القيادة اليمنية هل بدأت بالخطوة الصحيحة؟ وأين نحن من دروس الوحدة؟

الكاتب : الثمثمى   المشاهدات : 506   الردود : 2    ‏2005-05-31
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-05-31
  1. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0


    أتوجه للقيادة السياسية اليمنية متمثلة بالاخ الرئيس علي عبد الله صالح.. بالتقدير البالغ علي اعطائه الضوء الاخضر لثلاثة من اكبر وزراء الحكومة (ذوي العلاقة بحرب صعدة وتمرد الحوثي) ورئيسها، لنشر تقاريرهم شبه المفصلة علنا علي الملأ، وشرح ما فيها للجماهير اليمنية وذلك يوم السبت الموافق 14/5/2005 وهذا في اعتقادي يحدث للمرة الاولي في تاريخ الحكومات اليمنية المتعاقبة (بالنسبة للتفاصيل ودرجة الدقة ومستوي مقدمي التقارير وعلنيتها). وبغض النظر عن اتفاق البعض هنا وهناك حول موضوعية (من حيث درجة الصحة والدقة) ما جاء في تلك التقارير الثلاثة لوزراء الداخلية و التخطيط والتعاون الدولي و الادارة المحلية علي التوالي.. وقد سبقها مقدمة رمزية استهل بها الاخ الرئيس اللقاء الموسع مع مجموعة من علماء (الدين) في البلاد واهم قيادات الدولة والمجالس التشريعية.
    لقد اعتبرنا هذه الخطوة (اللقاء والتقارير) خطوة حضارية (اولية) وقد جاءت علي نهج الجادة (الديمقراطية) الصحيحة، وذلك لان حكوماتنا المتعاقبة في السابق، كانت تكتفي ـ اذا تواضعت ـ بتقديم تصاريح مقتضبة للناطقين الرسميين لهذه الوزارة او تلك الهيئة ذات العلاقة ـ عند حدث هام او نشوب ازمة.. الخ.. وانه في ضمن مستويات وعناصر متعددة، فانها لا تعير للرأي العام اي وزن، ولا تحترم حق الجماهير في ان تعرف الحقائق ـ كاملة ـ علي لسان المسؤول الاول ـ ذي العلاقة ـ في الحكومة التي تمثلها ويفترض انها تخدمها ـ وبشكل علني ـ كما يحدث في البلاد العريقة في الديمقراطية. وبالاضافة لذلك فان ذلك الفعل فيه الكثير من الشجاعة لهؤلاء الوزراء وطبعا الرئيس في المقدمة ومجمل الحكومة مع رئيسها (بحكم المسؤولية التضامنية).. لان هذه العلنية تجعلهم امام اختيار جدي للمصداقية.. مستقبلا اذا حدث وان ظهرت حقائق مختلفة او جّدت امور مناقضة لما صرحوا به، مما يعني ان الحكومة قبلت اخيرا بمبدأ المحاسبة الشعبية الذي كانت اما تتجاهله او تتعالي عليه سابقا. وامام هذه الخطوة التي تعتبر مخاطرة من وجهة النظر الامنية عتيقة المفاهيم لوقوعها تحت اسر القيم الشمولية للحكم وطرقه النمطية ـ الكلاسيكية في مخاطبة الجماهير وخاصة طليعتها السياسية والمثقفة ـ هذه النمطية التي لا تفرق بين المعارضين والموالين! ولعل اسوأ المضاعفات لتلك الممارسات العتيقة، ان مختلف قطاعات المجتمع كانت تضطر لاستقاء الاخبار من مصادر بديلة محلية ودولية ـ بعضها ان لم يكن معظمها غير دقيقة ان لم تكن احيانا مشوهة او مغرضة، وهذا ما يجعل كرة ثلج الشائعات تكبر وتتضخم.. وقد عاني اليمن من ذلك كثيرا في ظل احداث خطيرة عصفت به، حيث كانت حقائق تلك الاحدث توضع في مجال المبهم علي كل نطاق!
