و تبقى ألمانيا وطن واحد بشعبين ...!

الكاتب : ابو ملاك   المشاهدات : 469   الردود : 0    ‏2005-05-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-05-26
  1. ابو ملاك

    ابو ملاك عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-01-17
    المشاركات:
    483
    الإعجاب :
    0
    [align=right]

    بقلم ستيفان ثيل

    استقبلت الجماهير الغاضبة المستشار الألماني غيرهارد شرويدر بالبيض و الحجارة أثناء زيارته لمدينة وتنبرغ الواقعة في الجزء الشرقي لألمانيا . أما في الكثير من المدن الأخرى ، فقد أعاد مشهد عشرات الآلاف من المحتجين إلى الأذهان ما كان يعرف بـ " مسيرات يوم الاثنين " الأسبوعية التي أدت إلى هزيمة نظام الحكم الشيوعي عام 1989 . لكن ثورتهم هذه المرة تستهدف شرويدر ، و تستهدف ما ينتقده حاكم ولاية براندينبرغ ماثياس بلاتزيك بوصفه قانون شرويدر " الغربي " لاقتطاعه مزايا الرفاه و تحويل الألمان الشرقيين إلى " مواطنين من الدرجة الثانية " .

    لم يصل المزاج العام في الجزء الشرقي من ألمانيا إلى هذا المستوى من الغضب و الاحتقان و ذلك منذ إعادة توحيد البلاد . و قد حمل عنوان إحدى الصحف الصفراء في شرق ألمانيا ، سوبر ألو ، في مقال نشرته أخيرا عبارة ( الشرق يحترق ) . و في الوقت الذي سيحتفل فيه الألمان الشرقيون و الغربيون بالذكرى الـ14 لاندماجهم الشهر المقبل ، فإن أحدا لا يرغب بالاحتفال . فبوجود معدلات بطالة في شرق ألمانيا تصل إلى 20 بالمائة ـ و هذا يشكل أكثر من الضعف مقارنة مع غرب ألمانيا ـ فإن خطط شرويدر لتخطيط مزايا الرفاه ستضرب شرق ألمانيا على وجه الخصوص و بشدة . لكن المحتجين ينفسون سنوات من الإحباط المتزايد بسبب التخلف الاقتصادي المستمر في المنطقة و قلة الوظائف التي يلوم الألمان الشرقيون ، مثلهم مثل بلاتزيك ، الغرب عليه . إن قوة الشيوعيين ، المدفوعين بمشاعر مضادة لشرويدر ، تتنامى بقوة و أحزاب اليمين تعيش حالة نهضة . ففي انتخابات ولاية براندينبرغ هذا الأسبوع ، أظهرت نتائج الاستطلاعات أن الشيوعيين يحتلون القمة في الواقع . و كما تقول إليزابيث نويلي ، رئيسة معهد ألينسباخ لاستطلاع الرأي العام : " إن الألمان الشرقيين و الغربيين يزدادون فرقة " .

    إن الأمور لم يكن مقررا لها أن تكون بهذه الطريقة . فالوحدة و مرور الزمن كان من المفترض أن يمدا الجسور و يلغيا الانقسامات القديمة ، و أن تكون هناك بالنتيجة أمة واحدة و شعب واحد . و لكن يبدو هذا الهدف اليوم بعيداً جداً أكثر من أي وقت مضى . فالتحول الذي حدث بين ليلة و ضحاها عام 1990 م إلى معدلات الرواتب و الأسعار الغربية و الأنظمة البيروقراطية قد قتل فعليا كل مظاهر الصناعة في ألمانيا الشرقية . و بالرغم من ضخ أكثر من تريليون يورو منذ عهد الوحدة . فإن الشرق يبقى في وضع سيئ اقتصاديا . و الآن تأتي الاقتطاعات الرئيسية لمزايا الرفاه و للمرة الأولى في تاريخ ألمانيا لتضرب الألمان الشرقيين بقوة و بطريقة غير متجانسة . فهؤلاء العاطلون عن العمل لأكثر من 12 شهرا ـ و هذا يشكل نحو مليون شخص في الشرق ـ لن يتلقوا بعد الآن ما نسبته 57 بالمائة من آخر راتب لمدى الحياة ، و بدلا من ذلك سيحصلون على معدل دخل شهري ثابت يبدأ من نحو 580 يورو للشخص الواحد من دون أولاد . و لأول مرة أيضا ، فإن المستفيدين من المعونة سيتم دراسة احتياجاتهم و سيكون من الأصعب عليهم رفض العمل الجديد . أما خبراء سوق العمل فإنهم يقولون إن عملية الإصلاح ، التي صممت لجعل معونات البطالة أقل جاذبية ، قد فات على استحقاقها وقت طويل . لكن الألمان الشرقيين قلقون و بشدة من الاقتصاد الحالي الذي لن يمكنهم من الحصول على وظائف .

