سياسة إقصاء الآخر ..

الكاتب : عبد الرحمن حزام   المشاهدات : 482   الردود : 2    ‏2005-06-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-06-13
  1. عبد الرحمن حزام

    عبد الرحمن حزام كاتب صحفي

    التسجيل :
    ‏2005-04-03
    المشاركات:
    820
    الإعجاب :
    0
    لذلك من المنصف أن نعترف بأن تأييد وتكريس إقصاء التيار الإسلامي، وكذلك أي تيار آخر، من الحياة السياسية في أي دولة إسلامية إنما هو معاداة للديمقراطية ومجافاة لحقوق المواطنة، فضلا عن أنه قمع لحرية الفكر والتعبير. وهذا في الحالات العادية التي لا يتجاوز فيها هذا الإقصاء أو لا يتطلب أكثر من إجراءات قانونية تحظر على هذا التيار تشكيل الأحزاب السياسية،

    -----------------------------------------------------------------لؤي عبد الباقي كاتب وباحث سوري

    يعتقد بعض المثقفين السوريين، من أبناء بلدنا الفقير بالثقافة الديمقراطية، أن الفكر المؤيد والمبرر لممارسة التهميش والإقصاء الفوقي أو السلطوي للآخر لا يتعارض مع الديمقراطية، لأنه يختلف كثيرا عن تأييد وتكريس ممارسة القمع لهذا الآخر الذي قد يستعصي على التهميش بدون هذه الممارسة القمعية. من الممكن لهذا الرأي أن يحالف الصواب عندما يكون التهميش اجتماعيا؛ أي عندما يحكم المجتمع على أية نخبة مستغربة (تعتنق قيما أخلاقية غريبة عنه) بالتهميش والإقصاء، حيث يفرض عليها عقوبات اجتماعية، كالنبذ والازدراء الموديان إلى العزلة والانزواء. ولكنه بلا شك يجانب الصواب عندما تمارسه سلطة (أي سلطة) شمولية عبر القمع والدكتاتورية. ولئن كانت التصفية الجسدية هي أبشع صورة يمكن أن تتجلى من خلالها الممارسات الاستئصالية، إلا أنها ليست الوسيلة الوحيدة. فالزج بالسجون لمدد طويلة خارج نطاق القانون، وتفصيل "قوانين" استثنائية ومحاكم صورية تجيز للسلطة التنفيذية استئصال المعارضة السياسية، بالإضافة إلى وسائل إرهاب الدولة الأمنية، كترويع المواطن وتخويفه من إبداء أي تعاطف مع القوى السياسية المعارضة، كل ذلك مما يندرج في نطاق الممارسة الاستئصالية التي تمر من بوابة التهميش أو الإقصاء الفوقي.

    ولو تحدثنا تحديدا عن الواقع السياسي الذي عاشه المجتمع السوري لعدة عقود خلت، فإننا لن نحتاج إلى كبير عناء حتى نجد النماذج والأمثلة لهذه الأشكال والممارسات المذكورة آنفاً بكافة ألوانها وأساليبها. فالاعتقالات التعسفية، بل وممارسة الاختطاف المخابراتي، والزج بالسجون لمدد تتجاوز عشرات السنين، بأحكام استثنائية أحيانا، وبغير أحكام أحيانا أخرى، وبتهم ملفقة وبغير تهم، كل ذلك مما لا أجدني بحاجة إلى وثائق وبراهين للتدليل عليه. ولئن كانت هذه الحقائق هي مما تجمع على صدقه والاعتراف به جميع أطياف المعارضة السياسية، بما فيها الكثير من المثقفين المستقلين ودعاة الديمقراطية، فإنه، وللأسف، قد يحسب على "الديمقراطية" من يؤيد تهميش هذا التيار أو ذاك تحت ذريعة التشكيك في جدية هذه التيارات بتبني الخيار الديمقراطي.

