صفحات من التاريخ اليمني:ليلتان في اليمن..كيف قُتل الإمام يحيى؟وكيف انتصر الإمام أحمد؟

الكاتب : Time   المشاهدات : 4,755   الردود : 17    ‏2005-06-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-06-16
  1. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    ليلتان في اليمن
    [​IMG]
    عبد القادر حمزة
    مايو سنة 1948م
    نقلا عن موقع التجمع اليمني للإصلاح



    (1-11)
    هل تسافر إلى اليمن؟

    [​IMG]
    [align=right]عرفت الجغرافيا عن طريق السفر وكنت قبل أن أسافر دائم الرسوب في هذا العلم لأني كنت امقته مقتا وقد يكون هذا هو السبب في أنى لا اعترف حتى الآن بأن الأرض كروية لأن أسفاري لم تؤكد لي هذا .
    ولم أكن قبل اليوم الثالث والعشين من فبراير سنة 1948 م أعرف عن اليمن إلا أنها في الركن الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة العربية وإلا أنى اجتمعت في لندن في سنة 1938م بالأمير سيف الإسلام الحسين نجل الإمام الراحل يحيى حميد الدين وكان في معيته السيد حسين الكبسي ، وهو الذي عين وزيراً للخارجية في حكومة السيد عبد الله الوزير ، وهي الحكومة الملقبة بحكومة الثورة ، ثم اجتمعت في سنة 1944م بالسيد على المؤيد في القاهرة واشتركت في وضع نصوص بعض المذكرات الموجهة إلى الحكومة البريطانية بشأن محمية عدن .
    وبعد هذا انقطعت صلتي باليمن تماماً حتى حل اليوم الثالث والعشرون من شهر فبراير الماضي كما قلت
    في الساعة السادسة من مساء هذا اليوم دخلت مبنى جريدة المصري كعادتي لا باشر عملي ولم أجد بها أحداً سوى صاحب الجريدة ولما دخلت عليه حجرته وجدت لديه أحد طياري شركة مصر للطيران وفوجئت بصاحب المصري يقول لي ( أين جواز سفرك ؟ أهو
    معد ؟ وهل هو مزود بشهادات التطعيم ضد الكوليرا والحمى الصفراء والجدري .. إلى آخر هذه القائمة ) فقلت ( هو معد على الدوام ) فقال ( هل تستطيع أحضارة الآن ؟) فقلت ( نعم ما الذي حدث ؟ ) فقال : ( هل تسافر إلى اليمن ؟ الليلة ؟ ) ولم أرد ولكني نهضت وخرجت إلى منزلي وعدت بجواز السفر وآلة التصوير وفي الساعة الرابعة والنصف من الصباح كانت الطائرة تحلق بي في الفضاء في طريقي إلى صنعاء عاصمة اليمن .

    [line]
    [line]
    [line]
    ليلتان في اليمن

    عبد القادر حمزة
    مايو سنة 1948م




    (2-11)
    لا بد من صنعاء

    [​IMG][align=right]كنا ستة في الطائرة ... القائد ومساعدة وضابط اللاسلكي والمهندس وزميل لي وأنا وكنا لانفتا طيلة الطريق نردد قول الشاعر العربي :
    لا بد من صنعاء وإن طال السفر .. والآن وقد رأيت صنعاء وشهدتها بعد السفر لا أدري كيف نطق الشاعر العربي بهذا البيت فأني لا أعدو الحقيقة أن قلت أننا جميعاً تنفسنا الصعداء والطائرة تحلق بنا في الجو في طريقها مبتعدة عن صنعاء ..
    ولقد فكرت في هذا الشاعر العربي الذي نطق بهذا البيت طويلاً فاستغربت أن يقال أي شعر في صنعاء ، ويبدوا لي أن التعبير الحق عن ( جمال ) صنعاء و( سحرها ) لا يزيد على قلب الشفتين .. والانتقال بالموضوع إلى شيء آخر !!
    وشرح هذا لابد أن يطول ، ولو أني أجزم بأن كل ما سأكتبه هنا في هذا الكتاب ( اخف ) من الواقع وأنا لازلت أفكر في أن أعرض ( جدياً ) على الأستاذ نجيب الروحاني أن يزور العاصمة اليمنية ولو لبضعة أيام فهو لا بد خارج من هذه الزيارة القصيرة بمسرحية بديعة تمحو كل أثر لمسرحيته المشهورة ( حكم قراقوش ) فهناك على الأقل جميع الشخصيات التي يخرجها لنا الريحاني ( على الطبيعة ) أي أنه ليس محتاجاً بعد رؤيتها إلى أعمال الخيال وإجهاد والذهن في تصوير المناظر أو الشخصيات أو خلع الجو الواقعي على المسرحية .
    * * *
    في الطريق إلى صنعاء هبطت بنا الطائرة مطار جديد وكانت أول زيارة لي للبلاد العربية السعودية .. واستقبلنا قائد المطار وهو ضابط سعودي كبير وايرت أقداح القهوة وأنا أمقت القهوة مقتا شديداً ولكني تأدباً تناولت لقدح من يد الخادم وأنا أرجو أن تكون القهوة محلاة بما يكفي لتعويضي عن العناء الذي سألقاه وأنا أشربها ... وأقول أشربها لأني في الواقع لو وجدت نفسي في مأزق لا مخرج لي منه أتجرعها تجرعاً كالدواء ..
    ووضعت القدح على شفتي وذاق لساني ما فيه ووجدت نفسي اهتز بحركة عصبية شديدة وأكاد أقذف بالقدح من يدي كانت القوة مرة مرارة فماذا أفعل ؟
    تحركت قليلاً وكأني أجول بنظري في أنحاء المطار وأنا أحاول أن أغافل الحاضرين فأسكب ما في القدح على الرمال .. وبينما أنا أفعل إذ صرخ في ضابط اللاسلكي وقال بالإنجليزية ( لا تفعل .. بالله عليك لا تفعل وإلا ذبحنا جمعياً ... هذه إهانة لا تغتفر )
    وزادت حيرتي ، كان الذبح وشرب هذا القدح بالنسبة لي سيان ... فأيهما أختار ؟ ولكني ضابط اللاسلكي اشفق على فتناول مني القدح وشربه بدلاً مني .
    * * *
    عرفنا أخبار الانقلاب اليمني كلها قبل أن نصل إلى صنعاء فأمام الساحل اليمني توجد جزيرة كبيرة تدعى جزيرة قمران يحكمها حاكم إنجليزي يدعى الماجور طومسون وهذه الجزيرة قطعة من الصحراء في قلب البحر الأحمر وقد شيد الحاكم الإنجليزي في ركن منها قرية صغيرة يقيم بها معظم أهل الجزيرة وبها منزل الحاكم ومسجد دعي مسجد فاروق الأول بعد زيارة جلالة الملك فاروق للجزيرة خلال رحلته مع جلالة الإمبراطورة فوزية في البحر الأحمر .
    وتقوم الجزيرة على صيد اللؤلؤ ولقد حاولنا في عودتنا شراء بعض اللؤلؤ فاعتذر الحاكم الإنجليزي بأنه لا يملك شيئاً منه .
    هبطت بنا الطائرة في مطار الجزيرة لغرضين :
    الأول : أن نتزود البترول الكافي لرحلتنا إلى صنعاء والعودة منها إلى قمران نظراً لأن صنعاء ليس بها من البترول ما يكفي الطائرة .
    الثاني : أن نتزود ببعض المعلومات عن مطار صنعاء أو على الأصح الأرض الفسيحة التي تقع في الجنوب من المدينة وهي التي مهدها رجال حكومة الانقلاب في بضعة أيام بعدما جاءتهم برقية من القاهرة بأن وفداً من قبل الجامعة العربية يزمع السفر إلى عاصمة اليمن على ظهر إحدى طائرات سلاح الطيران الملكي المصري .
    وانتهزنا الفرصة وسألنا المأجور طومسون عن أنباء الانقلاب فقص علينا القصة كلها وهو لا يفتأ بين آن وآخر يكرر قوله ( لا تنقلوا عني هذا ) ولم ننقل عنه شيئاً حتى الآن !!
    قال الحاكم أن معلوماته عن مطار صنعاء تافهة لا تفيد أحداً فهو لا يعلم ألا أن الأرض الممهدة جنوب المدينة لا يزيد طولها على 1200 متر وإلا أن طائرة إنجليزية أتت من عدن مرتين في هذا اليوم وهو 24 فبراير لتهبط فيه فلم تستطع فعادت إلى عدن .
    ولكننا مع ذلك هبطنا مطار صنعاء وكان لابد أن نهبط وقد شاهدنا من الجو حشوداً من الناس في المطار قلنا أنهم لا بد ينتظروننا ..
    وانتفخت أوداجنا .. سندخل صنعاء دخول الفاتحين
    وهبطت الطائرة وتوقفت آلاتها عن الحركة واستعددت للنزول منها ونسيت في تسرعي الطربوش الذي أتيت به معي خصيصاً لأقابل به الإمام الجديد وهو الآن الإمام المخلوع
    وكانت قدمي على باب الطائرة حينما وجدت يداً تضع الطربوش على رأسي ..,
    وألتفت خلفي فوجدته منقذي في الملمات ضابط اللاسلكي ونزلت فوجدت أمامي ما يزيد على ألفي شخص في المطار يتقدمهم السيد حسين الكبسي وزير الخارجية وكان معه وزير الدفاع ووزير التجارة ووزير التموين ، ووزراء آخرون لا أذكرهم الآن وتقدمت إليهم ببطء وبهدوء فوجدت بعضهم ينظر إلى بعض مندهشاً ولاحظت أن هناك همساً متبادلاً ما الذي حدث ؟ ولم يطل بي التفكير إذ وجدت السيد الكبسي يتقدم مني محيياً مرحباً ذاكراً أيام اجتماعنا في لندن ومقدما إلى زملاءه الوزراء .
    وكلما ذكرت الآن هذه اللحظات الأولى لنزولي في صنعاء ابتسمت فقد علمت بعدئذ أن هذا الجمع الحاشد لم يكن في انتظاري وإنما كان في انتظار الأمير سيف الحق إبراهيم وكان في طريقة إلى صنعاء على ظهر الطائرة الإنجليزية القادمة من عدن والتي لم تستطع الهبوط في المطار فعادت إلى عدن .
    ولم يفرق الجمع المنتظر بين الطائرة الإنجليزية والطائرة المصرية فما أن شاهدوا الأخيرة تهبط حتى تقدم الاستقبال الأمير العائد من منفاه فلما فتح باب الطائرة ظهرت أنا لهم وعلى رأسي طربوش أكبر من حجم رأس – لأنه ليس طربوشي – ومن هنا كانت الدهشة وكان الهمس ومثلت الدور خير تمثيل ، وركبت السيارة التي كانت معدة للأمير ودخلت أبواب صنعاء فوجدت أبواب صنعاء فوجدت الطريق كله حاشداً بالجند المصطفين على طول الطريق وخلفهم سكان المدينة وهو ينشدون الأناشيد ويهتفون ويشرون بالتحية وأنا أرد هذه التحية برفع يدي إلى جبهتي حتى وصلت بنا السيارة إلى قصر الضيافة فهبطنا منها وحيانا حرس الشرف فمررت بين صفي الجند أتفقدهم ثم صعدت إلى الطابق الأعلى وأنا أحيى الموجودين ودخلت حجرة الاستقبال الكبرى وطلب منى بعضهم أن أفتح النافذة لأطل منها على الجمع الحاشد في الساحة ففعلت ولكني بدل أن أحيى أو ألقي خطاباً أمسكت بالة التصوير ورحت أخذ من الصور ما أشاء .
    وقد ذكرت كلمة ( الجمع الحاشد ) وهذا الجمع في الواقع لم يزد على ثلاثين أو أربعين شخصاً حفاة عراة وقفوا في الساحة ينشدون ..
    كانوا ينشدون شيئاً ُلم أفهمه حتى همس بعضهم في أذني لافتاً نظري إليه فأحسنت الإصغاء وفهمته .. كانوا ينشدون نشيد الجامعة العربية ودهشت هذا النشيد وضع في مصر ..
    ومع ذلك فأن قليلين جداً هم الذين يعرفونه فكيف تسنى لأهل صنعاء أن يحفظوه عن ظهر قلب وأن يردده بهذه السهولة ؟
    ومن الذي نقله إلى اليمن ؟ ومن الذي قام بتحفيظه لأهل صنعاء أو على الأصح لهؤلاء الثلاثين أو الأربعين الذين كانوا أمامي في الساحة ؟ وما هو الغرض من أنشادهم هذا النشيد لي في هذه اللحظة ؟
    هذه أسئلة تواردت على ذهني دفعة واحدة وأنا أطل من النافدة وأعالج أمر آلة التصوير التي كان أحد أجهزتها الداخلية قد كسر فزاد الإشكالات التي واجهتني واحداً .
    ولم ألبث أن وجدت الجواب على هذه الأسئلة حين نظرت خلفي لأرى من الذي همس في أذني لافتا نظري إلى ماكان الجمع ينشده في الساحة فوجدت أنه :
    الأستاذ : الفضيل الورتلاني !!
    وللأستاذ الورتلاني دور كبير في حكايتي هذه لن أذكر منه شيئاً الآن لأني أفضل أن تتكلم كل حادثة بنفسها عن نفسها .
    ولابد قبل أن أبدأ كلامي عن قصر الضيافة أن أذكره شيئاً أخر حدث في ( المطار ) إلى جانب الهمس المتبادل فقد لاحظت كما لاحظ زميلي الأستاذ زهير عسيران وقواد الطائرة الأربعة أن هناك ورما خفيفا في أصداغ جميع من استقبلونا من اليمنيين وسمعت وأنا أسير نحو السيارة أحد قواد الطائرة وهو يقول لزميل له همساً ( ما هذا ؟ .... ألا يوجد هنا طبيب أسنان يعالج أسنان هؤلاء الناس ؟ ... وتبادر إلى ذهني السؤال نفسه فلم أستطيع تعليل وجود هذا الورم في الصدغ الأيسر لكل من رأيناه .... وعلمت بعدئذ علة هذا الورم وعلمت أن أهل اليمن ليسوا بحاجة إلى طبيب أسنان لكي يعالجهم ، ولكنهم بحاجة إلى شيء آخر غير طبيب الأسنان .
    علمت أن في اليمن نباتاً أخضر يسمى ( القات ) يهواه الجميع ويتعاطون منه يومياً كميات هائلة وهم يقصون أوراقه الخضر ويضعونها في فكهم الأسفل بين اللثة والصدغ الأيسر ويظلون يمصونها حتى ينتهي ما فيها من عصير فيضعون كمية أخرى يمصونها وهكذا حتى تخدر الأعصاب كما يخدرها الحشيش مثلاً ..
    وهم يبدون في تعاطي هذا القات بعد تناول طعام الغداء أي في الساعة الثانية بعد الظهر ويظلون يمصونه حتى الساعة الثامنة مساءً وينفقون عليه أكثر من نصف دخلهم .
    والقات ذو مفعول سيئ على الصحة لأنه يورث الأرق ويفقد الشهية عن الطعام كما أن له تأثير أخر أشد من هذا ، فهو يلبث بعد زمن ما أو على الأصح حينما يبلغ الرجل الثلاثين أو الخامسة والثلاثين من عمره – أن يقتل في الرجل قوته الجنسية للإرهاق الشديد الذي يجلبه له في السنوات السابقة على هذه السن .
    ولم أر واحداً في اليمن لا يمضغ القات بعد الظهر وهم يسمون هذا ( تخزيناً ) وأنت إذا طلبت من أحدهم عملاً ما بعد الظهر اعتذر لك لأنه ( مخزن ) .

