التسامح المذهبي في اليمن >>>دراسة بقلم:وضاح بن عبدالباري طاهر

الكاتب : saqr   المشاهدات : 1,006   الردود : 8    ‏2005-06-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-06-11
  1. saqr

    saqr عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-07-19
    المشاركات:
    832
    الإعجاب :
    1
    التسامح المذهبي في اليمن


    وضاح بن عبدالباري طاهر

    ناس برس - خاص 10/6/2005
    قال بعض علماء الاجتماع يتخلف فكر عن آخر باختلاف المنشأ والعادة، والعلم والغاية وهذه الاختلاف طبيعي في الناس، وماكانواقط متفقين في مسائل الدين والدنيا، ومن عادة صاحب كل فكران يحب تكثير سواد القائلين بفكره، ويعتقد أنه يعمل صالحا، ويسدي معروفاً، وينقذ من جهالة، ومن العدل أن لا يكون الاختلاف داعيا للتنافر ما دام صاحب الفكر يعتقد ما يدعو إليه، والمخلص في فكر ما إذا اخلص فيه يناقش بالحسنى، ليتغلب عليه بالبرهان، لا بالطعن، واغلاظ القول، وهجر الكلام، وماضر صاحب الفكر لو رفق بمن لا يوافقه على فكره ريثما يهتدي إلى ما يراه صوابا، ويراه غيره خطأ، أو يقرب منه، وفي ذلك من امتثال الأوامر الربانية، والفوائد الاجتماعية ما لا يحصى، فإن أهل الوطن الواحد لا يحيون حياة طيبة إلا إذا قل تعاديهم واتفقت على الخير كلمتهم، وتناصفوا، وتعاطفوا.
    (ميزان الجرح والتعديل لعلامة الشام جمال الدين القاسمي).
    لا يحصى عدد من أنجبتهم اليمن من رجال الفكر والعلم والأدب بحيث ملأوا الآفاق، وبلغت شهرتهم السبع الطباق. وساهموا في الإشعاع الحضاري الإسلامي الذي ضرب بأطنابه في مشارق الأرض ومغاربها، فكان منهم الصحابة الأخيار، والأئمة الأطهار، والعلماء والعباد والصالحون، والقادة العظماء والفاتحون.
    ولم تحض بلد -فيما أعلم- بمثل ما حضيت به هذه البلاد من التسامح والتآخي والبعد عن فتن التفرق المذهبية والآفات الطائفية جريا على ما جبلوا عليه من سلامة النيات، والبعد عن العصبيات. وهم كما وصف الله أرضهم بقوله (بلدة طيبة ورب غفور) و(والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون) وقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم (أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا وأرق أفئدة، الفقه يمان والحكمة يمانية) أخرجه البخاري.
    ولم تعرف بلد بالتسامح المذهبي بين مذهبيها -الزيدي والسني- كاليمن بشهادة المؤرخين اليمنيين والمستشرقين والرحالة الأوروبيين. وفي مقال للأستاذ الدكتور أحمد قايد الصايدي نشرته مجلة (دراسات يمنية)(1) ص 16 بعنوان "المادة التاريخية في كتابات نيبور عن اليمن" وهو مستشرق دانماركي جاء إلى اليمن قبل مائتي سنة تقريباً أثناء الكلام عن تصنيف السكان -المسلمين- في اليمن قال: (وينقسمون -أي أهل اليمن- إلى سنيين يسكنون تهامة ومنطقة تعز وزيديين يسكنون المنطقة الممتدة من إب إلى صنعاء وقد أكد نيبور أن عدد السنيين نسبة إلى الزيديين متساوٍ تقريبا وأن أتباع المذهبين يتعايشون بصورة ممتازة ولم أسمع أنهم يكرهون أتباع الأديان الأخرى)اهـ. وجاء في كتاب اللفتنانت كولونيل هارولد ف يعقوب ك. س آي الضباط في الجيش البريطاني في كتابه "ملوك شبه الجزيرة" ترجمة الأستاذ أحمد المضواحي ص 58: (ونحن ميالون كثيرا إلى تحريك الاختلاف والتباعد بين الطائفتين في شبه الجزيرة العربية، وهو بالأحرى إنقسام جغرافي، وأسلوب التفرقة بين السنة والشيعة معروف بعنف أكبر في الهند، ولربما كان ذلك راجعاً إلى الاختلاف في فهم الإسلام في التاريخ المتأخر كثيرا، وفي اليمن تصلي كلا الطائفتين في مسجد واحد، أما في الهند فلكل طائفة مسجدها الخاص.
    والسنة والشيعة اليمنيون يتزاوجون فيما بينهم(2) ولم أر أو أشاهد حالة نادرة بأن رجلا غير عقيدته الدينية بسرعة كما يغير عباءته)اهـ .
    ولمّا شاعت المقالات والاعتقادات المختلفة بين أهل الإسلام وافترقت الأمة إلى فرق ومذاهب شتى وفشت هذه الآراء في بلاد الإسلام (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) وتلقفت اليمن كغيرها من سائر بلاد الإسلام بعضا من هذه النحل فكان حظها من نحلة الخارجية أعدلها وهي الأباضية وكانت متواجدة في حضرموت، وكان حظها من الفرق الشيعية أفضلها وهي الزيدية وهم أتباع الإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وهي خير فرق الشيعة وأقربها إلى السنة تتولى الصحابة رضي الله عنهم وتفارق الرافضة في ذلك. ومن السنة أوسطها وهو مذهب الإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه فكأن أهل اليمن اختاروا مذاهبهم اختياراً، وانتقوها انتقاءً وسط هذا السيل الهادر من المذاهب المتباينة، والمقالات المتشعبة، وقد كانت نحلة الأباضيين سائدة في حضرموت واستمرت إلى ما بعد أيام العلامة الفيلسوف لسان اليمن أبي محمد الحسن بن أحمد الهمداني رحمه الله فإنه لما أتي على ذكر دوعن في كتابه "صفة جزيرة العرب" ص 170 قال: (وأما موضع الإمام الذي يأمر الأباضية وينهى ففي مدينة دوعن) (3).

