السلاح في اليمن: رجولة واباء وزينة

الكاتب : سامي   المشاهدات : 657   الردود : 1    ‏2002-01-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-01-30
  1. سامي

    سامي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2001-07-10
    المشاركات:
    2,853
    الإعجاب :
    0
    تعتبر قضية انتشار السلاح في اليمن هاجسا يؤرق الكثيرين ممن يعنيهم أمر الاستقرار في هذه البلاد. فالسلاح في اليمن لا يعني أداة للجريمة فحسب, فقد ارتبط منذ قرون بثقافة المجتمع اليمني, ذي التركيبة الاجتماعية المعقدة, وهو بالنسبة للانسان اليمني يعني الرجولة والإباء إضافة إلى الزينة.

    بيد أن انتشار السلاح في الآونة الأخيرة بصورة مخيفة أثار قلق المهتمين بالسلام الاجتماعي, كما استفز دعاة نزع السلاح من يد المواطنين, وحصره في الدولة. وتكاد تجمع الإحصاءات والتصريحات الرسمية لمسؤولي الدولة أن الرقم يتجاوز الخمسين مليون قطعة سلاح يكتنزها المجتمع اليمني.

    ويثور جدل يكاد لا ينتهي او يعرف التوقف بين معسكرين: الأول دعاة المحافظة على حمل السلاح واعتباره جزء من الأصالة اليمنية, ويتهم هذا المعسكر دعاة نزع السلاح بأنهم يريدون تحويل المجتمع اليمني إلى مجرد قطيع ذليل ***** الكرامة والعزة, بينما يرى المعسكر الثاني أن التساهل وعدم الجدية في مواجهة هذه الظاهرة يؤدي إلى تفشي الجريمة, وتزايد عدد القتلى, وإشاعة الاضطراب والفوضى. وينظر دعاة نزع السلاح إلى هذه الظاهرة باعتبارها مظهرا من مظاهر التخلف والبداوة.

    وفي خضم الجدل تبلور تيار يتخذ موقفا توفيقيا بين المعسكرين, يدعو إلى تنظيم حمل السلاح, وبالتالي إلى العمل بقانون صدر بهذا الاسم عام 1992م, وينص على أنه يحق لمواطني الجمهورية اليمنية حيازة البنادق الآلية والمسدسات وبنادق الصيد, وقدر من الذخيرة للاستعمال الشخصي, ويحظر القانون على أي شخص يحمل سلاحا ناريا الدخول به إلى العاصمة أو بقية عواصم المحافظات, إلا بترخيص من الأجهزة المختصة.

    وينص القانون على أنه لا يجوز منح التراخيص لمن هم دون الثامنة عشرة, ولمن ثبت ضلوعهم في جريمة جسيمة, إضافة إلى المختلين عقليا.

    وينظم القانون الاتجار بالسلاح والذخائر, وينص على أنه يعاقب كل من يخالف النصوص السابقة بغرامة لا تتجاوز عشرة آلاف ريال, وسجن سنة كاملة. فإذا كان هناك قانون ينظم حمل السلاح فما المشكلة؟

    يجيب القانوني المعروف وعضو مجلس النواب محمد ناجي علاو بالقول "المشكلة ليست في القانون ومدى ملاءمته للوضع.. المشكلة في آلية تطبيق القانون". ويضيف "لا أحد يحترم القانون هنا, وأول من يخرق القانون هم أولئك الذين يفترض فيهم متابعة تطبيقه. وأنا أعتقد أن القانون كنص قد نظم حمل السلاح بطريقة تتناسب وطبيعة المجتمع اليمني, غير أن الرادع الحقيقي ليس في النص العقابي من القانون, ولكنه في أخلاقيات هذا المجتمع, الذي يبقى رغم كل شيء مجتمع أخلاقيات.

