من الواقعية إلى الواقع ^!^

الكاتب : الثمثمى   المشاهدات : 409   الردود : 0    ‏2005-05-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-05-25
  1. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    من الواقعية إلى الواقع

    الرواية الجديدة هي اختراع مستمر للانسان والعالم


    بقلم : الروائى الفرنسي ألن روب جرييه

    كل الكتاب يعتقدون أنهم واقعيون، ولا أحد منهم يقول عن نفسه إنه تجريدي، او ميال للأوهام والخيال الفنتازي، لأحد يعتقد انه مزيف، والحقيقة ان الواقعية ليست نظرية محددة، واضحة بلا غموض، تسمح بان يقف بعض الكتاب على نقيض من كتاب آخرين، بل بالعكس ان الواقعية اليوم علم يجمع تحته الغالبية العظمى أو المجموع العام ـ لكتاب هذا العصر، ولا شك ان من الضروري تصديقهم فيما يخص هذه النقطة، فالعالم الواقعي هو الذي يثير اهتمامهم، وكل منهم يحاول بكل ما يستطيع ان يخلق «واقعاً»، ولكن اذا كانوا يجتمعون كلهم تحت علم الواقعية، فليس ذلك لقيادة معركة مشتركة، وانما لكي يمزق كل منهم الآخر.

    ان الواقعية هي الايديولوجية التي يشهرها كل منهم في وجه زميله، ويعتقد انها ميزة يمتلكها وحده دون غيره، ولقد كانت الأمور غالباً على هذا المنوال، فبالاهتمام بالواقعية، كانت كل مدرسة أدبية جديدة تحطم المدرسة السابقة عليها، كانت الواقعية كلمة السر التي استخدمها الرومانتيكيون ضد الكلاسيكيين، ثم استخدمها الطبيعيون ضد الرومانتكيين، بل جاء السرياليون واكدوا بدورهم انهم لا يهتمون بشئ الا بعالم الواقع، ويبدو ان الواقعية شئ مختلف عليه بين الكتاب تماماً مثل (الادراك السليم) Lc Bon sens المختلف عليه عند ديكارت.

    وهنا ايضا يجب ان نخلص الى ان الجميع على حق، واذا كان الكتاب لا يتفقون فذلك لان لكل منهم أفكاره الخاصة عن الواقع. كان الكلاسيكيون يعتقدون ان الواقع كلاسيكي، وكان الرومانتيكيون يعتقدون انه رومانتيكي، والسرياليون انه سريالي، واعتقد كامو انه عبثي، واعتقد الاقتصاديون انه اقتصادي وانه ينحو نحو الاشتراكية. كل منهم يتحدث عن العالم كيفما يراه، ولكن لا احد يراه مثلما يراه الآخر.

    وهنا يمكننا ان ندرك بسهولة لم قامت الثورات الادبية دائماً باسم الواقعية فعندما يفقد احد الاشكال الادبية الاسلوبية حيويته الاولى وقوته وحرارته، عندها يصبح (وصفة شائعة) واكاديمية لا يحترمها التابعون الا بالروتين والتقاعس دون ان يتساءلوا عن ضرورتها، عندما يحدث هذا يشكل اتهام الصيغ الميتة ضرورة الرجوع إلى الواقع، والبحث عن اشكال جديدة كفيلة بازاحة هذه الاشكال الميتة لتحل محلها.

    ان اكتشاف الواقع لا يمكن ان يستأنف مسيرته الا اذا هجرت الاشكال المستهلكة، الا اذا اعتبرنا ان العالم من الآن فصاعداً قد اكتشف تماماً (وفي هذه الحالة فان احكم الكتاب هو من يكف عن الكتابة) ولا يمكن ان نحاول الذهاب الى ابعد من ذلك ليست المسألة هي ان نأتي بشئ احسن، وانما ان نتقدم في تلك الظروف في تلك الطرقات المجهولة، حيث تصير الطريقة الجديدة في الكتابة شيئاً ضرورياً.