    وقد ظلت فترة بعده حتى ضرعت خدودهم، وعفت رسومهم، ولم يعد لهم شأن يذكر. وبقي مذهب الزيدية والسنة في اليمن إلى يومنا هذا كجناحي طائر وظل الاتصال قائما بين علماء المذهبين فالزيدية فتحت باب الاجتهاد، ولم تغلقه كما حصل في المذاهب الأخرى وهذا من مناقبها وكان كل من وجد من نفسه أهلية الاجتهاد لم يتقيد بمنقول مذهبه فحصل بذلك خير كثير وخرج من علماء الزيدية علماء أجلاء وائمة فضلاء كالإمام الكبير يحيى بن حمزة والإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى صاحب كتاب (الأزهار) والإمام المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير، والجلال، والإمام يحيى بن الحسين بن الإمام القاسم، وابن الأمير، والمقبلي، وشيخ الإسلام عبدالقادر بن أحمد شرف الدين وقاطن، وشيخ الإسلام الشوكاني، والعلامة هاشم بن يحيى الشامي، ، والعمراني والشجني، والعلامة أحمد بن عبدالوهاب الوريث، وغيرهم ممن لا يحصيهم عد، ولا يحصرهم حد، وهذا إمام الزيدية الأكبر الإمام أحمد بن يحيى المرتضى يستجيز من محدث عصره الإمام سليمان بن إبراهيم العلوي الحنفي في كتاب البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه(4) وهذا صاحب الغاية الإمام الحسين بن الإمام القاسم بن محمد أحد أكابر علماء الزيدية يأخذ في علم الحديث عن الشيخ محمد بن عبدالله الهتار بمحطة الحمى بزبيد أيام محاصرته للأتراك وكذلك عن العلامة عبدالواحد بن عبدالمنعم النزيلي وله منه إجازة عامة وكذا الشيخ الحافظ محمد بن عبدالعزيز المفتي الشافعي وله منه إجازة عامة وهذا العلامة المحدث التقي بن فهد المكي يأخذ عن العلامة الجليل الهادي بن إبراهيم الوزير وهو الأخ الأكبر للعلامة المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير رحمهما الله كما أن العلامة صالح النمازي الشافعي الأشعري له شرح على كتاب الإمام شرف الدين (الأثمار) في الفقه وهما متعاصران، وكذا العلامة الصوفي الشهير الشاعر عبدالهادي السودي له أخذ عن علماء صنعاء وهاهم أبرز علماء صنعاء في وقتهم كالعلامة الحافظ هاشم بن يحيى الشامي والعلامة محمد بن إسحاق بن المهدي والعلامة إسحاق بن يوسف المتوكل يأخذون عن العلامة المحدث مفتي زبيد في عصره يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل والعلامة عبدالخالق المزجاجي والقاضي العلامة طه بن عبدالله السادة صاحب جبلة، وكان العلماء آل الإرياني إذا انتهوا من دراسة مذهب الإمام زيد رضي الله عنه انتقلوا إلى زبيد لدراسة مذهب الشافعي إلى غير ذلك مما يطول شرحه ويتسع ذكره وليس مرادنا الإستقصاء فالشوط بطين وبالتمرة الواحدة يستدل على باقي الثمرة.
    ولما طبع كتاب "الروض النضير" للقاضي العلامة السياغي رحمه لله شرح مسند الإمام زيد رضي الله عنه في مصر قام بتقريضه جماعة من كبار علماء الأزهر كالعلامة محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية سابقا، والشيخ يوسف الدجوي من هيئة كبار علماء الأزهر، والعلامة الحافظ أحمد محمد الصديق الغماري الحسني، والعلامة محمد زين العابدين الحسيني مفتي لواء اسكندرونه سابقا والعلامة محمد زاهد بن الحسن الكوثري رئيس علماء الدولة العثمانية سابقا وغيرهم.
