فيستمع المكالمة ، وهو يذكر الواحد الأحد .
    والشيخ له وردان في اليوم : بعد صلاة الفجر أكتب هذا من باب الاقتداء لعل الله أن ينفع فبعد أن ينتهي من التسبيحات يقول : لا إله إلا الله ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، مائة مرة ، لا يتركها مهما كان ، وبعد العصر ، ولا يتكلم حتى ينهيها ، والشيخ يقوم قبل الفجر ليستأنف جلسته التي تعودها مع السحر مع الواحد الأحد ، يوم يتنزل الله في الثلث الأخير إلى السماء الدنيا فيقول : ( هل من داع فأستجيب له ، هل من مستغفر فأغفر له ، هل من تائب فأتوب عليه ) (83) .
    ولذلك ، أنا قد رأيت ، ولاحظت أنه إذا خرج لصلاة الفجر ليصلي بالناس أن عليه هالة من النور .
    قالوا للحسن البصري : ما بال قوام الليل عليهم نور ؟
    قال : خلوا بالله ، فأكسبهم نوراً من نوره .
    والشيخ عبد العزيز بن باز : حفظه عجيب في القرآن ، يقول بعض الناس : ما أظنه يخطئ خطأ فهو يحفظ القرآن مثل الفاتحة ، يبدأ بسورة الفاتحة ، وإذا هو بعد أيام في سورة الناس يسرده سرداً .
    ثم إذا جاء يستشهد ينتزع الآية من موضعها ، ويستنبط له استنباطاً عجيباً ، سهلاً .
    والشيخ قريب من الطلاب ، ينشر علمه في كل مكان : في الطريق وفي الشارع وفي الهاتف وفي المكتب ، وهذا هو هدي علماء السنة فهم علماء عامة .
    فعلماء الإسلام ، لا يغلقون على أنفسهم في البيت ، ولا يبخل أحدهم بعلمه على المسلمين ، أو يجلس تحت المكيف ، وينتظر أن يطرق عليه الناس .
    لا ، بل علماء أهل السنة تجدهم في المساجد وفي الشوارع وفي السكك وفي المكاتب يسألهم الناس كالشيخ عبد العزيز بن باز .
    هذه بعض الفوائد من لقائي بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز .

