موقف الشيعة الإمامية من كتاب الله تعالى

الكاتب : HumanRight   المشاهدات : 452   الردود : 1    ‏2005-06-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-06-05
  1. HumanRight

    HumanRight عضو

    التسجيل :
    ‏2005-05-29
    المشاركات:
    211
    الإعجاب :
    0
    موقف الشيعة الإمامية من كتاب الله تعالى
    الدكتورة عائشة يوسف المناعي



    بسم الله الرحمن الرحيم
    التقريب الذي نصبوا إليه وكما أراه ويراه بعض الكتاب المحدثين(1) لا يعني:
    الدعوة لنشر مذهب دون غيره من المذاهب، ولا هو دعوة للإسلام بين غير
    المسلمين، ولا هو محاولة لرد الغلاة من الفرق والطوائف الغالية إلى الإسلام
    الحق، وليس من شأنه أيضاً دمج مذاهب ومدارس الفكر عند المسلمين ما دام
    الاختلاف الفكري لا ينقلب إلى عداء وانقسام في وحدة الجماعة.
    فالتقريب كما أراه: هو نبذ الخصومة والعداء، لا نبذ الاختلاف، إذ الاختلاف
    مبعثه: وجهات النظر المبنية على الفكر الحر. أما الخصومة فهي: افتراق يبنى
    على التعصب وضيق الاُفق، لا سبيل معه إلى المحاورة واللقاء.
    ومن أهم أهداف التقريب الذي نصبوا إليه: طرح الخصومة في الدين، ومحاولة
    التحرر من حمل وزرها، وعدم توارثها سلفا عن خلف، وتحويل الاختلاف بيننا إلى
    رحمة نستفيد منها في حساباتنا، ونصحح بها توجهاتنا، دون الدخول في متاهات
    التضليل والتكفير، وما يترتب عليهما من فرقة وخصومة وعداء.
    في هذا الإطار المحدود أطرح موضوعا يختص بالأصل الأول في بناء الإسلام عند
    الشيعة والسنة على السواء واقصد به (الكتاب الكريم) الذي (لا يأتيه الباطل من
    بين يديه ولا من خلفه) والذي تكفل الله وحده برعايته وحفظه وصيانته.
    هذا الأصل إذا كانت قدسيته وحرمته وتنزهه عن التحريف بالزيادة أو النقص محل
    اتفاق وإجماع بين الفريقين فان التقريب في بقية وجهات النظر المختلفة في
    المعقول والمنقول لا أظن أن أحداً يختلف حول أهميته وضرورته.
    وهنا تبدو مناقشة اتهام الشيعة الإمامية بتحريف القرآن أمرا له أهميته
    وخطورته أيضاً... لأننا لا نستطيع أن ننادي بالتقريب بين طائفتين تختلفان
    اختلافا جذريا حول قدسية الأصل الأول في بناء العقيدة عند كل منهما.
    ونقطة البدء التي أواصل منها حديثي هي: أنه لا يشك مسلم في أن الشيعة
    الإمامية مسلمون ومن أهل القبلة بكل مقاييس الإسلام الموجودة عند أهل السنة.
    ومن وجهة نظري ومن خلال أبحاث بدأت بها وأنوي الاستمرار فيها أعتقد أن هذه
    القضية لا تستحق أن تقف عقبة في وجه التقريب بين الفريقين إذا استطعنا أن
    نثبت من خلال البحث: أن فكرة تحريف القرآن فكرة شاذة لا تمثل اتجاها عاما،
    ولا أغلبيا في المذهب الشيعي، بل هو شذوذ وانحراف عن روح المذهب وقواعده
    ومقالاته، أنكره الشيعة الإمامية أنفسهم قبل غيرهم.
    وهذا لا يعد نسيانا ولا تغافلا عن حقيقة الخلافات بين الفريقين، إذ من أهم
    الخلافات مسألة عصمة الامام وما يترتب عليها من اعتبار الآثار الواردة عن
    الأئمة جزءا مكونا من السنة، أو في مصاف الأحاديث النبوية. إلاّ أننا حيث
    نعرف أن الشيعة لا يجعلون للوحي امتدادا بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
    فإن مسألة العصمة لا تصلح سببا كافيا في إخراجهم من دائرة الإسلام بالمعنى
    السني، خصوصا إذا فهمنا عصمة الأئمة في إطار الإلهام والتحديث الذي كان يتصف
    به بعض الصحابة رضوان الله عليهم.