    وهذه كتب العلامة المؤرخ القدير محمد بن محمد زبارة رحمه الله مليئة بتراجم علماء المذهبين شاهدة بالتسامح السائد في ذلك الوقت وهو الذي قام بطباعة كتب شيخ الإسلام الشوكاني كفتح القدير وغيرها من الكتب النافعات، وكذا العلامة عبدالواسع الواسعي ومن آخر الأعمال كتاب شيخنا العلامة الفاضل منصب المراوعة الحسن بن عبدالباري الأهدل رحمه لله (القواعد الفقهية في مسائل الخلاف بين مذهب الزيدية والشافعية) وكذلك كتاب (الطائفية وأثرها على الاجتهاد في اليمن) للعلامة المرحوم المجتهد أحمد بن محمد الوزير صاحب كتاب (المصفى في أصول الفقه). وفي مقالة لشيخنا العلامة المجتهد محمد بن إسماعيل العمراني بعنوان (الزيدية باليمن) نشرت قبل أكثر من أربعين عاما في مجلة رسالة الإسلام بمصر جاء فيها: (لقد جهل كثير من المسلمين عقيدة إخوانهم (الزيود) الذين يقطنون الشمال الشرقي من بلاد اليمن جهلا عظيما كان من نتائجه السيئة أن رموهم بالابتداع في الدين والشذوذ في الرأي والمخالفة في المأخذ للأحكام الشرعية حيث توهموا أن الزيدية تركوا دراسة كتب الحديث الشريف المشهورة ورغبوا عن الاحتجاج والعمل بما فيها مستبدلين بها غيرها من الكتب المجهولة التي لا يعرفها علماء الحديث ولا يعترفون بها، هكذا رموا من بعض إخوانهم جهلا كما رموا من بعض آخر بالجمود والتعصب المذهبي والبغض للسلف الصالح من أصحاب النبي صلي الله عليه وآله وسلم.
    والحق أن الزيدية لم يشذوا في آرائهم عن آراء إخوانهم المسلمين كما أنهم لم يشذوا في طريق الأخذ والاحتجاج بل هم أقرب المذاهب إلى مذاهب أهل السنة والجماعة لاسيما مذهب الإمام أبي حنيفة رضوان الله عليه والبرهان الصحيح على هذا هو مجموع (الإمام زيد بن علي نفسه) فإن من اطلع عليه منفرداً أو مع مراجعة شرحه (الروض النضير) عرف حق المعرفة صدق ما قلته من أنهم لا يخرجون في الغالب عن مذاهب الأئمة الأربعة عموما ومذهب الحنفية خصوصا كما اعترف بذلك بعض محققيهم ممن اطلع على المجموع وشرحه. وهاك بعضا من قواعدهم الأصولية والفروعية المنصوص عليها في أكبر مؤلفاتهم وأشهرها مثل قولهم:
    "الاجتهاد جائز لمن حقق علوم الاجتهاد الخمسة المذكورة في علم الأصول".
    "كل مجتهد مصيب".
    "إذا اختلف مذهب إمام الصلاة ومذهب المؤتم به فالإمام حاكم".
    "لا إنكار في حكم مختلف فيه".
    "لا يكون التكفير والتفسيق إلا بدليل قاطع".
    "حكم الحاكم بين الخصمين يقطع النزاع مهما كان مذهب الحاكم وكيفما كان مذهب الخصمين"
    "كل مسألة خلافية خرج وقتها فلا يجب على المكلف قضاؤها ولو أداها مخالفة لمذهبه مهما كان الخلاف قد وقع فيها لمصادفة فعله قول قائل من علماء المسلمين".
    وغير ذلك من القواعد الكلية الكبرى الدالة على ما ذكرته آنفا من أنهم على قدر كبير من التسامح المذهبي.