    ومن هذه الاتهامات ما يروج له البعض – من المؤيدين لتكريس إقصاء التيار الإسلامي - من مزاعم تدعي استحالة إمكانية التوافق بين الممارسة الديمقراطية وبين الالتزام بالمبادئ والقيم الإسلامية من قبل التيارات السياسية التي تتبنى المرجعية الإسلامية في برامجها وسياساتها. وهذا الحكم "القطعي" المتحيز لا يعني سوى الادعاء بأن هناك تناقض غير قابل للتسوية بين الإسلام والديمقراطية، ما يعني، ضرورة، محاولة سد الطريق الديمقراطي أمام التيار الإسلامي، وبالتالي دفعه نحو البحث عن خيار بديل يمارس من خلاله حقه في أخذ دور فاعل في الحياة السياسية. ومما يبرهن بأن هذه الاتهامات تجافي الحقيقة، بل وتجانب التجربة الواقعية هو أن الدول الإسلامية التي اقتربت من الممارسات الديمقراطية إلى درجة كبيرة هي تلك الدول الوحيدة التي سمحت للتيارات الإسلامية بممارسة حقها في المشاركة والتمثيل السياسي، كما هو الحال في اندونيسيا وتركيا والأردن والبحرين والمغرب. وأن أكثر الدول بعدا عن الممارسة الديمقراطية هي تلك التي تبدي تشددا أكبر في قمع وإقصاء التيارات الإسلامية، كتونس وسوريا.

    إقصاء التيار الإسلامي من الحياة السياسية معاداة للديمقراطية

    لذلك من المنصف أن نعترف بأن تأييد وتكريس إقصاء التيار الإسلامي، وكذلك أي تيار آخر، من الحياة السياسية في أي دولة إسلامية إنما هو معاداة للديمقراطية ومجافاة لحقوق المواطنة، فضلا عن أنه قمع لحرية الفكر والتعبير. وهذا في الحالات العادية التي لا يتجاوز فيها هذا الإقصاء أو لا يتطلب أكثر من إجراءات قانونية تحظر على هذا التيار تشكيل الأحزاب السياسية، وبالتالي المشاركة في العملية الانتخابية تحت مظلة هذه الأحزاب، كما هو الحال في مصر حيث يستطيع التيار الإسلامي المشاركة في العملية السياسية عبر ممثلين مستقلين، أو عبر تحالفات سياسية مع أحزاب غير إسلامية، رغم ما يواجهه من تضييق ومن ملاحقات أمنية. أما بالنسبة لتأييد الإقصاء والتهميش في دول تمارس هذا الإقصاء عبر أساليب قمعية، كما هو الحال في سوريا، فإن المواقف المؤيدة لهذا الإقصاء إنما هي تبرير صريح لممارسة القمع. وبما أن التيارات العلمانية تشدد على ضرورة تهميش دور الدين في الحياة العامة (والمترجم بفصل الدين عن الدولة)، فإن الخلاف الجوهري مع التيارات الإسلامية يدفع بعض (ونشدد على "بعض") العلمانيين الذين يضيقون ذرعا بقبول من يختلف معهم في هذا التصور إلى العدول عن الخيار الديمقراطي المناهض لسلطة القمع إلى تبني مواقف متناقضة تقترب من الخطابات الشعاراتية أكثر من التزامها بقوانين مبدئية تنسجم مع أبسط المسلمات الديمقراطية، كالقبول بالتعددية وسيادة القانون، الذي لا يمكن أن يسمى "قانونا" (بالمعنى الصحيح) إلا إذا خضع له الجميع بالتساوي وبدون تمييز.

    ومن أهم التناقضات التي تقع فيها تلك النخبة - المؤلفة من (بعض) العلمانيين المحسوبين زورا على الديمقراطية – أننا نجدهم، من ناحية، يطالبون بإلغاء قوانين الطوارئ والأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية، ولكنهم، من ناحية أخرى، يؤيدون تهميش وإقصاء، ليس فقط التيار الإسلامي، الذي له من الإيجابيات وعليه من المآخذ ما ينطبق على غيره من التيارات السياسية الأخرى، بل كل فكر أو موقف سياسي يستند في تقييمه للواقع السياسي العام على منظومة القيم والمبادئ الإسلامية. هذا الموقف المتناقض لا ينم سوى عن جهل أو تحيز، فكيف يغيب عن أذهانهم أن هذه القوانين والممارسات التي يطالبون بإلغائها هي بحد ذاتها وسائل الإقصاء الفوقي والقمع الذي يؤيدون تكريسه؟!