    نقلا عن موقع التجمع اليمني للإصلاح
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-06-16
  3. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    ليلتان في اليمن

    عبد القادر حمزة
    مايو سنة 1948م



    (3-11)
    الكبسي يروي .. كيف قتل الإمام يحيى ..؟



    [align=right]انتهت مسائل التحية ، والاستقبال وكان الطربوش على رأسي قد أورثني صداعاً شديداً فما أن رأيت الأساتذة المصريين الذين انتدبتهم وزارة المعارف للتدريس في اليمن ورأس أحدهم عارية ورأس الثاني عليها قلنسوة من جلد الخراف على شكل القلنسوة الهندية التي ابتكر تصميمها السيد محمد على جناح حاكم الباكستان العام ورأس الثالث عليها طربوش يبدو كأن أحدا جلس عليه أو أن طفلاً لعب به الكرة – أقول ما إن رأيت هذا حتى سارعت إلى خلع طربوشي وأنا أتحسس رأسي خشية أن يكون قد حدث بها شيء ، وجلست إلى السيد حسين الكبسي وزير الخارجية وطلبت منه أن يحدثني عن حادثة ( وفاة ) الإمام يحيى ، وكنت لا أزال غير متأكد مما إذا كان مات مقتولاً وانطلق الكبسي يروي وأنا أسجل ..
    وقبل أن أذكر ما قاله الكبسي لابد أن أصفه وأصف الكيفية التي حدثنا بها ..
    الكبسي رجل قصير القامة ضامر الجسد كمعظم أهل اليمن ولا شك أن هذا راجع في معظمه إلى ( القات ) ...
    والكبسي يضع على عينيه نظارة تنزلق على أنفه مرة في كل ثلاث دقائق فيمد يده ويعيدها إلى موضعها فتنزلق مرة أخرى فيعيدها مرة ثانية وهكذا حتى لا يلبث الضحك أن يستبد بك وأنت تحدثه .. على أن العينين اللتين تقعان وراء هذه النظارة عينان لماحتان تشعان بالذكاء الشديد ...
    وهو رجل يقولون أنه متدين وأنا لا أعرف مدى هذا التدين ولو أني لاحظت مثلاً أنه في ملبسه متقشف لا يرتدي إلا القديم البالي من الثياب وقد حلق شعر رأسه بالموس فلم يبق بها شعرة واحدة وعمامته المنزلقة إلى الخلف قليلاً تظهر بعض هذه الرأس الحليقة وهو حين يتكلم يهز رأسه هزات عصبية سريعة لاحظتها كذلك بعدئذ في السيد عبد الله الوزير زعيم الانقلاب .
    قال الكبسي عن حادثة مقتل الإمام يحيى :
    استقل الإمام سيارته الخاصة وبرفقته رئيس وزرائه عبد الله العمري وثلاثة من حفدته لابنه الحسن وحفيد لابنه المحسن ومعهم جندي ومرافق وسائق السيارة بقصد الإشراف على مزارعه التي تبعد عشرين ميلاً جنوبي صنعاء وعلى بعد عشرة أميال في مكان يسمى الوادي طلب الأخوة الثلاثة أبناء الأمير الحسن وحفيده الإمام النزول من السيارة وانتظار الإمام في هذا المكان حتى يعود من زيارته لمزارعه وتركهم الإمام على أن يعود بعد ساعة على الأكثر، ولكن انقضت ثلاث ساعات دون أن يعود فقلقوا عليه ، وهنا مر بهم أحد الرعاة فأخبر أكبرهم وهو يبلغ من العمر اثنتين وعشرين سنة بأنه رأى الإمام مقتولاً هو ورئيس وزرائه وحفيده الرابع ومرافقه وسائق السيارة على بعد سبعة عشر ميلاً من صنعاء فأسرعوا بإرسال النبأ بذلك إلى صنعاء واستقلوا سيارة أخرى من سيارات الإمام إلى مكان الحادث وهناك وجدوا سيارة الإمام مصابة بأكثر من مائة طلقة وزجاج السيارة محطماً من جميع الجهات ووجدوا أن الطلقات صوبت على السيارة من الأمام ووجدوا جدهم الإمام مصاباً بأكثر من خمسين رصاصة ، وقد انكفأ على وجهه وسقط فوق جثة حفيده الرابع كما وجدوا رئيس الوزراء مشوه الوجه مقتولاً بفعل الرصاص وكذلك شاهدوا المرافق وسائق السيارة مقتولين .
    وكان عدد كبير من رجال القبائل قد التف حول السيارة وقد قدموا على صوت طلقات الرصاص وقال بعضهم أنه شاهد سيارة تعدوا مسرعة بعد سماعه أصوات الطلقات ويرجح أن القتل حدث بواسطة مدفع رشاش سريع كان في هذه السيارة .
    ولم يكد الخبر يصل إلى صنعاء حتى عم الاضطراب الجماهير وفكروا سريعاً في الهجوم على قصر السعادة الذي فيه مستودع النقود ومقر العائلة المالكة .
    وسارع سيوف الإسلام الأمراء محسن والحسين ويحيى إلى القصر وهو مقر خزانة أموال الإمام وهنا كان مدير الأمن العام وهو ضابط عراقي يدعى جمال بك جميل قد جمع جنده وسار بهم إلى القصر قبل أن تهاجمه الجماهير وتعتدي على أسرة الإمام فما كان من أبناء الإمام إلا أن أمروا الضابط يفك الحصار والعودة مع جنوده من حيث أتوا وكان يعززهم في هذا حرس القصر ولكن الضابط رفض وأفهمهم أنه إنما جاء للمحافظة على حياتهم وعلى محتويات القصر خشية الفوضى المسيطرة على الجماهير فأصر الأمراء على أمرهم وأمروا الحرس بإطلاق النار على الضابط وجنوده وكان أول من أطلق النار سيف الإسلام الحسين وجرت على إثر هذا معركة لم تدم طويلاً وانتهت بمقتل الأميرين الحسين ومحسن وبعض الجنود من الطرفين ..

    استسلام الأمير يحيى
    واستسلم الأمير يحيى واستأذن في الذهاب إلى داره فسمح له بذلك محروساً ولكنه لم يستطع الذهاب إليها فاضطر إلى الالتجاء إلي فأنجدته وحميته وخرجت معه إلى قصر غمدان وقدمته للسيد عبد الله الوزير
    * * *
    وفي أثناء هذا كله كان السيد عبد الله الوزير الإمام الجديد في داره لا يدري من الأمر شيئاً ، ولكن الجماهير توجهت إليه وطلبت منه أن يذهب إلى قصر غمدان ليبايعوه إماماً شرعياً شرعياً دستورياً وكان ذلك مساء يوم الحادث فنزل على إرادتهم وذهب إلى قصر غمدان وهناك تقدم إليه بين أوائل من بايعوه الأمير يحيى فبايعه وطلب منه الأمان فأمنه على نفسه وعلى أسرة الإمام الراحل وسمح له بالنزول في القصر ثم تبعه بالمبايعة الأمراء علي وإسماعيل وقاسم أنجال الإمام الراحل أيضاً ،وكذلك تلقى برقية من الأمير محمد البدر ابن الأمير أحمد العاصي يبايعه فيها إماما ً ، وكذلك فعل الأمير حسن ولم يعلن الأمير عباس المبايعة .
    وفي صبيحة اليوم التالي في الساعة الثامنة تجمهر الناس من علماء صنعاء وساداتها وفقهائها وتجارها وأجمعوا أمرهم وفي مقدمتهم قضاة الاستئناف على اختيار السيد عبد الله أحمد الوزير إماماً جديداً لهم وأبلغوه قرارهم وعقدت له البيعة في قصر غمدان وهناك تقدموا له ووضعوا أيديهم في يده وبايعوه إماماً شرعياً دستورياً ونودي به الإمام الهادي إلى الله وبعدهم تقدم أمير الجيش اليماني وكتبته فبايعه ثم دخل مشايخ القبائل ورؤساء العشائر فبايعوه كذلك .

    تأليف مجلس الشورى
    وألفت الحكومة اليمنية الجديدة من مجلس شورى يتألف من ستين عالماً وفقيهاً تحت رئاسة رئيس المجلس الأمير إبراهيم بن يحيى ورئيس الوزراء ووزير الداخلية السيد علي بن عبد الله الوزير وهو ابن عم الإمام الجديد ووزير الخارجية السيد حسين الكبسي ووزير الدفاع السيد حسن بن علي عبد القادر ووزير العدل السيد علي بن حمود بن شرف الدين .

    شيوخ القبائل يوقعون ميثاقاً بالبيعة
    وفي صبيحة الخميس وصل إلى صنعاء مشايخ قبائل حاشد وبكيل وذو محمد وذو حسين ، وأرحب وهمدان ونهم و بني حشيش خولان والحدأ وبني مطر والحيمتين وبايعوا الإمام رئيساً شرعياً دستورياً ديمقراطيا لهم وأعلن الميثاق الوطني المقدس وأخذت الحكومة الجديدة على عاتقها تنفيذ هذا الميثاق .
    وفي يوم الجمعة اجتمع الناس لأداء الصلاة في جامع صنعاء ، وخطب للصلاة ودعا للإمام الجديد ثم ألقى الخطيب العلامة السيد أحمد بن عبد الرحمن محبوب ، نص الميثاق الوطني المقدس وشرحه للناس شرحاً وافيا حتى فهموه تمام الفهم ووافقوا عليه بصيحات الله أكبر الله أكبر ...
    وفي هذا اليوم تلقى الإمام برقيات المبايعة من عمال الأقطار اليمنية وكبار موظفي الأقضية .
    ذكرت ما قاله السيد الكبسي عن مقتل الإمام يحيى وبيعة عبد الله الوزير للإمامة بعد قتله ، ولكني لم أذكر شيئاً ، ذلك أن هذه القصة الطويلة لم تلق بهذا الاستطراد والتدفق اللذين ذكرتها أنا بهما وكنها كانت من آن لآخر تجد مقاطعة شديدة وأحياناً صارمة من شخص لآخر ...
    كان يجلس معنا والسيد الكبسي يردد هذه القصة الأستاذ الفضيل الورتلاني .
    وكان صامتاً طيلة الوقت وقد امتدت يده إلى ذقنه يمرعليها وعلى شاربه بمسحات متتالية سريعة وأحياناًَ يمسح بيده على وجهه كله ..
    وفجأة نسمع صوته يقول : ( ياسيدي حسين ) يقصد السيد حسين الكبسي ، فإذا أنصت له الكبس قال شيئاً يصحح به رواية الكبسي أو يضيف إليها شيئاً ...
    وإذا لم ينصت له صرخ بصوت صارم ( ياسيد حسين ) وكان الكبسي يصمت في هذه المرة صمتاً تاماً حتى ينتهي الورتلاني من ملاحظته ثم يعود للكلام بصوته المنخفض المرتعش ويبدو لي أن الأستاذ الورتلاني كان يحفظ القصة كلها عن ظهر قلب وربما كان هو مبتدعها وملقنها لغيره ..
    لذلك كان حريصاً أولاً على الجلوس إلى كل من يريد أن يستمع للقصة من أحد رجال حكومة الانقلاب وثانياً على تصحيح كل ما يقع فيه الرواي من أخطاء ..
    وسألنا السيد الكبسي أن يخبرنا عن موقف الأمير أحمد فقال ( إنه الآن معتصم في حجة وهي تقع إلى الشمال الغربي من صنعاء وقد عصى لما علم ببيعة الإمام عبد الله الوزير ولكنه لا يمتلك حق العصيان لأنه ليس بولي العهد كما يدعي فإن الإمامة في اليمن بالبيعة لا بالوراثة ولا توجد في اليمن ولاية للعهد ولقد سمى هو نفسه ولياً للعهد حتى دون أن يرضى عن هذا أبوه الإمام الرحل )
    وسألته ( متى فكرتم في بيعة عبد الله الوزير ؟ ) فأجاب ( أن التفكير في بيعة عبد الله الوزير تم ونحن في عاصمة بلاد الإنجليز ، وكان عقلاء اليمنيين قد فكروا طويلاً في حالة اليمن وفيما تعانيه من بؤس وشقاء وفكرنا أيضا في أن الإمام الراحل لا بد منتقل يوما إلى الدار الآخرة ولابد أن نتفق على رأي نعمل به بعد هذه الوفاة ، وكان هذا منذ عشر سنوات فاجتمع البعض منا في لندن وفكروا فيمن يخلف الإمام الراحل ولم نبد رأيا حتى أشار علينا الأمير سيف الإسلام الحسين باختيار عبد الله الوزير فوجدنا أن هذا خير رأي فعقدنا العزم على اختيار عبد الله الوزير فوجدنا أن هذا خير رأي فعقدنا العزم اختياره بالفعل ، ومن هذا اليوم ونحن نستعد لليوم الذي ينتقل فيه الإمام يحيى إلى الدار الآخرة ، ومن حسن الحظ أننا كنا قد أتممنا استعدادنا لقيام حكومة منظمة في اليمن حينما جاءنا نبأ اغتيال الإمام يحيى ، فقمنا بالتنفيذ السريع حتى لا يكون هناك مجال للأخذ والرد ، فينتهز البعض الفرصة وتقوم الفتن في البلاد وينقطع حبل الأمن وتضطرب الحالة ويكثر السلب والنهب .

    هذه رواية السيد الكبسي عن الانقلاب اليمني وهي الرواية التي اتفق عليها كل من قابلناه من رجال الانقلاب فهي إذن رواية الانقلاب ..
    ولكن في هذه الرواية مآخذ كثيرة :-
    أولا:- لا يعقل أن تكون الصدفة وحدها هي المسئولة عن مقتل الإمام يحيى وإتمام استعدادات رجال الانقلاب لتولي زمام الحكم والأصح أن الإمام قتل حينما تمت هذه الاستعدادات.
    ثانيا :- يتبع هذا أن رجال الانقلاب يعلمون بتفاصيل حادثة القتل وربما كانوا هم الذين دبروها .
    ثالثا :- لا يعقل أن يكون سيف الإسلام الحسين هو الذي أشار باختيار السيد عبد الله الوزير ليكون إماماً بعد وفاة أبيه أي أنه أحد الذين اشتركوا في الاستعداد لهذا اليوم مع أنه قتل برصاص عبد الله الوزير في هذا اليوم نفسه .
    رابعا :- لا يعقل أن ينادي الأمير أحمد بنفسه ولياً للعهد في حياة أبيه وأبوه غير راض عن هذا وقد كان يد أبيه اليمنى في الحكم كما أنه لم يكن ليجرؤ على هذا الفعل لو لم يكن برضا أبيه .
    هذه أهم المآخذ الرئيسية على رواية السيد الكبسي وتبقى بعدئذ مآخذ أخرى كثيرة سأوردها في حديثي عن الآخرين من زعماء الانقلاب .

    .

    نقلا عن موقع التجمع اليمني للإصلاح
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-06-16
  5. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    ليلتان في اليمن

    عبد القادر حمزة
    مايو سنة 1948م



    (4-11)
    في قصر الضيافة



    [align=right]لم أمكث في صنعاء أكثر من أربع وأربعين ساعة قضيت معظمها في قصر الضيافة وزرت قصر غمدان وهو قلعة المدينة وفيه قابلت السيد عبد الله الوزير وزرت دار الأمن العام وفيها قابلت الجنرال جمال جميل الضابط العراقي الذي كان يقود الجيش حينئذ والمتهم الآن بقتل الإمام يحيى وزرت دار السعادة أو قصر السعادة وهو مقر أموال الإمام يحيى وأمامه قتل الأميران الحسين والمحسن وقبل أن أغادر صنعاء زرت قاع اليهود وفيه يقيم كل يهود صنعاء وتغلق عليهم الأبواب من المساء حتى الفجر ..
    ولقد ظلت اليمن حتى الانقلاب في عزلة تكاد تكون تامة عن العالم الخارجي وربما كان هذا هو السبب في أنها تكاد تكون على الفطرة الأولى ..
    واليمن من أغنى بلاد الدنيا فهي بلاد أرضها غنية بالزراعة وبكل مقومات الصناعة فهي تزرع كل شيء تقريباً وتحتوي على البترول والنحاس والفحم والميكا والذهب وعدد كبير جداً من المعادن ومناجمها جميعا مناجم غنية جدا محتوياتها قريبة جدا من سطح الأرض فهي لا تحتاج إلى عناء في الاستخراج . . ولكنها حتى الآن لم تمس .
    وهناك نظريتان :
    الأولى – يقول أصحابها أن اليمن بهذه الثروة كانت تستطيع أن تصبح في مصاف الدول العظمى لو أرادت ولو فتحت أبوابها للاستغلال كما أن هذا الاستغلال كان لا بد أن يعود على الشعب اليمني بالخير الوفير ويجعله أحسن حالا مما هو الآن .
    والنظرية الثانية : يقول أصحابها أن عزلة اليمن هي التي جنبته مذلة الاستعمار الأجنبي وأن شعب اليمن فقير حقاً ولكنه مستقل تماماً عن الأجانب.
    والنظريتان متكافئتان ولو أنه يكاد يكون مقطوعا به أن عزلة اليمن انتهت وأن هذه الثروة الدفينة مقبلة على عهد استغلال عظيم لابد وأن يعود على الشعب اليمني كله بالخير العميم
    أقول مكثت معظم الوقت في قصر الضيافة وسأصف الآن هذا القصر.
    هو دار ضخمة مؤلفة من طابقين :
    الأول : وهو الأرضي جميع حجراته مخازن لمواد التموين ففيها صفائح البترول وفيها أكياس الدقيق وفيها صناديق السكر وفيها الكتب المدرسية ، وفيها أدوات معملي الطبيعة ، والكيمياء وفيها أسلاك الكهرباء وفيها البن والأغطية والملاءات والأقمشة والأخشاب والمقاعد والأسرة المعدة للضيوف إذا ما احتاج الأمر ، في هذه الحجرات كل شيء تقريبا.
    ومن إحدى هذه الحجرات خرج البن الذي أتينا به معنا ومن حجرة أخرى خرجت الأكياس وأمام بابي الحجرتين أعدت الأكياس وخاطها المنجدون ، ووزنها الوزانون .
    ودار الضيافة ليست مركبة أي أن حجراتها شيدت على شكل مربع واسع قلبه إلى السماء وفي وسطه حوض كبير يستعمل ماؤه استعمالات غريبة ، فقد رأيت العمال وهم يغسلون فيه قطع الأثاث ثم رأيتهم يشربون منه ، وهذا الأثاث الذي كانوا يغسلون قطعه هو الأثاث الذي أخرج من المخازن لتزويد الحجرات استعداداً لاستقبال وفد الجامعة العربية الذي كان مفترضاً أن يصل بعدئذ إلى صنعاء ليحضر الاجتماع الأول لمجلس الشورى .
    وأصعد الآن إلى الطابق الثاني للدار فأجده مربعاًَ كذلك ذا ممر طويل يدور بأبواب جميع الحجرات وهو – أي الممر – في الوقت نفسه يشرف على حوض الماء المشيد في صحن الدار ومن هذا الممر رأيت ما ذكرت .
    وفي صدر الطابق الثاني توجد حجرة الاستقبال الكبرى وقد لاحظت في هذه الحجرة شيئا غريباً ، فقد وضع في قلبها مكتب لطيف أنيق عليه محبرة بدون أدوات للكتابة أما المكتب نفسه فبدون مقعد لمن يريد الجلوس إليه .
    وقد وقعت عيناي على المكتب في اللحظة الأولى التي دخلت فيها الحجرة وعجبت من وجوده في حجرة الاستقبال وفي قلبها ، وظللت يتملكني العجب حتى عرفت فائدته فيما بعد هذا المكتب ملئت أدراجه بأوراق بيض مسطرة نظيفة ، وقد لاحظت وأنا أجلس إلى رجال الحكومة أنهم بين آن وآخر يفتحون هذه الأدراج ويخرجون بعض ما فيها ويقصون منه مربعات صغيرة ضلع كل منها عشرة سنتيمترات ويكتبون عليها شيئا ثم يطبقونها ويشيرون لأحد السعادة ويسرون إليه شيئا ، فيأخذها ويذهب بها وقد يعود برد عليها وقد لا يعود وفهمت بعدئذ أن هذه المربعات الصغيرة رسائل يجري تبادلها بين رجال الدولة وبعضها برقيات ترسل إلى الخارج وهذه فائدة مكتب حجرة الاستقبال .
    وعينت لي حجرة نوم هائلة كانت واسعة حتى خيل لي أنها تصلح للعب الكرة وكان السرير مقاماً في ركن منها والمشجب معلقا في الركن المقابل وأنا أحب أن أطوف بالحجرة وأنا أرتدي ملابسي فهي أحب لحظات تفكيري إلي ولا أسال في هذا عن السبب .
    وكانت رياضة لطيفة في كل صباح وفي كل مساء اقطع فيها بضعة كيلو مترات مشيا على الأقدام قبل تناول طعام الإفطار إن كان هناك إفطار وصدقوني أنها كانت رياضة شاقة على أرض كلها تضاريس عالية وليس بها مكان للاستراحة سوى مقعد وضع في منتصف الطريق بين السرير والمشجب كاستراحة (شل) في منتصف الطريق بين القاهرة والإسكندرية .
    * * *
    لم تستسغ معدة أي فرد منا ، نحن المندوبين وقواد الطائرة الأربعة – الطعام الذي كان يقدم لنا على مائدة قصر الضيافة ، وقد نسيت أن أقول أنه القصر الذي كان الإمام يحيى الراحل قد شيده خصيصاً لإقامة من يزوره في عاصمة ملكه من الملوك والأمراء .
    ولم يكن الطعام مؤلفا من الثريد واللحم كما كان متوقعا ولكنه كان محاولة فاشلة لتقليد الأطباق المصرية والتركية وحتى الأوروبية وأقول فاشلة لأن الأصناف كانت غريبة فقد كان بينها مثلا طبق بديع من ( الكراث ) المطبوخ على طريقة طهي الخرشوف عندنا فتصور الكراث بدل الخرشوف .
    وكنا نحن الستة في مبدأ الأمر نصطنع الأدب ، فكنا نأكل ونخشى في كل لحظة أن تلفظ بطوننا الطعام أمامنا ثم اضطررنا شيئا فشيئا إلى خلع رداء الأدب المصطنع فصرنا نرفض كل ما يقدم لنا .
    وحاولنا أن نشتري شيئا من أسواق المدينة فما وجدنا شيئا يمكن أن يؤكل وعدنا لمائدة قصر الضيافة فماذا نعمل ؟
    لم نجد سوى الليمون منقذ لنا نعصره على كل شيء.
    أرز أو لحم خضر ... وحتى الحلوى عصرنا عليها الليمون لنستطيع ازدرادها فنسكت جوع بطوننا .
    وفي اليوم الذي غادرنا فيه اليمن وهبطنا في جزيرة قمران وتناولنا العشاء بالجزيرة ظللنا نأكل ساعة كاملة من الزمان وقبل أن أترك قصر الضيافة إلى دار الأمن العام أقول أن الكهرباء تنور هذا القصر ليلا وقد قيل لنا أن هذا التدبير كان إكراماً لنا فإن الكهرباء كانت لا تضيئه من قبل سوى ساعة واحدة في كل مساء وأقول أيضاً أني رأيت في إحدى شرفات القصر سريرا جديدا صغيرا ، الذي يعد لعزام باشا في حالة قدومه إلى صنعاء ويبدو أن عزام باشا سمع به فعاد وهو في منتصف الطريق ..