    وبالرغم من الايجابية التي نعتقدها في تلك الخطوة الاشهارية الحكومية المذكورة اعلاه والتي نعتقد ـ في مدي علمنا ـ انها خطوة غير مسبوقة من الحكومة ـ والتي نأمل ان تستمر الحكومة فيها وتطور من آلياتها مستقبلا.. كأن يتم استجوابها (الحكومة) العلني امام نواب الشعب ويشهدها الرأي العام ويسمعها في وسائل الاعلام ـ حول اي قضية هامة ـ وذلك في اسرع وقت ممكن.. حتي لا يترك الرأي العام ـ افرادا ومؤسسات، نهبا للقيل والقال، مما يؤدي بالضرورة للتشويش الجماعي، وعدم الشعور بالامن وانخفاض مستوي الثقة في اجهزة الدولة ـ وبالرغم من هذه الايجابية، قد يختلف معي البعض خاصة ممن ادمنوا المعارضة وكذا بعض الموضوعيين الذين اصبحوا لا يثقون كثيرا بتقارير وتصريحات مسؤولي الحكومة! فقد يشكك هؤلاء في كثير مما جاء في تقارير الوزراء الثلاثة (برغم من ايضاحاتهم الكثيرة المدعمة بالادلة ـ كما سنفصل لاحقا) وقد يعتبرون ان ما جاء فيها غير كاف، وقد يطالب بعضهم بأن تتخذ الحكومة خطوات واجراءات متقدمة ـ او بمعني اخر غير تقليدية ـ اكثر.. لحل هذه الازمة او الكارثة ـ من وجهة نظر البعض ـ بوسائل وطنية ـ عقلانية مناسبة تؤدي لحلول جذرية، لان من شأن ذلك.. ان يمنع حدوث ازمات مشابهة مسقبلا، وانا لا يمكنني ان الوم معظم هؤلاء! المخلصين فهيم او المزايدين!! والفيصل لحسم هذه الاشكالية هو في استمرار مثل هذه الخطوات المشجعة . من طرف الحكومة مستقبلا، والقيام باجراءات اكثر ايجابية لتفعيل عمليات التطور الاساسية للمجتمع اليمني علي كافة المستويات.. السياسية (ترسيخ الديمقراطية والمشاركة الشعبية) والاقتصادية (بالقضاء او تقنين الفساد كما يتهكم البعض، وجذب الاستثمارات) والاجتماعية (بتحسين الخدمات الاساسية ومكافحة الفقر والبطالة) وهذه اهم المجالات الجوهرية التي تؤثر بشكل دراماتيكي اذا تفعلت في رفاهية المجتمع ومن ثم توفر الامن والاستقرار والسلام الاجتماعي خاصة لمن هم في ادني السلم الاجتماعي ـ الذين يخرج من بين ظهرانيهم اغلبية المتطرفين والمفسدين والمجرمين.. الخ ـ وانتهز هذه الفرصة المؤاتية، لمخاطبة القيادة السياسية اليمنية ـ والتي كما اتمني ان تتقبل ملاحظاتي التالية بعقل وقلب مفتوحين.. اتمني لها التوفيق من اعماق قلبي لتجعل من هذه الخطوة منطلقا لمستقبل اكثر اشراقا وعليه ارجو من الاخ الرئيس ان يعيد قراءة مقالي المنشور في صحيفة القدس العربي اللندنية في عددها رقم 4960 بتاريخ 7 ـ 8 ايار (مايو) 2005 ليدركوا اننا كنا مخلصين ووطنيين ـ كما نزعم لانفسنا ـ فيما طرحناه من وجهات نظر ومقترحات ونصائح وبانها كانت صادقة ـ علي قدر اجتهادنا ـ وان كانت بداية المقال المذكور مليئة بالنقد اللاذع وفيها الكثير من التشريح (لا التجريح) الذي اعتقدنا انه كان ضروريا للفت نظركم وتحفيز همتكم.. الا انها برغم كل ذلك كانت مخلصة وصادقة علي نهج المثل العربي الشهير: صديقك من صدقك (ولو كان قاسيا في نقده) لا من صدقك (اتقاء او مجاملة).. ونركز علي الفقرات الاخيرة في ذلك المقال..
