أين من يقول الآن كلمة الحق أمام سلطان جائر ..بلا خوف ومداهنة ((أمثله))

الكاتب : shark   المشاهدات : 611   الردود : 8    ‏2005-06-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-06-10
  1. shark

    shark عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-11-25
    المشاركات:
    496
    الإعجاب :
    0
    أين من يقول الآن كلمة الحق أمام سلطان جائر ..بلا خوف ومداهنة ((أمثله))


    --------------------------------------------------------------------------------



    سعيد الحلبي

    - كان الشيخ "سعيد الحلبي" عالم الشام في عصره في درسه ماداً رجليه فدخل عليه جبار الشام "إبراهيم باشا" ابن "محمد علي" صاحب مصر فلم يتحرك له ولم يقبض رجليه ولم يبدل قعدته فتألم الباشا ولكنه كتم ألمه ولما خرج بعث إليه بصرة فيها ألف ليرة ذهبية فردها الشيخ وقال للرسول الذي جاءه بها: "قل للباشا إن الذي يمد رجليه لا يمد يده".



    - كان الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراة يقول: "عُرضتُ على السيف خمس مرات، لا يقال لي: ارجع عن مذهبك، ولكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت"


    أبو بكر النابلسي

    - سجن بنو عبيد أبا بكر النابلسي وصلبوه. وقبل صلبه قال له جوهر القائد: بلغنا أنك قلت إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي في الروم سهماً وفينا تسعاً. فقال له أبو بكر النابلسي: ما قلت هذا بل قلت: إذا كان معه عشرة اسهم وجب أن يرميكم بتسعة وأن يرمي العاشر فيكم أيضاً، فإنكم غيرتم الملة وقتلتم الصالحين وادعيتم نور الإلهية. فشهره ثم ضربه ثم أمر يهودياً فسلخه.

    الإمام محمد بن الحبلي

    - حكى الذهبي في ترجمة الإمام محمد بن الحُبُلي قاضي برقة أنه (أتاه الأمير فقال: "غداً العيد"، قال: "حتى نرى الهلال، ولا أفَطِّرُ الناس وأتقلد إثمهم"، فقال: "بهذا جاء كتاب المنصور" – وكان هذا من راي العبيدية يفطِّرون بالحساب ولا يعتبرون رؤية – فلم يُرَ هلال فأصبح الامير بالطبول والبنود وأهبة العيد فقال القاضي: "لا أخرج ولا أصلي" فأمر الأمير رجلاً فخطب وكتب بما جرى إلى المنصور، فطلب القاضي إليه فأُحضر، فقال له: "تنصل وأعفو عنك" فامتنع، فأمر فعُلق في الشمس إلى أن مات).

    حطيط الزيات

    - لما جيء بـ "حطيط الزيات" إلى الحجاج قال له الحجاج: "أنت حطيط؟"، قال: (نعم.. سل ما بدا لك فإني عاهدت الله عند المقام على ثلاث خصال: "عن سُئلت لأصدقن، وإن ابتُليت لأصبرن، وإن عُوفيت لأشكرن"، فقال الحجاج: "فما تقول فيَّ؟" قال حطيط: "أقول: إنك من أعداء الله في الأرض، تنتهك المحارم وتقتل بالظنة"، قال الحجاج: "فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان؟" قال: "أقول:إنه أعظم جرماً منك، وإنما أنت خطيئة من خطاياه".

    فأمر الحجاج بتعذيبه، حتى انتهى به العذاب إلى أن يشقق له القصب، ثم جعلوه على لحمه وشدوه بالحبال، ثم جعلوا يمدون قصبة قصبة حتى انتحلوا لحمه، فما سمعوه يقول شيئاً، ولا بدا عليه جزع أو ضعف.

    فأُخبر الحجاج بأمره وأنه في الرمق الأخير، فقال: "أخرجوه فارموه في السوق"، ووقف عليه رجل وهو بين الحياة والموت يسأله: "ألك حاجة؟" فما كان من "حطيط" إلا أن قال: "ما لي من حاجة في دنياكم إلا شربة ماء"، فأتوه بشربة فشربها ثم مات. وكان ابن ثماني عشرة سنة.