    إن توجيه اللوم للغرب أصبح أمراً شائعا . فخلال الكثير من مسيرات يوم الاثنين ، قام الشيوعيون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالمسير مع المتطرفين اليمينيين من اتحاد الشعب الألماني و كانت شعاراتهم متطابقة تماما , و بحسب إحدى اليافطات لاتحاد الشعب الألماني فإن اقتطاعات شرويدر هي بمنزلة فرض للفقر بالقانون . أما اليمينيون فإنهم يهاجمون و بعنف مبدأ المستشار " بإبطال دولة الرفاه " . إن هاتين الجماعتين يمكنهما أن تشكلا 40 بالمائة من نسبة الاقتراع يوم الأحد المقبل في ولاية براندينبرغ ، و هذا الأمر كاف لتهديد التحالف الحاكم من الديمقراطيين المسيحيين و الاشتراكيين .

    إن هذه الأصوات ستكون احتجاجية أكثر من كونها تعبيرا عن إيديولوجية معينة ، لكنها أيضا تعكس خلافا واضحاً مع الأحزاب السياسية و مع النظام الديمقراطي المستورد من الغرب . فحسب إحدى الدراسات المسحية الحديثة نحو 80 بالمائة من الشرقيين ما زالوا يرون الأسلوب القديم للشيوعية " أمرا جيدا " . إن الغالبية العظمى تقول إنها تفضل " المساواة " على " الحرية " و تنظر إلى الدولة باعتبارها المزود للنمو الاقتصادي و الوظائف ، و هذا الأمر يتعارض مع مبدأ السوق الحرة . و رغم أن هذه الاتجاهات تسيطر على الشرق فإنها منتشرة أيضا في الغرب . فحسب خبير الاستطلاع توماس بيترسون من معهد ألينسباخ : " الديمقراطية لم تخلق جذوراً حقيقية في شرق ألمانيا " .

    و للمفارقة , فإن ضخ الأموال للشرق يبدو أنه قد ضاعف من المشكلات فقط . فلا شرويدر و لا سلفه هيلموت كول , كانا على استعداد لتنفيذ السياسات التي كان ينصح بها مستشاروهم . ( و هذا يشمل تخفيض حدود الأجور الدنيا عند دخول العمل و ذلك لزيادة معدل التوظيف و تخفيض الفوائد الشهرية التي تبقى مرتفعة لدرجة أن البعض لا يرغب بالعمل بوجودها : فالحكومة تدفع ما بين 1.438 و 1.658 يورو لعائلة مكونة من أربعة أفراد ، و هذا بعد احتساب الاقتطاعات ) . إن حقيقة أن ألمانيا تستطيع أن تنفق 4 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي على شكل إعانات للشرق ، و ذلك سنة وراء سنة يشهد على جرأتها الاقتصادية المستمرة . و مع هذا ، فإذا استطاعت ألمانيا تجميع قوتها السياسية لتحويل هذه الدفعات المالية التي لا نهاية لها إلى استثمارات إنتاجية ( و هذا يشمل المعونات المقدمة للوظائف ذات الدخول المتدنية ) ، فإن البلاد تستطيع أن تبدأ النمو مرة أخرى و أن تنتج الوظائف . بخلاف ذلك ، فالشرق قد يتحول إلى " ميتسوجيورنو أوروبا الثانية " و هذا ما يحذر منه هانس ويرنر ، رئيس معهد آي أف أوه الاقتصادي ، مشيراً إلى الجنوب الإيطالي الفقير و القريب في حالته من العالم الثالث .

    و لكن لحسن الحظ ، فإن الشرق يحمل بذور النهضة . فبعد 14 عاما من الاضطراب و التغيير ـ حيث أصبح لدى 90 بالمائة من العمال وصف لمهام وظائفهم التي لم توجد أصلا قبل الوحدة ـ قد جعلت من الشرقيين أكثر مرونة من ألمانيا الغربية . أما الإحباط الذي سببته الحكومة فقد تحول إلى حالة صحية من عدم الاحترام حسب تقرير ألينسباخ ، و الذي يفيد بأن " الجيل الشاب أكثر اعتمادا على الذات و أكثر طموحا و رغبة في اختبار الأشياء الجديدة " من نظرائهم في الغرب .إن طاقاتهم تترجم حاليا إلى احتجاج على الغرب و الأمر الآن بيد شرويدر ـ أو الحكومة القادمة التي ستحل مكانه ـ للمساعدة في توجيه هؤلاء الشباب إلى القيام بأشياء أكثر إيجابية . و ذات يوم قد يستطيع هؤلاء الشباب اعتبار أنفسهم ( ألماناً ) من دون أي صفة شرقية أو غربية .

    مجلة ( نيوزويك ) باللغة العربية ، عدد 21 سبتمبر الماضي .
     

مشاركة هذه الصفحة