    وقد طرحناها.. علي شكل اسئلة ستة موجهة الي كل من يهمهم الامر في اليمن ـ وبالطبع تأتي القيادة السياسية اليمنية علي رأسها بحكم الولاية الشرعية والدستورية ـ وبدأت الاسئلة من السطر الثامن من العمود الخامس والاخير.. ونزعم انكم قد اجبتم علي معظم تلك الاسئلة بخطوات عملية استحقت الاشادة بكم كما اسلفنا.. ولا ندعي لانفسنا فضلا في ذلك بل نعتقد صادقين ان هذا كان بعضا من واجبنا.. وكان السؤال الاول : لماذا لا تعلن الحقائق كاملة حول هذا الموضوع برمته علي الرأي العام حتي يعرف رأسه من رجليه .. وبالفعل فقد اوضحتم مختصرا للحقائق (التي فصلها لاحقا وزير الداخلية) حول تواريخ بدء التآمر لتشكيل اجنحة المتمردين العسكرية، والدعم الداخلي والخارجي لها ـ حتي بعد العفو عن قيادتها ـ وعودتها من ايران بعد حرب 1994، حيث قامت بانشاء مدارسه الايديولوجية الخاصة (علي شكل ومذهب الحوزات الشيعية)! وكيف ان درجة تأثيرها علي المراهقين والشباب وصلت لدرجة رفض من اعتقل منهم عن العودة الي جادة الصواب الا اذا امرهم بذلك زعيمهم الحوثي (الابن) او مهديهم المنتظر! كما اوضحتم انه لا صحة لما يقال عن استهداف المذهب الزيدي او غيره..
    وقد فصل وزير الداخلية بالصور والخرائط وقوائم الاسماء.. وبقراءة وثائق خطية مكتوبة من الحوثي الابن تدعو لتقويض نظام الحكم الجمهوري واقامة حكم امامي يرأسه خليفة من نسل الحسنين ! كما ذكر بالاسم حزبين يمنيين قامت اجنحتهما العسكرية بدعم التمرد ـ وتحفظ عن ذكر اسماء الجهات الاجنبية الداعمة ـ (لاسباب سياسية نعرفها جميعا). ولعل اهم ما اوضح وزير الداخلية هو كيفية زج المتمردين بالنساء لنقل واخفاء الاسلحة والوثائق الخ.. وهذا ما ادي لاعتقال بعضهن ـ وهذا ما اثار الرأي العام اليمني لتنافي تقاليده مع اعتقال النساء ـ ولكن رغم هذا فقد امر الاخ الرئيس بالافراج عنهن.. واستدعائهن للنيابة والمحاكمة في وقتها، كما ذكر الوزير عدد الشهداء من القوات المسلحة والامن والمتطوعين بانهم حوالي 525 فردا وان الجرحي اكثر من 2700! هذا ولم يتم ذكر الشهداء من المواطنين الابرياء او قتلي المتمردين.
    وتحدث وزير التخطيط عن الخسائر المادية في الممتلكات الخاصة والعامة وعن تكلفة اعادة البناء التي قد تقارب 400 مليون دولار.
    كما اوضح وزير الادارة المحلية عن خطة التعويضات الشخصية للمواطنين والتي سوف تسلم نقدا لايدي كل متضرر (بحسب تعليمات الرئيس وانها تأخرت بسبب نشوب التمرد الثاني).
