اليمن ما زال بعيدا عن نقطة الإقلاع ( محمد الرميحي )

الكاتب : الصلاحي   المشاهدات : 701   الردود : 6    ‏2005-05-31
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-05-31
  1. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    بعض الخبثاء من المهتمين بالشأن اليمني من العرب يروون القصة التالية عن اليمن الحديث، وهي أن احدهم زار سوق السمك في عدن وسأل عن ثمن كيلو السمك فقال له البائع بخمسة ريالات، فقال متعجبا، في زمن الانجليز كان كيلو السمك بريالين فرد عليه البائع بسرعة، يا عمي هات الانجليز، وخذ الكيلو بريال واحد فقط.
    نكتة مرة بلا شك، ومغزاها لا يخفى على العارفين، ولكنها قد تقترب من الحقيقة إن قرأنا ما يحدث في اليمن اليوم قراءة قريبة إلى الواقع، فإدارة دولة بهذا الحجم وبهذه الموارد الاقتصادية المتواضعة، وبهذا التاريخ الحديث من الصراع ليس أمرا هينا وفي متناول اليد، إلا أن القضية برمتها تستأهل وقفة، وتتطلب رؤية.
    في رحلة سريعة مع نائب رئيس الوزراء الكويتي وزير الدفاع الشيخ جابر المبارك للتهنئة بالعيد الخامس عشر للوحدة اليمنية، وكانت الاحتفالات قد عقدت هذا العام في المكلا، وصلت الطائرة من الكويت في بحر أقل قليلا من ساعتين ونصف الساعة، وهذا يعطيك دليلا على كم هي بلاد العرب قريبة خل في آن.
    وقد قدم عدد كبير من العرب الرسميين والشعبيين للمباركة بالمناسبة، وفي خيمة تذكرك بتواضع خيام المرشحين في أيام الانتخابات الكويتية إذا قورنت بها، عقد حفل الاستقبال الكبير في العدد والبسيط في التنظيم، وهو تعبير عن بساطة اليمنيين والعلاقة المباشرة في جمهوريتهم الفتية بين الفئات الحاكمة المختلفة والمحكومة، ففجأة تجد بجانبك رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، أما وزير الخارجية الأستاذ القربي فلم أتعرف عليه لوهلة بسبب قبعة البيس بول على رأسه حتى خلعها!
    إلا أن الملاحظات عديدة على المكلا، المدينة، فلم نر «بنات المكلا» اللاتي تغنى بهن الشاعر في الأغنية المعروفة «يا بنات المكلا يا دواء كل علة» وبعضهم يغير كلمة الدواء بكلمة «يا سبب» كل علة !، وكانت الأبنية المتناثرة على طول الطريق ما زالت هياكل قائمة على عروشها بعد، رغم جمال الشاطئ البحري الممتد على بعد النظر.
    وما دام الحديث عن المرأة في تلك الأغنية المشهورة، فلم يفت السيد رئيس الوزراء اليمني أن يهنئ بحصول المرأة الكويتية لحقوقها السياسية، فقلت له مخطئا أن لديكم سيدتين في المجلس التشريعي، قال بسرعة لدينا أربع، ثلاث منهن في البيت!
    فتمكين المرأة العربية من العمل السياسي، مثل كل شيء آخر، يمكن أن نستعير آلياته من الغرب، ولكن الواقع الاجتماعي والثقافي يمنعه من إعطاء ثمراتها على ارض الواقع بشكل أفضل، هو ذلك في اليمن وفي غيرها، فعلى الرغم من النصوص الجميلة في الدستور الذي يحث بقوة على مشاركة المرأة اليمنية، ورغم كل الجهود «النصية» التي قامت بها تقليدا جمهورية اليمن الجنوبية في الأيام الخوالي تجاه تمكين المرأة وتعزيز الأسرة ومنع الزواج من أكثر من واحدة، وتقليل ثقل القبيلة في الشأن السياسي، إلا أن الاصطفاف في نهاية المطاف كان على مسار الخطوط الفاصلة الاجتماعية لا السياسية، وفشلت النصوص في تغييرالواقع، لان الواقع الثقافي لم يلتفت إليه، فكان اقتتال الاخوة على التقسيم القبلي والمناطقي في الوقت الذي ضمهم حزب واحد له شعارات واحدة، ولكن ذلك تاريخ نستذكره لنتذكر خطاياه.