    والذي يعنينا في هذا المقام قضيتان:
    الأولى: اتهام أهل السنة للشيعة بالتحريف.
    والثانية: اتهام الشيعة لأهل السنة بالتهمة ذاتها.
    أما القضية الأولى
    فمن الإنصاف المبني على الأدلة العلمية القول: بأن فكرة تحريف القرآن ـ على
    الأقل بالنقص ـ قال بها بعض من علماء الإمامية في نصوص صريحة لا تقبل ردا ولا
    تأويلا.
    غير أن المنهج العلمي يقتضينا أيضاً أن نتساءل حول مبررات هذه الفكرة ـ أي:
    تهمة التحريف ـ عند السنة، ثم نتساءل عن قيمتها ووزنها عند الشيعة أنفسهم، بل
    وزن هذه الفكرة في مدرسة أهل السنة كذلك.
    وفيما يتعلق بمبررات أهل السنة التي استندوا عليها وهم يتهمون الشيعة بتحريف
    القرآن فإننا نقول وكما سبق: إن الأقوال التي يمكن أن تسجل في تراث الشيعة
    ويفهم منها اعتقاد التحريف لا يكاد يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة في القديم
    والحديث على السواء.
    ونتساءل من منهج علمي متجرد: هل يشكل رأي شاذ أو فكرة ينحصر قائلوها في عدد
    محدود اتجاها عاما يحاكم به المذهب وجمهوره وعلماؤه، ويغدو القول به تهمة
    توصم به الكثرة الكاثرة من الفقهاء والمفكرين وعلماء المعقول والمنقول وهم لا
    يحصون عددا على امتداد أربعة عشر قرنا من الزمان؟
    وهل من الحق في شيء أن نأخذ موقفا عاما من مذهب ما بناء على رأي شاذ قيل فيه؟

    إذن فأين ما تصادقنا عليه في أحكامنا حين نقول: هذا رأي شاذ أو رأي ضعيف لا
    يؤخذ به، وحين نقول أيضاً: هذا هو رأي الجمهور وهو المعول عليه؟
    إذن المنهج العلمي يقضي بأن نحاكم المذاهب برأي الجمهور أو بالرأي المتفق
    عليه، لا بالرأي الشاذ أو القول الضعيف. وفي ظل هذه القواعد العلمية المأخوذ
    بها في تراثنا السني يصبح من غير المنطقي ومن غير المعقول أيضاً إطلاق القول:
    بأن تحريف القرآن يشكل اتجاها عاما في فكر الشيعة الإمامية، وأن لهم مصحفا
    يغاير المصحف الذي بأيدينا.
    وكان يمكن أن يكون لهذا الرأي الشاذ في تراث الشيعة بعض القيمة لو أن علماءهم
    صمتوا عنه ولم يردوه ويحكموا عليه بالشذوذ والانحراف. أما أن تراثهم في
    القديم والحديث يفيض بأحكام قاطعة ترد هذا القول وتبطله فإن هذا الرأي يجب أن
    يظل في حدود الشذوذ فقط.
    وهنا نجد محاولات علمية متعددة تدلنا على أن علماء الشيعة لم يرتضوا القول
    بالتحريف مثل أن يقولوا: هذه إسرائيليات دست على رواياتهم، أو: إنها مرويات
    ضعيفة السند. ولنستمع إلى الإمام الأكبر السيد أبو القاسم الخوئي، والى
    العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في عرضهما لروايات التحريف عند جماعة
    منهم، وتقسيمها إلى اربعة أقسام:
    الأول:
    روايات دلت على التحريف بعنوانه: كرواية الشيخ الصدوق بإسناده عن جابر، عن
    النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (يجىء يوم القيامة ثلاثة يشكون: المصحف،
    والمسجد، والعترة.