    نقلا عن موقع التجمع اليمني للإصلاح
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-06-16
  7. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    ليلتان في اليمن

    عبد القادر حمزة
    مايو سنة 1948م



    (5-11)
    القائد العام ... بدون بنطلون !!

    [​IMG]
    [align=right]كان همنا ونحن في صنعاء أن نحصل على رواية ثلاثة أشخاص الأول – عبد الله الوزير إمام الانقلاب .
    الثاني – حسين الكبسي وزير الخارجية .
    الثالث – جمال جميل الضابط العراقي المسئول عن قتل الأميرين المحسن والحسين أو على الأصح قائد الثورة .
    ولقد ذكرت رواية الثاني منهما وأما رواية الأول فستأتي في فصل قادم وأنا في هذا الفصل أورد رواية الثالث وهي في نظري أخطر الروايات جميعا .
    في صباح 25 فبراير سنة 1948م طلبنا أن نزور جمال جميل في مقر قيادته...
    وبعد أخذ ورد أرسل إلينا ياورانه ...ليقول – تفضلوا – وأنا أقول ياوران ( متساهلا ) لأنه في الواقع شخص حافي القدمين يرتدي جلبابا وعلى كتفه بندقية عادية وعلى صدره حزام من الجلد رصت فيه رصاصات البندقية أما رأسه فليس عليها شيء يسترها ويخفي منظر شعره المشعت .
    وتفضلنا ...
    زرنا جمال جميل في دار الأمن العام ومقر قيادة الجيش فليس هناك فرق بين البوليس والجيش في اليمن ..
    ودار الأمن العام دار صغيرة جداً من طابقين اثنين ، بالطابق الأول لا شيء ، وبالطابق الثاني بهو فسيح ليس به شيء وحجرتان اثنتان في أحداهما مكتب القائد العام وفيه يستقبل القائد زواره وفيه يتناول طعامه على الأرض مع ضباطه وفيه يصرف شئون الأمن والجيش معا .
    وأنت تقترب من الدار فتجتاز ساحة متسعة الأرجاء وتنظر إلى يسارك فتجد دار السعادة أو قصر السعادة وهو القصر الذي كان الإمام يحيى يفضله على غيره وكان يقيم فيه حتى وفاته وتنظر إلى يمينك فترى بائع الحلوى.. وصدقوني أن في صنعاء بائعا للحلوى ....
    وهذه الحلوى لا تعدو حبات من(( سكر النبات)) تراها فيهيأ لك أنها حبات ملح لا سكر، وإلى جانب هذه الحبات حزمة جزر وهذا هو بائع الحلوى.
    وتزداد اقترابا من الدار ، فيواجهك مدفع ... أي والله مدفع .. قديم عتيق بال لا يصلح لشيء بالطبع وتصعد السلم العالي فتجتاز صفين من الجند شاهري السلاح وكلهم بشكل الياوران الذي وصفته فيما سبق
    وتضع قدمك على عتبة الطابق الثاني فتجد – إذا كانت مدققا فاحصا سريع النظر – إلى جانب قدمك اليسرى فوهة مدفع رشاش تطل على السلم من خبايا الظلام المخيم على البهو وخلف هذا المدفع الرشاش انبطح رجل على الأرض ووضع أصبعه على زناد المدفع استعداداً للطوارئ .
    ودخلنا المكتب .. ووجدنا القائد العام عند مكتبه وهو موضوع في ركن الحجرة وقد وقف حوله ضباطه وليس بينهم اثنان متشابهان في الزي أو الرداء فهذا يلبس بدلة وذاك يلبس جلبابا والثالث يلبس عباءة والرابع يلبس معطفا وهكذا ، وكان القليل منهم يضع بعض النجوم النحاسية على كتفه أو على ياقته ولم يكن بينهم واحد يلبس حلة عسكرية كاملة – ولو أنها كانت واسعة جداً عليه – سوى وكيل الأمن العام .
    وصافحنا القائد العام وكان يبدوا من وراء مكتبه وهو يرتدي معطفا عسكريا وجاكتة عسكرية وقميصا عسكريا بدون ربطة عنق .
    وبالغ الرجل في إكرامنا فصمم على أن نجلس في مكانه ولما قبلنا اضطر هو للخروج من وراء مكتبه ليخلي لنا الطريق إلى مقعده .
    وهنا رأيناه كاملا أمامنا .. ولم يكن على الرجل سوى ما ذكرت مع ملابسه الداخلية أي أنه لم يكن يلبس ( بنطلون ) وفهمت بعدئذ أنه يحب أن يعمل وهو في أتم راحة فهو لا يحب أن يلبس البنطلون ويفضل أن يظل بملابسه الداخلية فقط وفوقها المعطف والجاكتة والقميص وكلها عسكرية محضة .
    * * *
    قال قائد الجيش اليمني : ( جئت إلى اليمن منذ ثماني سنوات وكنت ضمن بعثة عسكرية عراقية كان يرأسها الجنرال إسماعيل صفوت باشا قائد الجيش العراقي وقد طلبنا جلالة الإمام الراحل يحيى حميد الدين لنقوم بتدريب الجيش اليمني على أساليب القتال الحديثة .

    معلم للجيش
    ( ومكثت البعثة في اليمن ثلاث سنوات ثم عادت إلى العراق ، أما أنا فقد استبقاني جلالة الإمام لأكون معلما للجيش ، وقد ظللت أقوم بهذه المهمة حتى وقعت الحوادث الأخيرة وقامت الحكومة الجديدة فعينت قائدا عاما للجيش ومديرا للأمن العام ، ولقد ظللت طيلة هذه السنوات الثمان موضع ثقة جلالة الإمام الراحل ، وكنت مقربا إليه وكان رحمه الله يحبني كثيرا ويثق بي ثقة كبيرة .

    كان جالسا في داره
    وفي يوم الثلاثاء المذكور كنت أجلس في داري بعد الظهر حينما بلغتني أخبار بأن أهل صنعاء يقولون أن الإمام خرج من المدينة قبيل الظهر ولم يعد وقد تأخر موعد عودته فوق العادة وقال آخرون أن الناس مضطربون وهم يقولون أن حادثاً وقع للإمام وحينما سمعت هذا لم أصدق شيئا وعلى الأخص لم أصدق أن حادثا وقع للإمام يحيى .

    الإمام الجديد يصدر أوامره
    على أني لم ألبث أن تلقيت أمرا من السيد عبد الله الوزير الإمام الجديد بوجوب تعييني مديراً للأمن العام، وقد جاء في هذا الأمر أن الحالة مضطربة وتستوجب حضوري مع الجيش وإعلان الأحكام العرفية وحظر التجول حتى يستتب الأمن.

    الجيش يحاصر القصر
    وأصدرت أوامري في الحال ثم لحقت بالجيش وعندما حضرت إلى ساحة القصر الملكي رأيت الجيش قد أتم حصاره واتخذ تدابير الحماية .

    عند باب دار السعادة
    ( وسألت فقيل لي أن الإمام قتل وأن أنجال الإمام يريدون الفتنة فتقدمت وطلبت أن أرى أنجال الإمام فقيل لي أنهم عند باب دار السعادة ( وهي مقر أموال الإمام ).

    أرجوا ألا تفعلوا شيئا
    ( فتقدمت إليهم وكانوا ثلاثة الحسين والمحسن ويحيى وكانوا يتهيأون للخروج في سيارة فقلت لهم :
    ( يا سادة إن الجيش تحت أمركم لتهدئة الحالة فأرجوكم ألا تفعلوا شيئا وأنا تحت أمركم، والأفضل أن تجتمعوا مع كبار الناس وعلمائهم، والأمة تحتاج إليكم، ويحسن التشاور في الأمر حتى لا تثار الفتن وحتى يستتب الأمن ).

    من الذي فوضك ؟
    ( ورأيت إمارات الغضب تبدو على الأمراء وخاصة الأمير سيف الإسلام الحسين الذي قال لي : ( وما الذي تفعله أنت هنا ، ومن الذي فوضك في الأمر ) فقلت ( فوضني من يريد لنا جميعا الخير وأنا أكرر نصحي بالإقلاع عما يخامركم من أفكار لئلا تثور الفتنة بين الناس ، وأنا جئت لأحميكم ) .

    اقبضوا عليه !
    ووقعت بيني وبين الأمير الحسين مشادة كلامية أمسك أثناءها الأمير بذراعي وقال للجند ( اقبضوا عليه ) فلما لم يتقدم أحد من جنود الجيش لهذا الفعل وكان إلى جانبي جنديان ، التفت الأمير خلفه ونادى رجال حرس القصر – وكانوا معينين في مراكزهم فوق الأسوار – وقال لهم :
    اضرب بالرصاص
    ( ارم بالعكفة أي اضرب بالرصاص ) وسقط عن يميني ويساري الجنديان اللذان كانا يرافقاني وتبودل إطلاق الرصاص ورد الجيش على الحرس دون أن أصدر إليه أمراً بذلك

    يفر بأقصى سرعته
    ( وفي وسط هذا كله رأيت أن الرصاص مصوب إلي فخشيت على حياتي ففررت بأقصى سرعتي ورحت أعدو حتى وصلت إلى مسافة بعيدة من مكان المعركة
    ( وهناك توقفت وصحت بأعلى صوتي في جنودي ( اقطع الرمي ) فانقطع إطلاق الرصاص من الجانبين وعدت إلى الساحة فوجدت الأمير بن الحسين والمحسن مقتولين ، أما يحيى فكان منبطحا على الأرض ولما رآني نهض واقفا واستسلم لي

    الموقف في يده
    ( ولما انتهت المعركة أصبح الموقف في يدي وكانت مسئوليتي عظيمة خشية أن تحدث فتنة فجمعت الضباط وقلت لهم ( إن وطنكم في أيديكم فماذا تريدون ؟ ) فقالوا : ( الأمن أولا ) فأصدرت أوامري في الحال إلى الجنود ووزعت الضباط وأعلنت الأحكام العرفية وحظرت التجول في المدينة ولم يطل الأمر حتى استتب الأمن واستقرت الأوضاع ).

    التحقيق لم يبدأ
    وهنا سألنا جمال بك عما إذا كان – بصفته مدير للأمن العام – حقق أسباب مقتل الإمام يحيى وكيفية وقوع الحادث وعما إذا كان بدأ يبحث عن الجناة فأجاب قائلا:
    ( كلا لم أفعل شيئا من هذا حتى الآن فلم يصدر إلي أمر بذلك )

    لماذا نفذ أوامر الإمام الجديد ؟
    وسألناه كيف يصدع بالأمر من السيد عبد الله الوزير بعد ظهر يوم الحادث فيحاصر القصر والسيد عبد الله لم يكن في هذا الوقت إماماً لليمن بل هو لم يبايع للإمامة إلا في اليوم التالي وهو يوم الأربعاء 18/ فبراير ، فأجاب قائلاً :
    ( الواقع أنه لم يصدر إلي أمراً بذلك ولكنه رجاني أن أفعل هذا حبا في الخير ورغبة في منع حدوث الفتنة وقد قال لي أن الأمراء يروحون ويجيئون في المدينة ليدبروا الفتنة )

    سيارتان أم كمين ؟
    وسألناه كيف يتسنى لأناس أن يطلقوا على سيارة الإمام أكثر من مائة رصاصة وهو في سيارته فأجاب قائلا : ( هناك إشاعتان حتى الآن : تقول إحداهما أن الذي هاجم سيارة الإمام يحيى أناس كانوا في سيارتين ، وتقول الثانية أنه كمين دبره الجناة على الطريق ) .
    * * *
    هذه هي رواية الضابط العراقي جمال جميل وكان معلم الجيش المتوكلي ثم تولى قيادته بعد اغتيال الإمام وتولى كذلك إدارة الأمن العام في اليمن كلها حينما أعلن نبأ قيام حكومة الانقلاب وأنت ولا شك تلحظ أننا تعمدنا أن نلقي عليه بعض الأسئلة :
    رد عليها رداً لا يقنع أحدا ومن هذه الأسئلة والإجابات نخرج بما يلي:
    أولاً : تزعم الحكومة الجديدة أن الذي هاجم الإمام يحيى أشخاص كانوا في سيارة أو في سيارتين والثابت أن الأفراد في اليمن لا يملكون سيارات بل أن الذي يملكها هو الحكومة والجيش فقط ...
    ثانيا : أصيبت سيارة الإمام بأكثر من مائة رصاصة أطلقت من مدفع رشاش وليس بين أفراد الشعب من يمكن أن يملك مدفعاً رشاشا وإنما المدافع الرشاشة – موجودة في حوزة الجيش فقط .
    ثالثا : كيف يقوم جمال بك جميل معلم الجيش بقيادة الجيش لمحاصرة القصر بناء على أمر صادر من السيد عبد الله الوزير مع أن السيد الوزير لم يبايع إماماً إلا في صباح اليوم التالي لمقتل الإمام يحيى ونجليه الحسين والمحسن .
    رابعا: قول جمال بك جميل أنه فر من ساحة قصر دار السعادة حينما أطلق الحرس الرصاص على الجيش قول غير صحيح لأن قائد الجيش لا يفر وهو الذي سار على رأسه لمحاصرة القصر عامداً.
    خامسا: كيف تزعم الحكومة الثورية حسن النية وهي لم تبدأ في إجراء التحقيق في كيفية مقتل الإمام أو تبدأ في البحث عن الجناة أبداً.
    سادساً: لماذا اعتقل السيد عبد الله الوزير الإمام الجديد أمراء اليمن الأربعة يحيى والقاسم وعلي وإسماعيل في قصر غمدان وحرّم رؤيتهم أو الاجتماع بهم.
    سابعاً : يقول أنصار حكومة الانقلاب أن من محاسن الصدف أنهم كانوا قد أعدوا العدة لجميع الظروف في حالة وفاة الإمام يحيى وعينوا لكل فرد وظيفته في العهد الجديد فلما توفي الإمام بالفعل تولى الجميع وظائفهم فأمكنهم المحافظة على الأمن بسرعة قبل أن تضرب الفوضى أطنابها .
    وهذا قول مردود إذ أنه لا يرجع إلى الصدفة وحدها وإنما يرجع إلى التدبير المنظم.
    ولقد ثبت الآن بعد أن نشرت خفايا الانقلاب اليمني أن جميع المآخذ التي لاحظناها ونحن في صنعاء كانت صحيحة وأن جميع الاستنتاجات التي خرجنا بها من تحرياتنا كانت كذلك صحيحة . والآن ندعو عبد الله الوزير يروي روايته ...