    سعيد بن جبير

    - كان الحجاج جالساً في قصره الكبير وحوله الحرّاس ومعه طبيب نصراني اسمه "تياذوق". وكان الحجاج يحب أن يشاهد بنفسه قتل الناس وينظر إلى دمائهم وهي تنزف.

    لهذا عندما أُدخل سعيد بن جبير، كان كلّ شئ جاهزاً. فالجلاّد كان واقفاً ينتظر الإشارة.

    دخل سعيد بن جبير في القصر المملوء برائحة الدم. لم يشعر سعيد بالخوف لأنّه كان مؤمناً بالله واليوم الآخر.

    سأل الحجاج عن اسمه فقال:

    ـ سعيد بن جبير.

    فقال الحجاج:

    ـ بل شقيّ بن كسير.

    قال سعيد:

    ـ أمي أعلم باسمي و اسم أبي.

    ـ شَقيتَ و شقيتْ أمك .

    ـ لا يعلم الغيب إلاّ الله.

    سكت الحجاج ثم صفق بيده.

    فجاء بعض الهزليين و قاموا بحركات مضحكة.

    قهقه الحجاج بصوت عالٍ وضحك الحاضرون، غير أن سعيد ظلّ ساكتاً.

    سأل الحجاج:

    ـ لماذا لا تضحك؟

    فقال سعيد بحزن:

    ـ لم أرَ شيئاً يضحكني، وكيف يضحك مخلوق من طين والطين تأكله النار.

    قال الحجاج:

    ـ فأنا أضحك.

    ـ كذلك خَلَقَنا الله أطواراً!

    أمر الحجاج أن يحضروا له الخزانة.

    أحضر الحرّاس صندوقاً كبيراً مليئاً بالذهب والفضة والجواهر.

    راح الحجاج يصبّ أمام سعيد قطع النقد الذهبية والفضية والجواهر الثمينة.

    سأل الحجاج:

    ـ ما رأيك بهذا؟

    فقال سعيد وهو يلقنه درساً:

    هذا حسن إن قمت بشرطه.

    سأل الحجاج :

    ـ و ما هو شرطه؟

    ـ تشتري به الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة.

    مرّة أُخرى سكت الحجاج أمام منطق سعيد.

    التفت الحجاج إلى الجلاّد و أشار بقتله.

    تقدّم الجلاّد نحو التابعي الجليل.

    توجّه سعيد نحو الكعبة بقلبٍ مطمئن. طلب أن يصلي ركعتين قبل إعدامه، توجّه نحو الكعبة وقال:

    ـ وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين.

    صاح الحجاج:

    ـ احرفوه عن القبلة.

    دفعه الجلاّد إلى جهة أخرى، فقال سعيد:

    ـ أينما تولّوا فثم وجه الله.

    صاح الحجاج:

    ـ أكبوه إلى الأرض.

    فقال سعيد:

    ـ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى.

    صرخ الحجاج بحقد:

    اضربوا عنقه.

    و هنا توجّه سعيد إلى السماء ودعا الله عزَّ وجَلَّ قائلاً:

    ـ اللهم لا تترك له ظلمي واطلبه بدمي واجعلني آخر قتيل يقتله من اُمة محمد r.

    و كان هذا الدعاء الوحيد الذي دعا به سعيد على إنسان بعد وصية والدته له.

    هوى الجلاّد بسيفه الغادر على عنق سعيد فسقط الرأس فوق بلاط القصر.

    و هنا حدث أمر عجيب. عندما نطق الرأس قائلاً:

    ـ لا إله إلاّ الله.

    راح الحجّاج ينظر إلى تدفّق الدماء بلا انقطاع فتعجّب من كثرة الدم.

    التفت إلى الطبيب "تياذوق"، وسأله عن السرّ في ذلك.