    يقول المصحف: يا رب حرفوني ومزقوني، ويقول المسجد: يا رب عطلوني وضيعوني،
    وتقول العترة: يا رب قتلونا وطردونا وشردونا...)(2)
    الثاني:
    روايات دلت على أن بعض الآيات المنزلة من القرآن قد ذكرت فيها أسماء الأئمة
    عليهم السلام: كرواية العياشي بإسناده عن أبي جعفرعليه السلام قال: (لو قد
    قرء القرآن كما أنزل لالفينا مسمّين) (3).
    الثالث:
    الروايات التي دلت على تغيير بعض الكلمات، ووضع مكانها كلمات أخرى: مثل: ما
    رواه علي بن إبراهيم القمي في قوله تعالى: (صراط من أنعمت غير المغضوب عليهم
    وغير الضالين).
    الرابع:
    الروايات التي دلت على التحريف بالنقيصة فقط.
    وبعد ذلك شرع العلمان الجليلان في بيان المفهوم الحقيقي لهذه الروايات
    كالآتي:
    أولا: أن هذا النوع على شذوذه وندرته غير مأمون فيه الوضع والدس، فإن انسراب
    الإسرائليات وما يلحق بها من الموضوعات والمدسوسات بين رواياتنا لا سبيل إلى
    إنكاره، ولا حجية في خبر لا يؤمن فيه الدس والوضع.
    ثانيا: أكثرها ضعيفة الإسناد، فيعلم ذلك بالرجوع إلى أسانيدها، فهي مراسيل أو
    مقطوعة الإسناد، أو ضعيفها.
    ثالثا: منها ما هو قاصر في دلالتها، فإن كثيرا مما وقع فيها من الآيات
    المحكية من قبيل: التفسير، وذكر معنى الآيات لا من حكاية متن الآية المحرفة
    كما في قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك، في علي).
    وإذا لم يتم هذا الحمل فلا بد من طرح هذه الروايات ؛ لمخالفتها للكتاب
    والسنة، وقد دلت الأخبار المتواترة على وجوب عرض الروايات على الكتاب والسنة،
    وأن ما خالف الكتاب منها يجب طرحه وضربه على الجدار(4).
    ولقد تمكنت من جمع عشرات النصوص لعلماء الشيعة القدامى والمحدثين، كلها تلتقي
    حول دحض فكرة التحريف ورفضها رفضا تاما. ولو حاولت استعراض هذه النصوص لطال
    بنا البحث، لذلك فقد انتقيت أبرزها وأكثرها بيانا، وصنفتها كالتالي:
    النص الأول: للشيخ الصدوق ـ ت 381 هـ ـ يقول فيه: (اعتقادنا في القرآن الذي
    أنزله الله تعالى على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ما بين
    الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة
    وأربع عشرة سورة، ومن نسب إلينا أنا نقول: إنه أكثر من ذلك فهو كاذب) (5).
    النص الثاني: للشيخ المفيد ـ ت 413 هـ ـ يقول فيه: (وقد قال جماعة من أهل
    الإمامة: إنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة، ولكن حذف ما كان
    مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين عليه السلام من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة
    تنزيله)(6).
    النص الثالث: للشريف المرتضى ـ ت 436 هـ ـ يرى فيه: (أن القرآن كان على عهد
    رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن ؛
    لأنه كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان، حتى عين علي عليه السلام جماعة من
    الصحابة في حفظهم له، وأنه كان يعرض على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
    ويتلى عليه، وأن جماعة من الصحابة مثل: عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب
    وغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عدة ختمات كل ذلك
    يدل كل على أنه كان مجموعا مرتبا. وأن من خالف في ذلك من الإمامية وحشوية
    العامة ـ يقصد أهل السنة ـ لا يعتد بخلافهم) (7).
    النص الرابع: للشيخ الطوسي ـ ت 460 هـ ـ يقول فيه: (أما الكلام في زيادة
    القرآن ونقصه فمما لا يليق به ؛ لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها. وأما
    النقصان فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من
    مذهبنا) (8).
    النص الخامس: للعلامة الطباطبائي، يقول فيه: (أما عدد السور القرآنية فهي
    مائة وأربع عشرة سورة ما جرى عليه الرسم في المصحف الدائر بيننا، وهو مطابق
    للمصحف العثماني، وقد تقدم كلام أئمة أهل البيت عليهم السلام فيه، وأنهم لا
    يعدون (البراءة) سورة مستقلة، ويعدون (الضحى) و(ألم نشرح) سورة واحدة، ويعدون
    (الفيل) و(الإيلاف) سورة واحدة) (9).