    وإذا كان الدواء يذكر في الأغنية الشهيرة التي تغنت ببنات المكلا، فهو أي الدواء من ابسط الأمور التي يجب أن تتوافر للمواطن في إطار التنمية الحديثة، إلا أن القصة المتداولة في اليمن، وقد سمعتها من أصدقاء هناك في الزيارة، أن رئيس الوزراء السيد عبد القادر باجمال، قد أصيب بتسمم مؤخرا وفقد الوعي بسبب تناول دواء فاسد! فإذا كان رئيس الوزراء معرضا لهذا النوع من المخاطرة، فما بالك المواطن اليمني في القرى والأرياف الممتدة في اليمن الكبير الذي يحتاج إلى الدواء كما يحتاج إلى ابسط الأشياء، وإذا كان الدواء معرضا للفساد، ترى ما هو مسار قطاعات التنمية الأخرى؟ هل يمكن أن يكون الفساد بعيدا عنها ؟ تلك ظاهرة تستحق النظر من زاوية التنمية في اليمن، فهي تنمية لا زالت بعيدة عن مرحلة الإقلاع، وليس من العدل لوم أهل اليمن ومتخذي القرار فيه، على تلك الحالة من التنمية، إلا أنهم ليسوا بعيدين أيضا عن المسؤولية.
    فأين يكمن الدواء في الحالة التنموية اليمنية يكمن الداء أيضا.
    ولتفسير تلك العبارة نجد أن اليمن لا زال يصرف جزءا غير يسير من ميزانيته على «الأمن» بشاكلتيه المختلفتين الداخلية والخارجية، والأمن هنا كما هو مفهوم مكرس في عدد من البلاد العربية، يتوجب السؤال، هل هو تأمين الدولة والمجتمع من خطر خارجي؟ أم هو تأمين الحكم من خطر حقيقي أو متخيل من الداخل، والدولة لها معنى والحكم له معنى آخر، ولا غرو أن الأمنين قد تداخلا بشدة في المفهوم العربي العام، إلا أن الأولويات في الدول ذات المصادر المنخفضة الدخل الوطني كاليمن، تستوجب التساؤل.
    اليمن ليست استثناء في تغليب الأمن الداخلي على الخارجي، فليس في الأفق من يريد «احتلال» اليمن من الخارج، وليس في الأفق عدوان خارجي وشيك، أو أطماع إقليمية طاغية وصارخة ضده.
    إنما في الأفق صراع داخلي واضح ومتعدد الدرجات، يقوده تراكم مشكلات طويلة الأمد، لعل أهمها نوعية التعليم في اليمن، الذي استمر طويلا تحت طائلة وإشراف المدرسة المتشددة، وكان التعليم متروكا لهذه القوى المتشددة دون مساءلة أو رقابة، أو حتى دون تقييم لما يقدم للطلاب من «علم» أن صح التعبير، فجاء إلى الساحة اليمنية رجال متشددون يملكون كثيرا من القدرة الاقناعية لرجل الشارع، وهي قدرة إقناع نابعة من النصوص وفهمهم المتعسف لها، ويزيد من هذا الاقتناع الوضع الاقتصادي الذي يؤهل القلة لسبب أو لآخر بالثراء، على حساب الأكثرية فائقة الفقر، ولا يضيف التعليم بشكل عام أية مساعدة للتنمية اليمنية، من هنا ظهرت العديد من الحوادث التي هزت اليمن، وكان آخرها أحداث الحوثي، التي شغلت اليمن وشغلت قلوب محبيه عليه، وهي ظاهرة «ثقافية، اقتصادية» قد تختفي لتظهر أخرى قريبة، إذا لم تعالج المسألة برمتها، وعلاجها يتطلب الشجاعة والقدرة على إدارة حديثة يتوافر لها الرجال في اليمن اليوم، ولم يتوافر حتى حينه القرار.
    فرجال اليمن قد أقاموا دولا ومجتمعات حديثة أو ساعدوا في إقامتها في بلاد المهجر التي توجهوا إليها، وفي وقت ما كان هناك أكثر من نصف دستة من رؤساء الوزارات من أصول يمنية، وخاصة من أبناء الجنوب في بعض بلاد آسيا ذات الثقل اليمني المهاجر، كما كان لعمل بعض التجار اليمنيين في الخليج صيت ذائع في تكوين الثروات والحفاظ عليها وتنميتها، فالخصوصية اليمنية في نقص التنمية ليست بسبب نقص الرجال ولكنها على الأقرب بسبب عوز في استخدام الموارد على أسس صحيحة، منها الصرف على قنوات الأمن الكثيرة، وبعضها من صنع اليد، كما حصل في الإعلان الأخير عن القبض على خلية من رجال صدام حسين بسبب تآمرهم للاعتداء على مصالح غربية في اليمن، ترى من مكنهم في المجتمع اليمني ليفعلوا ذلك؟.
    يحتاج اليمن إلى جهد حقيقي عربي، وخاصة خليجي بسبب القرب والمصالح المشتركة، لاقالة عثرة عجلة التنمية وتسريعها، ولكنه أيضا يحتاج إلى ما يعرف اليوم بالشفافية في الإدارة، لان الوطن ليس صورة في الشوارع، ولا أغنية في الإذاعة، انه تخطيط تنموي للإنسان البسيط طويل المدى، وخال من المصالح الأنانية.
    عن الوطن (القطرية) 31/5/2005م
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-05-31
  3. سمير محمد

