تنازل أكثر تحكم أطول!

الكاتب : الثمثمى   المشاهدات : 444   الردود : 0    ‏2005-06-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-06-01
  1. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0

    ساذج تماماً من يظن أن لواشنطن مشكلة مع أي نظام عربي، وأكثر سذاجة من يعتقد أن الإدارة الأمريكية أصبحت في صف الشعوب والمعارضات العربية «الطيبة» أو المطالبين بالإصلاح والتغيير. وعلى الذين استقووا بالضغوط الأمريكية الظاهرية الأخيرة على بعض الحكومات العربية للمطالبة بالإصلاحات، ظناً منهم أنها أصبحت في نزعها الأخير، أن يراجعوا حساباتهم وأن يفرملوا ألسنتهم وألا يتمادوا في هجماتهم على الأنظمة الحاكمة في بلدانهم، فمن الممكن جداً أن ينقلب مؤشر البازار «الإصلاحي» الأمريكي مائة وثمانين درجة برمشة عين، كما يمكن لطنجرة الضغط الأمريكي أن تفقد بخارها فجأة وتخيّب آمال الكثيرين كما حدث بالأمس مع الليبيين واليوم مع السعوديين.

    إن التقرب من أمريكا، حاضراً ومستقبلاً، لا يأتي من خلال تبني هذه المعارضة العربية أو تلك للإصلاح أو الديمقراطية والمناداة بهما، بل من خلال قدرة من يمسك بزمام السلطة العربية، كائناً من كان، على إشباع النهم الأمريكي وتحقيق رغبات البيت الأبيض وخاصة الاقتصادية والتجارية وتقديم أقصى ما يمكنه من تنازلات سياسية وعسكرية في سوق الابتزاز والمضاربة الأمريكي المفتوح.

    حدثني أحد المعارضين العرب قبل فترة عما دار بين عدد من المعارضين لأحد النظم العربية ومسؤولين من الإدارة الأمريكية. لقد كان الأمريكيون صريحين كعادتهم، فسألوا المعارضين في الاجتماع: ماذا بإمكانكم أن تقدموا لنا إذا دعمناكم، فأجاب المعارضون «الغلابه» برومانسية بدائية: «نحن ليس لدينا أي شيء نقدمه لكم»، فضحك المسؤولون الأمريكيون بملء أشداقهم، وقالوا للمعارضين المغفلين: «إن نظام الحكم الذي تريدون تغييره في بلدكم يحقق لنا الكثير، وهو تواق دائماً لأن يرضينا ومع ذلك ما زال أمامه الكثير كي يحظى برضانا». بعبارة أخرى على المعارضين العرب أن يتعلموا أن اللعبة مجرد «بزنس» سياسي وأنهم مهما كانوا كريمين مع الأمريكان فإن الأنظمة الحاكمة يمكن أن تبزهم في كرمها وتجعلهم يبدون بخلاء لا بل ناكرين للجميل في أعين البيت الأبيض.

    وكي لا يعتقد البعض أنني أفشيت لهم سراً عظيماً أرجو فقط أن ينظروا قليلاً إلى التطورات الأخيرة ليروا بأم أعينهم كيف أعادت أمريكا عقارب الساعة إلى الوراء و"لحست" حماسها المزعوم للتغيير في المنطقة بعد استقبال ولي العهد السعودي في مزرعة الرئيس بوش والإعلان بعد ذلك مباشرة عن استثمارات سعودية جديدة بأكثر من ستة مليارات دولار في أمريكا، ناهيك عن إجراء تنزيلات عاجلة على أسعار النفط. وقد زاد الأمر وضوحاً بعد إعلان السلطات السعودية عن سجن مجموعة جديدة من الإصلاحيين بجرأة فائقة بحجة تطاولهم على نظام الحكم والخروج على طاعة ولي الأمر، وكأن النظام يقول للمطالبين بالإصلاح من موالين ومعارضين: «لقد أمـّنت على نفسي من جديد «واللي مش عاجبو يبلــّط البحر» هذا إذا تركناه طليقاً أصلاً».

    ومن الواضح أن اعتقال «الإصلاحيين» السعوديين لم يثر في الأمريكيين حكومة ووسائل إعلام اهتماماً يُذكر، فقد التزم البيت الأبيض الصمت المطبق على مبدأ «أطعم الثم تستحي العين». ولو، لا سمح الله، فاجأتنا الإدارة الأمريكية وضغطت من أجل إطلاق سراح المعتقلين السعوديين الجدد لكان ذلك من أجل الحصول على تنازلات سعودية جديدة لا أكثر ولا أقل. وعلى الأغلب لن يحدث أي ضغط لفترة طويلة حتى ينتهي مفعول الرشوة الجديدة أو بوليصة التأمين على النظام التي يمكن أن تحميه طالما لديه القدرة على تجديدها.