    فقال الطبيب:

    ـ إن كل الذين قتلتهم كانوا خائفين، وكان الدم يتجمّد في عروقهم، فلا ينزف منه إلاّ القيل.

    أما سعيد بن جبير، فلم يكن خائفاً، وظلّ قلبه ينبض بشكل طبيعي.

    عطاء بن رباح

    روي أن الوليد بن عبد الملك قال لحاجبيه يوما: قف على الباب فإذا مرّ بك رجل فأدخله عليّ ليحدثني. فوقف الحاجب على الباب مدّة فمر به عطاء بن أبي رباح وهو لا يعـرفه فقـال له: يا شيخ أدخـل إلى أميـر المؤمنين فإنه أمر بذلك، فدخل عطاء على الوليد وعنده عمر بن هبد العزيز فلما دنا عطاء من الوليد قال: السلام عليك يا وليد.



    قال: فغضب الوليد على حاجبه وقال له: ويلك أمرتك أن تدخل إلي رجلاً يحدثني ويسامرني فأدخلت إلي رجلاً لم يرض أن يسميني بالاسم الذي اختاره الله لي.



    فقال له حاجبه: ما مرّ بي أحد غيره، ثم قال لعطاء: اجلس، ثم أقبل عليه يحدّثه فكان فيما حدّثه به عطاء أن قال له: بلغنا أن في جهنم واديا يقال له هبهب أعده الله لكل إمام جائر في حكمه.



    فصعق الوليد من قوله، وكان جالساً بين يدي عتبة الباب فوقع على قفاه إلى جوف المجلس مغشياً عليه، فقال عمر لعطاء: قتلت أمير المؤمنين. فقبض عطاء على ذراع عمر بن عبد العزيز فغمزه غمزة شديدة وقال له: يا عمر إن الأمر جد فجد ثم قام عطاء وانصرف. فبلغنا عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال: مكثت سنة أجد ألم غمزته في ذراعي.


    الحسن البصري

    ويروى عن ابن عائشة أن الحجاج دعا بفقهاء البصرة وفقهاء الكوفة فدخلنا عليه، ودخل الحسن البصري آخر من دخل، فقال الحجاج مرحباً بأبي سعيد إليّ إليّ، ثم دعا بكرسي فوضع إلى جنب سريره فقعد عليه، فجعل الحجاج يذاكرنا ويسألنا إذ ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونلنا منه مقربة له وفرقا من شره، والحسن ساكت عاض على إبهامه، فقال: يا أبا سعيد مالي أراك ساكتاً؟

    قال: ما عسيت أن أقول؟

    قال: أخبرني برأيك في أبي تراب.

    قال: سمعت الله جل ذكره يقول: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)(143) سورة البقرة فعلي ممن هدى الله من أهل الإيمان، فأقول: ابن عم النبي عليه السلام وختنه على ابنته وأحب الناس إليه وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس أن يحظرها عليه وأن يحول بينه وبينها.

    وأقول: إن كانت لعلي هناة فالله حسبه، والله ما أجد فيه قولاً أعدل من هذا. فبسر وجه الحجاج وتغير وقام عن السرير مغضباً فدخل بيتاً خلفه وخرجنا.

    قال عامر الشعبي: فأخذت بيد الحسن فقلت: يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت صدره.

    فقال: إليك عني يا عامر، يقول الناس عامر الشعبي عالم أهل الكوفة. أتيت شيطاناً من شياطين الإنس تكلمه بهواه وتقاربه في رأيه ويحك يا عامر هلا اتقيت إن سئلت فصدقت، أو سكت فسلمت؟

    قال عامر: يا أبا سعيد قد قلتها وأنا أعلم ما فيها.

    قال الحسن: فذاك أعظم في الحجة عليك وأشد في التبعة.

    قال: وبعث الحجاج إلى الحسن فلما دخل عليه قال: أنت الذي تقول قاتلهم الله قتلوا عباد الله على الدينار والدرهم؟

    قال: نعم.