    سمير محمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-09-26
    المشاركات:
    20,703
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2003
    حاول الرميحي أن يكون خفيف الظل ففشل كما فشلت اليمن في تنمية الموارد كما ذكر ..

    العزيز الغالي / أبو نبيل ..

    كنت أتمنى أن أشاهد دراسة في مقال عن اليمن كما عودنا الرميحي لكن خاب ظني ..

    تحياتي
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-05-31
  5. AlBOSS

    AlBOSS قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2004-06-12
    المشاركات:
    12,016
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2005
    اصاب كبد الحقيقة


    العزيز الصلاحي

    شكرا للمقال الطيب
    فهو قد اصاب كبد
    الحقيقة المرة

    وختمها بتمنيات صادقة

    شكرا لك وله

    و

    [​IMG]

    ظلام العالم كله لا يقهر شمعه

    و

    ساظل احفر في الجدار
    فاما فتحت ثغرة للنور
    او مت على صدر الجدار

    [​IMG]
    [​IMG]
    [​IMG]
    [​IMG]

    freeyemennow*yahoo.com
    [​IMG]





     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-05-31
  7. AlBOSS

    AlBOSS قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2004-06-12
    المشاركات:
    12,016
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2005
    اطهر وبان وعليك الامان



    اخي الغالي الصلاحي

    اين انت يا رجل لا ترد ولا تظهر
    اطهر وبان وعليك الامان

    اسأل عن سبب غياب ابا عهد

    افدني

    تقبل تحياتي

    و

    [​IMG]

    ظلام العالم كله لا يقهر شمعه

    و

    ساظل احفر في الجدار
    فاما فتحت ثغرة للنور
    او مت على صدر الجدار

    [​IMG]
    [​IMG]
    [​IMG]


    [​IMG]

    freeyemennow*yahoo.com
    [​IMG]





     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-06-01
  9. سرحان

    سرحان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-19
    المشاركات:
    18,462
    الإعجاب :
    23
    مقال ليس بعيدا عن الواقع والرميحي صاغه من واقع مارآه رغم ان الفترة كانت وجيزة وهذا يدفعنا للتساؤل ماذا لوكانت إقامته امتدت لعدة اشهر فكيف كان سيكون مقاله ؟

    تحياتي
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-06-01
  11. as1

    as1 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-04-20
    المشاركات:
    811
    الإعجاب :
    0
    يحتاج اليمن إلى جهد حقيقي عربي، وخاصة خليجي بسبب القرب والمصالح المشتركة، لاقالة عثرة عجلة التنمية وتسريعها، ولكنه أيضا يحتاج إلى ما يعرف اليوم بالشفافية في الإدارة، لان الوطن ليس صورة في الشوارع، ولا أغنية في الإذاعة، انه تخطيط تنموي للإنسان البسيط طويل المدى، وخال من المصالح الأنانية.

    كلام جميل وواقعي
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-06-05
  13. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    الوطن ليس أغنية