    والمجتمع القبلي أطوع للقانون بدليل أن أبناء القبائل يحلون مشكلاتهم فيما بينهم, وعلى أساس مرجعيتهم القانونية الخاصة بهم, (العرف القبلي) بأسلوب سريع وحاسم, وعندما يلجأون إلى القضاء الرسمي يتناصرون فيما بينهم بسبب تعطيل الاجراءات القضائية"

    وعن إمكانية نزع السلاح من أيدي اليمنيين قال علاو "لا يمكن انتزاع السلاح من أيدي اليمنيين, فهو يمثل لهم قيمة بحد ذاته, ولكن يمكن تنظيم حمله داخل المدن، وبالنسبة للإجراءات, التي تتخذها الأجهزة الأمنية بهذا الشأن, فهي تأتي بين حين وآخر موسمية, ولا تستمر على وتيرة واحدة".

    في أكثر من مؤتمر صحفي ولقاء تلفزيوني أكد الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أنه جاد في قضية تنظيم حمل السلاح, ومنع التجول به داخل المدن. وبعد حادثة تدمير المدمرة الأمريكية "كول", وتردد إشاعات عن ضربة أمريكية لليمن, لوح الرئيس صالح بأن اليمن ليست بنما, وقال إن الشعب اليمني شعب مسلح تسليحا جيدا, وقادر على الدفاع عن أرضه. وافتخر الرئيس بأنه يستطيع تعبئة أكثر من مليون من أبناء القبائل المسلحين في يوم واحد. وكان قد صرح في مقابلة صحفية لقناة "الجزيرة" أوائل عام 1997م أن عدد قطع السلاح في أيدي المدنيين في اليمن يتجاوز الخمسين مليون قطعة.

    وهذا الرقم الكبير موزع بين مسدس وبندقية عادية وآلية ورشاش عيار 12/7 مم, وعيار 5/14 المضاد للطائرات, إضافة إلى مدافع الهاون الميدانية وقذائف "الآر. بي . جي" المضادة للدبابات, وكذلك القنابل اليدوية والألغام الفردية. غير أن ما يتجاوز 60 في المائة من هذا العدد هو بنادق آلية روسية الصنع "كلاشينكوف", إضافة إلى البنادق الأمريكية "إف. إم. جي3".
    لم تكن الأسلحة قبل ثورة 26 سبتمبر 1962م إلا في أماكن محدودة من اليمن, وبأيدي فئة قليلة من المجتمع (مشائخ وجنود نظاميين وأفراد الجيش الشعبي). وبقيام الثورة دخل النظام الجديد في حرب أهلية طاحنة ضد أتباع النظام السابق, استمرت حتى عام 1967م أغرقت اليمن في محيط من الأسلحة المتنوعة, التي انتهى معظمها إلى أيدي المواطنين، وبالتحديد قبائل الشمال والشمال الشرقي, بسبب وقوعهم في بؤرة المعارك. هذا بالإضافة إلى حربي الشطرين اليمنيين, التي انتهت إلى حرب الانفصال في صيف 1994م, وهنا صار عدد قطع السلاح أكثر من عدد المواطنين (تعداد اليمنيين وفق آخر إحصاء بلغ 16 مليون نسمة).

    كان السلاح قديما يختزل في الخنجر اليمني المعروف باسم "الجنبية", باعتبارها رمزا للرجولة والانتماء والزينة. وتطور الحال الآن إلى مضادات للدبابات ومدفعية الميدان, مما جعل النزاعات القبلية تتحول إلى ما يشبه الحرب بين الدول المتنازعة حدوديا, ولا تتمكن الدولة من فك الاشتباك إلا فيما ندر, إذ تتدخل باعتبارها وسيطا بين المتحاربين, ومن خلال رسميين ينتمون إلى هذه القبيلة أو تلك, ووفق قانون القبيلة. ويقول مسؤولون في وزارة الداخلية إن 520 من أفراد الأمن قتلوا بسبب انتشار السلاح بين المواطنين.