     زيارة للشيخ الألباني :
    وصل إلى مكة ، وجدة قبل ثلاثة أسابيع ، أو أربعة ، وكانت من فرص الحياة أن أرى ذاك الرجل ، فقد كنت أرجو من الله الواحد الأحد : أن أراه ، فهو رجل عجيب .
    هو ، الآن يقارب التسعين من عمره ، قضي منها ما يقارب ستين سنة منها في خدمة الحديث النبوي ؛ حتى كأنه ما مر بحديث إلا خرجه أو تكلم فيه .
    هل تدرون ما هي بداية حياته ؟ من أراد منكم أن يعرف ذلك فلبعد إلى كتاب ( علماء ومفكرون عرفتهم ) وكتاب ( حياة الألباني ) للشيباني .
    الشيخ ناصر ليس له شيخ ، ولم يتعلم في مدرسة ، بل تعلم من أبيه بعض الفقه الحنفي ، ثم جلس يصلح الساعات ، في دمشق ، في الشارع العام .
    وكان دقيقاً في علم الساعات ، ولا يزال ، إلى الآن ، يجيد تصليحها ، فأكسبه هذا : الدقة والصبر .
    مر به بعض الناس ( بإحياء علوم الدين ) للغزالي ، فرأى فيه تخريج العراقي في الحاشية ، فأعجبه التخريج ، فأخذ هذا التخريج وكتبه في أوراق أخرى ، ثم قال في نفسه : حكمة بالغة من الله سبحانه وتعالى ، لماذا لا أخرج مثل هذا التخريج ؟ فأخذ يخرج من الكتب ، ثم فتح الله عليه ، سبحانه وتعالى ، فجمع ( الصحيحين ) ثم (السنن ) ثم ( المسانيد ) ثم ( المعاجم ) ثم كتب الرجال ثم كتب الأطراف ، ثم دخل المكتبة الظاهرية ففتح الله عليه فتحاً عظيماً .
    والرجل من أجلد الناس ، وأصبر الناس ، يجلس في المكتبة عشر ساعات ، لا يرفع رأسه .
    يقولون : بأن عنده سلماً في الظاهرية يصعد عليه ليبحث عن حديث ، فيبقى على رأس السلم ما يقارب ساعتين أو ثلاث .
    كانت عنده ( سيارة أجرة ) يشتغل عليها يومين لأهله ، ثم يعود بقية الأيام يبحث في الحديث .
    وكان فيما يقال عنه : يوضع له الإفطار في الصباح ، فلا يدري هل وضع له حتى يؤذن للظهر فينتبه ، فإذا الإفطار قد برد .
    فهو صاحب جلد ، وحب للحديث ، والله إذا أراد بعبده شيئاً حببه إلى هذا المسلك ، فأخرج كتباً مباركاً وأخرج تخريجات عجيبة .
    رأيته فإذا هو طويل البنية ، إذا رأيته تعرف أنه أعجمي ليس في رأسه ، ولا لحيته شعرة سوداء ، بل قلنصوته : بيضاء ، ووجهه أبيض مشوباً بحمرة ، ولحيته : بيضاء ، وثوبه أبيض ( نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (النور: من الآية35) .
    والشيخ مصاب ، شافاه الله ، قال للطلاب في جدة : ادعوا لي بالشفاء ، لعلي أن أكمل كتب الحديث ، فانهار المسجد بالبكاء ، ودعوا له بالشفاء .
    هو مريض بأرجله ، ومع ذلك يقود السيارة بنفسه بجدارة ، وقد أتى بالبر لا بالطائرة .
    سالت الألباني خمسة أسئلة للفائدة :
    منها : أيها المحدث الكبير سمعنا أنك أفتيت في ( آداب الزفاف ) بأن الذهب المحلق لا تلبسه النساء .
    فهو قد حرمه ، وقد رد عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رداً عجيباً وهو قد خالف الإجماع .
    فما رأيكم ؟ خاصة أن بعض الفضلاء كتب كتاباً يرد على فضيلتكم ، وفي علمكم أن الأدلة واردة في ذلك ، وهو كتاب ( المؤنق في إباحة الذهب المحلق وغير المحلق ) للأخ الفاضل : مصطفى العدوي جزاه الله كل خير .
    أجاب الشيخ بإجابة طويلة ، ولكنه ما رجع عن رأيه .
    والعجيب : أن الرأي الصحيح : خلاف ما رأى الشيخ ، والحكمة أن الله يريد أن يتفرد بالكمال ؛ لأنه لو كان العالم لا يخطئ في مسألة لكان الناس تصوروا فيه بعض التصور ، لكن العالم مهما كان لابد أن يخطئ .
    قال مالك : كل يؤخذ من كلامه ويرد ، إلا صاحب هذا القبر ( صلى الله عليه وسلم ) .
    والعالم إذا اجتهد فاصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد .
    ثم سألت الشيخ عن رواية أبي الزبير في ( صحيح مسلم ) ؟ فأجاب إجابة يعرفها المتخصصون في الحديث ، بأن هناك اصطلاحات لمسلم يعرف الروايات التي يرويها أبو الزبير عن جابر ، لأن أبا الزبير يعنعن ، وهو مدلس .
    ثم سألته عن رواية المبتدع ، وعن بعض الأحاديث الضعيفة التي نسبت إلى مسلم وعن بعض المسائل ؟
    ثم سأله بعض المحبين عدة أسئلة .
    الطريف في الجلسة : تواضع الشيخ حتى تشعر أنك أمام رجل عادي ، وهو عالم يتسابق الطلبة على حذائه، إذا أراد أن يخرج ليلبسوه إياه ، ويرفض ذلك .
    سألته سؤالاً في الحديث الضعيف : هل يستدل به في فضائل الأعمال أم لا ؟
    فبقى يجيب حتى قلت له : يا فضيلة الشيخ ، لا نريد أن تلقى محاضرات ، نريد أن تجيب على الأسئلة حتى نستفيد منك أكثر .