    على أنه قد يوجد في بعضهم شيء من التعصب المذهبي ولكنه في الغالب يكون في العامة الذين لا يعرفون عن مذهبهم شيئا وربما وجد في بعض الخاصة ولكنه وجود نادر قد يكون لأسباب خارجية لا علاقة لها بأصل المذهب، كما يوجد ذلك في جميع المذاهب الإسلامية من بعض الأفراد الذين لا يخلو منهم مذهب من المذاهب.
    ومهما يكن من الأمر فإن زيدية اليمن ليسوا كما يتوهم الكثير ممن يجهل حالهم وفقههم بل هم إن قلدوا فإنما يقلدون أئمة مذهبهم الذي لا يخرجهم عن مذاهب إخوانهم أهل السنة لاسيما الأحناف وإن اجتهدوا وتحرروا فاجتهاد الوزير والمقبلي والأمير والجلال والشوكاني، وهم كغيرهم من أهل المذاهب الإسلامية الأخرى في التولي للخلفاء الراشدين والتعظيم لهم ومن انتقصهم فهو إما من العوام الجهال، أو من الخاصة المتعصبين.
    والدليل الصحيح على هذا هو ما نراه في كتبهم التي ألفها أكبر علمائهم من النقل عن جماهير أئمتهم وعلى رأسهم إمام مذهبهم الأكبر الإمام زيد بن علي رضوان الله عليه من وجوب التولي والحب والتعظيم لجميع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وحسب القارئ أن يتصفح منها ما قد طبع بمصر من المؤلفات القيمة التي تبين صدق ما قلته من براءتهم من كل ما اتهموا به من رفض وابتداع أذكر منها على سبيل المثال (الرسالة الوازعة للمعتدين) (5) المطبوعة بالقاهرة وهي للإمام يحيى بن حمزة اليمني الزيدي.
    وهكذا صار واضحا أن ما أشيع عنهم هم منه براء ومهما وجد بعض من ذلك فلن يتجاوز عددا مخصوصا من متطرفي فقهائهم يتضاءل أمام الجم الغفير من علمائهم الذين ترى أقوالهم العلمية مسجلة على صفحات الكتب بروح عظيمة من التسامح والإنصاف الفكري)اهـ باختصار، وفي قصة ذكرها المؤرخ القدير الأستاذ أحمد شرف الدين في كتابه "البداية من رحلاتي وحياتي" ص 114 ما يدلل على انفتاح الزيدية على السنة وذلك بعد أن أتى علي قصة الإمام القاسمي الذي نازع الإمام يحيى الإمامة سنة 1904 ثم ذكر ابنه فقال: (وقيل لي إن ابنه الأكبر يعتبر من أبرز العلماء فرأيت وجوب زيارته، فسافرت إلى قراض، ووجدته في المسجد إذ كان لا يبارحه إلا نادرا، وحوله أولاده، وإخوته يتعبدون، ويتدارسون العلم وحال دخولي المسجد كان قائما يصلي في المحراب، فأديت تحية المسجد وانتظرته حتى فرغ من صلاته، ثم التفت نحوي بوجه عريض، ولحية طويلة، وعلى بدنه قميص مرقع، وبعد أن حياني أمر ابنه بإحضار القهوة أحب أن يعجم عودي في الوقت الذي كان يداعب طفلة صغيرة له يحملها على كتفه فسألني قائلاً: ما تحفظون حول دخول الأطفال المسجد؟ فقلت أحفظ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم"(6).
    قال لكنه قد روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينب وهو "متفق عليه".
    قلت ربما كان ذلك في بيته لا في المسجد.
    قال: جاء في زيادة "لمسلم": وهو يؤم الناس في المسجد.
    قلت: ربما كان منسوخا بالنهي.
    قال: قد قيل ذلك ولكنه قول لا يستند إلى برهان واضح.
    قلت: أو ربما كان خاصا به "صلى الله عليه وآله وسلم".
    قال: الأصل عدم المخصص.
    قلت: ما رأيكم في تعليل الحكم.
    قال: أنا أوافق المعتزلة في ذلك
    قلت: إذن لنا أن نبرر دخول الصبيان إلى المسجد بانتفاء العلة وهي إيذاء المصلين، قال: ذلك جائز اهـ.
    وهل كان العلامة القاسمي في استدلاله بالبخاري ومسلم إلا واطئا عقب من كان قبله من علماء الزيدية متقيلاً لآثارهم.
    وبين يدي فتوى للعلامة شيخ الإسلام محمد بن أحمد بن عبدالباري الأهدل تبين مدى التسامح المذهبي السائد في الديار اليمنية يسأل فيها (عن رجل سب رجلا آخر من أهل الديانة وكان من سبه له أن قال له يا فرخ وهي كلمة تقال لابن الزنا الذي لا يعرف له أب ثم قال له يا متزين بالإسلام زينة يا زيدي المذهب يا خامسي. فأول ما نريد التبيين عن مذهب زيد بن علي هل هو على الكتاب والسنة أم خارج عنها فإن كان خارجا عنها فبينوا للسائل فإنه مسترشد وإن كان متمسكاً بكتاب الله وسنة رسوله فما الذي يجب شرعا على الطاعن في المحتقر له الساب لمذهبه ثم ما الذي يجب شرعا على الساب في قوله أنت فرخ متزين بالإسلام زينة أفتونا.