    النص السادس: لمحمد الحسين آل كاشف الغطاء، قال فيه: (وأن الكتاب الموجود في
    أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه ـ أي: إلى الرسول ـ للإعجاز
    والتحدي، ولتعليم الأحكام، وتمييز الحلال من الحرام، وأنه لا نقص فيه ولا
    تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم، ومن ذهب منهم أو من غيرهم من فرق
    المسلمين إلى وجود نقص فيه أو تحريف فهو مخطئ، والأخبار الواردة من طرقنا أو
    طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذة، وأخبار آحاد لا تفيد علما ولا
    عملا)(10).
    النص السابع: للسيد إبراهيم الموسوي الزنجاني، قال فيه: (وممن ظهر منه القول
    بعدم التحريف كل من كتب في الإمامة من علماء الشيعة، وذكر فيه المثالب ولم
    يتعرض للتحريف، فلو كان هؤلاء قائلين بالتحريف لكان ذلك أولى بالذكر من إحراق
    المصحف وغيره، والدليل على ذلك: قوله تعالى: (إنا نزلنا الذكر وإنا له
    لحافظون)(11).
    وقوله تعالى: (وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
    تنزيل من حكيم حميد)(12).
    فقد دلت هذه الآية الكريمة على نفي الباطل بجميع أقسامه عن الكتاب، فإن النفي
    إذا ورد على الطبيعة أفاد العموم، ولا شبهة في أن التحريف من أفراد الباطل،
    فيجب أن لا يتطرق إلى الكتاب العزيز)(13).
    النص الثامن: للشيخ محمد رضا المظفر، يقول فيه: (نعتقد أن القرآن هو الوحي
    الإلهي المنزل من الله تعالى على لسان نبيه الأكرم، فيه تبيان كل شيء، وهو
    معجزته الخالدة التي أعجزت البشر عن مجاراتها من البلاغة والفصاحة، وفيما
    احتوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف، ومن ادعى
    فيه غير ذلك فهو مخترف أو مغالط أو مشتبه، وكلهم على غير هدى، فإنه كلام الله
    الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)(14).
    النص التاسع: للشيخ الطبرسي، حيث يقول: (...الكلام في زيادة القرآن ونقصانه،
    فأما الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأما النقصان منه: فقد روى جماعة من
    أصحابنا وقوم من الحشوية العامة: ان في القرآن تغييرا أو نقصانا، والصحيح من
    مذهب أصحابنا خلافه)(15).
    النص العاشر: للحجة محمد جواد البلاغي، وهو ينكر فيه على النوري الطبرسي قوله
    بالنقيصة في القرآن، ويرد عليه بقوله: (وفي جملة ما أورده من الروايات ما لا
    يتيسر احتمال صدقها، ومنها: ما هو مختلف باختلاف يؤول به إلى التنافي
    والتعارض. هذا مع أن القسم الوافر من الروايات ترجع أسانيده إلى بضعة أنفار،
    وقد وصف علماء الرجال كلا منهم: إما بأنه ضعيف الحديث، فاسد المذهب، مجفو
    الرواية. وإما بأنه مضطرب الحديث والمذهب، يعرف حديثه وينكر ويروي عن
    الضعفاء. وإما بأنه كذاب متهم، لا أستحل أن أروي من تفسيره حديثا واحدا، وأنه
    معروف بالوقف. وإما بأنه كان غاليا كذابا...، ومن الواضح أن أمثال هؤلاء لا
    تجدي كثرتهم شيئا)(16).
    أما ما يقال عن مصحف علي بن أبي طالب أو: بأن هناك مصحفا للإمام علي عليه
    السلام يغاير المصحف الذي بأيدينا فحقيقة الأمر في هذا القول ومن كتابات
    الشيعة أنفسهم: أنه يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور فقط، وأن ما به من
    زيادة ليست من القرآن، وإنما هي تفاسير تلقاها علي عليه السلام من الرسول(صلى
    الله عليه وآله وسلم) ودونها في مصحفه.