    وما ينسحب على السعودية ينسحب على معظم الدول العربية تقريباً، فقد رأينا كيف أصبحت الخيمة الليبية الشهيرة مِحجـّاً للمسؤولين الغربيين والأمريكيين تحديداً بعد أن كفـّر ساكنها عن ذنوبه السابقة واللاحقة ودفع كل الفواتير المستحقة إلى آخر مليم. ولا اعتقد أن حظ المعارضين الليبيين سيكون أفضل من حظ المعارضين السعوديين حتى لو وصل صياحهم إلى عنان السماء. وحسبهم أن يعيشوا في أمريكا وأوروبا بهدوء تام حتى ينقضي أجل الوديعة المؤمن بها على النظام القابلة للتجديد.

    وإذا كان الأمريكيون قد سخروا من بعض المعارضين المتعاونين معهم حتى العظم لمجرد أنهم لم يعدوهم بتنازلات أكثر بكثير من تلك التي يقدمها النظام الذي يريدون تغييره، فكيف لهم أن يساعدوا حركة الإصلاح المصرية «كفاية» التي يناصب بعض فصائلها الأمريكيين العداء بشدة؟ إن حلم "كفاية" بدعم أمريكي حقيقي للإصلاح والتغيير في مصر أشبه بحلم إبليس في الجنة. ناهيك عن أن العم سام لن يجد أفضل من النظام المصري الحالي لأسباب يعرفها القاصي والداني.

    لم يبق في الساحة إذن إلا النظام السوري الذي يتعرض للضغوط الأمريكية. وليت الضغوط كانت من أجل الإصلاح الداخلي فعلاً، فالشعب السوري يعرف تماماً أن آخر ما يهم الأمريكيين هو تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتغيير في سوريا لصالحه. لا بل إن الشعب يعي أيضاً أنه والنظام في قارب واحد عندما يتعلق الأمر بالضغوط الأمريكية على البلاد. إن الضغط على سوريا هذه الأيام واستهدافها دون غيرها يرجع بالدرجة الأولى ليس إلى أنها الدولة الوحيدة المستعصية على الإصلاح بل إلى بعض مواقفها التي ما زالت تؤرق الأمريكيين قليلاً. فهي، بالرغم من تنفيذها للكثير من الفرمانات الأمريكية، إلا أنها الوحيدة عربياً التي تعتبر الوجود الأمريكي في العراق احتلالاً كما يظهر من وسائل إعلامها، وهي الوحيدة التي لا تبلع لسانها عندما تتحدث عن المقاومة العراقية، وهي الوحيدة التي تتمسك بأضعف الإيمان فيما يخص نزاعها مع إسرائيل ومواقفها من السياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

    لابد من التمييز بين أمرين فيما يخص النظام السوري. صحيح أن البلاد بأمس الحاجة إلى الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي العاجل لتمتين جبهتها الداخلية ودرء التدخلات الخارجية ووقف نزيف الفساد الهائل، لكن ذلك يجب أن لا يعمي الداعين إلى الإصلاح والتغيير عن حقيقة مهمة جداً ألا وهي أن سوريا باختصار مستهدفة بسبب عدم انصياعها التام وعدم تقديمها كل التنازلات المطلوبة أمريكياً وليس لأي شيء آخر. بكلمة أخرى فإن سوريا مستهدفة بسبب مواقفها الإيجابية وليس بسبب سياساتها الاستبدادية والقمعية. وبالتالي فإن على الشعب السوري وبعد أن أدرك أن الضغوط الأمريكية على بلاده ليست من أجل سواد عيونه بل من أجل النيل مما تبقى من مواقف سورية جيدة مرفوضة أمريكياً وإسرائيلياً، عليه إذن أن يلتف حول قيادته لإفشال الحملة الأمريكية بشرط أن يضغط في الوقت نفسه على تلك القيادة كي تحقق له الإصلاحات المطلوبة وبذلك ينتزع ورقة الإصلاح المزعومة من الأيدي الأمريكية ويعالجها داخلياً.