    علاقة السلاح بالجريمة

    على الرغم من الانتشار الكبير للسلاح فإن ارتباطه بالجريمة ليس قويا, فإن تقرير الحالة الأمنية لعام 1999م, الذي أصدرته وزارة الداخلية اليمنية أورد الأسباب والدوافع والظروف المؤدية لارتكاب الجرائم واحتل (انتشار السلاح الناري وسهولة الحصول عليه) المرتبة الخامسة, وبالتالي لا يمكن الجزم بإجابة نهائية بشأن من يسبق الآخر أو يصنعه الاختلال الأمني أم انتشار السلاح؟. وهو ما يؤكد ايضا أن حمل السلاح لا يرتبط ضرورة بالجريمة.

    وقد أصبح من المعتاد أن تقوم الاجهزة الأمنية بين فترة زمنية (قد تصل إلى خمسة أشهر) وأخرى, بحملة لمنع التجول بالسلاح داخل المدن, والحد من منح التصاريح, والتدقيق فيها, ومصادرة بعض قطع السلاح, وأحيانا يدخل أفراد الأمن في عمليات إطلاق نار متبادل بينهم وبين المواطنين, الذين يرفضون الانصياع للقانون, أو بالأصح للحملة القانونية. ولكن لا تتجاوز هذه الحملات اسابيع قليلة ثم تختفي لتعود ظاهرة حمل السلاح والتجول به في المدن مرة ثانية.

    القانون الخاص بتنظيم حمل السلاح واقتنائه يحدد الاتجار في السلاح وينظمه, ولكن لا أحد من تجار السلاح يلتزم بالقانون, ولم تستطع الجهات المختصة تطبيقه بصورة كاملة. إذ تنتشر محلات بيع السلاح في عواصم المحافظات الشمالية بالتحديد بأعداد كبيرة. وبإمكانك أن تدخل معرض الأسلحة وتشتري ما تريد وكأنك في سوق خضار.


    وتوجد أشهر أسواق السلاح في خولان ومدينة خمر وصعدة ومأرب. ويكتظ سوق الطلح في محافظة صعدة, شمال صنعاء, والواقع قرب الحدود اليمنية السعودية, بشتى أنواع السلاح.. فهذا مدفع رشاش عيار 14.5ملم مضاد للطائرات بستمائة ألف ريال, (حوالي أربعة آلاف دولار), وكل شيء في هذا السوق خاضع للقانون الوحيد قانون العرض والطلب.. يعرض عليك الرجل بضاعته وكأنه يبيع العطور العالمية.. وهو يقول: هذه صناعة روسية, وهذه صناعة صينية, وتلك أمريكية, وذاك سلاح إسرائيلي!!..

    ذات مرة كان مراسل وكالة "قدس برس" في سوق الطلح, فعرض عليه البائع أنواع الأسلحة التي لديه, وعندما قلنا له مازحين "هذه القطع لا تلبي حاجتنا لأنها ضعيفة وغير فاعلة", تنحنح بائع السلاح قائلا هل تريدون طائرة عمودية؟! ولا نظنه كان جادا فيما يقول..

    وفي أحد الشوارع الفرعية بمدينة صنعاء, المواطن أحمد قاسم الظبياني, وكان اشبه ما يكون بترسانة متحركة, وعندما سأله عن المبرر لحمله كل هذه الأسلحة قال: "كل هذا من أجل الباطل (يعني رد اعتداء الآخرين), وسلاحي يعني شرفي, ورجل بغير سلاح يساوي نصف رجل".. وعندما سأله عن رد فعله في حال أقدمت الجهات الأمنية على محاولة نزع سلاحه أجاب بعفوية وثقة: "أقاتل حتى الموت".. ثم أضاف "هذه مؤامرة من اليهود, يأخذون سلاح المسلمين حتى يحتلوا أرضهم".. ولم ينس الرجل - الترسانة أن يضيف قائلا "العز في أفواه البنادق".

