قف على جنب…!، زيد مطيع دماج

الكاتب : عادي   المشاهدات : 523   الردود : 1    ‏2005-05-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-05-26
  1. عادي

    عادي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-12-01
    المشاركات:
    508
    الإعجاب :
    0
    [align=right]قف على جنب…!

    أحكمت إغلاق ما تبقى من زجاج نافذة السيارة على يساري.. كان الجو بارداً في ذلك الوقت من الليل.. والسحب كثيفة وقطرات مطر متفرقة تهطل.. هذا الوقت من الليل ليس متأخراً بالقياس إلى ما هو معتاد في بلدان العالم.. فالساعة الآن لم تتجاوز العاشرة. ومع ذلك تكاد الحركة أن تتوقف إلا من سيارات الجيش والأمن المتنوعة وبعض سيارات العسس بأرقامها المزورة..
    كنت قد أوصلت زميلاً إلى مسكنه إثر جلسة جماعية في منزل زميل آخر بعد أن تناولنا "القات" في فترة القيلولة وتسلينا بحكايات شيقة ثم بلعب الورق. كنت دائماً حريصاً على أن لا أتاخر عن منزلي إلى مثل هذه الساعة.. لكنها حصلت..
    استوقفني جندي مدجج بالسلاح عند منعطف الشارع الدائري.. أغلقت المسجل الذي كان يشدو بأغنية محببة "لفيروز"..
    فتحت النافذة ونظرت إلى الجندي المدجج بالسلاح.. لم ينظر إلي بل فتح الباب ومد يده إلى جوانب سترتي كمن يبحث عن شيء..
    حاولت أن أكتم غضبي ولا أترك له فرصة أن يندفع.. استملت.. ربما يبحث عن سلاح.!؟ قلت لنفسي.. دعه يبحث فقد كثرت حوادث الثأر في هذه المدينة..
    لكنه أمرني أن أفتح صندوق السيارة الخلفي.. دست على زره فانفتح.. دون أن أخرج من السيارة.. غاب الجندي برهة ثم أقبل نحوي فأدرت محرك السيارة.. وقد اعتبرت أن الوضع قد انتهى..
    مجرد تفتيش عادي..
    قال امراً ومشيراً بيده:
    - - قف على جنب..
    - - لماذا..؟!
    - - على جنب..
    نظرت إليه مرة أخرى فوجدته جاداً مستنفراً.. ركنت سيارتي على الجانب الأيمن للطريق..
    الوقت يمر.. نظرت إلى ساعتي.. وجدتها قد تجاوزت العاشرة.. لابد أن يقلق أولادي وأمهم لتأخري..
    خرجت من السيارة.. كان الطقس بارداً مع رذاذ المطر المتساقط.. وقفت بجانب السيارة انتظر وأنظر في الوقت نفسه نحو الجندي.. لم أكن قد هيأت ثيابي لتقيني البرودة القارسة وقطرات المطر المؤلمة..
    صاحبي الجندي لديه أرديه غليظة تقيه كل شيء.. من زخات رذاذ المطر إلى زخات الرصاص..
    * * *
    اتجهت إليه.. وأنا على يقين تام بأنه لا توجد أية أسباب أو مبررات لإيقافي على "جنب" .. لاشيء محظور.. لا منشور.. لا سلاح.. لا مشروبات روحية.. لا رقم سيارة مزوراً.. لا ضريبة لم تدفع.. لا أثر للشك بأن سيارتي قد ارتكبت حادثة مرورية...
    حتى شكل سيارتي.. بسيط وصغير.. ولونها غير مزعج..
    - - يا أفندم..!
    - - نعم..
    - - هل أذهب؟
    - - لا..
    - - لماذا؟
    لم يجبني بل أوقف سيارات أخرى وفتشها وانشغل بالحوار مع سائقيها. وقفت منتظراً.. قلت له وأنا أتبعه:
    - - أهنالك مخالفة مني تستوجب توقيفي على جنب..؟!
    نظر إلي شزار وقال:
    -أنا قادم إليك تواً..
    حمدت الله بأنني تشرفت بهذه الإجابة التي توحي بأن مظهري محترم لديه كما كنت قد تخيلت..
    توجه نحو الصندوق لسيارتي الذي كان ما يزال مفتوحاً وجذبني من كتفي قائلاً:
    - - ما هذا ..؟
    - - كأس..!
    - - ما هو..؟
    - - كأس فارغة..!
    وأزاح بطانية كانت مرتبة في ركن من أركان صندوق السيارة وقال:
    - - وهذه ...؟
    - - بطانية وكأسان فارغتان أيضاً..
    - - فارغتان مماذا أيها المحترم..؟!
    تعجبت من هذا الاستفزاز وابتسمت..:
    - - فارغتان إلا من الهواء..؟!
    لم تعجبه شبه النكتة التي قلتها..