    (فأجاب) رضي الله عنه بقوله: قول الشخص لآخر في حال السباب يا فرخ ليس صريحا في القذف لأن الفرخ في لغة العرب الصغير من الحيوان، والنبات فإن جرى العرف بأن مثل ذلك لا يستعمل إلا في القذف بالزنا فهو كناية فإن اعترف القاذف بأنه قصد بذلك القذف الرمي بالزنا أقيم عليه الحد، وإلا حلف أنه لم يقصد الرمي بالزنا وقوله يا متزين بالإسلام زينة ليس صريحا في الرمي بالكفر والنفاق فإن اعترف القائل بأن مراده الرمي بالكفر والنفاق عزره الحاكم تعزيرا بليغا زاجرا له عن إكفار المسلم وإن أنكر هذا القصد وقال أردت مدحه بزينة الإسلام ولم أقصد شيئا لم يعزر وأما قوله يا زيدي يا خامسي على جهة التعيير والتقبيح لمذهبه فإنه يستحق بذلك التعزير لأن في ذلك إيذاء لمسلم وإيذاء المسلم بالسب والتعيير حرام فإنه قال صلى الله عليه وسلم في الأمة إذا زنت فليجلدها الحد ولا يثرب أي يوبخها ويعيرها بزناها فانظر كيف نهى صلى الله عليه وسلم عن التعيير للزانية مع تحقق عصيانها وأما الزيدية فغاية ما خالفوا فيه أمور اجتهادية فروعية والأمور الاعتقادية التي تروى عنهم إنما تؤثر عن طوائف ينتمون لزيد بن علي وليسوا في الحقيقة أتباعه، ولا مقتدين فإن مذهبه مؤيد بالكتاب والسنة غير خارج عنها، وقد كان من مضى من علماء اليمن من أهل المذاهب الأربعة يسألون علماء الزيدية ويتحاكمون إلى حكامهم، ويثنون عليهم بسعة العلم، وينقلون مصنفاتهم حتى صنف الفقيه العلامة عبدالله بن عمر خليل الزبيدي كتابا سماه (إعانة الضعيف في جواز تقليد الأئمة الأربعة والمذهب الشريف) يريد مذهب الإمام زيد بن علي رضي الله عنه وله مؤلف سماه (تحذير المهتدين عن تكفير الموحدين) وفيهما من الاعتداد بالزيدية والاستناد إليهم والاعتماد على شيء من أقوالهم ما لا يخفى فالطاعن في مذهب الإمام زيد بن علي يحتاج إلى مزيد تأديب وتعزير لأن الوقيعة في أهل العلم من كبار الذنوب والله أعلم).
    ومن تأمل الفتنة الحاصلة في صعدة وجبال مران، وما ترتب عليها من سفك للدماء، وإزهاق للأرواح، ولم تقتصر على ذلك بل تعدتها إلى فتن طائفية ومذهبية ودعوات جاهلية بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد أغرقت بها الصحف الأسواق كل صحيفة تنضح بما عندها من الأوساخ التي لا تسطر في كتاب، ولا تحفظ في جراب، وتولى كبرها رجال يزعمون أنهم أهل سياسة لاهمّ لهم إلا إثارة الأحقاد والبغض والتفرقة بين أبناء الشعب الواحد فهؤلاء ما علمتهم سياستهم إلا المكر والدسائس والتفرقة والضغائن وما علموا أن المكر لا يفتك إلا بالماكرين والدسيسة لا تأتي إلا من المندسين وهذا ما جعلنا نتساءل في شك هل توحد هذا اليمن حقا كما يقولون أم انه تفرق قطعا وتمزق إربا؟ لكن ما حصل لم يكن إلا نتيجة ضرورية لفتح البلاد على مصراعيها للتيارات الوافدة والمذاهب الطارئة كالإثنا عشرية، وإذا كان ابن الأمير أقام الدنيا ولم يقعدها على شخصية وردت أيام المنصور حسين يدعى الشيخ يوسف العجمي الرافضي الوافد من إيران أفسد عقائد العامة ولبس عليهم دينهم ونعت وجوده بأنه (فاقرة في الدين، وقاصمة لظهر المتقين، ومصيبة في الإسلام لم يطمع بوقوعها إبليس اللعين). وقد ذكر العلامة إبراهيم بن عبدالله الحوثي في "نفحات العنبر" في ترجمته للعلامة محمد بن إسماعيل الأمير: أن المهدي عباس في سنة 1166هـ أمر بتسفير السيد يوسف العجمي وكان رافضي المذهب متظاهرا بذلك ونشأت بسببه مصائب عظيمة في الدين وكان وصوله في أيام المنصور ودرس في الجامع وغرس مذهب الإمامية في قلوب جماعة من العامة. فكيف حالنا اليوم بسبب انتشار هذه المذاهب المختلفة، ووجود دعاة مرتزقين يروجون لها ويسعون في بثها حتى وصلت إلى بعض قرى حضرموت وانتحلها الكثير من العوام؟ وكيف تتوحد الأرض على مثل هذه المتناقضات الخطيرة والمذاهب المتباينة؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلو أن رجلا مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما.
    ربنا افتح بين الجميع بحق
    وارفع الخلف بيننا والشجارا
    واهدنا أقوم السبيل ولا تحمل
    علينا إصرا ولا إصرارا