    نقلا عن موقع التجمع اليمني للإصلاح
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-06-16
  9. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    ليلتان في اليمن

    عبد القادر حمزة
    مايو سنة 1948م



    (6-11)
    قدمي .. على فخذ .. شقيق الإمام !


    [​IMG]

    [align=right] زرت عبد الله الوزير في قصر غمدان وقبل أن أتحدث عن عبد الله الوزير أو عن قصر غمدان سأتحدث عن الفضيل الورتلاني وأنا لا أعدو الحقيقة إن قلت أن الفضيل الورتلاني كان زعيم الانقلاب المدني كما كان جمال جميل زعيمه العسكري ولو كان هذا الانقلاب قد دام واستقرت حكومته لكان الصدام واقعا لا محالة بين الفضيل الورتلاني وجمال جميل .
    طلبت أن أرسل برقية من صنعاء إلى ( المصري ) في القاهرة فلم استطع إرسالها ألا بعد أن وقعها الفضيل الورتلاني بإمضائه وحتى توقيع السيد الكبسي وزير الخارجية لم يفد في شيء وطلبت أن أزور دار السعادة وهي الدار التي قلت أن الأميرين الحسين والمحسن قتلا أمام بابها الخارجي فقال لي السيد الكبسي أن طلبي مقبول وقال لي السيد علي بن الوزير وهو وزير الداخلية وزوج ابنة الإمام الراحل يحيى أن طلبي مقبول ولما ذهبت مع مرافقي إلى باب دار السعادة رفض الحارس دخولي برغم موافقة وزيري الداخلية والخارجية وكان علي أن أحصل على إذن كتابي من جمال جميل ولم أدخل القصر إلا بعد أن حصلت على هذا الإذن ، وفي القصر شاهدت جثتي الأميرين الحسين والمحسن وكانتا لا تزالان به، مع أنهما قتلا بعد ظهر يوم 17/ فبراير أي أنهما ظلتا في القصر دون أن تدفنا ثمانية أيام كاملة .
    وبهذه المناسبة أقول أني رأيت كذلك النجارين وهم يصنعون نعشي الأميرين المقتولين وكانوا يصنعوهما من خشب صناديق السكر وقد أخذت صورا عديدة لهذا المنظر.
    وأعود لزيارتي لعبد الله الوزير فأقول أن هذه الزيارة تمت بعد ظهر اليوم الخامس والعشرين من فبراير الماضي وكنا نحن الستة ومعنا السيد الكبسي والسيد علي الوزير والدكتور حسن إسماعيل مندوب الجامعة العربية والأستاذ الفضيل الورتلاني .
    كنت أول الداخلين وكان الإمام جالسا على وسادة حريرية زرقاء زرقة السماء وضعت إلى جوار الحائط وإلى يمنيها ويسارها امتدت الوسائد فدارت بالحجرة وعلى هذه الوسائد جلسنا وكما كنت أول الداخلين كنت أول الجالسين وقد جلست إلى يسار الإمام وتتابع زملائي خلفي فامتدوا إلى يساري.
    ولما كانت جلستي تكاد تكون في مستوى الأرض فقد وقع نظري أول ما وقع حالما اتخذت مكاني على أقدام من دخلوا ورائي ولشد ما كانت دهشتي حينما وجدتهم قد خلعوا أحذيتهم ودخلوا بالجوارب فحسب
    وابتسمت ... كنت الوحيد الذي دخل بحذائه فأما أني أخطأت فظللت بحذائي وأما أن زملائي أخطأوا فخلعوا أحذيتهم .
    وأثناء الحديث همست بصوت خفيض لضابط اللاسلكي أسأله ما الذي حدث فرد علي هامسا وهو على شيء من الارتباك ( لقد شاهدنا الإمام جالسا على الأرض فخلناه مسجدا فخلعنا الأحذية ) وهكذا لم أكن أنا المخطئ .. واطمأننت إلى موقفي وظللت طيلة الوقت اختلس النظر إلى أقدام زملائي وابتسم .. كانوا يعتقدون أنهم في مسجد !!
    أقول كانت جلستي إلى يسار الإمام وكان علي أن أكتب الحديث الذي أدلى به إلي الإمام فأخرجت ورقي وقلمي وبدأت أكتب مرتكنا إلى ركبتي اليمني فلم تمض خمس دقائق حتى شعرت برجلي تخذلني وقد خدرها الوضع الصعب الذي كنت عليه
    وحاولت أن أستقيم في جلستي فنقلت رجلي هنا وهناك دون فائدة وكان الطربوش في الوقت نفسه يزعجني إزعاجا شديدا لأني لم أعتد لبسه ولأنه كان أكبر من رأسي فكان لا يفتأ يهبط إلى أدنى .
    وأخيرا استبد بي التعب أو على الأصح الغيظ فلم أجد خيرا من أن أمد رجلي على شيء كان إلى يميني خلته وأنا في شدتي وسادة مرتفعة .
    والواقع أني شعرت براحة عظيمة حالما فعلت هذا لأن رجلي ارتكنت إلى شيء طرى ونظرت إلى يمني أشكر الوسادة المرتفعة التي أراحت رجلي وأعادت إليها يقظة أعصابها فإذا بي أجد أنني وضعت رجلي على فخذ رجل كان يجلس بيني وبين الإمام ولكنه كان إلى الخلف منا قليلا فلم ألتفت إلى وجوده وكان هذا الرجل شقيق الإمام .
    وأظنني لست بحاجة إلى تصوير مبلغ الذهول الذي استولى علي حينئذ !
    وأعود للفضيل الورتلاني فأقول إني طلبت من عبد الله الوزير أن يدلي إلي بحديث أنشره على صفحات المصري فانطلق يتحدث وانطلقت أنا أكتب .
    وقال الإمام شيئا لا أذكره تماما ولكن يبدو أنه لم يوافق رأي الأستاذ الورتلاني فما كان منه إلا أن تدخل مقاطعا – ولو أن مقاطعته كانت في منتهى الأدب – وعدل من الجملة التي قالها الإمام واستغربت أن يحدث هذا ولكن الإمام وافق فكتبت – وقال الإمام جملة أخرى قاطعها الفضيل مرة أخرى وأجرى فيها تعديلا ، وكتبتها كذلك وحدث مثل هذا أكثر من عشر مرات حتى ضقت أنا بالفضيل وبمقاطعاته التي لا تنتهي ، وانتهى الحديث وقمنا مسلمين ثم اتجهنا نحو الباب نريد الخروج والتفت خلفي بمحض الصدفة ، فوجدت الفضيل يهمس في أذن عبد الله الوزير شيئا صرخ الأخير على أثره قائلاً ( لا تنسوا إبلاغ تحياتي إلى جلالة الأخ الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان .
    إن مصر والسودان كل لا يتجزأ.. وعلمت بعدئذ أن الفضيل الورتلاني عين مستشاراً للسيد الوزير مدى الحياة .
    * * *
    بدأ عبد الله الوزير حديثه لنا بشكره للأمة العربية عامة ولمصر خاصة فقال :
    ( السلام على إخواننا المصريين عموما وعلى جلالة الأخ الملك فاروق خصوصا وعلى رئيس الوزراء وإخوانه الوزراء وعلى أكابر الصحفيين وعلى كافة إخواننا العرب ، ورؤسائهم ومرءوسهم جمع الله كلمتهم وألف بين قلوبهم .
    ( وإننا نشكر سعادة عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام للجامعة العربية على مابذله من الجهود الجبارة والمساعي المشكورة والمحامد الخالدة في سبيل جمع كلمة العرب كما نشكر جميع رجال الجامعة العربية ) .
    وقلنا له أننا جئنا إلى اليمن خصيصا لنوافي ( المصري ) بأحوال اليمن الشقيقة، فقال:
    ( أحيي الصحافة المصرية، وأحيي جريدة ( المصري )، ونشكرها على جهودها في خدمة قضايا العرب وأن للمصري لدينا لمكانة خاصة )
    وسكت قليلا ثم مضى يقول : ( كانت اليمن قديما في مقدمة الشعوب رقيا وثقافة وعلما ونبلا وفضلا ثم عراها ما عرى وتأخرت الأحوال فيها وحل الفقر بالناس وأخذ الجوع يفتك بهم ويرهب قلوبهم حتى بلغت اليمن مالا يشرف ( ولقد عانت اليمن من الفقر الأمرين ،مع أنها في ثروة واسعة ومواهب جزيلة ، فقد مَنّ الله عليها بخصب الأرض وغناها بالنبات والحيوان والمعادن ولكنها جميعا ظلت في حال بدائية لا تستغل لخير الشعب أولإسعاد الناس .
    ( وقد عالجنا في أيام مليكنا الإمام الراحل الإصلاح بكل وسيلة ولكن الإمام الراحل لم يتم ما أردنا ولم ينفذ ما أشرنا به فظلت اليمن على ما هي عليه من تأخر حتى الآن ) .
    وانتقل إلى الحديث عن كيفية توليه الإمامة على اليمن فقال : ( اعلموا ، وليعلم القريب والبعيد والخاصة والعامة أني والله لم أتطلب هذا الأمر وأني أكره الولاية وأنا دون العشرين وما زلت أكرهها حتى توفي والدي رحمه الله فكلفني بعد ذلك جلالة الإمام الراحل بأن أقوم بخدمته ولم أقبل هذا إلا بعد شدة عظيمة ولما كلفت بالأمر قمت به خير قيام فلم آل جهداً في ملاحظة الخير للصغير والكبير والإصلاح ما استطعت ولا يجهل هذا أي يمني فلم أكن مستبدا ولا متعاظما وإنما أخو الصغير والكبير والأرملة واليتيم والقوي والضعيف والرفيع وال**** .
    ( وما زلت مع جلالة الإمام الراحل افتح له البلاد وأصلح له أمرها في الجبال جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً ، ولا ينكر هذا أي يمني إلى آخر يوم في حياته ).
    ( ولما انتقل الإمام الراحل إلى مقره الأخير ترددنا في الأمر بين الترك والقبول وكان قد لزمنا منذ عشر سنوات تكليف كلفنا به إخواننا من السادات والعلماء وأهل الحل والعقد أن أتحمل القيام بأمر الأمة متى توفي جلالة الإمام .
    ( ولم نجد بداً من تلبيتهم وكان منهم سيف الإسلام الحسين رحمه الله وغيره ، وما زالت سلسلة التكليف من ذلك الحين حتى وفاة الإمام تترادف علينا من جميع أولئك وغيرهم .
    ( وبعد وفاة الإمام رضي الله عنه بادر إلينا العلماء والأعلام والسادات والأعيان والأمراء والرؤساء فألزمونا الحجة ولم تبق لنا عند الله معذرة في الرد عملاً بالميثاق الشوري الدستوري الذي كان قد وضع باتفاق جميع أهل الحل والعقد من طبقات الشعب فقبلنا وسنعض على ذلك الميثاق بالنواجذ ونقوم بأمره حق القيام قولا وفعلا ) .
    ( ولو وجدت من يقوم بهذا الأمر حق القيام فيرعى الشعب وحقوقه ويحترم الصغيرو الكبير ويمنع الظلم والعدوان ويرحم هذه الأمة البائسة ويرفع من شأنها لكنت أول من يمد يدي إليه وقد عرضت هذا على كل من حضرني من العلماء فلم يقبلوا ).
    هذه الأمة البائسة ويرفع من شأنها لكنت أول من يمد يدي إليه وقد عرضت هذا على كل من حضرني من العلماء فلم يقبلوا ).
    وطلبنا منه أن يدلي لنا بما يراه في مسألة ( الأمير) سيف الإسلام أحمد المعتصم بحجة فقال:
    ( أما السيف أحمد وفقه الله فأنا سأل الله له التوفيق والهداية والرعاية وله منا إن دخل في هذه الأمة ما يجب من مثلنا لمثله فلست بمستبد ولا بمتعاظم ).
    وقلنا ( وإن لم يدخل ) فقال بسرعة:
    ( إن لم يدخل عملنا فيه بحكم الله، ولئن اختار العناد فالواجب علينا يقضي بأن نبعث الجيش تلو الجيش والكتيبة بعد الكتيبة والرعيل مع الرعيل خيلا ورجلاً حتى يحق الله الحق، ويبطل الباطل ولو كره المجرمون )
    وقلنا أن اليمن مليئة بخيرات الله من زراعية ومعدنية ولكنها لم تستغل حتى الآن فما الذي يزمع أن يفعله لإفادة شعبه من نتائج هذه الخيرات فقال :
    ( لا بد لنا من الاستعانة بمجهود الدول العربية في استثمار تلك النعم التي وهبها الله تعالى لنا على أحسن الوجوه وأرضاها مما ينفعنا وينفع العرب أجمعين ) .
    ويستلفت النظر في هذا الحديث قول عبد الله الوزير :
    أولا: شكر سعادة عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام للجامعة العربية على ما بذله من الجهود الجبارة معه إلى آخر ما قال في هذا.
    ثانياً : كان قد لزمنا منذ عشر سنوات تكليف كلفنا به إخواننا من السادات والعلماء وأهل الحل والعقدان تحمل القيام بأمر الأمة حتى توفي جلالة الإمام .. ولو وجدت من يقوم بهذا الأمر حق القيام فيرعى الشعب وحقوقه .. لكنت أول من يمد يدي إليه.
    ثالثا : إشارته إلى ( الأمير) أحمد بقوله ( السيف) أحمد دون لقب الإمارة وصفة ولاية العهد .
    فأما الأول وهو شكره لعزام باشا والجامعة العربية فأمر له دلالته الكبرى ولو ذكرنا مسألة نشيد الجامعة العربية لوضح بعض ما لهذا الشكر من دلالة ،على أني سأتناول هذا الأمر بالتفصيل في فصل قادم .
    والقول الثاني : وهو أنه كلف منذ عشر سنوات بتولي الإمامة بعد وفاة الإمام يحيى فهو مطابق لقول السيد حسين الكبسي ولكنه مع ذلك قول لم يقم عليه دليل حتى الآن .
    وأخيراً هناك إشارته إلى الأمير أحمد بكلمة ( السيف ) أحمد مجرد عن لفظ الإمارة وعن صفة ولاية العهد وقوله كذلك أنه لو وجد واحداً يقوم بأمر الأمة خيراً منه حتى ولا( الأمير) أحمد وهذه الإشارة وهذا القول ينقضهما شيء واحد بسيط نوجزه في سطور قليلة ذلك أن الإمام يحيى في نظر العالم أجمع توفي مرتين بينهما عشرة أيام تقريباً .
    فقد أعلنت الوفاة الأولى حوالي اليوم السابع من فبراير سنة 1948 م على أنها وفاة طبيعية وأعلنت الوفاة الثانية يوم 17 من الشهر نفسه على أنها وفاة غير طبيعية.
    والتفسير بسيط ....
    ذلك أن الإمام يحيى كان معتاداً أن يعرض الجيش بعد ظهر الجمعة من كل أسبوع في ساحة قصر السعادة بصنعاء فمضى هذا الموعد يوم 7 فبراير سنة 1948 م دون أن يعرض الجيش فسرت الإشاعة بأنه توفى وكان مريضا بهبوط القلب.
    وكان من المتفق عليه أن يعلن على العالم الخارجي أمر قيام الحكومة الجديدة حالما تصعد روح الإمام إلى بارئها فلما سرت الإشاعة بوفاته سارع أهل عدن وهم أنصار حكومة الانقلاب بإبلاغ العالم الخارجي نبأ الوفاة قيام حكومة جديدة على رأسها عبد الله الوزير ومعه فلان وفلان وفلان وقد احتوى القائمة أسماء جميع أنصار عبد الله الوزير .
    ولكن الإشاعة كان كاذبة فإن الإمام لم يمت يوم 7 فبراير وانكشف له أمر المتآمرين على الحكم ومن هنا اضطروا إلى العمل سريعا قبل أن يسقط على رأسهم سيف العقاب الصارم فقتل الإمام يوم 17 فبراير أي بعد عشرة أيام من إعلان نبأ الوفاة الأولى .
    والمهم في هذا كله أنه لما سرت الإشاعة الأولى وكذبها الواقع سارع عبد الله الوزير إلى إرسال برقية إلى الأمير أحمد في ولاية تعز بجنوب غربي اليمن يتحدث فيها عن هذا الحادث وفيما يلي نص هذا الكتاب نقلا عن جريدة ( الإيمان ) :
    مولانا ولي العهد أيدكم الله
    (( تعز ))
    قد سمعتم خرافات المخذولين المارقين المخادين الماكرين خيب الله آمالهم وأخزاهم وأعماهم وقد كذبوا وشهد على كذبهم الله والناس أجمعين بما أخبروا به من وفاة مولانا أمير المؤمنين ، أيده الله وهم بمن الله متمتعون بكامل الصحة والعافية قائمون بأمور الأمة في كل حين ثم كذبوا باجتماع ممثلي الشعب الذي هو عن آخره تحت إرادتكم وسيكذبهم كل عاقل فأين هم وأين الشعب ؟ وكم المدة بينه وبين الكاذبين ؟ وأين المواصلة التي يمكن أن تجمعهم ؟ ! ( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ) ولعل الذي جرأهم على ذلك هو خيبة آمالهم وانقطاع كل ما كانوا يؤملونه وأنه سول لهم الشيطان وأنفسهم الخبيثة أنه سيكون لذلك أي أثر أو وحشة يريدونها فكانت تسويلاتهم وبالا عليهم وخزيا إلى خزيهم
    ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ).

