المهنة:عامل سوري في لبنان.

الكاتب : الثمثمى   المشاهدات : 500   الردود : 0    ‏2005-06-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-06-01
  1. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0

    كان اللبنانيون وما زالوا يفخرون باقتصادهم الحر بل يبالغون في اعتباره ثمرة لعبقرية نادرة حصرها الله بهم دون سواهم من أهل الأرض.وكانوا يرفضون أي شكل من أشكال التدخل في الحرية الاقتصادية ويمانعون كل إصلاح وتخطيط وأية إجراءات تخفف من أعباء الكلفة الاجتماعية الباهظة للنشاط الرأسمالي المطلق والذي كان على الدوام متوحشا في هذا البلد إذ لم يعترف يوما بأي حق غير حق الربح المفتوح على مصراعيه بغض النظر عن الأضرار الاجتماعية التي يتسبب بها.

    لقد اجتاز الاقتصاد اللبناني حروب لبنان بخسائر غير مميتة وكان عليه بعد الحرب إن يستعيد زمام المبادرة وهكذا صار ففي اقل من عشر سنوات عاد إلى سابق حيويته بفضل عوامل كثيرة من بينها رخص اليد العاملة السورية التي وفرت أرباحا هائلة للبنانيين خصوصا في مرحلة إعادة الإعمار ذلك أن كلفة بناء ما دمرته الحرب كان يمكن أن تكون مضروبة بثلاثة أرقام لو أن اللبنانيين أرادوا حصر مشروع الاعمار بالعمالة اللبنانية ما يعني أن فائض القيمة الذي أنتجته العمالة السورية كان عنصرا حاسما في استعادة هذا البلد لحيويته الاقتصادية وبرهانا على "عبقرية" الاقتصاد اللبناني الحر المزعومة.!!

    و لا يبدو المثال اللبناني فريدا من نوعه على رغم كل الادعاءات المتداولة ذلك أن نهضة النمور الآسيوية قامت أصلا على اليد العاملة الرخيصة والنهضة الصينية الراهنة متصلة برخص العمالة المحلية وما يسمى بالسنوات الثلاثين المجيدة في فرنسا تدين للعمالة المغاربية المهاجرة والرخيصة ونهضة الاقتصاد الألماني متعلقة جزئيا بالعمالة التركية الرخيصة..الخ.

    بيد أن ما يميز المثال اللبناني هو عنصريته الفاقعة تجاه العمالة السورية رغم أن هذه العمالة كانت مجردة من كل حماية سورية خلال الوجود العسكري. فسوريا التي كانت تشكل الحكومات اللبنانية وتطيح بها لم تتدخل مرة واحدة من اجل توفير ضمانات اجتماعية وصحية وعقود عمل لمواطنيها العاملين ما بدا أنه ضرب من الحماية للرأسمال المتوحش.

    هكذا يأخذ اللبنانيون على العمال السوريين أنهم يحولون مليارا ونصف المليار من أجورهم إلى سوريا دون أن يذكروا مليارات الدولارات التي نتجت عن الأجور المصروفة والمحولة فكأنما يراد للسوريين أن يعملوا بأجور تبقى في لبنان كرمى لعيون العنصريين وكأن اللبنانيين المهاجرين لا يرسلون أجورهم إلى بلدهم. يأخذون على العمال السوريين تسللهم السري إلى سوق العمل اللبنانية مع معرفتهم التامة أن العمالة السرية وغير المعلنة هي التي تضاعف الأرباح وأن الاقتصاد اللبناني الحر هو الذي يستدرجها ويشجعها. يأخذون على العمالة السورية منافستها للعمالة اللبنانية وهم يدركون أن هذا الادعاء كاذب لان كلفة معيشة العامل السوري تعادل ثلث كلفة معيشة العامل اللبناني وبالتالي من الصعب أن يحل اللبناني محل العامل السوري.يأخذون على العمالة السورية أنها تتسبب في هجرة اللبنانيين وهم يعرفون أن هذا الادعاء كاذب لان اللبناني يهاجر منذ أن وجد لبنان و لان ارتقاء اللبناني يبدأ من بعد مرتبة العامل السوري تماما مثلما يبدأ ارتقاء الخليجي من بعد مرتبة المهاجرين العرب والأجانب في الخليج وبالتالي يصبح العامل السوري سببا في ارتقاء اللبناني وليس سببا في هلاكه. ويأخذون على العمالة السورية تضخمها وفيضانها على السوق وهم يعرفون أن التضخم والفيضان يعني زيادة العرض على الطلب وبالتالي انخفاض الأجور وارتفاع الأرباح.