    - - ماذا كان بداخلهما؟
    - - لا شيء كما ترى!
    - - شمهما بأنفه ثم أرجعها إلى مكانهما بعنف.. نظر إلي وقال:
    - - ماذا كان بداخلهما؟
    - - لا شيء.. كما ترى..!
    توقف برهة.. كان زملاؤه يفتشون السيارات الأخرى التي يصطادونها في مثل هذه الساعة من الليل..
    نظر إلي قائلاً:
    - - أين كنت..؟
    - - عند زميل..
    - - ماذا تفعلان؟
    - - نتحدث.. حديث "مقيل قات".
    - - عماذا تتحدثان؟
    هممت أن أقسو في إجابتي.. لكني تمهلت وأجبته:
    - - أضروري أن تعرف؟
    - - نعم..
    - - بأي حق.؟
    - - هكذا..
    - - هكذا..؟!
    - - نعم هكذا..
    - - عن القات: هل هو مشكلة أم قضية وطنية.. عن الزملاء والأصدقاء..
    - - ومن هم؟
    - - أنت لا تعرفهم يا أخي!
    - - نحن نعرف كل شخص في المدينة!
    - - سبوح قدوس ..!
    - - أتسخر مني؟
    - - معاذ الله!!
    - - هذه الكؤوس الفارغة!.. ماذا شربتم فيها هذه الليلة؟
    - - لم نشرب شيئاً فيها..!!
    - - أريد تفسيراً معقولاً..!
    - - هي خاصة بالأطفال أيام العطلات.. يشربون فيها العصير والماء..
    - - ها.. عصير وماء..؟ قالها وهو يدحرج الكؤوس بأرضية صندوق السيارة.. أثارني وقلت:
    - - لقد تجاوزت حدودك.. بأي حق تستوقفني.. وأي قانون يخولك أن تتصرف معي هكذا..؟!
    توتر الموقف موحياً بأنه سيؤول إلى وضع سيئ.. لكني كنت قد وصلت إلى ذروة الغضب والشعور بالمهانة وكان ذلك يدفعني عادة إلى الاندفاع ببسالة وإلى المقاومة العنيفة مهما كلفني ذلك من ثمن..
    نزل الجند من فوق سيارتهم المكشوفة "الطقم" مدججين بكل أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة وبملابسهم العسكرية المموهة وخوذهم أيضاً الخاصة بالاقتحام "الكمندوزي"..! كان وقع رذاذ المطر على رأسي شبه الأصلع وعلى جسمي يؤذيني.. دخلت برغم تجمعهم حولي السيارة وأغلقت بابها وفتحت المسجل. كانت "فيروز" ما تزال تشدو بأغنيتها المحببة لي..
    وأدرت محرك السيارة.. تشنج الجند واحتاروا فيما يفعلونه إذا انطلقت بالسيارة..
    توقعي كان أنني إذا أقدمت على ذلك فإنهم على الأقل سيقومون بإطلاق زخات من أسلحتهم على السيارة وعلى إطاراتها بالتحديد.. وكنت على يقين بأنهم سيبرون ذلك حتى لو نتج عن تصرفهم مقتلي بأنني مخرب خارج على القانون.. وقد عثر بداخل سيارتي على أسلحة ومنشورات وخمور أيضاً.. وبأن أربعة رفاق كانوا معي في السيارة استطاعوا الفرار وما يزال رجال الأمن يبحثون عنهم وربما قد عثروا على بعضهم وسيقدمون إلى محكمة أمن الدولة العليا..
    دار في ذهني كل ذلك فأوقفت محرك السيارة.. وأوقفت حتى المسجل الذي كان يشدو بأغنية "فيروز" المحببة لي..
    انتبهت لصمت الجند المشاغب ووقوفهم بحركة آلية كأنهم تماثيل جامدة..
    كانت سيارة لا تحمل رقماً.. رمادية اللون قد وقفت بجانبي.. وكان بداخلها شخص تحدث إلى قائد الجند.. شعرت بأن الحديث يخصني..
    جاء الجندي إلي قائلاً:
    - - الأفندم يريدك..
    - - أفندم من..؟
    - - الأفندم.. ضابط عظيم..
    - - ما عظيم إلا الله ..يأتي هو..
    - - ماذا تقول؟
    - - لقد سمعت ما قلته..
    استشاط غضباً.. وعادإلى الأفندم.. ودار حوار طويل بينهما..
    ترجل الأفندم فنزل جند حراسته الخاصة من أمامه وخلفه وعن يمينه ويساره.. أقبل نحوي كطاووس متباه..
    مد يده قابضاً على طرف النافذة بعد أن تأملني جيداً ثم قال:
    - - ما قضيتك؟
    - - ليس لي قضية..
    - - أيعقل هذا.. ونحن الآن في منتصف الليل؟
    - - أنا هنا منذ الساعة العاشرة.. أوقفت دون مبرر..
    - - .. دون مبرر؟
    - - نعم..
    - - لا يعقل ذلك !
    - - ...