    والسؤال الثاني: حول ما اشيع عن رفض مبادرة الحوثي الاب الذي قدم الي العاصمة صنعاء ـ ثم عودته غاضبا لان الرئيس رفض مقابلته.. فقد اوضح كل من الرئيس ووزير الداخلية بانه صدرت توجيهات رئاسية بمنحه واعوانه مبلغ اثنين مليون ريال بالاضافة لراتب شهري 200 الف ريال وتغذية لمئة فرد منهم! ولكنه رغم ذلك عاد لاشعال الموقف من جديد مع الشيخ الرزامي بما عرف بحرب او فتنة صعدة الثانية مما اضطر الحكومة للرد العسكري (بحكم واجبها في توفير الامن).
    وبالنسبة للسؤال الثالث: حول معاملة المعتقلين في السجون بشكل تمييزي.. فقد تم توضيح ذلك سابقا بان المعتقلين من اتباع الحوثي قد رفضوا الاصغاء للفقهاء المتخصصين واصروا علي موقفهم علي عكس الجماعات الاخري!
    والسؤال الرابع: يتساءل الكثيرون عن ابتعاد الاخ الرئيس عن طبيعته السمحة المعروفة في التعامل مع مناوئيه.. وهل ربما تكون هناك خفايا هامة فلماذا لا يعلن لنا عنها بصراحته المعهودة؟ وبالفعل فقد تحدث هنا الرئيس بصراحة ـ كما ذكرنا سابقا ـ جعلتنا نعذره في تصرفه الذي يمكن وصفه بالعنيف مع هذه الجماعة بالذات، وبالنسبة للشطر الاول من السؤال فقد اثبت لنا الرئيس بانه يمتلك قدرا من رحابة الصدر والسماحة اكثر مما كنا نتوقعه.. حيث اصدر قرار عفو عام بالنسبة لجميع اعوان الحوثي (الاب) وانهم يستطيعون العودة الي بيوتهم ومناطقهم آمنين.. وكذلك يمكن الافراج عن المعتقلين اذا احضروا ضمانات من ذويهم بعدم العودة لسيرتهم الخارجة علي قانون ودستور البلاد..
    اما بالنسبة لرأس التمرد الحوثي الاب وحليفه الرزامي فقد طلب من الوسيط الذي ارسلاه برسالة طلب العفو ان يقوم بابلاغهما بتسليم نفسيهما للسلطات المختصة في عاصمة البلاد ولم يتم توضيح الاجراءات التي ستتخذ بشأنهما !.
    السؤال الخامس: الم يذكر المتحمسون لحسم القضية بالقوة العسكرية بان القوة لا تجدي في كل الظروف.. وانه يجب اللجوء لاساليب اخري اكثر نجاعة.. الخ .. وفي هذه النقطة فقد اوضح الرئيس انه لم تستخدم القوة العسكرية الا بعد استنفاد كافة الوسائل السلمية الاخري في الحربين الاولي والثانية.. ومع ذلك فها هو يبلغنا بانه قد اصدر اوامره للقيادة العسكرية المحلية بأيقاف العمليات العسكرية تماما.. واعطاء المتمردين الفرصة الاخيرة لمراجعة مواقفهم.. وبالنسبة للجزء الثاني من السؤال فقد اعلن الرئيس بانه اصدر قرارا بان تخضع كافة المدارس والمعاهد (المدنية والدينية) في كافة المستويات لاشراف الدولة (اي وزارة التربية والتعليم الحكومية) وان يتم التدريس للمواد الدينية بحسب المنهاج المعتدل الذي اقرته جماعة الفقهاء ـ وهذا لمنع تربية اطفال وشباب متطرف مذهبيا في المستقبل.
    والسؤال السادس والاخير: لماذا لا يجرب الاخ الرئيس الاستماع لوصفات حلول تأتي من مستقلين وحتي من معارضين.. فلربما يضع الله سره في اضعف خلقه (ونحن من اضعفهم ـ بل ولا ندعي فخر المعارضة او الاستقلالية ـ فنحن يحسبنا الكثيرون من المؤيدين للاخ الرئيس، وان كنا لا نقول الا الحق!) وملخص هذه الوصفات هو العلاج الاجتماعي (بالمفهوم الواسع) والسياسي (بالمفهوم الحضاري) .. فها هو الرئيس يستمع لوصفاتنا ولغيرنا.. بل ويطبقها وقد بدأ بالعلاج السياسي وهي في الخطوة الحضارية التي شرحناها سابقا.. والتي تحتاج لخطوات مكملة اخري نراها في غاية الاهمية ويجب تطبيقها.