    لو كان النظام السوري قد نزل إلى بازار التنازلات والابتزاز الأمريكي المشرّع على مصراعيه دون شروط لما كانت هناك الآن ضغوط أمريكية على سوريا ولما كانت دمشق على قائمة الإرهاب ولما كان هناك معارضة سورية يستقبلها الكونغرس ويرصد لها الميزانيات من أموال دافع الضرائب الأمريكي ولا حملات إعلامية مفضوحة ولا تحرشات عسكرية ولا عملية لي أذرع ولا عقوبات اقتصادية ولا قوانين محاسبة ولا من يحزنون ولكان النظام السوري يُستقبل استقبال الأبطال في واشنطن ويُشاد باحترامه الفائق لحقوق الإنسان وديمقراطيته «الرائعة» كما حدث للرئيس التونسي عندما زار البيت الأبيض قبل فترة. بعبارة أخرى فإن الاستهداف الأمريكي لأي بلد قد يكون مؤشراً على أن البلد المُستهدف ربما على حق في بعض مواقفه. وقد قال الإمام الخميني ذات مرة: «إذا رضيت عنك أمريكا فاتـّهم نفسك».

    ولو كان نظام صدام حسين على بشاعته قد انصاع للابتزاز الأمريكي بما فيه من ضغوط للتطبيع مع إسرائيل وإطلاق يد الأمريكيين في العراق لكان الآن في منصبه معززاً مكرماً. وكي لا يعتقد البعض أنني أطبل لنظام مكروه أود فقط التذكير بما قاله وزير الخارجية البريطاني بالحرف الواحد: «لو استجاب صدام حسين لطلباتنا لكان الآن هو وولداه عُديّ وقــُصيّ في الحكم ولما حدثت الحرب». هذا ما قاله جاك سترو بعظمة لسانه.

    ألا يحق لنا أن نتسأل أيضاً لماذا ينحصر الضغط الأمريكي من أجل الإصلاح المزعوم على دول عربية دون غيرها وكأن هناك خياراً ديمقراطياً وفقوساً استبدادياً في ديارنا العربية الغراء! أليست كل أنظمتنا العربية «في الهوى سوى»؟ هل النظام التونسي أكثر ديمقراطية من النظام السوري ليحظى بمديح جاك شيراك وثناء جورج بوش على "إنجازاته الديمقراطية العظيمة"؟ هل النظام المخابراتي والعسكري الجزائري الذي حول البلاد إلى مزرعة خاصة مثلٌ يُحتذى في احترام حقوق الإنسان والحكم الصالح؟ وهل نظام ولد الطايع في موريتانيا رمز للحرية والكرامة الإنسانية؟ وهل النظام المغربي الذي يسيّره «المخزن» من ألفه إلى يائه بطريقة قروسطية ديمقراطي حتى النخاع؟ أليس كلنا «أولاد حارة واحدة ونعرف بعضنا البعض جيداً؟» هل يختلف نظام عربي عن آخر إلا بمدى قبوله بشروط اللعبة الأمريكية وابتزازاتها؟ ألم يكن إسقاط النظام العراقي ومن ثم تدجين النظام الليبي إرهاباً وتحذيراً أمريكياً لبقية الأنظمة العربية كي تجود بأقصى ما عندها من تنازلات وليس من أجل إصلاح المنطقة ودمقرطتها؟

    إنه بازار المزايدات السياسية الأمريكي المفتوح حيث يرسو فيه العطاء والسخاء والرضا والتعامي عن المعاصي السياسية على أفضل من يقدم العروض السخية لليانكي بشروط ميسرة أكثر. لا بل أصبحت ولكثرة المساهمين والمتهافتين عليها بورصة سياسية ترتفع فيها مؤشرات الإصلاح وتنخفض تبعاً لما يقدمه المساهمون من عروض طيبة في سوق التداول اليومي حتى انهارت بورصة الإصلاح تماماً ولم يعد أحد يشتري السهم الخاسر بقرش صدئ.

    هل بعد كل ذلك بإمكان المعارضات والشعوب العربية أن تراهن على الإصلاحات الأمريكية المزعومة، أم عليها أن تخرج من قوقعة أوهامها وتتوقف عن لعب دور الشحاذ الذي يقبل بما يجود به عليه الآخرون. أما آن الأوان أن تعي الشعوب العربية أن كل ما يُمنح يُمنع وأن الإصلاحات الحقيقية والكاملة هي التي تحققها بأيديها كما فعلت كل الشعوب التي تحترم نفسها لا تلك التي يتكرم بها عليها الأجانب؟ متى يتوقف بعض أنظمتنا الحاكمة عن رهن ثروات الأوطان ومقدّراتها للقوى المهيمنة مقابل أن ترضى عنها وتبقيها في عروشها؟ متى يتعلم الذين يعلقون آمالهم على التدخل الأمريكي بأن أمريكا ليست جمعية خيرية إصلاحية بل جمعية رأسمالية ريعية بامتياز تكاد تكون نصيحتها للأنظمة العربية: «تنازلي أكثر تحكمي أطول».
    د.فيصل القاسم
     

مشاركة هذه الصفحة