    محمد الرميحي*
    بعض الخبثاء من المهتمين بالشأن اليمني من العرب يروون القصة التالية عن اليمن الحديث، وهي أن أحدهم زار سوق السمك في عدن وسأل عن ثمن كيلو السمك فقال له البائع بخمسة ريالات، فقال متعجبا، في زمن الإنجليز كان كيلو السمك بريالين فرد عليه البائع بسرعة، يا عمي هات الإنجليز، وخذ الكيلو بريال واحد فقط.
    نكتة مرة بلا شك، ومغزاها لا يخفى على العارفين، ولكنها قد تقترب من الحقيقة إن قرأنا ما يحدث في اليمن اليوم قراءة قريبة إلى الواقع، فإدارة دولة بهذا الحجم وبهذه الموارد الاقتصادية المتواضعة، وبهذا التاريخ الحديث من الصراع ليس أمرا هينا وفي متناول اليد، إلا أن القضية برمتها تستأهل وقفة، وتتطلب رؤية.
    في رحلة سريعة مع نائب رئيس الوزراء الكويتي وزير الدفاع الشيخ جابر المبارك للتهنئة بالعيد الخامس عشر للوحدة اليمنية، وكانت الاحتفالات قد عقدت هذه العام في المكلا التي وصلتها الطائرة من الكويت في بحر أقل قليلا من ساعتين ونصف، وهذا يعطيك دليلا على كم هي بلاد العرب قريبة وبعيدة في آن.
    وقد قدم عدد كبير من العرب الرسميين والشعبيين للمباركة بالمناسبة، وفي خيمة تذكرك بتواضع خيام المرشحين في أيام الانتخابات الكويتية إذا قورنت بها، عقد حفل الاستقبال الكبير في العدد والبسيط في التنظيم، وهو تعبير عن بساطة اليمنيين والعلاقة المباشرة في جمهوريتهم الفتية بين الفئات الحاكمة المختلفة والمحكومة، ففجأة تجد بجانبك رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، أما وزير الخارجية الأستاذ القربي فلم أتعرف عليه لوهلة بسبب قبعة البيس بول على رأسه حتى خلعها!
    إلا أن الملاحظات عديدة على المكلا، المدينة، فلم نر (بنات المكلا) اللاتي تغنى بهن الشاعر في الأغنية المعروفة (يا بنات المكلا يا دوا كل علة) وبعضهم يغير كلمة الدواء بكلمة (يا سبب) كل علة!. وكانت الأبنية المتناثرة على طول الطريق ما زالت هياكل قائمة على عروشها بعد، رغم جمال الشاطئ البحري الممتد على بعد النظر.
    وما دام الحديث عن المرأة في تلك الأغنية المشهورة، فلم يفت السيد رئيس الوزراء اليمني أن يهنئ بحصول المرأة الكويتية على حقوقها السياسية، فقلت له مخطئا إن لديكم سيدتين في المجلس التشريعي، قال بسرعة لدينا أربع، ثلاث منهن في البيت!
    فتمكين المرأة العربية من العمل السياسي، مثل كل شيء آخر، يمكن أن نستعير آلياته من الغرب، ولكن الواقع الاجتماعي والثقافي يمنعه من إعطاء ثمراته على أرض الواقع بشكل أفضل، هو ذلك في اليمن وفي غيرها، فعلى الرغم من النصوص الجميلة في الدستور الذي يحث بقوة على مشاركة المرأة اليمنية، ورغم كل الجهود ( النصية) التي قامت بها تقليدا جمهورية اليمن الجنوبية في الأيام الخوالي تجاه تمكين المرأة وتعزيز الأسرة ومنع الزواج من أكثر من واحدة، وتقليل ثقل القبيلة في الشأن السياسي، إلا أن الاصطفاف في نهاية المطاف كان على مسار الخطوط الفاصلة الاجتماعية لا السياسية، وفشلت النصوص في تغيير الواقع، لأن الواقع الثقافي لم يلتفت إليه، فكان اقتتال الإخوة على التقسيم القبلي والمناطقي في الوقت الذي ضمهم حزب واحد له شعارات واحدة، ولكن ذلك تاريخ نستذكره لنتذكر خطاياه.