    قال: ما حملك على هذا؟ قال: ما أخذ الله على العلماء من المواثيق (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَه) (187) سورة آل عمران

    قال: يا حسن أمسك عليك لسانك وإياك أن يبلغني عنك ما أكره فأفرق بين رأسك وجسدك.



    قصة أخرى

    وروي أن عمر بن هبيرة دعا بفقهاء أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل المدينة وأهل الشام وقرائها فجعل يسألهم وجعل يكلم عامر الشعبي فجعل لا يسأله عن شئ إلا وجد عنده منه علما، ثم أقبل على الحسن البصري فسأله.

    ثم قال: هما هذان، هذا رجل أهل الكوفة –يعني الشعبي- وهذا رجل أهل البصرة-يعني الحسن- فأمر الحاجب فأخرج الناس وخلا بالشعبي والحسن. فأقبل على الشعبي فقال: يا أبا عمرو إني أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم فأنا أحب حفظهم وتعهد ما يصلحهم مع النصيحة لهم، وقد يبلغني عن العصابة من أهل الديار الأمر أجد عليهم فيه فأقبض طائفة من عطائهم فأضعه في بيت المال ومن نيتي أن أرده عليهم، فيبلغ أمير المؤمنين أني قد قبضته على هذا النحو فيكتب إلي ألا ترده فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه، وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة. فهل علي في هذا تبعة وفي أشباهه من الأمور والنية فيها على ما ذكرت؟.

    قال الشعبي: فقلت أصلح الله الأمير إنما السلطان والد يخطئ ويصيب.

    قال: فسر بقولي وأعجب به ورأيت البشر في وجهه وقال فلله الحمد.

    ثم أقبل على الحسن فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟.

    قال: قد سمعت الأمير يقول إنه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم والنصيحة لهم والتعهد لما يصلحهم، وحق الرعية لازم لك وحق عليك أن تحوطهم بالنصيحة، وإني سمعت عبد الرحمن بن سمرة القرشي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة" (رواه البغوي في معجم الصحابة بإسناد لين، واتفق عليه الشيخان بنحوه).

    ويقول: إني ربما قبضت من عطائهم إرادة صلاحهم واستصلاحهم وأن يرجعوا إلى طاعتهم، فيبلغ أمير المؤمنين أني قبضتها على هذا النحو فيكتب إلي ألا ترده فلا أستطيع رد أمره ولا أستطيع إنفاذ كتابه، وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين، والله أحق أن يطاع ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله عز وجل، فإن وجدته موافقاً لكتاب الله فخذ به وإن وجدته مخالفاً لكتاب الله فانبذه.

    يا ابن هبيرة: اتق الله فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك وتقدم على ربك وتنزل على عملك.

    يا ابن هبيرة: إن الله ليمنعك من يزيد ولا يمنعك يزيد من الله وإن أمر الله فوق كل أمر وإنه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

    فقال ابن هبيرة: أربع على ظلعك أيها الشيخ وأعرض عن ذكر أمير المؤمنين، فإن أمير المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحكم وصاحب الفضل وإنما ولاه الله تعالى ما ولاه من أمر هذه الأمة لعلمه به وما يعلمه من فضله ونيته.

    فقال الحسن: يا ابن هبيرة، الحساب من ورائك سوط بسوط وغضب بغضب والله بالمرصاد.

    يا ابن هبيرة: إنك إن تلق من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر آخرتك خير من أن تلقى رجلا يغرك ويمنيك.

    فقام ابن هبيرة وقد بسر وجهه وتغير لونه.

    قال الشعبي: فقلت يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت صدره وحرمتنا معروفه وصلته.

    فقال: إليك عني يا عامر.

    قال: فخرجت إلى الحسن التحف والطرف وكانت له المنزلة واستخف بنا وجفينا فكان أهلا لما أدى إليه وكنا أهلا أن يفعل ذلك بنا. فما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء إلا مثل الفرس العربي بين المقارف، وما شهدنا مشهدا إلا برز علينا. وقال لله عز وجل وقلنا مقاربة لهم.