     لقاء حار بالشيخ ابن عثيمين :
    عالم مشهور ، وعلم ومنارة أهل عنيزة .
    وهذا الرجل يميزه أمور :
    زهده في الدنيا ، وأنه من أذكى الناس ، تتلمذ على كتب شيخ الإسلام ابن تيميه ، وبقى عليها فترة من الفترات ، حتى أخرج كنوزاً من العلوم .
    ويميزه : دقته ، وذكاؤه العجيب ، واستدلاله بالنصوص ، وإخراجه الدرر والكنوز .
    ويميزه : أنه مربي ، وليس واعظاً فحسب ، عنده ما يقارب ثلاثمائة شاب .
    وعنده صبر مع الطلاب ، فدرس في الصباح ، وبعد العصر ، وفي المغرب في غالب الأيام ، فتجد الشباب يترددون عليه .
    دعوناه إلى أبها ، ودعاه أهل تبوك ، وبعض المناطق ، لكنه يرفض أن يرتحل من أجل طلابه ، فهو مربي، وهو فقيه ، ثم هو صابر محتسب ، وشروحه من أعجب ما يكون .
    ويميز الشيخ : اعتصامه كذلك بالدليل ، فهو علامة في الاستنباط ، وأخذ الحكم من الدليل ، وهو علامة في أصول الفقه والنحو .
    والشيخ خفيف الظل ، يعني : دعوب ، ولطيف المزاج ، ولذلك يقرب منه الطلاب ، والرسول ( صلى الله عليه وسلم )يقول : ( يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا ) (84) والرسول ( صلى الله عليه وسلم ) كان سهل الخلق وكان يمزح .
    قرأت في ( سلسلة الصحيحة ) للألباني حديثاً صح عند أحمد وغيره قالت عائشة رضي الله عنها : ذهبت أنا ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة فقال للصحابة : ( تقدموا ) ، فتقدموا .
    فقال لعائشة : ( سابقيني ) (85) !
    المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء
    فسابقته عائشة ، رضي الله عنها ، فسبقته ، لأنها خفيفة ، وكانت شابة .
    قالت : وبعد سنوات ، أتى الصحابة في غزوة ، فقال لهم ( تقدموا ) . فتقدموا .
    قال : ( سابقيني ) فكثر علي الشحم ، وثقل بدني ، فسبقني ، فتبسم الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وقال: ( هذه بتلك ) .
    سبحان الله ! بعض الناس ، قد يقول : هذا فضول ، فهل وجد ( صلى الله عليه وسلم ) من الفراغ أن يسابق أهله .
    نعم يجد من الفراغ ؛ لأنه مربي ، بل تجده أيضاً مع الأطفال يداعبهم .
    تجد بعض الناس إذا قيل لهم : لماذا لا تمازح أطفالك ؟
    قال : أنا مشغول ، اشتغلنا عنهم بهذه الدنيا ، أو يقول : أنا أكبر من هؤلاء الأطفال .

    يا أيها الذي أنهى عمره والذي فتن نفسه ، معلم الخير أكثر شغلاً منك ، ومعلم الخير وقته مزحوم بقضايا الأمة ، وأحداث الأمة ومع ذلك أخذ أمامة وصلى بها العصر ، فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها (86) .
    سبحان الله ! شريعة سهلة ، لكن عيبنا نحن : أننا لا ننظر إلى السيرة ، والأحاديث ؛ وما جاء فيها من عبر ، فلا يكفي أن تحفظ دون تدبر .
    والشيخ محمد يميزه العقل السديد ، فهو رجل يعطيك درراً ، إذا تكلم ؛ لأنه رجل مجرب ، فهو في الرابعة والستين ، أو ما يقاربها .
    ويخبرك كيف فن الدعوة ، لأن بعض الشباب ، الآن ، يريد الدعوة بالعنف ، ولذلك لا تصلح لهم الدعوة ، ولا ينتجون شيئاً ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (آل عمران: من الآية159) .
    ولذلك فبعض الشباب يكون متحمساً جداً ، فيقول للعالم : لماذا لا تفعل كذا وكذا ؟ ولا تقول كذا وكذا ؟ كأنه أعلم من العالم .
    لا ، العالم يعرف المصالح والعالم ذكي ، فواجبنا أن نترك الفظاظة في الدعوة والقسوة ، لكي تجتمع علينا القلوب .
    وينبغي علينا : أن نعرف كيف نصل بالكلمة إلى أهلها ، وكيف نكون حكماء مع الناس لعل الله أن يهدي بأيدينا ؛ لأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ، وما نزع من شيء إلا شانه .
    وقد تعمدت ذكر شيء عن هؤلاء العلماء الثلاثة ( ابن باز ، الألباني ، ابن عثيمين ) ليكونوا قدوة للشباب ، لأن الصحوة عندنا واسعة ، لكنها هائجة مائجة ، تحتاج إلى خطام وزمام . فالشباب عندهم حماس ، ويريدون علماء مثل إشارات المرور توقفهم إذا تجاوز اندفاعهم الحدود .
    يقول العالم للشباب : ( اطلب العلم ) ، ( لا تتكلم هنا ) ، ( اترك هذه القضية ) ، ( لا تتحدث اليوم ) ، (لا تتحدث في هذه القضية على المنبر ) ، ( اكتبها كتابة) ، ( هذه المسألة لا تذكرها في المجلس ) .