    وإذا كان الدواء يذكر في الأغنية الشهيرة التي تغنت ببنات المكلا، فهو أي الدواء من أبسط الأمور التي يجب أن تتوفر للمواطن في إطار التنمية الحديثة، إلا أن القصة المتداولة في اليمن، وقد سمعتها من أصدقاء هناك في الزيارة، أن رئيس الوزراء السيد عبد القادر باجمال، قد أصيب بتسمم مؤخرا وفقد الوعي بسبب تناول دواء فاسد! فإذا كان رئيس الوزراء معرضاً لهذا النوع من المخاطرة، فما بالك بالمواطن اليمني في القرى والأرياف الممتدة في اليمن الكبير الذي يحتاج إلى الدواء كما يحتاج إلى أبسط الأشياء، وإذا كان الدواء معرضاً للفساد، ترى ما هو مسار قطاعات التنمية الأخرى؟ هل يمكن أن يكون الفساد بعيدا عنها؟ تلك ظاهرة تستحق النظر من زاوية التنمية في اليمن، فهي تنمية ما زالت بعيدة عن مرحلة الإقلاع، وليس من العدل لوم أهل اليمن ومتخذي القرار فيه، على تلك الحالة من التنمية، إلا أنهم ليسوا بعيدين أيضا عن المسؤولية.
    فأين يكمن الدواء في الحالة التنموية اليمنية يكمن الداء أيضا.
    ولتفسير تلك العبارة نجد أن اليمن ما زال يصرف جزءاً غير يسير من ميزانيته على (الأمن) بشاكلتيه المختلفتين الداخلية والخارجية، والأمن هنا كما هو مفهوم مكرس في عدد من البلاد العربية، يتوجب السؤال، هل هو تأمين الدولة والمجتمع من خطر خارجي؟ أم هو تأمين الحكم من خطر حقيقي أو متخيل من الداخل. والدولة لها معنى والحكم له معنى آخر، ولا غرو أن الأمنين قد تداخلا بشدة في المفهوم العربي العام، إلا أن الأولويات في الدول ذات المصادر المنخفضة الدخل الوطني كاليمن، تستوجب التساؤل.
    اليمن ليست استثناء في تغليب الأمن الداخلي على الخارجي، فليس في الأفق من يريد ( احتلال) اليمن من الخارج، وليس في الأفق عدوان خارجي وشيك، أو أطماع إقليمية طاغية وصارخة ضده.
    إنما في الأفق صراع داخلي واضح ومتعدد الدرجات، يقوده تراكم مشكلات طويلة الأمد، لعل أهمها نوعية التعليم في اليمن، الذي استمر طويلا تحت طائلة وإشراف المدرسة المتشددة، وكان التعليم متروكا لهذه القوى المتشددة دون مساءلة أو رقابة، أو حتى دون تقييم لما يقدم للطلاب من (علم) إن صح التعبير، فجاء إلى الساحة اليمنية رجال متشددون يملكون كثيرا من القدرة الإقناعية لرجل الشارع، وهي قدرة إقناع نابعة من النصوص وفهمهم المتعسف لها، ويزيد من هذا الاقتناع الوضع الاقتصادي الذي يؤهل القلة لسبب أو لآخر بالثراء، على حساب الأكثرية فائقة الفقر، ولا يضيف التعليم بشكل عام أية مساعدة للتنمية اليمنية، من هنا ظهرت العديد من الحوادث التي هزت اليمن، وكان آخرها أحداث الحوثي، التي شغلت اليمن وشغلت قلوب محبيه عليه، وهي ظاهرة ( ثقافية، اقتصادية) قد تختفي لتظهر أخرى قريبة، إذا لم تعالج المسألة برمتها، وعلاجها يتطلب الشجاعة والقدرة على إدارة حديثة يتوفر لها الرجال في اليمن اليوم، ولم يتوفر حتى حينه القرار.
    فرجال اليمن قد أقاموا دولا ومجتمعات حديثة أو ساعدوا في إقامتها في بلاد المهجر التي توجهوا إليها، وفي وقت ما كان هناك أكثر من نصف دستة من رؤساء الوزارات من أصول يمنية، وخاصة من أبناء الجنوب في بعض بلاد آسيا ذات الثقل اليمني المهاجر، كما كان لعمل بعض التجار اليمنيين في الخليج صيت ذائع في تكوين الثروات والحفاظ عليها وتنميتها، فالخصوصية اليمنية في نقص التنمية ليست بسبب نقص الرجال ولكنها على الأقرب بسبب عوز في استخدام الموارد على أسس صحيحة، منها الصرف على قنوات الأمن الكثيرة، وبعضها من صنع اليد، كما حصل في الإعلان الأخير عن القبض على خلية من رجال صدام حسين بسبب تآمرهم للاعتداء على مصالح غربية في اليمن، ترى من مكنهم في المجتمع اليمني ليفعلوا ذلك؟
    يحتاج اليمن إلى جهد حقيقي عربي، وخليجي خاصة بسبب القرب والمصالح المشتركة، لإقالة عثرة عجلة التنمية وتسريعها، ولكنه أيضا يحتاج إلى ما يعرف اليوم بالشفافية في الإدارة، لأن الوطن ليس صورة في الشوارع، ولا أغنية في الإذاعة، إنه تخطيط تنموي للإنسان البسيط طويل المدى، وخال من المصالح الأنانية
    .

    * كاتب ****
     

مشاركة هذه الصفحة