    وبالنسبة للعلاج الاجتماعي فقد اوضحنا جوانب كثيرة حوله في مكان سابق من هذا المقال.. وما زلنا في انتظار تطبيق الاليات لانجاح ذلك العلاج (بالمفهوم الواسع) والذي لا يتطلب منكم يا فخامة الرئيس الا شيئا واحدا.. هو الارادة المسلحة بالعزم والتصميم وتأكدوا ان الشعب سيدعمكم.. (ومن قرح.. يقرح يا ابا احمد). في الاخير.. ما زلت غير متأكد اذا ما كان الاخ الرئيس قد قرأ مقالي ذاك.. فان كان قد فعل فأنني ارجوه ان يتقدم بالشكر للمسؤول المختص الذي قدمه له.. نيابة عني، وان لم يكن قد فعل فأرجو ان يعيد قراءته ليعرف ان ما فيه يتناغم مع اجراءاته الاخيرة.. وهذا ما يدفعنا للاستغراب بل واستنكار تدخل الرقيب الاعلامي الذي منع دخول عدد صحيفة القدس العربي التي نشر فيها المقال، فهل يظن انه خدم الوطن بما فعل؟ ام انه قرأ بداية المقال (الذي كان بالفعل يحتوي علي نقد مستفز) مما جعل حس معاليه الامني والمتعلق ـ ربما ـ بالارث التوتالاري لانظمة حكم ما قبل الوحدة والديمقراطية.. بان يصدر بجرة قلمه (اللامسؤول) قرار منع دخول القدس العربي !
    ام قد يكون عنوان المقال قد استفزه وقد كان: اليمن هل يمكن حل الصراعات عسكريا؟ واستميحه عذرا بان عليه ان يمسك بتلابيب محرر القدس الذي حور العنوان لاسباب تقنية (اذا كان الرقيب يفهم في ذلك) فقد كان عنواني الاصلي هو: صراع صعدة اليمنية.. حله عسكريا ام سياسيا ؟!.. وعليه ارجو الا يكون قرار الرقيب الجائر ذاك قد اعطي انطباعا خاطئا عن كاتب المقال سبب المنع وهو انا في هذه الحالة وعليه سأصنف في ملف بعض الجهات بأني: خائن او مثير للفتنة او عميل.. او.. او.. والا ليفسر لي احدهم القرار القراقوشي لذلك الرقيب الجهبذ؟


    د. محمد شمسان
    كاتب من اليمن
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-05-31
  3. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    أين نحن من دروس الوحدة؟


    د . عبدالعزيز المقالح
    { الوطن - أي وطن - ليس التراب والجبال والمدن والقرى، وليس البحر والنهر والشجر، وإنما هو الناس والمشاعر التي تربطهم ببعضهم كما تربطهم بالماء والهواء. وعندما يستعيد الوطن عافيته فإن ذلك يعني أن كل إنسان فيه يتمتع بالعافية، أما حين يستعيد الوطن وحدة ترابه ويستكمل سيادته المنقوصة والمشطورة، فإن ذلك لابد أن ينعكس على أبنائه ويتجلى في مواقفهم وتصرفاتهم، وإذا لم يتمثل بعض أبناء الوطن الحالة الجديدة ولم يستخلصوا الدروس من وحدة وطنهم وتتوحد باتحاده مشاعرهم وأهدافهم، فإن شيئاً ما مغلوطاً يستحق التفكير العميق والمراجعة الجادة، ولو مددنا البصر قليلاً إلى أبعد ما نستطيع من تاريخ هذه البلاد لوجدنا أن أعظم فترات ازدهار مرت بها هي تلك التي تم فيها تخزين المياه في السدود وتأمين خطوط التجارة بين الشرق والغرب، وهي نفسها الفترات التي كانت فيها موحدة غير منقسمة على ذاتها، أما عندما يحدث ذلك الانقسام وتندثر الوحدة وتتحول البلاد إلى مقاطعات يتصرف فيها المغامرون والمتنافسون على السلطة وجمع الأموال من دماء المواطنين، فإنها تغدو عرضة للاحتلال والعدوان، حدث ذلك مرة واحدة قبل الإسلام، وحدث أكثر من مرة بعد الإسلام، وعاشت اليمن قروناً خاضعة للاحتلال المباشر أو للنفوذ الخارجي غير المباشر.