    وبالرغم من وضوح هذه المآخذ التي سجلناها سابقا على تلك الفئة من "العلمانيين" المتشددين من خلال مقالتنا المعنونة "الديمقراطية بين الإسلامية والعلمانية" والمنشورة في "أخبار الشرق" بتاريخ 1 تشرين الأول 2004، إلا أن أحد الغيورين على العلمانية "المظلومة" – كما يحلو له أن يطلق عليها - أخذ على عاتقه الدفاع عن هذا الفكر السلطوي متذرعا بأن الإقصاء والتهميش – الذي يؤيده - شيء آخر يختلف عن الاستئصال، لأن التهميش يمارس من قبل المجتمع، وليس السلطة. أيعقل أن يكون التيار الإسلامي في سوريا قد تعرض للإقصاء والتهميش من قبل المجتمع؟ وبالتالي فإن الدعوة إلى تكريس إقصائه تصبح مشروعة، لأنها تؤكد على تحقيق إرادة جماعية أو عامة!

    لا أدري إن كان هذا ما أراد منا أن نعتقد به السيد علي الشهابي في مقاله " العلمانية وتشويه المتزمتين لها" المنشور في موقع "كلنا شركاء" في 9/11/2004. ففي هذا المقال انبرى السيد الشهابي للدفاع عن تلك الفئة من "العلمانيين" مقدما لنا، مشكورا، تعريفا ديمقراطيا للعلمانية، لا اعتراض لنا عليه لو أنه اكتفى بهذا الحد. أما وأنه ذهب أبعد من ذلك ليقدم لنا تعريفا للديمقراطية، بشروطه -السلطوية الوصائية- وتعريفا للإسلام، حسب مفهومه الخاص والمتحيز أو "المتزمت" في تعصبه المتجلي عبر رفضه للآخر، فإن الأمر يكون قد اتضح في أنه، أي الشهابي، قد صنف نفسه، متطوعا، في تلك الفئة المتشددة.

    وبما أن السيد الشهابي طلب مني أن أصنف "على الأقل أحد أشكال العلمانية" المقبولة، ومن ثم فقد تعهد بالاعتذار، قائلا: "وإذا كنت مخطئاً بحق فكرته فإنني مستعد للاعتذار حالما يوضح لي ما هو الشكل الذي يمكن فيه تطبيق العلمانية، بنت التجارب الغربية، على مجتمعنا العربي الإسلامي"، فقد رأيت أن أنزل عند رغبته فأوضح الواضح وأجلي له ما كنت قد بينته بما لا يدع مجالا للشك في مقالتي المذكورة آنفا، راجيا أن أرى منه الشجاعة الكافية على تنفيذ ما تعهد به على الملأ، فأقول بتبسيط لا يسمح له بإثارة الشكوك أو التملص عبر التأويلات المخلة: إن العلمانية التي يمكن أن تطبق عن رضا وقبول هي تلك التي يختارها شعب حر، عبر صناديق الاقتراع الشفافة والنزيهة، في بيئة نظيفة من الوسائل القمعية، كالطوارئ والأحكام العرفية ومحاكم التفتيش الاستثنائية. وهي تلك التي يعلن أصحابها (على خلاف ما يفعله المتشددون) بأنهم، في حال حازوا على ثقة الأغلبية، على استعداد للسماح للأقلية ممن سماهم بـ"المتزمتين" (أمثالي) في أن يشاركوهم في حق التعبير، وفي المشاركة، حسب نسبة تمثيلهم النيابية، في القرارات السياسية، بحيث لا يكبلونهم ويكممون أفواههم خشية استمالة الغالبية إلى الاقتناع بفكرهم أو ببرنامجهم الخاضع لسلطة القانون التي يخضع لها الجميع. فإذا ما كان الشهابي يرضى بالممارسة الديمقراطية التي من المفترض أنها تسمح لي بانتقاد "علمانيته" التي "لا تتدخل في أمور الدين"، حسب زعمه، فلم يدع لتعصبه أن يسوقه إلى تناقضات واتهامات وافتئات وتحريف للقول عن موضعه في رده الهجومي الذي استهله بتسميتي بالـ"متزمت".