    الهوامش:
    1- دراسات يمنية العدد الثامن والثلاثون- اكتوبر ، نوفمبر، ديسمبر 1989م.
    2- ذكر العلامة المحدث عبدالخالق المزجاجي في كتابه (نزهة الإجازة المستطابة) أن إحدى خالاته كانت متزوجة على أحد ائمة صنعاء وذكر الأستاذ أحمد الشامي في كتابه (رياح التغيير) أن والده تزوج امراة من الضالع حين كان عاملا عليها وكانت تضم في صلاتها وكان يقلدها في صلاته فلا يلومه والده على ذلك.
    3- جاء في رسالة للعلامة عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف إلى الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله بكير ما يلي: أما الأباضية فعهدهم بحضرموت إلى ما قبل الشافعى، وكان لهم دولة في القرن الخامس وفيهم كثير من العلماء حسبما يعرف من شعر إمامهم إبراهيم بن قيس، وفي أواخر المائة السادسة غلبهم الأشاعرة على مسجدهم المسمى الخوقة بمدينة شبام، فأما مسجدهم الواقع في مدينة شبام فلا يزال معروفا إلى اليوم وبقيت ريحههم تهب في بلاد حضرموت إلى أواخر المائة الثامنة اهـ.
    4- "الإمام المهدى أحمد بن يحيى المرتضى واثره في الفكر الإسلامي سياسياً وعقائدياً" د. محمد محمد الحاج الكمالي.
    5- الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد المرسلين وله رسالة بعنوان (اطواق الحمامة في حمل الصحابة على السلامة).
    6- لا يصح هذا الحديث عند المحدثين.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-06-11
  3. الحارث