    ومن هنا يأتي الحرص الواقعي والمنطقي على الوحدة وتفادي كل ما من شأنه أن يؤدي إلى عدم الاستفادة من دروسها وتمثل ثوابتها، وللذين لا يحبون الحديث عن الثوابت نقول : دعوا الحديث عنها جانباً ،وتحدثوا عن مخاطر الخروج على النص، والنص - هنا - كما يكون وطنياً يكون أخلاقياً كذلك، والذين يخرجون على النص الوطني يكونون على استعداد للخروج عن النص الأخلاقي ولا يجدون رادعاً داخلياً يمنعهم عن نهش الأعراض، وتناول قضايا الوطن بقدر من الإسفاف والوقاحة يجعل من السهل بعد ذلك تناول الصحفيات الشريفات والصحفيين الشرفاء بأسوأ ما في القواميس من ألفاظ قذرة لا يليق استعمالها بمن ينتمي إلى هذا الوطن، وهذا الذي يتم ما هو إلاَّ جزء لا يتجزأ من التنكر للثوابت والخروج على النص في أبعاده الوطنية والأخلاقية والصحفية، وحين يتم ذلك يكون الوطن قد أشرف على الدخول في محنة يصعب الخروج منها.
    ومؤكد أننا لم نستوعب دروس الوحدة بعد خمسة عشر عاماً من قيامها، وأننا لم نتعلم من امثولتها الغالية شيئاً يغير من خطابنا السياسي والاجتماعي، فأهمية الوحدة لم تكن في توحيد التراب الوطني ولا في توحيد النظام السياسي، وإنما في توحيد المشاعر وفي خلق رؤية واسعة لا تتسع للرأي والرأي الآخر وحسب، وإنما تتسع لمحبة الجميع ولصياغة خطاب وطني وحدوي مشترك تتعدد فيه الأصوات والتصورات ولكنها لا تخرج عن مصلحة الوطن الواحد ولا تندفع نحو العدمية وافتعال المعارك الوهمية، وإذا كان البعض - من هنا وهناك - قد أضاع النهج الصحيح ولم يستوعب درس الوحدة ولا اهتدى إلى اللغة المشتركة التي كانت من أولويات ذلك الدرس العظيم، فإن الباب ما يزال مفتوحاً والفرصة ما تزال سانحة لاستيعاب الدرس وتمثل مفرداته.
    ويمكن القول أن أشياء حدثت في الواقع - بقصد أو بدون قصد - وأن هذه الأشياء تركت حالات من الإحباط والغضب في بعض النفوس، لكن هذا الذي حدث - مهما اشتدت انعكاساته - لا يمكن أن يتحول إلى مثل هذه المواقف التي تكشف عن انشقاقات حقيقية في الذات قبل أن تكشف عن انشقاقات مع الآخر وتعكس - أيضاً - حالة اقتتال داخل النفس المحبطة قبل أن تكشف حالة اقتتال مع الآخر، وهذا ما يجعل أسلحة الاقتتال فاسدة والتعبير عنها بلغة مريضة أكثر فساداً وتحريضاً على اليأس والخذلان.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-05-31
  5. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    نشكرك ونحمدلله لوجود من أمثالك

    شكرا شكرا والله يطيل في عمرك يا سيدي
     

مشاركة هذه الصفحة