    والحمد الله رب العالمين والسلام عليكم .
    7 ربيع الأول سنة 67 المملوك :
    عبد الله الوزير

    فهذا خطاب صادر من عبد الله الوزير نفسه وفيه يعترف لأحمد بولاية العهد وهو الذي يقول أنه لا توجد في اليمن ولاية للعهد وأن الإمامة بالمبايعة فقط.
    يزيد على هذا الثابت من حقيقة الواقع وهو أن الإمام يحيى بايع ابنه أحمد لولاية العهد قبل وفاته بمدة طويلة وأن أهل اليمن جميعا ومنهم ( أهل الحل والعقد ) وعلى رأسهم عبد الله الوزير، بايعوا أحمد لولاية العهد على أن يخلف أباه في الإمامة من بعده أي أن نظام تولي الملك في اليمن قد تغير منذ حدث هذا ووافق عليه أهل الحل والعقد وعلى رأسهم عبد الله الوزير فلا معنى حينئذ للقول بأنه لا توجد في اليمن ولاية للعهد أو أن أحمد ادعى أنه ولي العهد دون أن يرضى عن ذلك أبوه أو أهل اليمن أو على الأقل عبد الله الوزير وأنصاره فحسب .
    * * *
    وحينما انتهى الحديث طلبت من السيد الوزير أن أصوره بآلتي، فابتسم وقبل وقلت أن الضوء بداخل الحجرة لا يكفي ويحسن بنا أن نخرج جميعا إلى بقعة ينصب عليها ضوء الشمس فنهض السيد الوزير من مجلسه ليستعد للتصوير خارج الحجرة .
    ويحسن بي أن أصف هذه الحجرة بعض الوصف فهي حجرة مستطيلة الشكل عرضها ثلاثة أمتار وطولها خمسة وهي الحجرة التي يستقبل فيها الإمام زواره وحوائطها ناصعة البياض فهي مطلية بالجير الأبيض وفي ركن منها علقت بندقية من بنادق الجنود وخلف الإمام تدلى سيف طويل ذو جراب من فضة منقوشة بالذهب ولم أر فيها ما يشعر بأنها تنار ليلا بالكهرباء وليس بها مقاعد مطلقا فإن الوسائد هي أمكنة الجلوس وعلى طول حائطها الجنوبي امتدت نافذة كبيرة بطول قامة الإنسان وهي نافذة من زجاج فقط تفتح على سطح ضئيل المساحة به تضاريس عالية كتضاريس حجرة نومي .
    وعند حافته زرع عدد من الشجيرات القصيرة وفهمت أن هذا السطح الضئيل المساحة هو الـ ( روف جاردن ) الوحيد في اليمن ووقف الوزير يستعد للتصوير ...
    وهو رجل طويل القامة وهذا نادر في اليمنيين وهو قوي الجسم عريض المنكبين وكذلك وجهه عريض قوي ...
    وهو أسمر اللون ويبدو أنه أصيب بالجدري وهو صغير، فإن على جلد وجهه أثار فجوات ليست عميقة.
    وكان يلبس عباءة حريرية زرقاء في لون الوسادة التي جلس عليها وعلى رأسه عمامة لف عليها شالا حريريا أبيض الصنع يتدلى طرفه من الخلف فيصل إلى ما بين الكتفين ..
    ووقف حوله شقيقه وآخر وراحا يعاونانه على ارتداء حزامه وخنجره ، واليمني يكاد لا يفارق هذا الخنجر والحزام أبدا ...
    وفتحت أنا النافذة وخرجت إلى ( الروف جاردن ) وجلت بنظري حتى أختار خير مكان للتصوير واخترته بالفعل وكان إلى جانب أحدى الشجيرات أي على حافة السطح وقد كدت أفقد توازني في إحدى اللحظات وأقع في فناء القصر ..
    وخرج الجميع خلفي ليقفوا إلى جوار الإمام ثم خرج هو ووقف في وسطهم وهبط نظري إلى قدميه فوجدت أنه نسي حذاءه في الحجرة وخرج إلى ( الروف جاردن ) بدونه ‍ ‍‍‍‍...
    وأخذت صوري كما شئت ، وسلمت مودعا وخرجت في طريق العودة إلى قصر الضيافة فمررت – بالطبع بحجرة هيئة سكرتيرية الإمام وقد نسيت أن أصفها وأنا داخل ...
    هي حجرة صغيرة جدا بسيطة جدا لأنها خالية تماما من كل شيء سوى ( ‍‌‍‌جوالين ) كبيري الحجم وضعا في ركن فيها ودفقت النظر إلى (الجوالين) وإلى فوهتيهما – فقد كانا مفتوحين – فوجدتهما مليئين بالقات .
    أما أرض الحجرة فقد كانت في منتهى ( القذارة ) وقد تبعثرت في جميع أنحائها أعواد القات..
    ونسيت أن أقول أن الإمام نفسه كان يمضغ القات وهو يحدثني ولذلك لم أستطع أن أفهم كل كلمة قالها لي لأول وهلة وكنت مضطراً في كثير من الأحيان إلى استعادة بعض الكلمات والجمل وفي أحيان أخرى كنت ألجأ إلى زميلي الأستاذ عسيران الذي كان يسارع إلى الهمس في أذني بصحة نطق الكلمة التي لم أفهمها فأكتبها ..
    ونسيت أن أقول كذلك أن بعضهم أراني بعض عيدان القات ونحن في طريقنا لزيارة عبد الله الوزير وحدثني عنه وعن تأثيره القاتل ..
    وكان الأستاذ الورتلاني حاضر الحديث فقال لي بعضهم أن الورتلاني حارب القات في اليمن بكل ما وسعه الجهد لأن القات يهدم قوة الرجال ونشاطهم ..
    ولما رأيت عبد الله الوزير – وقد عين الورتلاني مستشارا له مدى الحياة – ورأيت أنه يمضغ القات أيقنت أن الورتلاني بذل – فعلا – كل ما يمكنه من جهد للقضاء على القات ‍‍...


    نقلا عن موقع التجمع اليمني للإصلاح
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-06-16
  11. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    ليلتان في اليمن

    عبد القادر حمزة
    مايو سنة 1948م



    (7-11)
    كيف انتصر أحمد؟

    [​IMG]


    [align=right] كيف انتصر أحمد ؟
    وكيف فشل عبد الله الوزير ..
    وما هي قصة اتصال حكومة عبد الله الوزير بعدن ..
    وكيف كانت مصر ستستغل في النزاع بين أحمد وعبد الله الوزير ؟
    كلها أسئلة لا بد أن تتوارد إلى ذهن القارئ كما تورادت إلى ذهني ولقد حاولت بكل ما استطعت خلال الليلتين اللتين قضيتهما في صنعاء أن أقف على ما استطيع من معلومات تفيد في الإجابة على هذه الأسئلة ؟
    وسأورد في هذا الفصل إجابتي على السؤال الأول تاركا أجوبة الأسئلة الباقية لفصول قادمة.
    وقبل أن نقول ( كيف انتصر أحمد ) يجدر بنا أن نقول ( كيف أفلت أحمد من قبضة الثورة التي تربعت على كرسي الحكم فيما لا يزيد على سماعات معدودات .
    فيما يلي التفصيل:
    كان الإمام يحيى قد ولى نجله وولي عهده سيف الإسلام الأمير أحمد على ولاية تعز التي تقع في الجنوب الغربي من صنعاء وقبل وفاة الإمام بحوالي خمسة عشر يوماً ازداد المرض عليه وكان مصابا بالفالج وبهبوط القلب فاعتكف في قصره ولم يعرض الجيش في ساحة القصر كما كانت عادته في أيام الجمعة وسرت إشاعة في صنعاء بأنه توفي وفاة طبيعية ، ووصلت الإشاعة إلى عدن فسارع من فيها من أنصار حزب الحرية المناصر للسيد عبد الله الوزير إمام الانقلاب وسيف الأمير إبراهيم بإرسال البرقيات إلى الخارج بوفاة الإمام ومبايعة السيد عبد الله الوزير للإمامة وقيام الحكومة الجديدة ...
    وترامت هذه الأنباء إلى الإمام نفسه وإلى أنجاله وكانوا جميعا يعلمون مبلغ العداوة بين السيد عبد الله الوزير والأمير أحمد ولي العهد ، فأشاروا على أبيهم بأن يدعو أحمد من تعز إلى صنعاء وأن يتنازل له عن الملك في حياته ، كما أشاروا باعتقال زعماء الحركة ولكن الإمام رحمه الله عارض في هذا واستمرت المشاورات بينه وبين أنجاله قرابة عشرة أيام حتى بدء عليه الاقتناع فأرسل برقية إلى أحمد يطلب منه الحضور إلى صنعاء ليكمل مشاوراته معه ...
    وبدأت الاستعدادات تتخذ لعودة أحمد إلى صنعاء لمقابلة الإمام الراحل وقبيل موعد العودة بالفعل وقعت حادثة مقتل الإمام ومقتل نجليه الحسين والمحسن ورئيس وزرائه عبد الله العمري وحفيده لابنه المحسن ومرافقه وسائق سيارته ...
    وفي الحال أخطر أهل بيت أحمد في صنعاء بيته في تعز – وبين البيتين سلك برقي مباشر – بنبأ الحادث فعدل أحمد عن الحضور إلى صنعاء وجمع جموعه وجنود جيشه وأتباعه ومناصريه وسار بهم شمالا على الطريق الساحلي مارا بالحديدة ثم عرج على الداخل حتى منطقة الحجة وعسكر بها وبدأ يحصن نفسه بداخلها ...
    وقال أنصار حكومة الانقلاب في صنعاء أن هذه المنطقة تكون دائرة نصف قطرها أربعون كيلو متر وهي المنطقة التي كانت على الدوام تناصر أحمد وكان هو يحبها كثيرا ويفضلها على سواها من مناطق اليمن ويقيم بها أغلب أيام السنة برغم كونه حاكما على ولاية تعز ...
    وقد اعترفوا في صنعاء بأن الحجة منطقة جبلية حصينة جداً تقع مدينة ( الحجة) نفسها في قلبها وهي مدينة مؤلفة من ثلاثة أقسام قسمين كبيرين إلى الشرق وإلى الغرب وقسم ثالث صغير يقع في القلب ، وتحمي الجميع قلعتان واحدة إلى الجنوب والأخرى إلى الشمال ..
    والمدينة كلها تقع على قمة جبل عمودي تقريبا يبلغ ارتفاعه تسعة آلاف قدم ، فموقعها الدفاعي إذن خيرة المواقع تحصينا ....
    وقيل لنا في صنعاء أن هذه المنطقة الدائرية هي الوحيدة التي تدين لأحمد بالولاء ، بينما أبناء حجة وتهامة التي تقع إلى الغرب من حجة وعلى الحدود الحجازية التي يدعي أنصار الحكومة الجديدة إنها موالية لهم – هذه الأنباء أكدت أن ( الأمير ) أحمد عرض بيعته على الناس في حجة وتهامة حال وصوله إليهما بعد مقتل الإمام بخمسة أيام ، فبايعه أهل حجة جميعا كما بايعه معظم أهل تهامة وقد أيد أهل الحجاز هذه الأنباء بما تلقوه هم أيضاً عبر الحدود اليمنية الحجازية من أنباء ..
    وكانت محطة صنعاء اللاسلكية قد التقطت رسالة لاسلكية بعث بها الأمير أحمد إلى الجامعة العربية يطلب منها التحقيق في حوادث اليمن كلها ، ثم تلقى الأمير بعدئذ إنذار من الإمام ، فما كان منه إلا أن قطع السلك البرقي الممتد بين صنعاء وحجة فلم يعد هناك أي اتصال بينهما ..
    أما إنذار السيد عبد الله الوزير لأحمد فقد جاء فيه ما يلي بالنص:
    ( لهذا نرى من واجبنا أن نعد العدة لملاقاته فإن انقاد للحق الذي نحاوله كما أوجب الله سبحانه وتعالى وترك العناد الذي يغريه به الشيطان ودخل فيما دخل فيه المسلمون فذلك فضل من الله عليه ورحمة له يستوجب به منا كل ما يليق بمثله من تعزيز وتكريم ..
    ( وإن اختار العناد فالواجب علينا يقضي بأن نقاومه أشد المقاومة )
    وجاء المسافرون من حجة إلى صنعاء ونحن فيها ، يقولون أن ( الأمير ) أحمد يجمع أنصاره ويعد عدته وأنه يثير همم الناس مستنفرا فيهم روح الانتقام لمقتل أبيه الشيخ الطاعن في السن ويقولون أيضا أنه ليس بمستبعد إطلاقا أن يعمد إلى مهاجمة صنعاء نفسها قبل أن يستتب الأمر فيها للحكومة.
    ويصف أخصاء أحمد زعيمهم بأنه رجل في الخامسة والخمسين من العمر وأنه كريم جدا بعكس أبيه ، وأنه حميد الأخلاق عادل ولكنه عاطفي جدا لا يقف في طريقه شيء فهو لابد أن يحصل على ما أراده ولو كلفه هذا كل المال من الثمن ...
    في مساء اليوم السادس والعشرين من فبراير سنة 1948م بعثت من جزيرة قمران ببرقية إلى جريدة ( المصري ) في القاهرة قلت فيها ما يلي بالنص : ( أرسل الإمام الجديد السيد عبد الله الوزير إنذارا إلى الأمير أحمد أكبر أنجال الإمام المقتول والمعتصم الآن في ( حجة ) بأنه إذا لم يستسلم لقوات العهد الجديد ويعلن ولاءه له فإن هذه القوات ستعلن عليه حربا لاهوادة فيها حتى الموت ولم يصل رد الأمير على هذا الإنذار بعد ، ولكن هناك من الدلائل ما يشير إلى أنه يحشد قواته ومؤيديه في ( حجة )حيث يعتصم الآن وأنه قد يهاجم مدينة صنعاء ..
    (وتعتبر مدينة ( حجة ) مكانا صالحا للدفاع إذ تقع على قمة جبل ارتفاعه تسعة ألف قدم ..
    ( ويترقب الشعب اليمني وصول بعثة الجامعة العربية للتوسط بين الإمام الجديد والأمير أحمد ) ( وقد تعددت اجتماعات البعثة التمهيدية بزعماء العهد الجديد ولكنها لم تغادر صنعاء للتحقق في اتجاهات الشعب اليمني خارج العاصمة).
    وقد ثبت أن هذه البرقية كانت صحيحة إلى آخر حرف منها فإن الذي حدث هو أن الأمير تحصن في الحجة ولم يستطع أحد أن يهاجمه في معقله ثم تحرك جنوبا بشرق وحاصر صنعاء نفسها ثم هاجمها من جميع النواحي ولو أن هجومه الرئيسي كان في الناحية الغربية ثم تم له أخيرا الاستيلاء عليها والقبض على زعماء الثورة ومنهم أخوه الأمير سيف الحق إبراهيم الذي لقب نفسه ( سيف الحق ) ليقطع الصلة بينه وبين أخوته وكلهم
    (سيوف الإسلام ) ففي اليوم الثامن والعشرين من فبراير أبرق ( الأمير ) أحمد إلى السيد علي المؤيد مندوب اليمن لدى الجامعة العربية قائلا ( أخبر من يلزم ومن يهمهم الأمر في مصر بأنه يجب ألا تقوم أية طائرة إلى صنعاء لأن القبائل كلها والجيش ثائرون معنا والحرب قائمة الآن في ( جباري ) و ( عصر ) و (الصوفية) و ( بيت معياد ) و ( ظهير الحمار ) وكل هذه مناطق لاتبعد عن صنعاء بأكثر من كيلو مترين اثنين .
    ومنذ هذه اللحظة بدأ أحمد يهاجم صنعاء نفسها بينما حكومة الانقلاب كانت لا تزال تبذل كل ما لديها من جهد للحصول على المعونة العسكرية – في شكل أسلحة وطائرات – من الخارج لتحارب بها القبائل المنضمة إلى خصمها القوي...
    وفي اليوم التاسع والعشرين من الشهر نفسه أبرق أحمد إلى المؤيد يقول ( صنعاء الآن شبه محصورة من جميع الجهات وأكثر الجيش النظامي قد وصل إلينا بمعداته من جميع المراكز الخارجية وفرارها بالسلاح من صنعاء جار إلينا )..
    وهذه البرقية الأخيرة أيدها فيما بعد ما جاء في اعترافات الضابط العراقي جمال جميل بعد القبض عليه من قوله أن الجيش فر وانضم إلى أحمد بالأسلحة التي وزعتها عليه حكومة الوزير ويبدو أن مسألة موت الإمام يحيى قتلا كانت هي نقطة الضعف التي أثارت الدنيا كلها على عبد الله الوزير وعلى حكومته وحتى القبائل اليمنية التي كانت قد بايعته للإمامة عادت بعد أن عرفت النبأ اليقين فنقضت بيعتها له وحملت ما تسلمته منه من سلاح وانضمت بأكملها إلى أحمد ومن بينها قبائل تقيم بالقرب من صنعاء وحولها ولهذا فإن أمر مهاجمة صنعاء كان سهلا لأن هذه القبائل نفسها هي التي هاجمتها دون أن تكون هناك حاجة لتحرك جيوش أو قبائل أخرى من حجة أو من تهامة أو من تعز إلى صنعاء ولا شك أنه لو لم يحدث هذا لكان النضال بين الفريقين قد طال ...
    وبينما كان هذا يجري كان راديو صنعاء يواصل إذاعته أن الأمن استتب في المدينة وحولها وأن أربعة جيوش تابعة لابن الوزير تحاصر أحمد في الحجة وتمنعه من الحركة . ويبدوا أن هذه الإذاعات كلها كانت خاطئة ...
    ويبدو كذلك أن أحمد كان واثقا من نفسه ومن قوته كل الثقة فقد أبرق في اليوم الخامس من شهر مارس سنة 1948م إلى جلالة الملك عبد العزيز آل سعود في الرياض يرجوه أن يظل وفد الجامعة العربية الذي كان قد سافر إلى البلاد العربية السعودية في طريقه إلى اليمن لتحقيق النزاع – أن يظل هذا الوفد في جدة وألا يحضر إلى اليمن إلا بعد أن تحتل قواته صنعاء .
    وكذلك جاء في تقارير الوفد التمهيدي للجامعة العربية إلى اليمن أن المناوشات بدأت بالفعل خارج صنعاء..
    وقد أيد هذا أيضا أقوال الطيارين المصريين الذين طاروا بوفد جماعة الإخوان المسلمين إلى اليمن ومكثوا في صنعاء ليلتين ثم عادوا منها يقولون أنهم باتوا الليل بأكمله يسمعون أصوات الرصاص المتبادل..
    وفي اليوم الثاني عشر من مارس تحرجت الحالة في صنعاء بعد أن اشتد ضغط قوات ( الأمير ) أحمد لها وخيف في القاهرة على المدرسين المصريين الذين يعملون في اليمن فأرسلت طائرتان حربيتان إلى صنعاء لنقل هؤلاء المدرسين وأسرهم إلى القاهرة .
    وفي اليوم الثالث عشر أبرقت الطائرتان تقولان :
    أنهما حلقتا فوق صنعاء وحاول قائدا الطائرتين بشتى الوسائل أن يتصلا بالحكومة القائمة أو بفريق الإمام أحمد فتعذر ذلك , وقد شاهدا القبائل المغيرة تحيط بأسوار المدينة وكانت بعض الأبواب مغلقة وأدركا من الحالة القائمة أن قتالا ينشب بين الطرفين ، ولذلك لم يستطيعا الهبوط في صنعاء وعادا إلى جدة وأبرقا بذلك إلى رئيس وزراء مصر في انتظار تعليماته وفي اليوم نفسه تلقت الجهات الرسمية اليمنية في القاهرة برقية من الأمير سيف الإسلام عبدالله من باريس يقول فيها أن أخاه الإمام سيف الإسلام أحمد بعث إليه ببرقية جاء فيها ما يلي :-
    الحالة تحسنت إلى حد لا يتصور ولله الحمد ، وقد صار القبض على السيد أحمد بن محمد نعمان وزير الزراعة في حكومة عبد الله الوزير ومن معه في جهران عند عودتهم من تعز إلى صنعاء ، وهم في طريقهم إلينا وقد دخلت بعض الجنود صنعاء من جهة بئر العزب .
    وتقع بئر العزب التي ورد ذكرها في برقية الإمام أحمد في النصف الغربي من مدينة صنعاء.
    أما السيد أحمد بن محمد نعمان الذي قبض عليه فهو مؤسس جمعية اليمنيين الأحرار في عدن ، وقد عين وزيرا في الحكومة اليمنية الجديدة ، وسافر من عدن إلى صنعاء ومنها إلى تعز وبينما هو في طريق العودة من تعز إلى صنعاء ألقى أتباع الإمام أحمد القبض عليه في جهة جهران التي تبعد عن صنعاء مسافة قدرها 50 كيلو مترا من الجنوب .
    وفي اليوم نفسه اعترف عبد الله الوزير بسوء الحالة ولو أنه ظل يردد أن الذي يهاجم صنعاء هم القبائل المتوحشة في طلب أموال الإمام الراحل وقد أبرق ابن الوزير في هذا اليوم إلى عبد الرحمن عزام باشا يقول:
    ( لقد حكمنا الجامعة العربية فصارت مسئولة عن الحالة في اليمن ونحن الآن لانطلب من الجامعة ولا من الحكومات العربية مساعدتنا وتأييدنا بعد التحكيم ولكنا نطلب إنقاذ عشرات الآلاف من سكان صنعاء من هجمات القبائل المتوحشة بإرسال طائرات تفرق شملهم حتى يستطيع القائمون بالأمر في صنعاء المحافظة على النفوس والأموال والذخائر إلى أن يصل وفد الجامعة ويقرر مصير اليمن ، ولا يستطيع أحد من المسئولين وقف هذه العصابات الثائرة لأن مبدأها النهب والسلب والدليل على هذا أنهم نهبوا قصر الإمام الراحل في الروضة خارج صنعاء فلم يبق إلا أن توقفوا أنتم بأنفسكم هجمات القبائل حتى يجري التحكيم في جو هادئ ....
    وكذلك تلقت الدوائر اليمنية في القاهرة أن السيد عبد الله بن الوزير قد اعتصم في قصر غمدان في صنعاء وهو قلعة المدينة كما ذكرت...
    وفي اليوم الرابع عشر من شهر مارس سنة 1948م سقطت صنعاء في يد قوات الإمام أحمد ووردت البرقيات من جميع الأنحاء تقول أن الإمام احتلها بقواته ...
    وتأكد هذا بعد ما أذاع راديو صنعاء نفسه أن المدينة سقطت وأنه نودي بالأمير سيف الإسلام أحمد ملكاً لليمن ولقب بالناصر لدين الله..
    كما تأكد بعدئذ أن السيد عبد الله الوزير والسيد حسين الكبسي والضابط العراقي جمال جميل وجميع أعضاء الحكومة الثورية سقطوا في قبضة قوات الإمام أحمد وفي اليوم الثاني من شهر أبريل سنة 1948م أعدم عبد الله الوزير وحسين الكبسي في حجة ضربا بالسيف وانتهت الثورة ...