    الحارث عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-03-24
    المشاركات:
    551
    الإعجاب :
    0


    اعتقد انه ليس من حق احد ان يحدد لللاخر نوع المذهب الذي يتبعه

    من حقي ان اكون زيديا او اثنا عشريا او حتى اسما عيليا

    والدراسه تبين ان المذهبين الزيدي والشافعي تعايشا لاكثر من الف سنه

    بدون ايه حروب مذهبيه ولا ينحصر المذهب الزيدي على الشوكاني او ابن الامير او من شابههم

    وليس لاي كان ان يحدد لي ما هو المذهب الزيدي

    الخلافات لم تحدث الا عندما غزانا الفكر الدخيل التكفيري فكر الزرقاوي واتباعه





    الفكر الوهابي الخبيث

    وصحيفة الناس من الصحف التي اسهمت بشكل كبير في تاجيج الحرب في صعده واثارة


    الاحقاد والضغائن وكذا الترويج لفتاوي اكلي لحوم البشر السلفيون


    خدمة لاسيادهم وابتغاء لكسب مادي



    لن يكون هناك تسامح بعد اليوم مع اؤلئك النواصب الوهابيون

    تسامح الزيديه سيكون مع بقية المذاهب الاخرى كا المذهب الشافعي والاثنا عشري

    الذين هم مستهدفون كما هو مستهدف المذهب الزيدي من قبل الوهابيه الخبيثه


    وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-06-11
  5. خيرالأمه

    خيرالأمه عضو

    التسجيل :
    ‏2005-05-05
    المشاركات:
    77
    الإعجاب :
    0
    احسن الله اليك ياوضاح الطاهر مع العلم ان هناك عدد كبيرمن القصص والشواهد التى تؤكد التسامح ومراعاة الخلاف
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-06-11
  7. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    دراسة قيمة من باحث جاد مجتهد
    وما اظنه إلا نجل الكاتب والصحفي الاستاذ عبدالباري طاهر
    فإذا كان هو ذلك
    فلنا أن نقول هذا الشبل من ذاك الأسد
    والبعد بين الزيدية والأثنى عشرية وإن أبى المكابرون
    معلوم أنه كبعد المشرق عن المغرب
    وقد حدد الباحث موطنا من مواطن الخلل
    وهو ناجمة الأثنى عشرية الرافضية في الأرض اليمانية
    ولكنها اغفل موطنين آخرين كل منهما لايقل أهمية عن الموطن الذي ذكره
    فأما الأول فهو ناجمة السلفية المغالية
    وهي وإن كانت مختلفة عن الأثنى عشرية
    إلا أنها تحمل نفس منهجيتها في تكفير المخالف من أمة الإسلام
    وأما الثاني فهو ناجمة الإستبداد
    الذي لايتورع عن تغذية الخلافات والصراعات كأسلوب من اساليب الحكم والسياسة
    ولاشك عندي أن الناجمة الثالثة المتمثلة بالاستبداد هي رأس كل مصيبة
    فتأمل أخي صقر
    ولك وللباحث وضاح بن عبدالباري طاهر
    ولأبيه الذي اعرفه
    وللجميع
    خالص التحيات المعطرة بعبق البُن
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-06-11
  9. saqr

    saqr عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-07-19
    المشاركات:
    832
    الإعجاب :
    1

    ما تشتكي منه يا أخي هو عين ما تفعله أنت...كن منصفا يا أخي الكريم الحارث بارك الله فيك
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-06-11
  11. هارون

    هارون قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-02-02
    المشاركات:
    3,279
    الإعجاب :
    0
    احسنت القول
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-06-11
  13. الكلمه الحق

    الكلمه الحق عضو

    التسجيل :
    ‏2005-05-03
    المشاركات:
    238
    الإعجاب :
    0
    [grade="FF4500 4B0082 0000FF 000000 F4A460"]مش مهم المذهب, اهم شئ قلب المسلم واعماله, فليس المذهب شرط قبول الاعمال بل الايمان بالله وحده وبمحمد نبيه وبقيه الاركان.
    سلام.[/grade]
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-06-12
  15. saqr

    saqr عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-07-19
    المشاركات:
    832
    الإعجاب :
    1
    جزى الله الكاتب وضاح خيرا ونرجو أن تكتب ماعندك اخي الكريم الباحث خير الأمة فيزيد الخير والنور والتسامح
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-06-12
  17. هارون

    هارون قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-02-02
    المشاركات:
    3,279
    الإعجاب :
    0
    اعتقد لا وجود مذاهب في اليمن
     

مشاركة هذه الصفحة