    قال عامر الشعبي: وأنا أعاهد الله أن لا أشهد سلطانا بعد هذا المجلس فأحابيه.

    من سفيان الثوري إلى هارون الرشيد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من العبد المذنب سفيان بن سعيد بن المنذر الثوري إلى العبد المغرور بالآمال هارون الرشيد الذي سلب حلاوة الإيمان. أما بعد: فإني قد كتبت إليك أعرّفك أني قد صرمت حبلك وقطعت ودك وقليت موضعك فإنك قد جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك بما هجمت به على بيت مال المسلمين فأنفقته في غير حقه وأنفذته في غير حكمه، ثم لم ترض بما فعلته وأنت ناء عني حتى كتبت إليّ تشهدني على نفسك. أما إني قد شهدت عليك أنا وإخواني الذين شهدوا قراءة كتابك وسنؤدي الشهادة غدا بين يدي الله تعالى.

    يا هارون: هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها في أرض الله تعالى والمجاهدون في سبيل الله وابن السبيل؟.

    أم رضي بذلك حملة القرآن وأهل العلم والأرامل والأيتام؟ أم هل رضي بذلك خلق من رعيتك؟.

    فشدّ يا هارون مئزرك وأعد للمسألة جوابا وللبلاء جلبابا، واعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل فقد رزئت في نفسك إذ سلبت حلاوة العلم والزهد ولذيذ القرآن ومجالسة الأخيار، ورضيت لنفسك أن تكون ظالما وللظالمين إماما.

    يا هارون: قعدت على السرير ولبست الحرير وأسبلت سترا دون بابك وتشبهت بالحجبة برب العالمين، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك، يظلمون الناس ولاينصفون، يشربون الخمر ويضربون من يشربها! ويزنون ويحدون الزاني! ويسرقون ويقطعون السارق! أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن تحكم بها على الناس؟

    فكيف بك يا هارون غدا إذا نادى المنادي من قبل الله تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) (22) سورة الصافات أي الظلمة وأعوان الظلمة فقدمت بين يدي الله تعالى ويداك مغلولتان إلى عنقك لا يفكهما إلا عدلك وإنصافك، والظالمون حولك وأنت لهم سابق وإمام إلى النار.

    كأني بك يا هارون وقد أخذت بضيق الخناق ووردت المساق وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك وسيئات غيرك في ميزانك زيادة عن سيئات، بلاء على بلاء وظلمة فوق ظلمة، فاحتفظ بوصيتي واتعظ بموعظتي التي وعظتك بها، واعلم أني قد نصحتك وما أبقيت لك في النصح غاية، فاتق الله يا هارون في رعيتك واحفظ محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته وأحسن الخلافة عليهم، واعلم أن هذا الأمر لو بقي لغيرك لم يصل إليك وهو صائر إلى غيرك وكذا الدنيا تنتقل بأهلها واحد بعد واحد، فمنهم من تزود زادا نفعه، ومنهم من خسر دنياه وآخرته، وإني أحسبك يا هارون ممن خسر دنياه وآخرته فإياك إياك أن تكتب لي كتابا بعد هذا فلا أجيبك عنه والسلام.

    قال عباد: فألقى إلي الكتاب منشورا غير مطوي ولا مختوم فأخذته وأقبلت إلى سوق الكوفة وقد وقعت الموعظة من قلبي فناديت: يا أهل الكوفة، فأجابوني فقلت لهم: ياقوم من يشتري رجلا هرب من الله إلى الله؟ فأقبلوا إلي بالدنانير والدراهم، فقلت لا حاجة لي في المال ولكن جبة صوف خشنة وعباءة قطوانية، قال: فأتيت بذلك ونزعت ما كان علي من اللباس الذي كنت ألبسه مع أمير المؤمنين، وأقبلت أقود البرذون وعليه السلاح الذي كنت أحمله حتى أتيت باب أمير المؤمنين هارون حافيا راجلا، فهزأ بي من كان على باب الخليفة. ثم استؤذن لي فلما دخلت عليه وبصر بي على تلك الحالة قام وقعد ثم قام قائما وجعل يلطم رأسه ووجهه ويدعو بالويل والحزن ويقول: انتفع الرسول وخاب المرسل مالي وللدنيا مالي ولملك يزول عني سريعا؟ ثم ألقيت الكتاب منشورا كما دفع إليّ. فأقبل هارون يقرؤه ودموعه تنحدر من عينيه ويقرأ ويشهق فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين لقد اجترأ عليك سفيان فلو وجهت إليه فأثقلته بالحديد وضيقت عليه السجن كنت تجعله عبرة لغيره.