    نقلا عن موقع التجمع اليمني للإصلاح
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-06-16
  13. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    ليلتان في اليمن

    عبد القادر حمزة
    مايو سنة 1948م



    (8-11)
    لماذا فشل عبد الله الوزير؟


    [align=right]وقصة انتصار أحمد
    هي بالتالي قصة فشل عبد الله الوزير ..
    ولكن هناك جانبا آخر في قصة الفشل يجدر بي أن أوضحه مما لاشك فيه أن اليمن كانت تعاني خلال حكم الإمام الراحل يحيى حميد الدين ضيقا شديدا لم تعانه دولة.
    ومما لا شك فيه أنه كان في اليمن فريق كبير جدا ممن كانوا يرغبون في تغيير نظام الحكم.
    ومما لا شك فيه أن عبد الله الوزير كان ذا أنصار عديدين أو على الأصح كثيرين في أنحاء كثيرة من اليمن.
    ومما لا شك فيه أن حركته كانت حركة شعبية هدفها تحرير الشعب من الحكم الفردي الذي كان يجري عليه الإمام يحيى ولكنها مع ذلك فشلت وانهارت ولم تمكث في الحكم سوى أيام معدودات لم تبلغ الشهر الكامل فلماذا ؟
    جرى لي وأنا في صنعاء حديث قصير مع واحد من أهل اليمن ولكنه أقام خارجها طويلا ولم يعد إليها إلا كما زرناها نحن ، ثم عاد يسافر إلى الخارج مرة ثانية .
    جرى لي حديث قصير معه وكان الرجل صريحاً غاية الصراحة ولم يحاول أن يخفض من صوته لئلا يسمعه أحد ولو أننا كنا في قلب قصر الضيافة.
    كانت الاستعدادات تجري في اليمن على قدم وساق لاستقبال وفد الجامعة القادم برياسة عزام باشا.
    وفتحت حجرات المخازن في قصر الضيافة وأخرجت منها خيراتها كلها من أقمشة وأخشاب وقطن وأسرة وملاءات وأغطية ومؤن.
    وأحضر الصناع اليهود من رجال ونساء إلى القصر وأمروا بأن يصنعوا الأثاث الذي ستزود به حجرات الطابق الثاني حيث سينزل وفد الجامعة.
    ووقفت في الشرفة الدائرية بالطابق الثاني أشهد مالا يقل عن خمسة من وزراء الحكم ( الجديد ) وقد اتخذ كل منهم لنفسه مقعدا في أحد أركان الطابق الأول وجلس يرقب قسما من الصناع اليهود وهم يصنعون ما أمروا بصنعه ويصدرون إليهم الأوامر بين الحين والحين.
    شهدتهم يجلسون هكذا طوال النهار أي من الفجر إلى الغروب.
    ودهشت وقلت ( أما من عمل يؤديه هؤلاء الوزراء غير مراقبة صانعي الأثاث ؟ أو ليس لهؤلاء الوزراء وزارات لهم فيها مكاتب يؤدون فيها أعمال الدولة ؟ ) .
    وحدق في صاحبي اليمني المغترب قليلا ثم انطلق يقول : وأين هي هذه الوزارات التي لهم مكاتب يؤدون فيها أعمال الدولة ؟ ) .
    ألا تدري أن هذه الوزارات لا وجود لها ؟ )
    وتساءلت ( ولم أذن يعين هؤلاء وزراء ؟ ) فابتسم وقال ( هل تعتقد أن الوزراء هنا كوزرائكم مثلا يتصرفون وينهون ويأمرون ، إن الوزارة هنا لقب تكريمي ليس إلا فأما العمل فمحصور في يد اثنين أو ثلاثة ).
    وسكت قليلا ثم عاد يقول ( إن هذه الحكومة لاهية هذه الحكومة فوضى لا تصرف شيئا، ولا تعمل شيئا وهي تفقد أنصارها تدريجيا ).
    هذه الحكومة مشتغلة بأمور جد تافهة ، هذه الحكومة صعدت إلى مقاعد الحكم فيما لا يزيد على بضع ساعات وبأقل ما يمكن من العنف والقوة أسكرتها خمر هذا النصر السهل ونسيت أنها لم تقطع سوى الخطوة الأولى فراحت تعد الاستقبالات الفخمة والاحتفالات الفاخرة تاركة عدوها يستعد في الخارج ليهاجمها يوما فيقوض أركانها ) .
    وتركني وانسحب وفهمت أنا كل ما عناه.
    مكثنا في صنعاء أربعا وأربعين ساعة رأينا خلالها اجتماعات لا حصر لها يعقدها زعماء الحكومة.
    وفيم كانت هذه الاجتماعات وماذا كانت نتيجتها ؟
    أعلن قائد الطائرة الحربية المصرية أن طائرته في حاجة لإصلاح بعض عطب ألم بأحد أجهزتها وأنه مضطر إلى السفر إلى عدن لإصلاح هذا الجهاز.
    وقصة سفر الطائرة المصرية إلى عدن قصة طويلة ليس الآن مجال شرحها فسأشرحها في فصل ثان وإنما المهم هنا أن الأستاذ الورتلاني سلم قائد الطائرة خطابا مفتوحا إلى وزير المواصلات اليمني – وكان لا يزال في عدن – طلب منه فيه أن يشتري ما جاء بالقائمة المرافقة بالخطاب وأن يسلم كل ما يشتريه إلى قائد الطائرة المصرية ليعود به إلى صنعاء.
    ولو لم يفشل تدبير الورتلاني لكانت الطائرة المصرية حملت ما جاء في هذه القائمة ... أو على الأقل لكانت قد حملت ما يستطاع حمله منه .
    وكانت قائمة طويلة جدا فيها ما يزيد على خمسين نوعا وكان بينها ما يلي مما وعته ذاكرتي ؟
    مائة فنجان شاي بصحونها ، مائة ملعقة للشاي .
    مائة صحن كبير...
    خمسون شوكة وملعقة وسكينا
    علب مربى وزبد وعسل
    أغطية لموائد الطعام ( وفوط )
    علب صابون للوجه للاستحمام
    أسلاك كهرباء
    مصابيح كهربائية
    خمس سيارات جيب
    وأشياء أخرى كثيرة لا تخرج عن هذا مما يشتريه المقبل على الزواج و ( فتح بيت ).
    وكانت هذه القائمة هي نتيجة الاجتماعات المتعددة التي كانت تجري في صنعاء .
    وكان هذا جزءا من الاستعداد لاستقبال وفد الجامعة العربية برياسة عزام باشا .
    لهت حكومة الانقلاب في كل هذا وهيأ لها نصرها السهل في صنعاء أن اليمن كلها لا تلبث أن تدين بالولاء لإمام صنعاء وتذكرت قول اليمني المغترب فلم استغرب.
    إن أحمد كان حرا طليقا يذهب أينما شاء وينتقل إلى أين أراد فانتقل وجمع الأنصار وحرض القبائل ولم يستكن لحظة إلى ( النازلة ) التي ألمت به في مقتل أبيه .
    وسكن ابن الوزير وراح يتلمس الاعتراف السريع من الدول العربية وأفصح عن ضعفه بطلب المعونة العسكرية فلما لم تأته هذه المعونة قال ( لقد قضي الأمر).
    وقد قضي الأمر بالفعل ......


    نقلا عن موقع التجمع اليمني للإصلاح
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-06-16
  15. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    ليلتان في اليمن