    وما يجدر ذكره أن العنصرية اللبنانية تجاه العمالة السورية ليست جديدة فهي سابقة على الوجود العسكري السوري في لبنان واستمرت معه وستستمر بعده.ويلاحظ ذلك بوضوح في اللهجة اللبنانية الت****ية ذلك أن اللبناني قبل الحرب كان إذا أراد أن يحقر زميلا له يصفه ب "الحوراني" كأن يقول " شو هالحوراني هيدا" فالعامل السوري قبل الحرب لم يكن يعرف بجنسيته بل بكونه "حوراني" فيقال هذه الورشة تحتاج إلى عدد من "الحوارنة" وتلك تحتاج إلى عدد اكبر والسبب في ذلك أن معظم العمال السوريين كانوا يأتون من منطقة حوران الزراعية التي تحول اسمها إلى شتيمة. وبما أن العنصرية تطال عادة الضعفاء ولا تجرؤ على الأقوياء فان بعض العنصريين اللبنانيين كان لا يجد غضاضة في استدراج رضا ومباركة الجنرال رستم غزالة الذي ينتمي إلى محافظة حوران السورية نفسها.

    وإذا كان صحيحا أن النظرة الدونية الممزوجة بقدر من الاحتقار والعنصرية تطال عموما العمالة الأجنبية غير العربية فتشمل السيريلنكيين والاثيوبيين والفليبينيين فالصحيح أيضا أن أحدا لا يشكو تحويل هؤلاء أجورهم إلى بلدانهم الأصلية علما أن العمال الأجانب لا تجمعهم باللبنانيين لغة وثقافة وتاريخ مشترك كما هي حال السوريين واحدا في لبنان لا يدعي انه يريد أفضل العلاقات مع سيريلنكا كما يقال عن العلاقات مع سوريا فكيف يستوي الخطاب العنصري ضد العمالة السورية مع كل هذا القدر من النفاق و البلاغة العروبية التي تضج بها تصريحات المسؤولين اللبنانيين على مدار الساعة؟!

    قصارى القول أن لا أسباب اقتصادية تبرر العنصرية ضد العمال السوريين في لبنان ولا أسباب تاريخية وثقافية ولا أسباب عرقية فنحن وإياهم ننتمي إلى حضارة واحدة وثقافة واحدة ولا أسباب متصلة بالحرب الأهلية ولا بالوجود العسكري السوري السابق في لبنان بالمقابل هم يساهمون بمراكمة الثروة اللبنانية ويحتلون أدنى المراتب الاجتماعية فيعملون على تسهيل الارتقاء الاجتماعي اللبناني ولا تترتب عن قوة عملهم كلفة اجتماعية أو صحية باختصار أنهم فرصة نادرة للنمو اللبناني فلماذا يحتقرون وتنسب إليهم ظلما كل الشرور؟!

    في ضؤ ما سبق يبدو لي أن خطرا يتهدد صحة اللبنانيين النفسية ما لم يبادروا إلى إرسال عنصرييهم إلى أقرب مستشفى للأمراض العصبية... أي إلى "العصفورية" بحسب التسمية اللبنانية.

    فيصل جلول


    انتهى.

























     

مشاركة هذه الصفحة