    بالرغم من أن السيد الشهابي أكد على أن العلمانية "لا تتدخل في أمور الدين"، إلا أن مقالته حولت سياق ما جاء في مقالتي عن السياسة إلى تعصب ديني، فزعم أنني أصنف المسلمين في المجتمع السوري إلى مسلمين متزمتين ومسلمين غير متزمتين، وأنني أقصر "الإسلام على المتزمتين" (أمثالي): "أما غير المتزمتين منهم فلا نعلم ماذا يسميهم". لم يتوقف الشهابي عند هذا الزعم الذي لم أتطرق إليه نهائيا، بل وقع فيما اتهمني فيه وذهب يصنف المسلمين بشكل واضح وصريح، فهم، حسب تصنيفه "العلماني" الذي لا يتدخل في الدين: منهم المتدين "المتزمت"، وضعني مشكورا في هذا الصنف المشرف، و"متدين أقل تزمتا" أو "عادي"، أعتقد أن هؤلاء هم المهمشون ممن يؤدون عباداتهم ولا يتدخلون فيما لا يعنيهم من شؤون الوطن وسياسته، و"متدين" (ربما أقل من عادي) يؤدي من العبادات الصوم وصلاة الجمعة فقط، و"متدين" يصوم ولا يصلي، وأخيرا غير متدين" لا يحب طقوس الدين"، وربما يدعي لنفسه شرف الانتماء إلى الصنف الأخير من "المتنورين" الذين منّ الله عليهم بحب الدين وكراهية طقوسه! وعلى الرغم من أنه نسي أن يبين لنا علاقة تلك الأصناف بالسياسة أو بالفكر العلماني، إلا أنه يمكننا الاستشفاف بأن العلمانيين هم بالضرورة من غير المتزمتين أمثالي، "فالعلماني لا يتدخل في شؤون الله"، لماذا؟ لأنه ببساطة شديدة "يعرف حدوده، أما الذي لا يعرف حدوده فهو المتزمت" الذي يجهد نفسه في "فرز المسلم". أوليس من المدهش أن السيد الشهابي قال ذلك قبل أن ينتقل إلى فرز المسلمين بالشكل المفصل، كما بينا آنفا؟ فهل يعني ذلك أنه متزمت علماني؟ وهل يمكن لهذا التعصب أن يوقعه إلى هذه الدرجة من الخلط والتخبط؟

    والجدير بالذكر أن السيد الشهابي يدعي بأنه يجيد منطق الحوار، فيحدد موضوعه، ومقدماته، ونتائجه، ويفرضه على الآخرين، حتى الذين لا يعلمون أنه يرغب في الحوار معهم. لذلك فهو يناقش ما طرحته في مقالتي من خلال إخضاعها إلى موضوع حوار كان قد بدأه مع الدكتور منير الغضبان في مقالات سابقة، ثم يدعي بأنني هربت من الموضوع الذي لم أشترك فيه أصلا: " مع أن موضوع النقاش "الديموقراطية وديموقراطية الحزب الديني"". من هنا يطلب مني، على حين غرة، أن أناقش "بالملموس ما طرحته [أي ما طرحه على الإخوان المسلمين] بالملموس عن حقيقة الحزب الديني.."، مفترضا، وبدون أي مبرر، أنني أتحدث باسم "الإخوان" أو نيابة عنهم. ثم يتأكد من هروبي لأنني لم أجرؤ –عبر مقالتي على حد قوله- "على القول ولو لمرة واحدة " إن الحزب الديني ديموقراطي"". ولا أدري ما الذي يخيفني من ذلك القول، فالحزب الإسلامي لا يمكن أن يكون دينيا بالمعنى المشوه الذي يحاول العلمانيون فرضه عبر فهمهم المتحيز، إذ كيف يكون الحزب الذي يلتزم مبدأ "لا إكراه في الدين" دكتاتوريا إلا إذا كان لا إسلاميا، أي لا يلتزم، أو لا يفهم هذا المنهج الإسلامي الواضح؟ وكيف يكون إسلاميا من يسلب الناس حرية الاختيار التي منحهم الله إياها "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"؟