    الاستقرار وعلاقته بانتشار السلاح

    ويتحدث البرلماني المعروف عائض يحيى عائض, وهو من قبيلة شهيرة في صنعاء, عن ظاهرة ارتباط القبيلة بالسلاح فيقول: "السلاح ظاهرة ليست غريبة على المجتمع اليمني ولا هي دخيلة عليه.. وهي سيئة عموما. هي في الأصل كانت جزءا من الزي الشعبي (السلاح الأبيض ..الجنبية) أما الأسلحة الأوتوماتيكية فإن انتشارها عائد إلى غياب الاستقرار السياسي".

    ويضيف "انتشر السلاح بعد الوحدة بشكل ملحوظ, بسبب توجس الناس وخوفهم, وغياب هيبة الدولة, وبالتحديد في مناطق الشمال الشرقي, وبالنسبة لي كقبلي يمكنني التخلي عن المرافقين وعن السلاح, إذا وجد الأمن, وضمان تطبيق القانون, باستثناء الجنبية, فأنا لا أستطيع التخلي عنها, لأنها رمز لشخصيتي وانتمائي".

    ويتساءل عائض: "لا أدري لماذا يحاول البعض تكريس مفهوم القبيلة والسلاح, مع العلم أن القبلي محكوم بقوانين (عرف قبلي), تجعله يحجم عن استخدام السلاح إلا في ما ندر"، ويضيف عائض قائلا "لو وجد القانون طريقه إلى التطبيق والسيادة, لما وجدت كل هذا السلاح".. ولكنه يستدرك قائلا "رغم كل شيء فنحن نحيا في أمن اجتماعي أخلاقي".. ثم يستطرد بفخر "تصور لو أن الأسلحة, التي في يد القبائل, يملكها رجال العصابات في إيطاليا أو الولايات المتحدة, فلربما سقطت الدولة في أيديهم في غضون أيام"..

    وهكذا, وعلى الرغم من كل هذه التطمينات.. فإن انتشار ظاهرة حمل السلاح في المجتمع اليمني, تحتم على اليمنيين أن يعالجوها في إطار القانون, وعلى ضوء حاجات واقعهم المعاش. وتجدر الإشارة هنا إلى أن اليمن يظل أقل البلدان انتشارا للجريمة, بالرغم من حجم هذه الاسلحة التي توجد في أيدي أبنائه.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-01-30
  3. أبو لقمان

    أبو لقمان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-11
    المشاركات:
    5,204
    الإعجاب :
    3
    الأخ الفاضل " سامي " .. السلام عليك ورحمة الله

    في تقديري الشخصي أن إقتناء السلاح في اليمن قد حقق هدفين هما:
    - عامل ردع للدفاع عن النفس والعرض .. من العدو المحلي
    - عامل فعال من عوامل الدفاع عن الوطن .. من العدو الخارجي .. لأن المواطن في هذه الحالة سيكون خط الدفاع الأول .. وهذا ما يفعله الكيان الصهيوني حاليا في تسليح المستوطنات ..
    و قول الرئيس .. أنه يستطيع حشد مليونين إلى 4 ملايين مقاتل مسلح قبل أن تتحرك القوات النظامية من ثكناتها .. لم يكن قولا من فراغ ..
    إذن ليس هناك مشكلة في إقتناء السلاح من حيث المبدأ .. إنما المشكلة تكمن فيما لو أستخدم إستخداما سيئا ..
    والسلطة تستطيع منع الإستخدام السيئ للسلاح وذلك بتطبيق القانون .. وإظهار هيبة حقيقية تشعر المواطن أن حقوقه مصانة .. فإذا ظهر الأمن والأمان .. فإن ظاهرة حمل السلاح وليس إقتنائه ستتلاشى ..
    وإبان حكم الرئيس " إبراهيم الحمدي " يرحمه الله مرت فترة قصيرة في اليمن تلاشى فيها حمل السلاح .. وتم ذلك بدون ضغط أو قانون من السلطة .. وإنما عن قناعة شخصية من المواطنين ..
    ترى .. لو أعيدت سيرة الحمدي ؟ .. هل يتلاشى حمل السلاح ؟

    لك أطيب التمنيات ،،،
     

مشاركة هذه الصفحة