    فقال هارون: اتركونا يا عبيد الدنيا، المغرور من غررتموه والشقي من أهلكتموه. وإن سفيان أمة وحده فاتركوا سفيان وشأنه. ثم لم يزل كتاب سفيان إلى جنب هارون يقرؤه عند كل صلاة حتى توفي رحمه الله.




    mankool


    Shark
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-06-10
  3. رشيدة القيلي

    رشيدة القيلي كاتبة صحفية

    التسجيل :
    ‏2003-05-18
    المشاركات:
    1,385
    الإعجاب :
    0
    شكرا جزيلا يا shark

    لقد كنت انقب في طيات الكتب عن مثل هذه المواقف

    ولكنه كان بحثا يحتاج الى الكثير من الوقت والجهد الشاق

    اشكرك مرة اخرى على الوقت الذي وفرته عليّ في البحث المضني
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-06-10
  5. مشتاق ياصنعاء

    مشتاق ياصنعاء مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-02
    المشاركات:
    22,338
    الإعجاب :
    766
    قال الشاعر


    نعيب زماننا والعيب فينا \\ وليس في زماننا عيب سوانا



    ولك مني

    وللجميع

    خالص المحبة والتقدير
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-06-10
  7. ابو حذيفه

    ابو حذيفه مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-05-01
    المشاركات:
    10,896
    الإعجاب :
    0
    هكذا الرجال وإلا فلا

    أين نحن اليوم منهم ؟
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-06-10
  9. رشيدة القيلي

    رشيدة القيلي كاتبة صحفية

    التسجيل :
    ‏2003-05-18
    المشاركات:
    1,385
    الإعجاب :
    0
    قال الشاعر :

    وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم

    إن التشبه بالكرام فلاح
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-06-10
  11. الكلمه الحق

    الكلمه الحق عضو

    التسجيل :
    ‏2005-05-03
    المشاركات:
    238
    الإعجاب :
    0
    لا اله الا الله ,قوه الايمان تفعل العجائب ,شكراً لك ياشارك فلقد ذكرتني بشخص واصحابه قالو كلمه الحق ضد سلطان جائر فشن عليهم حربا لا ترحم ولا تفرق بين رجلا او امرأه كبيراً كان ام صغيرا,ويدعى هذا الرجل الؤمن حسين بدر الدين.
    وشكرا
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-06-10
  13. عزالدين العربى

    عزالدين العربى عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-08-17
    المشاركات:
    548
    الإعجاب :
    0
    سقا الله زمانهم
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-06-10
  15. shark

    shark عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-11-25
    المشاركات:
    496
    الإعجاب :
    0
    جزاكم الله خير وجعلنا وأياكم من أهل الفردوس..


    السؤال الذي يطرح نفسه ما الفرق بيننا وبينهم..??


    وما عملوه خلده التاريخ بأنصع صفحاته وكتبوا إن شاء الله من افاضل الشهداء بل وغيروا واقع مجتمعهم..

    ماذا سيكتب عنا التاريخ ?? وهل غيرنا أو سنغير واقعنا ??



    والأهم ماذا سنقول لله واين سيكون مكاننا يومها ??


    انتظر تفاعلكم







    Shark
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-06-11
  17. shark

    shark عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-11-25
    المشاركات:
    496
    الإعجاب :
    0
    للرفع


    Shark
     

مشاركة هذه الصفحة