    - - وكل هؤلاء الجند المحيطين بك.. دون قضية..؟
    ابتسم قائلاً:
    - - ... ليس تعنتاً كما تعتقد .. لابد من .. انهم عثروا على ما يبرر إيقافك على جنب..
    - - اسألهم المبرر والسبب الذي دعاهم لإيقافي حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل وفي هذا الطقس الردئ..
    قدم الجندي الشرس الأول فنظر إليه "ضابط عظيم" مستفسراً.. فقال الجندي:
    - - عثرنا على كؤوس فارغة وبطانية..
    - - وماذا في ذلك..؟
    أجابه "الضابط العظيم".
    - - الكؤوس من النوع الخاص بالخمور.
    - - … والبطانية من النوع الخاص بممارسة الزنى والجنس..
    - - ما هو الدليل؟
    - - يا أفندم.. الدليل واضح جداً.. كؤوس خاصة بالخمرة وبطانية ناعمة خاصة بممارسة الفاحشة.
    * * *
    كان الاثنان يتحاوران تحت قطرات المطر وأنا قابع على كرسي القيادة.. وفجأة أدخل الضابط العظيم رأسه من نافذة السيارة وقال:
    - - أعرف أنك قد سمعت حواري مع الجندي المناوب..!
    - - ربما..؟!
    - - ما ردك..؟
    - - الكؤوس الفارغة هي لأطفالي يشربون بها الماء.. وأما البطانية فأمهم تفرشها في الحديقة العامة لسيتريح عليها الأطفال في يوم الإجازة..!
    - - حديث مستوحى من التراث..!!
    - - نعم..
    * * *
    - - اتبعني إلى القسم..
    - - أي قسم؟
    فتح باب السيارة وجذبني نحوه.. تحملت ذلك بالرغم من رذاذ المطر المؤذي.. جذبته أنا أيضاً نحو الصندوق الخلفي للسيارة الذي ما زال مفتوحاً.. وقلت متسائلاً:
    - - هل هذه الأشياء دليل على الجرم المزعوم؟
    - - نعم..
    تناولت الكؤوس.. ورميتها واحد إثر الأخر لتنكسر فوق الرصيف وأخذت "البطانية" ورميتها أيضاً على الرصيف..
    كنت على استعداد أن أرميه أيضاً وأنهي هذه الحالة السيئة من الامتهان.. كان التحفز من جانبه وجانبي، قد بلغ ذروته.. كنت مستعداً أن أمسك بتلابيبه وأجهد نفسي على الانتصار عليه وكان هو الآخر متحفزاً أيضاً بسلاحه وبزته العسكرية وجنده المحيطين به..
    فجأة أوقف الجند سيارة "صالون" فارهة وأقبل أحد الجنود صائحاً..
    -يا فندم..
    وهمس في أذنه.. فهرعا معاً نحو السيارة الصالون الفارهة.. نظرت نحوهما وقد تجمع الجند حول تلك السيارة وحوار صاخب يدور.. أقفلت صندوق السيارة الخلفي واتجهت إلى مقعدي وأدرت محرك السيارة وانطلقت بها..
    كنت أنظر في المرايا العاكسة لأرى إن كان أحد يتبعني. لم أي أنوار خلفي.. قلت لنفسي.. لقد عثروا على صيد ثمين حقيقي فعلاً..
    تجنبت الشوارع الرئيسة وسلكت الأزقة الفرعية الموحلة خوفاً من لقاء جنود آخرين أو "ضابط عظيم" آخر!
    كان الوقت فجراً عندما وصلت أمام باب منزلي..
    أوقفت السيارة ونزلت لأقرع الجرس.. لكن الباب كان قد فتح قبل أن أضع إصبعي على الزر..
    كانت الزوجة في انتظاري بلهفة.. احتضنتني بشدة والأطفال وراءها فرحون وكان السهر قد أعياهم..
    دخلت صامتاً.. وارتميت على الأريكة.. وقد تجمع الكل حولي.. كانت أمامي الخزانة الزجاجية المليئة بالتحف والكؤوس والصحون والأشياء الخاصة بالسفرة..
    نهضت فجأة أخذت جميع الكؤوس المشابهة لتلك وفتحت الباب وقذفت بها الواحدة إثر الأخرى والزوجة والأولاد يتفرجون في دهشة..
    استدرت إليهم باسماً وارتميت على الأريكة وقبل أن يعلو شخيري كانوا يعودون إلى غرفة نومهم وعلامات الدهشة ما تزال عالقة بأجفانهم المثقلة بالنوم!
    صنعا: 8/8/1988م
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-07-01
  3. البلق الأوسط

    البلق الأوسط عضو

    التسجيل :
    ‏2003-01-13
    المشاركات:
    91
    الإعجاب :
    0
    رحمك الله يازيد
    رائعة جدا
     

مشاركة هذه الصفحة