    عبد القادر حمزة
    مايو سنة 1948م



    (9-11)
    ابن الوزير يعتمد ... على المعونة الخارجية



    [align=right]قلت إن عبد الله الوزير اعتمد في نضاله مع أحمد على المعونة الخارجية فلما لم تأته هذه المعونة تخاذل وهوى والآن أفسر هذا القول ، ذلك أن ابن الوزير كان ينظر في طلبه المعونة الخارجية إلى ناحيتين :
    الأولى – ناحية عدن ، والثانية – ناحية الدول العربية .
    كنا قبل سفرنا من مصر إلى اليمن قد علمنا أن الحكومة اليمنية الجديدة اتصلت حال قيامها بعد وفاة الإمام يحيى بحاكم عدن طالبة منه إرسال عدد من الطائرات الإنجليزية لتحلق فوق أنحاء متفرقة من اليمن وتلقي عليها منشورات من قبل الحكومة الجديدة وأنها أطلقت هناك مدافعها .
    وحينما التقينا بالسيد حسين الكبسي نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية سألناه عن صحة هذه الأنباء فقال ما نصه :
    ( أن الحكومة طلبت من عدن استئجار طائرة واحدة لتقوم بهذا العمل (أي إلقاء المنشورات) وليس صحيحا أنها طلبت هذه الطائرة للإرهاب كما أنه ليس صحيحا أن مدمرة بريطانية طلبت لتصل إلى الحديدة وكل ما حدث في هذا الشأن هو أن حاكم عدن أراد تحية الحكومة الجديدة وتهنئتها فطلب منا الإذن بأن تتوجه مدمرة من عنده إلى الحديدة لتطلق مدافعها تحية للحكومة ثم تعود إلى عدن .
    ( وقد سمحنا بهذا فجاءت المدمرة في صباح الجمعة ( أي بعد مقتل الإمام يحيى بيومين ) وأطلقت مدفعها بالتحية ثم غادرها ضباطها وجنودها إلى البر فشربوا القهوة وعادوا إلى سفينتهم ثم أبحروا عائدين إلى عدن).
    * * *
    وحينما غادرنا اليمن ووصلنا إلى جدة تحدثنا إلى ضباط مطار جدة فأخبرنا أن آلة الاستقبال اللاسلكية في المطار التقطت في اليوم التالي لوفاة الإمام يحيى برقية بعث بها السيد حسين الكبسي إلى سيف الحق الأمير إبراهيم في عدن وقال له فيها مانصه :
    ( سمو الأمير إبراهيم رئيس مجلس شورى الحكومة اليمنية الدستورية – عدن
    كلفني جلالة الملك عبد الله بن أحمد الوزير أن أبلغكم ما يأتي:
    ( التعزية في والدكم الراحل الذي انتقل إلى جوار ربه البارحة رضي الله عنه، الأمن مستتب اتصلوا بحاكم عدن لتبليغ حكومة لندن رغبتنا الأكيدة في التعاون مع بريطانيا العظمى إلى أقصى حد ).
    وزير خارجية اليمن
    حسين الكبسي
    * * *
    وفي اليوم نفسه ( أي يوم الأربعاء 18 فبراير الماضي ) أذاع راديو صنعاء نعي الإمام يحيى وتنصيب عبد الله الوزير إماما لليمن.
    كما أذاع أن الحكومة الجديدة ستتعاون مع بريطانيا العظمى تعاونا بريئا إلى أقصى حد ممكن.
    وهذه البرقية وهذه الإذاعة ناطقتان بما فيهما من معان لا تحتاج لتفسير.
    وقال ضابط مطار جدة أيضا أن السيد حسين الكبسي لم يطلب من حاكم عدن طائرة واحدة ولكنه طلب عددا من الطائرات كما طلب السفينة الحربية التي ذهبت إلى ميناء الحديدة وأطلقت مدافعهما الضخمة ( للتحية ) ثم عادت إلى عدن .
    وقد تحدثت إلينا شخصية عالية المقام خلال رحلتنا في العودة وقالت لنا ما يلي:
    أن الحكومة الجديدة طلبت السفينة الحربية، والطائرات الإنجليزية لترهب الشعب اليمني وبالأخص أنصار الأمير أحمد ولي العهد السابق والمطالب بالإمامة بعد مقتل أبيه.
    وقد قالت هذه الشخصية الكبيرة أيضا أن عدن أرسلت المدمرة الإنجليزية لترهب بها الحديدة وما حولها من مناطق تهامة التي يؤيد معظم سكانها الأمير أحمد ولكنها – أ ي عدن – رفضت أن ترسل أية طائرة لأن الطلب الأول يمكن تبريره أمام العالم العربي أما الثاني فلا ) .
    ونعود إلى مسألة البارجة الحربية البريطانية التي ذهبت إلى الحديدة لتحية الحكومة الجديدة على حد ما قاله لنا السيد الكبسي وفي هذا حدثنا بعض أنصار أسرة الإمام يحيى الذين كانوا لا يزالون في صنعاء ولكنهم اختفوا عن الأنظار خشية اغتيالهم .
    قالوا :( إن مجيء البارجة الحربية البريطانية إلى مياه اليمن كان لإرهاب الشعب اليمني البسيط الساذج الفقير الجاهل الذي لم ير من أساليب المدنية الحديثة شيئا فما بالكم والبارجة دخلت الحديدة أهم مدن تهامة نصيرة الأمير أحمد وأطلقت مدافعها الضخمة فهزت الأرض والفضاء وأشاعت الرعب في قلوب الناس إن هذا العمل في الواقع لم يكن سوى مظاهرة حربية تجني من ورائها الحكومة الجديدة الكثير ).
    ولقد لاحظنا ونحن ندخل صنعاء لأول مرة أن كل من نراه في شوارعها يحمل على كتفه بندقية جديدة الصنع من أحدث طراز فسألنا عن السبب في حمل السلاح بهذه الكثرة فقيل لنا ( أن حالة الأمن وهياج الشعور يحتمان حمل السلاح ) فسكتنا نحن حتى أطلعنا بعدئذ – بطريق الصدفة المحضة – على خطاب أرسله السيد الكبسي لوزير المواصلات في الحكومة اليمنية الجديدة وكان إلى جوار الأمير إبراهيم في عدن وفي هذا الخطاب يقول السيد الكبسي لزميله الوزير ( واشتر أسلحة كثيرة وسيارات جيب وفي خطاب آخر من السيد الكبسي لزميله الوزير أيضا يقول ما نصه ( أرسل لنا أكبر قدر من القنابل ) .
    وليس بعد هذا من أدلة أقوى من قول ابن الوزير لجلالة الملك عبد العزيز آل سعود وهو يطلب منه أسلحة وطائرات ودبابات ( نطلب إلى جلالتكم هذا كما طلبناه من وفد الجامعة الذي عاد خصيصا لتحقيقه وأملنا عظيم أن يصلنا المطلوب من الدقائق الأولى وإلا لا سمح الله فإننا سنضطر مرغمين مقهورين عملا بقاعدة بعض الشر أهون من بعضه إلى الالتجاء إلى بعض الوسائل التي نكره الاتجاه إليها جميعا ، وهذا الكلام ندرك مرارته لكن من الإنصاف أن نسجل للتاريخ أن المسئول عن ذلك وحده هو اكتفاء الإخوان بالتفرج من بعيد وعدم أخذهم بالحزم والنجدة العملية ، التي تفرضها الأخوة والمواثيق والمصلحة ) .
    ثم قوله في خطابه لعزام باشا :
    ( نحن نطمع أن تكون من أطهر الناس وطنية وأحرصهم على الاستقلال التام والبعد كل البعد عن الأجانب ولكن بعد أن ثبت من تردد الجامعة العربية واكتفائها بالتفرج من بعيد ننذركم إذا لم تبادروا إلى القيام بواجبكم أننا سنستعين بغيركم صراحة للضرورة الملحة مسجلين عليكم نتيجة هذا العار الشنيع ونقول إذا قدمتم معاونتكم لتأديب اللصوص فنحن نفوضكم تفويضا مطلقا أن تقرروا أنتم مصير هذا الشعب الشقيق بأنفسكم كما تريدون ) .
    * * *
    فأما اعتماد ابن الوزير على دول الجامعة العربية فكان سلاحا ذا حدين:
    الأول – أن يحصل من هذه الدول على السلاح والذخيرة وأهمها الطائرات والدبابات، والسيارات المصفحة مستعينا في هذا بإيهامها أنه إنما يريدها لتأديب البدو الطامعين في أموال الإمام الراحل وهي معروفة الوفرة.
    الثاني – أن يحصل من هذه الدول على اعترافها رسميا به فتضطر إلى معاونته ضد غريمه أحمد الذي سيعد في هذه الحالة عاصيا وخارجا على ولي الأمر الشرعي.
    فأما طلبه للسلاح فقد تجلى في كتب عبد الله الوزير لجلالة الملك عبد العزيز آل سعود أيما جلاء كما ظهر من كتبه لحكومة العراق وهي كتب لم يلق عليها ردا من هذه الحكومة الأخيرة.
    ولقد بعث ابن الوزير للملك السعودي العربي يقول له:-
    إلى حضرة صاحب الجلالة الأخ الكريم عبد العزيز آل سعود حفظه الله.
    بعد تقديم التحيات الإسلامية لجلالتكم وتمني الصحة والعافية لكم ، وصلت برقياتكم وكنا نعتقد أن تكون عنايتكم بشقيقتكم اليمن فوق ذلك لا سيما في مثل هذه الظروف الدقيقة وفي هذا العهد الذي يريد أن يعزز كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح خاليا من كل حقد وتخريف ، فلقد أبلغنا جلالتكم من أول وقت ، والمؤمن محمول على الصدق فضلا عن خواص المؤمنين – أبلغناكم أن عقلاء الشعب اليماني على اختلاف طبقاتهم مجمعون على بيعتنا تحت نظام إسلامي شوري أقسم الجميع على احترامه وأشرنا في تلبيغنا إلى ما تنطوي عليه طباع البدو الذين قال الله في مثلهم: ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا ) من ميل للنهب والفوضى وجلالتكم أعرف بطباعهم والبدو لا يخافون إلا الطائرات القاذفة والدبابات المصفحة وطلبنا منكم ذلك في حينه ولأهميته أدرج في الميثاق الوطني، ويعتقد البدو أن العاصمة مليئة بالأموال، فشرهم كلهم متجه إليها وإلى ضواحيها وما عدا ذلك من أنحاء القطر فهو في غاية الهدوء والسكينة ، لكن نخشى أن تسري إليه العدوى ونخشى أن يكون ذلك فرصة للأجانب فنؤكد لجلالتكم أن ليس في اليمن تقاتل على الحكم البتة كما تأكده بنفسه وفد الجامعة العربية ولكن فيه اضطرابات لقطاع الطرق الذين قال الله فيهم ( ويسعون في الأرض فسادا ) وأنتم أعرف بجزائهم في القرآن الكريم ، والآن نعود مرة أخرى فنطلب إلى جلالتكم أن تنجدونا بطائفة من قاذفات القنابل معها طائفة أخرى من الدبابات في أول وقت لأن كل دقيقة تمر دون تأديب مهيب تشجع على الفوضى ونحن نطلب إليكم ذلك في سرعة وإلحاح ، وليس باسم الملك والحكم إن شئتم ولكن باسم المحافظة على الأمن فقط ولكم الحكم العدل بعد تأديب اللصوص ولمس الحقائق كما ترون أنتم والجامعة ) .
    ولا شك أن عبد الله الوزير وأنصاره كانوا يعنون باللصوص ( الأمير ) أحمد وأنصاره فإن الذين أسقطوا صنعاء كانوا كلهم من قوات الأمير ، وكان ابن الوزير يصفهم بأنهم لصوص القبائل يهاجمون العاصمة طمعا في أموال الإمام وقد جاء في كتاب بعث به الأمير سيف الحق إبراهيم والأمير محمد نجل ( الأمير ) أحمد إلى جلالة الملك عبد العزيز قولهما : والسيف أحمد يمثل هذه العقيدة وهذا النفس بأشد معانيهما ولم يعد له وجود الآن إلا كرئيس عصابة في مدينة حجة ...
    والمهم اليوم مبادرتكم ، بالنجدة المطلوبة من جلالة الإمام لأجل تأمين الناس من أشرار البدو وقطاع الطرق وإذا رأيتم جلالتكم لزوم وصولنا إليكم مع وفد كبير للتأكد والاطمئنان فابعثوا إلينا بطائرة أو اثنتين إلى صنعاء لنصل سريعا والمطار في غاية الصلاح .

    أولادكم المخلصون
    الأمير إبراهيم بن الإمام يحيى
    والأمير محمد بن أحمد بن الإمام يحيى.

    وقد أرسل عبد الله الوزير وفدا من قبله إلى الرياض لمقابلة جلالة الملك عبد العزيز والاجتماع بوفد الجامعة العربية وكان الوفد مؤلفا من الأستاذ الفضيل الورتلاني والسيد محمد محمود الزبيري وزير العدل والسيد عبد الله علي الوزير وقد كان وزيراً للداخلية.
    وفي الرياض اجتمع الوفد بالملك العربي السعودي وروى حالة اليمن الحاضرة وقال أن الأكثرية الساحقة تؤيد الحكم الحاضر ، ثم استعرض المراحل التي تمت بعد مقتل الإمام يحيى وكيف فر الأمير أحمد إلى الحجة والتجأ إليها وأخذ يجمع جموعه هناك ويزود الأهلين بالأسلحة والأموال ثم قال أعضاء الوفد أن الأمير أحمد وزع منشورات على رجال القبائل طلب إليهم فيها الهجوم على صنعاء لنهب ثروة الإمام الراحل وقال لهم أن هذه الأموال ملك لجميع اليمنيين لأنها كانت تجيء منهم فلهم فيها كل الحق وقد استجاب بعض القبائل إلى هذه الدعوة وحاولوا الهجوم على صنعاء بقصد السلب والنهب فقط وليس تأييداً للأمير أحمد .
    ولم يجد الوفد أذنا صاغية بل وجد الملك السعودي يعرب:
    أولاً : عن استنكاره للطريقة التي صعد بها عبد الله الوزير إلى الحكم .
    وثانياً : حياده المطلق في نزاع أحمد وابن الوزير .
    واجتمع الوفد للمرة الثانية بالملك ..
    وكان السيد الورتلاني هو الذي تولى الكلام عن الوفد فشكا لجلالة الملك سوء حالة اليمن ، وقال أنه ليس هناك تنازع على الملك وأن اليمن كلها بايعت السيد عبد الله الوزير ، ولكن القبائل عندما علمت بمقتل الإمام وقيام الأمير أحمد وتمرده رأت في ذلك فرصة للإغارة على صنعاء ونهب ما فيها من أموال وسلاح ، والحكومة اليمانية الآن تطلب مساعدة جلالتكم والجامعة العربية بإرسال بضع طائرات من قاذفات القنابل وبضع دبابات لإرهاب هؤلاء اللصوص وإذا لم تفعل الجامعة ذلك فمعناه أنها تحمي اللصوص وتدافع عنهم ...
    وحاول الورتلاني أن يطعن في الجامعة العربية فهب جلالة الملك غاضبا وقال له ( بل أنت اللص ! أنت وزملاؤك الذين قتلتم الإمام يحيى ولم تراعوا سنيه التسعين ولا جهاده في سبيل استقلال اليمن وحمايتها من الأجنبي أربعين سنة ) .
    وهكذا أحبط كل مسعى في سبيل الحصول على السلاح .
    * * *
    ولقد كان أعضاء حكومة عبد الله الوزير يعتقدون أن وفاة الإمام يحيى حميد الدين وتنصيب السيد عبد الله الوزير إماما على رأس حكومة تعلن أنها دستورية شورية تعمل بنصوص الميثاق الوطني المقدس كافيا لأن تعترف الدول العربية كلها بالنظام الجديد .
    والواقع أنها رأت في أول الأمر من الدلائل ما بشرها بهذا فقد سارعت الجامعة العربية إلى إرسال البعثة التمهيدية برئاسة الأستاذ عبد المنعم مصطفى موفدا من قبل وزارة الخارجية المصرية وعضوية الدكتور حسن إسماعيل المستشار التجاري والأستاذ أحمد يس وقد سافرت هذه البعثة على متن طائرة حربية مصرية ضخمة قامت بإلقاء منشورات الحكومة الجديدة على ( الحجة ) معقل سيف الإسلام الأمير أحمد ولي عهد الإمام يحيى وهي المنشورات التي تضمنت إنذار إمام صنعاء للأمير أحمد بالمبايعة أو بالقتال حتى الموت .
    * * *
    وتلقت صنعاء بعدئذ نبأ من القاهرة بأن سعادة عبد الرحمن عزام باشا يزمع أن يقوم من القاهرة على رأس بعثة جديدة من قبل الدول العربية تصل إلى صنعاء على متن طائرة حربية أخرى .
    كان هذا جل ما تبغيه الحكومة الثورية فسارعت إلى توزيع الدعوات على أعضاء مجلس الشورى المكون من ستين عضوا ليستعدوا لافتتاح الدورة الأولى للمجلس .
    وقد ذكرت من قبل أننا تحدثنا ونحن في صنعاء إلى عدد من أنصار الإمام المتوفي الذين أغلقوا على أنفسهم دورهم خشية أن يغتالهم أنصار الحكومة الثورية وقلت أنهم أثاروا أمامنا عددا من المسائل التي تستحق الدراسة خلال التحقيق في المسألة اليمنية كلها.

    نص صيغة الدعوة
    وأزيد هنا أن هؤلاء تحدثوا إلينا كذلك في مسألة دعوة مجلس الشورى للاجتماع وقالوا أن هذه الدعوة تدل في ظاهرها على الرغبة في الإسراع بتطبيق الميثاق المقدس الذي نص على الشورى ولكنها في باطنها تخفي شيئا أخر .
    وفيما يلي نص الدعوة التي وجهتها الحكومة إلى أعضاء المجلس الستين.
    حضرة...... عضو مجلس الشورى اليمني .
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد فبمناسبة وصول إخواننا وفود الجامعة العربية ورجال صحافتها المحترمين لتهنئة اليمن وأهله على العهد الجديد السعيد ونحن عضو صميم في جسم هذه الجامعة المباركة لقد استحسن الجميع عقد أول جلسة لمجلس الشورى اليمني المبارك يحضرها أمين الجامعة العربية وأعضاء وفدها الكرام ورجال الصحافة العربية المحترمين ويتلى في أثنائها الميثاق الوطني المقدس ونجدد العهد جميعا أمام الله وأمامهم على احترامه وتقديسه والعمل على تحقيق ما جاء فيه ثم تودع النسخة الأصلية لدى أمين جامعة الدول العربية كما يقضي بذلك ميثاق الجامعة بالنسبة لجميع أعضائها في معاهداتها ومواثيقها .
    بناء على ذلك كله ندعوكم إلى الاستعداد لحضور هذه الجلسة التاريخية العظمى عندما نرسل إليكم دعوة ثانية نحدد فيها الزمان والمكان وفقنا الله جميعا لما فيه خير الدين والوطن ) .
    ويقول أنصار الإمام المتوفي المختفون في صنعاء والذين اجتمعنا بهم سرا هناك أن نظرة واحدة إلى نص الدعوة كافية لإظهار ما أرادت الحكومة الجديدة أن تجنيه من ورائها فإن في أكثر من موضع منها استغلالا قويا لقدوم وفد الجامعة العربية إلى اليمن في إقناع الناس بأن هذا الوفد ما قدم إلا للاعتراف بالحكومة الجديدة وتهنئتها بالعهد الجديد .
    وحينما قررت الجامعة العربية أن المسألة اليمنية لا تزال تحوي كثيرا من الغموض وعدم الاستقرار وأن على وفدها المسافر إلى اليمن برئاسة سعادة عبد الرحمن عزام باشا أن يحقق تحقيقا دقيقا في الخلاف بين الأمير أحمد والسيد عبد الله الوزير قبل أن يتخذ قراراً في مسألة الاعتراف بالحكومة الثورية ، شعرت حكومة الانقلاب بالحيرة الشديدة وأصيبت في آمالها بشيء من الخيبة من جراء الموقف الذي وقفته الدول العربية منها وخصوصا بعد أن اتضح بجلاء أن الإمام الراحل يحيى حميد الدين كان قبل وفاته قد بايع نجله الأكبر الأمير أحمد لولاية عهده وأن شيوخ الأمة اليمنية وعقلاءها ممن يسمونهم أهل الحل والعقد قد اشتركوا في هذه البيعة وكان منهم السيد عبد الله الوزير إمام الحكومة الثورية وأن الإمام يحيى غير بهذا نظام الملك في اليمن فجعله بالوراثة بدلا من المبايعة بعد الوفاة ولا سيما كذلك أن السيد عبد الله الوزير كان قد أرسل إلى الأمير أحمد على أثر إذاعة نبأ وفاة الإمام يحيى لأول مرة خطأ بخطاب يخاطبه فيه بالألفاظ التالية :( مولانا ولي العهد ) وفي هذا الاعتراف صريح بولاية أحمد للعهد .
    شعرت حكومة الانقلاب بالحيرة فما كان منها إلا أن تخلت عن ضرورة اعتراف الجامعة العربية بها قبل انعقاد مجلس الشورى ، وعقدت المجلس بالفعل يوم 29 فبراير بحضور الأمير سيف الحق إبراهيم الذي انتخب رئيسا للمجلس طبقا لما كان مثبتا في الميثاق المقدس .
    والقصة بعد هذا لا تحتاج لتكرار فقد ذكرت في معرض حديثي عن مسألة الأسلحة التي طلبها عبد الله الوزير من جلالة الملك عبد العزيز آل سعود كيف أنه لما يئس عبد الله الوزير من الجامعة العربية هدد بالالتجاء إلى الأجانب وقد استنكر الجميع هذا ثم راح وفد صنعاء إلى الرياض يسب الجامعة في حضرة الملك العربي السعودي ويتهمها بأنها تؤوي اللصوص ، فغضب الملك السعودي وقال للفضيل الورتلاني المتحدث باسم الوفد ( بل أنت اللص ) وانتهت المسألة عند هذا الحد ..