    ويحضرني بهذه المناسبة، التي يتحدث فيها عن الجرأة، ذلك التفكير الملوث برواسب العقلية الأمنية التي ما فتئ أصحابها يرهبون كل من تسول له نفسه الدفاع عن حق التيار الإسلامي في المشاركة السياسية، ليسارعوا إلى التخويف من تهمة الانتماء إلى "جماعة الإخوان المسلمين" المحكوم على من ينتسب إليها بالإعدام. وقد كانت، وما زالت، هذه التهمة الخطيرة والمرعبة وسيلة (إقصاء-استئصال) لإخراس الآخر وإجباره على التنازل عن حقه في التعبير عن رأيه، فإذا كان هذا هو مقصد السيد الشهابي، فلماذا لم يتهم الأستاذ ميشيل كيلو الذي دافع عن هذا الحق مع احتفاظه ببعض الملاحظات والمآخذ التي ربما أشاركه بعدد منها؟ وأذكر أنني تعرضت لهذه التهمة ولهذا الأسلوب البشع عندما اعتقلت للمرة الأولى في العام 1981 وتعرضت بسبب ذلك إلى ما لا يتمناه لأحد كل من لديه ذرة من المشاعر الإنسانية. لذلك أجدني مضطرا مرة أخرى إلى توضيح ما يفترض أن يكون واضحا فأذكر بأن التيار الإسلامي أشمل وأوسع من "الإخوان المسلمين" ومن التحزب باسم الإسلام، كما أن المعارضة السياسية لا تقتصر على الأحزاب السياسية. فكما أن هناك علمانيون متحزبون ومستقلون، فهناك إسلاميون متحزبون ومستقلون، هذا فضلا عن أن الدفاع عن حق أي تيار سياسي بالمشاركة لا يعني بالضرورة الانتماء، حتى الفكري، إلى هذا التيار أو ذاك. فلا يشك أحد بأن الأستاذ ميشيل كيلو، أو أن المناضل العلماني المحترم رياض الترك لا ينتميان إلى التيار الإسلامي، بالرغم من أنهما يدافعان عن حق الجميع بالمشاركة في الحياة السياسية. وأتمنى من السيد الشهابي أن يتعلم من المناضلين الكبار كيف يتحمل سماع الرأي الآخر دون أن يسلبه حقه في التعبير والمشاركة عبر الاتهام والتخويف.

    ويتفضل السيد الشهابي، الذي لا يتدخل بالدين، حسب زعمه، فيتكرم علينا بفرض مفهومه للدين على أنه المفهوم الصيحيح "بالمطلق"، أي الذي لا يحتمل النقاش، فيقول بصراحة وتواضع شديدين: "بهذا المعنى يكون الكلام عن الإسلام صحيحاً بالمطلق". فهل ترك فسحة للنقاش حول هذا الفهم المعصوم عن الخطأ، أو الصحيح "بالمطلق"؟ كلا، بل ذهب أبعد من ذلك ليتحدث بالنيابة عن المسلمين الذين لم ينتدبوه لذلك: "وكل المسلمين غير المتزمتين يفهمون الإسلام بهذا الشكل". من الواضح في هذا السياق أن السيد الشهابي يعتقد بأن الإسلام لا يتعارض مع العلمانية، حسب فهمه للعلمانية والإسلام، فهو يستطيع أن يعتنق المبادئ العلمانية، وهو مطمئن بأنه لم يتخلَّ عن أيٍّ من المبادئ والقيم الإسلامية. وعلى غرار ذلك أعتقد أن الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية، وأؤمن بأن تمسكي بأسلوب العمل الديمقراطي يزيدني تمسكا والتزاما بالمنهج الإسلامي في الدعوة والإقناع. أما الفرق بيننا أنني أستطيع أن أعبر قولا وعملا عن فهمي الواضح للإسلام والديمقراطية من خلال استعدادي للجمع بينهما في التفكير وفي العمل السياسي، أي أنني لا أعترض على وجود حزب سياسي (ضمن الإطار القانوني الذي تخضع له جميع الأحزاب) يجمع في برنامجه، وشعاراته، ومبادئه بين الإسلام والديمقراطية. أما الشهابي الذي يتحدث عن فهمه الصحيح "بالمطلق" فلا يستطيع أن يفك لنا لغز التناقض بين قوله الذي يعلنه وبين منهجه السياسي الرافض للحزب "الديني".هنا يحق لنا أن نسأل السيد الشهابي الذي فهم الإسلام "بالمطلق" على أنه - وأتفق معه بهذه - "لا يتناقض وقيم الحرية الفردية والدينية وحرية التعبير والعدالة والمساواة والتعددية والاختيار السياسي"، لماذا لا يقبل بوجود حزب إسلامي يلتزم بهذه المبادئ طالما أنها لا تتعارض مع المبادئ العلمانية التي لا يستطيع التخلي عنها، أو حتى تحمّل أي تناول لها بالنقد والتقييم؟ ثم كيف يقر بأن الإسلام لا يتناقض مع هذه المبادئ ويدعي، في الوقت ذاته، بأن الحزب الديني، بما في ذلك الإسلامي الذي كان محل اعتراضه وانتقاده، لا يمكن أن يكون ديمقراطيا؟ فإما أن يكون الإسلام متناقض مع هذه المبادئ أو أن الديمقراطية هي التي تتناقض معها، حسب فهم الشهابي الذي يفترض التناقض (اللازم) بين الحزب الإسلامي والديمقراطية مهما حرص هذا الحزب على التمسك بالديمقراطية والإسلام.