    قيمة هذا القول عند علماء أهل السنة:
    أول من نسجله في هذا الموضوع ـ ومن خلال إحصائيات سريعة لقدامى أعلامنا
    ومؤلفاتهم ـ أن الذين حملوا لواء اتهام الشيعة بالتحريف لا يتجاوزون أيضاً
    عدد أصابع اليد الواحدة. وفي حدود معرفتي أن الأسفراييني ـ ت 471 هـ ـ من
    أبرز من رددوا هذا الاتهام، وذلك في كتابه (التبصير في الدين)، حيث يقول:
    (واعلم: أن جميع من ذكرناهم من فرق الإمامية متفقون على تكفير الصحابة،
    ويدعون أن القرآن قد غير عما كان، ووقع فيه الزيادة والنقصان من قبل الصحابة.
    ويزعمون أنه قد كان فيه النص على إمامة علي فأسقطه الصحابة عنه. ويزعمون أنه
    لا اعتماد على القرآن الآن، ولا على شيء من الأخبار المروية عن المصطفى (صلى
    الله عليه وآله وسلم).(17)
    إلاّ أننا لا نجد صدى لهذا الاتهام، لا عند الاشعري في (مقالاته) ؛ ولا عبد
    القاهر البغدادي في (أصول الدين)، ولا (الفرق بين الفرق)، ولا عند ابن حزم في
    (الفصل في الملل والنحل)، ولا الشهرستاني في (الملل والنحل). وهؤلاء هم قمة
    من أرخوا للفرق الإسلامية وغيرها.
    وإذا ما اتجهنا إلى علماء الكلام لا نجد كذلك صدى لهذه القضية في كتاباتهم
    الكلامية وهم يعرضون لأوجه إعجاز القرآن وحفظه ورعايته من الله تعالى. فيخلو
    من صدى هذه القضية كتاب (المواقف) لعضد الدين الايجي، و(الإرشاد) لإمام
    الحرمين الجويني، و(شرح المقاصد) لسعد الدين التفتازاني، و(التمهيد)
    للباقلاني، و(أصول الدين) للبزدوي.
    ونفس الموقف أيضاً نجده عند علمائنا في مجال التفسير. فقد راجعت الآيتين
    الكريمتين (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (18).
    و (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)(19).
    في تفاسير: محمد بن جرير الطبري، وجمال الدين الجوزي، والقطبي، وأبو البركات
    عبدا لله بن أحمد النسفي، وابن كثير، وأبو حيان الأندلسي، وجلال الدين
    السيوطي، وأبو السعود، والشوكاني، وكل هؤلاء لم أجد عندهم كلمة واحدة حول هذه
    القضية، لا من قريب ولا من بعيد اللهم إلاّ بعض تلميحات أوردها الفخر الرازي
    في تفسيره الكبير في هذا الموضوع لا تثبت الاتهام، بقدر ما توضح طريقة الفخر
    الرازي في رد احتجاج القاضي عبد الجبار على إنكار ما ذهب إليه بعض الإمامية
    من دخول التحريف في القرآن الكريم، وتبعه في ذلك الآلوسي في (روح المعاني).
    يقول الفخر الرازي: (احتج القاضي بقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له
    لحافظون) على فساد قول بعض الإمامية في أن القرآن قد دخله التغيير والزيادة
    والنقصان، قال: لأنه لو كان الأمر كذلك لما بقي القرآن محفوظا، وهذا
    الاستدلال ضعيف ؛ لأنه يجري مجرى إثبات الشئ نفسه، فالإمامية الذين يقولون:
    إن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان لعلهم يقولون: إن هذه الآية من
    جملة الزوائد التي ألحقت بالقرآن، فثبت أن إثبات هذا المطلوب بهذه الآية يجري
    مجرى إثبات الشيء نفسه، وأنه باطل، والله أعلم)(20).
    ورجعت إلى نصوص القاضي عبد الجبار في هذا الموضوع، فوجدته يصرح في عبارته:
    بأن القول بالزيادة والنقصان لا يجوز أن يكون إلاّ من فعل الملحدة الذين
    تستروا بإظهار مذهب الإمامية (21). وهذه العبارة تثبت أن القاضي يرى شذوذ هذا
    الرأي في وسط الإمامية والفكر الإمامي.