     وصايا للشباب :
    عندي وصايا خفيفة للشباب ، وقد كررها كثيراً في عدة مواضع .
    وبعض الأخوة كتب إلى رسائل وكلمني ، وقال : نجد بعض الأحاديث في محاضراتك ، ودروسك ، وبعض القصص في كتابك تتكرر .
    أقول : هل تريدنا دائماً أن نأتي بجديد ؟ فنحن لسنا فنانين نأتي كل يوم بأغنية ، نحن نتعامل مع الكتاب والسنة ، فقصة موسى في القرآن أعيدت ما يزيد عن ثلاثة وعشرين مرة ، تأتي في البقرة ، ثم تأتي في الأعراف، ثم تأتي في يونس ، ثم تأتي في طه ، ثم في الشعراء ، ثم في القصص ، وهكذا .
    فكتابنا يتجدد ، لكن بأساليب ، إذا أتيت بالقصة اعرضها في أسلوب ثم ردها في أسلوب آخر ، ثم اقلبها في أسلوب ثالث ، حتى يقبلها الناس .
    فالتكرار منقبة وليس مثلبة .
    قالوا تكرر قلت أحلى علماً من الأرواح أغلى
    فإذا ذكرت محمداً قال الملأ أهلاً وسهلا
    ويقول آخر :
    كرر العلم يا كرم المحيا وتدبره فالمكرر أحلى
    فأنت لا تضجر من المكرر .
    أقول : من المكررات في الوصايا : أوصيكم بطلب العلم ، وتحصيل العلم كباراً وصغاراً ، فليس عندنا في الإسلام : سن لطلب وتحصيل العلم كباراً وصغاراً ، فليس عندنا في الإسلام : سن لطلب العلم ، فالعلم معك حتى تدخل في القبر ، فهو من المهد إلى اللحد .
    يقول البخاري : وتعلم أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) كباراً .
    فأنت تحرص على العلم في الستين ، والسبعين ، والثمانين ، والعلم مبذول ، الآن ، وله وسائل عجيبة منها: حلقات في المسجد ، ومنها : كتب ، ومنها شريط إسلامي ، ومنها : كتيبات ، ومنها : سؤال أهل العلم على الهاتف وغيرها ، وغيرها كثير .
    فأوصيكم به ، لن يضل طالب العلم ، وطالب العلم على بصيرة .
    وطالب العلم يسلمه من الشهوات والشبهات .
    وطالب العلم مسدد .
    وطالب العلم عنده نور .
    وطالب العلم يزداد إيماناً كل يوم .
    وطالب العلم كما صح في الحديث : ( تستغفر له حيتان البحر وطيور السماء حتى النملة ) .
    والحمد لله العلم في بلادنا سهل ميسر ، فالمساجد منتشرة والكتب محققة ، والعلماء متواجدون .
    أسأل الله أن يوفقني وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح .

    وهذا آخر ما تيسر لي كتابه في ( مصارع العشاق ) فما كان من صواب فمن الله وتأييده ، وما كان من خطأ فمن ضعفي وعجزي ، واسأل الله العفو والعافية والمغفرة .
    عين الرضا عن كل عيب كليلة *** وعين السخط تبدي المساويا


    كتبه
    د. عائض القرني



    لا تنس الناقل والقائل من دعوة صالحه في ظهر الغيب
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-06-23
  3. هارون

    هارون قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-02-02
    المشاركات:
    3,279
    الإعجاب :
    0
    والله لو خليت المقاله على ثلاث حلقات كان افضل
     

مشاركة هذه الصفحة