    أخيرا أتمنى من السيد الشهابي نقاشا أكثر موضوعية وأمانة خاصة عندما ينتدب نفسه لتأويل وتحوير الاقتباسات التي غالبا ما يخرجها عن سياقها ليحرف الكلم عن موضعه. فعندما يتحدد سياق الحديث عن التيار الإسلامي على امتداد المقالة بأنه التيار السياسي المعبر عن المبادئ السياسية الإسلامية التي يعلم كل مطلع بأنها ليست محل اتفاق المسلمين "بالمطلق" الذي يتحدث فيه الشهابي، يصبح من الواضح بأن ما أقصده بقولي "التيار الإسلامي المعبر عن قيم ومبادئ الإسلام التي تعتنقها نسبة ليست بالقليلة (على أقل تقدير) من أبناء وطننا" لا ينسحب على جميع المسلمين الذين لا أجهل نسبتهم الساحقة، وإنما ينسحب، بديهيا، على المسلمين الذين يتفقون مع هذا التيار في فهمهم للمبادئ والقيم السياسية الإسلامية. فمن أين استنتج بأني أخرج الذين لا ينتمون إلى هذا التيار عن دائرة الإسلام؟ أهذا من الأمانة والموضوعية؟ أم أحتاج إلى تسمية لهذه الأساليب التي أقل ما يمكن أن يقال عنها بأنها ليست أمينة؟

    أما إذا كان هذا الموقف المتشدد الذي اتخذه السيد الشهابي قد نتج عن التباس وسوء فهم فإن من أهم ثمرات النقاش والحوار أنه يسهم في إزالة الالتباس ويقرب وجهات النظر، كما أنه يفتح أبوابا لتداخل واكتشاف المشترك الذي، بدوره، يسهم في إيجاد بيئة صالحة لغرس واستنبات بذور الثقة. أرجو أن يكون حوارنا من النوع الرصين الجاد الذي يصب في هذا المجال الإيجابي.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-06-13
  3. AlBOSS

    AlBOSS قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2004-06-12
    المشاركات:
    12,016
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2005


    اخي العزيز عبدالرحمن

    اشكرك من الاعماق فهو
    موضوع لا يمكن تجاوزه
    ش

    دمت

    و

    [​IMG]

    ظلام العالم كله لا يقهر شمعه

    و

    ساظل احفر في الجدار
    فاما فتحت ثغرة للنور
    او مت على صدر الجدار


    [​IMG]
    AlBoss
    [​IMG]

    freeyemennow*yahoo.com
    [​IMG]



     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-06-13
  5. عبد الرحمن حزام

    عبد الرحمن حزام كاتب صحفي

    التسجيل :
    ‏2005-04-03
    المشاركات:
    820
    الإعجاب :
    0
    أشكر مرورك الجميل ..
    والموضوع هو موضوع هام جداً وهناك من يدعي أنه مناهض لسياسة الأنظمة الحالية مع كل عمل من أعماله يصب في إعانتهم على الظلم ..

    خالص حبي

    عبد الرحمن
     

مشاركة هذه الصفحة