    إن اختفاء هذه القضية برمتها من على صفحات كتب التفسير السني والمذاهب
    الكلامية السنية لهو أقوى دليل على أن هذه القضية لم تكن تستحق المناقشة ولا
    لابحث، والا فبماذا نفسر صمت هؤلاء الأئمة الأعلام في تراثنا عن قضية خطيرة
    كهذه، تقول: إن في القرآن نقصا وتبديلا؟
    القضية الثانية:
    وعلى الجانب الآخر نجد: أن الشيعة الإمامية قد وجهوا نفس هذه التهمة إلى
    السنة، وأصبح من المعتاد أن نجد في كتب المحدثين منهم ـ على الأقل ـ أبحاثا
    متخصصة في هذه المسألة، وقد نلتمس لهم بعض العذر في هذا الأمر، إذ من الضروري
    أن يكون هذا الموقف رد فعل على اتهامهم من قبل السنة بالتحريف، ودفاعا عن
    موقفهم اتجاهه. ولا نريد أن نستطرد في ذكر هذه الأبحاث، ولكن نختار منها ما
    ذكره أجلة علماء الشيعة المعاصرين من أمثال: الخوئي، والطباطبائي ومحسن
    الأمين، وكلها أقوال تدور حول إثبات أن تحريف القرآن بالنقص والزيادة وقع من
    طريق أهل السنة، ومعتمدهم في هذه الدعوى أحاديث وأخبار ورد معظمها في مسند
    الإمام أحمد بن حنبل وفي صحيح البخاري:
    مثل: رواية أبي بن كعب التي يقول فيها: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله
    وسلم) قال: (إن الله تبارك وتعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن، قال: فقرأ: لم
    يكن الذين كفروا من أهل الكتاب، قال: فقرأ فيها: ولو أن ابن آدم سأل من مال
    فأعطيته لسأل ثانيا... إلى آخر الرواية) (22).
    وأيضا مثل: آية الرجم: عن عمر بن الخطاب في حديث أنه قال: (إن الله بعث محمدا
    (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله:
    آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فلهذا رجم رسول الله (صلى الله عليه
    وآله وسلم)، ورجمنا بعده، فأخشى أن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما
    نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلون بترك فريضة أنزلها الله..) (23).
    قال شيخ الإسلام في حاشية صحيح البخاري: (آية الرجم: هي (الشيخ والشيخة إذا
    زنيا فارجموهما البته)، ولكن نسخت تلاوتها دون حكمها).
    ومثل: ما أورده السيوطي، عن مصحف ابن مسعود من أن فيه (مائة واثنتا عشرة سورة
    ؛ لأنه لم يكتب المعوذتين)، (وفي مصحف أبي بن كعب ست عشرة، لأنه كتب في آخره:
    سورتي الحفد والخلع) (24).
    وهنا نصل إلى نقطة التقاء تدفعنا دفعا إلى أن ننادي بإزاحة هذه القضية من على
    مسرح الاختلاف بين الشيعة والسنة. فإذا كانت المسألة تصير إلى أن قضية تحريف
    القرآن شذوذ عند الفريقين وأن جمهور الفريقين قد ردها ورفضها فمن العبث أن
    تقف قضية بهذه الصورة حجر عثرة في سبيل التقارب بين شطري الأمة الإسلاميّة،
    وأن يتخذ منها مصدرا لبث الفرقة والاختلاف وتوجيه التهم، وكما قال قائلهم:
    (فإذا كان شذاذ منكم ومنا سبقهم الإجماع ولحقهم رووا ما اتفق المحققون
    والجمهور منا ومنكم على بطلانه ودلت عباراته بانحطاطها عن درجة القرآن الكريم
    على أنها ليست بقرآن فكيف تلصقون بنا عيبه وتبرئون أنفسكم، ما هذا بإنصاف؟)
    (25).
    بقيت مسألة، الحديث فيها من وجهة نظر خاصة، يجب التنبيه عليها والتحذير من
    استغلالها في رفض ورد ما يجمع عليه أئمة هذا المذهب. هذه المسألة هي: مسألة
    (التقية) فقد يقول قائل: إن ما يجمع عليه هؤلاء الأئمة من إنكار التحريف إنما
    هو تقية.