    نقلا عن موقع التجمع اليمني للإصلاح
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-06-16
  17. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    ليلتان في اليمن

    عبد القادر حمزة
    مايو سنة 1948م



    (10-11)
    كانت حكومة الانقلاب ... تبغي استغلال اسم مصر




    [align=right] هي حكاية قصيرة ولكنها يجب ألا تمر بدون أن تذكر وهي حكاية الطائرة الحربية المصرية التي أقلت الوفد التمهيدي للجامعة العربية إلى صنعاء وكيف كانت هذه الطائرة ستستغل في النزاع بين عبد الله الوزير وأحمد دون أن يدري قوادها وكانت مصر بهذا الاستغلال لو تم ستبدو كما لو كانت قد أعلنت انضمامها إلى أحد الطرفين المتنازعين وهي لم تفعل .
    سافر الوفد التمهيدي إلى اليمن على متن طائرة من طائرات سلاح الطيران الملكي المصري وهي طائرة ضخمة من طراز داكوتا ذات أربعة محركات يقودها قائد الأسراب عبد اللطيف البغدادي وقائد السرب عمر الجمالي وقائد السرب صادق الجواهرجي والطيار أول سعد الله هارون ومعهم اثنان من الميكانيكية .
    وكانت للطائرة مهمتان :
    الأولى – نقل أعضاء الوفد ثم العودة بهم وبنتائج تحقيقاتهم .
    والثانية – إلقاء المنشورات التي وضعتها الجامعة العربية ووقعها عزام باشا وهي منشورات تناشد الشعب اليمني الهدوء وحتى ينتهي التحقيق ويظهر الحق من الباطل.
    وقد انتهز أعضاء الحكومة اليمنية الثورية الفرصة واقنعوا أعضاء وفد الجامعة بأن تقوم طائرة سلاح الطيران الملكي المصري بإلقاء منشورات من قبل الحكومة على مناطق الحجة ( وهي التي اعتصم بها الأمير أحمد ) وعمران وصعدة وكوكبان وهي منشورات تعلن قيام الحكومة الجديدة في صنعاء كما تعد الأمير أحمد بأرفع المناصب لو بايع الأمام الجديد كما بايعته صنعاء وتتوعده بالحرب حتى الموت لو ظل على رأيه يناضل الحكومة في صنعاء وقد ذكرت أنا نص هذا المنشور من قبل .
    وكذلك أقنع أعضاء حكومة الانقلاب أعضاء وفد الجامعة، وقواد الطائرة بأن يحوموا فوق الحجة مرتين على ارتفاع قليل ( تحية ) للأمير العاصي.
    وقد قامت الطائرة المصرية بهذا العمل بالفعل في يوم الثلاثاء 25 فبراير سنة 1948م فحلقت فوق الحجة وألقت منشورات حكومة الانقلاب ثم حامت فوق الحجة مرتين على ارتفاع قليل وحيت الأمير العاصي وعادت إلى صنعاء.
    وقد قلت من قبل أن قائد مطار جدة أخبرنا بأن عامل اللاسلكي في المطار التقط في اليوم التالي لتولي الحكومة الثورية الحكم في صنعاء رسالة تبعث بها صنعاء إلى عدن تطلب طائرات تحلق فوق المناطق اليمنية المختلفة على ارتفاع جد قليل ولكن عدن لم تجب صنعاء إلى طلبها .
    وقد أخبرتنا الشخصية الكبيرة – وأيد أقوالها خبراء الطيران – بأن طلب حكومة صنعاء من عدن لم يكن القصد منه تحية أحد ولكن القصد منه كان الإرهاب وخاصة إرهاب منطقة الحجة التي اعتصم بها الأمير أحمد لأن أهل اليمن لم يروا طائرات من قبل وهم لا شك لا يعرفون التحية من الجو وإنما أية ( تحية ) تبلغها لهم أية طائرة ستشيع في نفوسهم الخوف والرهبة ومن أقوى الأدلة على هذا أن هذا الطلب اقتصر على منطقة الحجة وحدها وأنه لم يتعداها إلى المناطق الأخرى الموجودة بها الأمراء الآخرون الذين أرسلوا يبايعون الإمام الجديد .
    ومن هذه الأدلة أيضا أن الطائرة المصرية حلقت مرة على ارتفاع قليل فوق صنعاء نفسها فما كان من الناس إلا أن ذعروا وفروا إلى بيوت في المدينة يسكنها مصريون على زعم أن الطائرات المصرية لا يمكن أن تؤذي بيوت المصريين .
    والواقع أنه لولا الصدفة المحضة لكانت الطائرة الحربية المصرية قد وقعت في محظور أخطر من هذا .
    فلقد كان سيف الحق الأمير إبراهيم ابن الإمام يحيى الراحل يقيم في عدن رئيسا لحزب الأحرار وكان يريد القدوم إلى صنعاء على متن طائرة بريطانية من عدن ولكن قائد الطائرة الإنجليزي حاول مرتين الهبوط في مطار صنعاء فلم يستطع لضيق مساحة المطار فعاد إلى عدن بالأمير بينما استطاعت الطائرة المصرية الهبوط في المطار بسهولة ..
    وجدنا نحن أن الحكومة الجديدة في حيرة فعرضنا أن تقوم طائرة شركة مصر للطيران التي خصصها ( المصري ) لرحلتنا إلى اليمن بالسفر إلى عدن والعودة إلى صنعاء بالأمير وقبلت الحكومة شاكرة .
    ولم تمض خمس دقائق حتى علمنا أن الحكومة غيرت رأيها وأنها اتصلت بأعضاء وفد الجامعة وبقواد طائرة سلاح الطيران الملكي المصري طالبة أن تقوم الطائرة الحربية المصرية بالسفر إلى عدن والعودة بالأمير إبراهيم إلى صنعاء.
    وجرى بحث في هذا وفيما إذا كان يحق لطائرة مصرية حربية أن تقوم بمثل هذا العمل.
    وسئل الأستاذ عبد المنعم مصطفى رئيس البعثة عن رأيه في الأمر فقال: إنه يرى أن هذا خارج عن حدود المهمة التي قدمت الطائرة من أجلها إلى اليمن.
    وأدلينا نحن بدلونا وقلنا أن هذا العمل سياسي لأن حضور الأمير إبراهيم إلى صنعاء سيؤدي بلا شك إلى تعزيز مركز الحكومة الجديدة وأنه ليس من حق طائرة حربية مصرية أن تفعل هذا وهي قادمة في مهمة معينة ما لم تتلق أوامر مباشرة من الحكومة المصرية .
    وظل الأمر في تردد حتى أقبل المساء وحينئذ علمنا أن الطائرة الحربية المصرية ستسافر في الصباح التالي إلى عدن لتعود بالأمير إبراهيم وحاشيته..
    ولما لم يكن الأمر من الناحية الرسمية لا يعنينا فقد ضربنا صفحا عنه واقتصرنا على أن نطلب من قواد الطائرة أن يحملوا معهم أحدنا إلى عدن ليتمكن من مقابلة الأمير إبراهيم فيها فيبلغنا قائد الطائرة أنه لا يستطيع أن يفعل هذا ما لم يتلق أمرا من رئيس البعثة .
    وذهبنا إلى رئيس البعثة الأستاذ عبد المنعم مصطفى وأبلغناه طلبنا فأظهر دهشته الشديدة من أن شيئا كهذا يمكن أن يحدث وقال أن الاتفاق على ذهاب الطائرة إلى عدن والعودة بالأمير تم دون أن يدري و وأن رأيه في هذا الأمر معروف ، فلم يستشار إذن في أمر آخر وهو لم يستشر في الأمر الأول ؟
    وكنا نحن نعتقد أنه هو الذي أصدر الأمر إلى قائدي الطائرة بالقيام بهذا العمل فلما نفى لنا هذا أبلغناهم ذلك فعرتهم الدهشة وذهب رئيسهم إلى الأستاذ عبد المنعم مصطفى وعلم منه رأيه بمالا يقبل الشك وألغيت المهمة وحبط مسعى رجال الانقلاب وهي الصدفة المحضة التي جنبت الطائرة الحربية الملكية المصرية الوقوع في محظور كان سيجر وراء ه اسم مصر بلا شك ويجعلها طرفا في النزاع ..


    نقلا عن موقع التجمع اليمني للإصلاح
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-06-16
  19. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    ليلتان في اليمن

    عبد القادر حمزة
    مايو سنة 1948م



    (11-11)
    لا بد من مغادرة صنعا ...


    [​IMG]
    [align=right]وانتهت المهمة .....
    وعدنا إلى قصر الضيافة ........
    وتملكتنا جميعا فكرة واحدة لا بد من مغادرة صنعاء ..... في الحال ....... وبأي ثمن وفعلنا .....
    ولكن قبل أن نفعل حدثت أشياء...
    في صباح اليوم السادس والعشرين من فبراير سنة 1948 صحوت من نومي على صوت صرير متقطع يأتي من تحت النافذة الموضوعة فوق رأسي.
    واستغربت هذا الصرير ... ولكني كما قلت كنت أشتغل بفكرة واحدة..
    لابد من مغادرة صنعاء ... في الحال وبأي ثمن...
    فلم أجعل بالي إلى هذا الصرير وتناسيت استمراره وقمت أغسل وجهي وارتدي ملابسي وأبحث عن مرآة أمشط فيها شعر رأسي وأعقد رباط رقبتي.... ونسيت أن أقول أن قصر الضيافة كان خاليا من المرايا.. ولحسن الحظ كان أحد قواد الطائرة المصرية قد أحضر معه مرآة سفر مصنوعة من رقيقة من الصفيح البراق فاستعملها الجميع.
    وكان زميلي الأستاذ / زهير عسيران لا يزال نائما والساعة بلغت التاسعة والربع وأنا لازلت في الحجرة قائما برياضة الصباح الشاقة ، ولما تضايقت من كثرة نومه غادرت الحجرة إلى حجرة قواد الطائرة الأربعة فوجدتهم قد صحوا من نومهم وارتدوا ملابسهم استعدادا لمغادرة صنعاء .... تماما كما فعلت أنا .. ولم يبق أمامنا إلا أن نوقظ زهير عسيران من نومه وندعوه للنوم في الطائرة ولعلها أكثر راحة من سرير حجرة قصر الضيافة وجلسنا نتحدث قليلا ...
    وفجأة قال أحدنا .. ( ألا نعود إلى مصر بشيء من البن ) وقال أخره ( وكيف يحدث هذا ؟ أنأتي إلى اليمن ونعود خلو الأيدي من البن اليمني ؟ ) .
    ونادينا الخادم وطلبنا منه أن يشتري لنا بعض البن نحمله معنا إلى القاهرة.
    وخرج الخادم ليشتري البن من السوق ولم يمض طويل وقت حتى دخل علينا ثانية ومعه أربعة من أهل اليمن سلموا علينا وجلسوا إلينا يتحدثون عن مصر وعن اليمن ونحن لا ندري من هم .
    وحينما نهضوا ليغادرونا قالوا إنهم سيحضرون لنا البن حالا وظننا أنهم تجار بن أتى بهم الخادم إلينا ليبيعونا بعضا من بنهم وحالما خرجوا نادينا الخادم وقلنا له من هؤلاء فقال وهو مندهش لشدة غباوتنا هذا وزير التموين ووكيل الوزارة ومساعداهما وتناولنا طعام إفطارنا وخرجنا إلى ( الحوش ) فوجدنا معالي الوزير يجلس على مقعد ضخم أمامه بعض العمال وهم يخيطون ستة زنابيل مليئة بالبن .
    وكان معاليه يرقب العملية صابرا حتى انتصف النهار فانتهت العملية واختبر معاليه الزنابيل الستة بنفسه وأعاد باقي البن إلى الحجرة المعدة ( لتخزينه ) واقفلها بالمفتاح وعاد إلينا متهلل الأسارير وهو يقول ( هذا هو البن ) .
    وأحسسنا أن زهيرا نام بما فيه الكفاية فقلت لا بد أن نوقظه ولو كلفنا هذا شططا ..
    وذهبنا إلى الحجرة واقتربنا من سريره ومددنا أيدينا لنوقظه فوجدناه يفتح إحدى عينه ويحدق فينا ثم ينهض مسرعاً ليجل على حافة السرير وهو يهز قدميه ويقول ( كم الساعة .. متى نسافر ؟
    ونهض وراح هو الآخر يرتدي ملابسه ووقفنا نحن في الحجرة ننتظر انتهاءه من هذه المهمة وهنا عاد الصرير يطرق أدنى ويبدو أنه طرق آذان زملائي كذلك فانتبهنا له جميعاً وقلنا ما هذا ؟
    واقتربنا من النافذة وفتحها أحدنا وصعد إلى قاعدتها المرتفعة ليطل على الساحة المجاورة ليرى مصدر الصرير..
    ووجدناه يضحك بل ويقهقه وازداد فضولنا فصعدنا إلى قاعدة النافذة واحداً بعد الآخر لنرى فرأينا جميعاً ما يلي :-
    رأينا بئر ماء شيدت حوائطها على مرتفع من الأرض شيدها صاحب الأرض من الطين وجعله مرتفعا منحدراً من إحدى نواحيه انحدارا سهلاً.
    وقد تدلى في البئر حبل يلف حول أسطوانة ملساء من الخشب ثبتت إلى عارضتين مثبتتين في حوائط البئر.
    ويمتد الحبل مسافة طويلة جداً في البئر ويبدو أن البئر عميقة وقد ازداد هذا العمق من جراء المرتفع الذي شيده صاحب البئر وشيد عليه الحوائط.
    وفي نهاية الحبل ربطت قربة ماء فتحت من عنقها ومن مؤخرها فإذا هبط الحبل امتلأت من مؤخرها الواسع وإذا ارتفع الحبل ومالت القربة بعض الميل أفرغت ما فيها عن طريق عنقها فانصب الماء في صهريج كبير الحجم وضع في أعلى المرتفع ليمتلئ بالماء ويزود قصر الضيافة بما يحتاجه من هذا الماء .
    وتسألني عن المنحدر السهل فأقول أن الذي يرفع الحبل ويهبط به إلى داخل البئر جمل كبير ربط الحبل إلى طرف ذيله - ولا أدرى لم لم يربط إلى عنقه - وهو يصعد المنحدر حتى قمته ثم يهبط وهو يجري مسرعاً حتى يصل إلى نهايته ولكنه يواصل الجري حتى يقطع مائتي متر على الأقل ثم يتدفق ويعود أدراجه ليصعد المرتفع من جديد .
    أما الصرير المستمر فكان ناتجا عن دوران الإسطوانة الخشبية الملساء واحتكاكها بالعارضتين المثبتتين في حوائط البئر.
    وفهمت أن هذا هو نظام مد القصور في اليمن بالماء وحتى الآن لم أفهم السبب في أن يربط الحبل في ذيل الجمل لا في عنقه ولا السبب في تشييد هذا المرتفع الذي يزيد مشاق الجمل زيادة كبيرة .
    وحينما جلت مرة بشوارع صنعاء شاهدت بئراً أخرى وجملاً آخر ووقفت خمس دقائق أعجب لهذا النظام ولا من أحد يستطيع الرد على سؤالي هذا ..

    وصعدت روحنا إلى الحلقوم
    لابد من السفر حالا
    وتشاورنا في الأمر فاستقر رأينا على أن يكون سفرنا قبل موعد تناول طعام الغداء لنستطيع الإفلات منه ومعنا عذرنا وقلنا ما هي خير الطرق لنفعل هذا ؟ ولم نجد سوى أن نطلب إلى ( السلطات المسئولة ) أن تجهز لنا غذاء من البيض المسلوق دون أن تجرى عليه يد بالتقشير والخبز والجبن والزبد والعسل ومن الذي سيقوم بمهمة إبلاغ السلطات المسئولة هذا الأمر ؟ وقع الاختيار علي وكانت حيرتي بالغة .
    وقفت بضع ثوان لا أدري ماذا أفعل وأخيراً اهتديت للحل رأيت أمامي وزير الداخلية وسرعان ما ناديته وقلت له نريد بيضا مسلوقاً وزبدا وجبنا وخبزا وعسلا ونرجو إلا تجري يد على البيض بالتقشير
    ومضى معالي وزير الداخلية ليقوم بالمهمة في الحال ... وفي الطريق استوقفه بعضهم وقال له ( وجهز لهم أيضا بعض اللحم المشوي )
    وسمعت أنا هذا فانفجرت صائحاً ( لا ... لا ...لا لحم من فضلك ... فقط بيض مسلوق وجبن وخبز وزبد وعسل )
    ونفذ معاليه المهمة خير تنفيذ..

    وبعد ظهر يوم الأربعاء السادس والعشرين من فبراير سنة 1948 م كانت الطائرة تحلق بنا فوق صنعاء تحييها تحية الوداع وتتجه بنا في طريق عودتنا إلى بلادنا ...
    وتنفسنا الصعداء ... عبد القادر حمزة
    .

    نقلا عن موقع التجمع اليمني للإصلاح
     

مشاركة هذه الصفحة