    ونحن نقول: إن تقويم ما تصل إليه الأبحاث العلمية قبولا ورفضا على اساس مبدأ
    التقية لا يعتبر من المنهج العلمي في نقد الأفكار ومحاكمتها، فبإمكان أي شخص
    لا يريد قبول الرأي الآخر أن يلغي بجرة قلم كل النتائج المستخلصة في أي مشكلة
    شائكة من هذا القبيل قائلا: هذا من التقية، وبالتالي يجب رده وإنكاره. بل
    إننا لو اعتمدنا مبدأ التقية في الحوار بين السنة والشعية فإنه لا يمكن
    الوصول إلى تكوين أي موقف اتجاه الشيعة مهما كان هذا الموقف دفاعا أو هجوما.
    إذن لنستبعد هذه العصا السحرية التي يلجأ إليها الكثير من المعارضين للشيعة
    في رفض ما يحبون رفضه، دون أن يتجشموا عناء البحث والتقصي خصوصا وأن مبدأ
    التقية كان في فترة اضطهاد الشيعة والظروف القاسية التي تعرضوا لها من قبل
    خصومهم، وكانوا يبيحونه لإنقاذ حياتهم، لا ليتهربوا به من المناقشات
    والمحاورات.
    ولهم في تبرير هذا الأصل أحاديث ثابتة عند أهل السنة أيضاً، وكلها يحصر
    استخدام هذا المبدأ في الفرار من الخطر المحدق بحياة الشخص.



    قال الإمام الصادق عليه السلام:
    (من شك أو ظن فأقام على أحدهما فقد حبط عمله، إن حجة الله هي الحجة الواضحة).

    وسائل الشيعة 18: 113، عن الاستبصار.
    1 ـ راجع معالم التقريب بين المذاهب الإسلاميّة لمحمد عبد الله المحامي: 7،
    كتاب الهلال، مارس (1989م).
    2 ـ الخصال 1: 174.
    3 ـ البحار 19: 30، البرهان 1: 22، وإثبات الهداة 3: 43، والصافي 1: 14.
    4 ـ راجع في ذلك: البيان في تفسير القرآن: 229 ـ 233، والميزان في تفسير
    القرآن 12: 112
    5 ـ اعتقادات الشيعة الإمامية: 101.
    6 ـ أوائل المقالات: 97.
    7 ـ جواب المسائل الطرابلسية، نقلا عن محسن الامين في (الشيعة بين الحقائق
    والأوهام): 162.
    8 ـ التبيان في تفسير القرآن، المقدمة.
    9 ـ الميزان في تفسير القرآن 13: 232.
    10 ـ أصل الشيعة وأصولها: 82 (1982 م).
    11 ـ الحجر: 9.
    12 ـ فصلت: 41 ـ 42.
    13 ـ عقائد الإمامية الاثني عشرية 1: 55، مؤسسة الوفاء، بيروت (1982 م).
    14 ـ عقائد الإمامية: 85.
    15 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن 1: 15، دار المعرفة بيروت (1986).
    16 ـ مقدمة مجمع البيان للطبرسي 1: 27.
    17 ـ التبصير في الدين: 24 (ط / 1940 م).
    18 ـ الحجر: 9.
    19 ـ فصلت: 42.
    20 ـ التفسير الكبير للفخر الرازي 19: 165، دار الفكر، بيروت (1981 م)، وانظر
    أيضاً روح المعاني للآلوسي 14: 16، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
    21 ـ المغني لابن قدامة 16: 286.
    22 ـ مسند أحمد بن حنبل 5: 131.
    23 ـ صحيح البخاري 5: 152، (باب رجم الحبلى من الزنا).
    24 ـ الإتقان في علوم القرآن 1: 57، دار الندوة الجديدة، بيروت.
    25 ـ الشيعة بين الحقائق والأوهام للسيد محسن الأمين: 169، مؤسسة الأعلمي،
    بيروت (1977م).
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-06-21
  3. هارون

    هارون قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-02-02
    المشاركات:
    3,279
    الإعجاب :
    0
    تعبت من القرايه
     

مشاركة هذه الصفحة