    ورب قائل: وفيم اذاً فائدة هذا السير طالما كان مآله، طال الزمن او قصر، الى اكاديمية جديدة سرعان ما تتجمد هي الاخرى مثلما حدث من قبل؟ ذلك بدوره يقود للسؤال التالي: لم نعيش طالما كان يجب علينا ان نموت ونخلى المكان لأحياء آخرين؟

    ان الفن حياة، لاشئ فيه يكسب بشكل نهائي، ولا يمكن للفن ان يوجد دون اعادة النظر المستمرة هذه ـ ان حركة هذه التطورات والثورات هي التي تصنع الازدهار الدائم للفن، هذا بالاضافة الى ان العالم يتغير ايضاً، لقد تطورت الحياة المادية والفكرية والسياسية بشكل واضح مثلما تغير المظهر الفيزيقي لمدننا وبيوتنا وقرانا وطرقنا، هذا من ناحية.. ومن ناحية اخرى فان معارفنا قد صادفت هي ايضاً انقلاباً صارخاً، وبسبب هذا وذاك، تغيرت تماماً العلاقات الذاتية التي نمارسها والعالم.

    ان التعديلات الموضوعية التي طرأت على الواقع مضافاً إليها (التقدم) في علومنا الفيزيقية قد اثارت بعض اصداء قوية ـ ومازالت تثير حتى الآن ـ في مفاهيمنا الفلسفية وعلمنا الميتافيزيقي وعلمنا الاخلاقي، واذاً فاذا كانت الرواية لا تفعل شيئاً سوى تمثيل الواقع، فليس طبيعياً الا تتطور قواعد واقعيتها بالتوازي مع التطورات الاخرى.

    واذا كان واجب الرواية هو ان تعرض واقع اليوم فليست رواية القرن التاسع عشر بحال هي الاداة الطيبة لذلك، تلك الرواية الجديدة التي يعتب النقد السوفيتي بيقين اكثر هدوءاً من النقد البرجوازي على الرواية الجديدة في كل مناسبة انها تريد الانفصال عنها، على حين تستطيع رواية القرن التاسع عشر هذه ان تستخدم ـ على حد قولهم ـ في عرض آلام العالم الحالي ووسائل علاجها. هذا طبعاً مع بعض التعديلات في التفاصيل اذا دعت الحاجة لهذه التعديلات.

    ان الرواية لاتستخدم في عرض او ترجمة اشياء موجودة قبلها وخارجها، انها لا تعبر.. انها تبحث، وما تبحث عنه هو نفسها.

    ان النقد الاكاديمي في الغرب كما في البلاد الشيوعية يستخدم كلمة (واقعية) وكأن الواقع شئ قد يكون تماماً (سواء أكان هذا مؤقتاً او بشكل دائم) قبل ظهور الكاتب على خشبة الكتابة، وهكذا يرى هذا النوع من النقد ان دور الكاتب ينحصر في (استكشاف) واقع عصره وفي التعبير عنه.

    ان الواقعية حسب هذه النظرة ستكتفي بمطالبة الرواية باحترام الحقيقة، وبناء على هذا فستنحصر صفات الكاتب في نفاذ ملاحظاته وفي اهتمامه الشديد بالصراحة (هذا الاهتمام المرتبط دائماً بالاسلوب المباشر).

    ان كل هذا يبدو عديم المعنى ابتداء من اللحظة التي ندرك فيها ان كل انسان يرى في العالم واقعة الخاص به، وندرك ايضاً ان الرواية هي ما يخلق هذا الواقع الخاص، ان الكتابة الروائية لاتهدف الى الاعلام مثلما تفعل النشرة الدورية، انها اختراع للعالم وللانسان.. اختراع دائم ومستمر.

    لقد ظهر نوع جديد من القصاصين.. هذا القصاص الجديد ليس فقط انساناً يصف الاشياء التي يراها، وإنما يخترع الاشياء من حوله ويرى الاشياء التي يخترعها واذاً ففي هذه الواقعية الجديدة تنعدم تماماً مسألة الحقيقة، ان هذا الشئ المزيف هو الذي نجده في يوميات كافكا، فهو عندما يسجل الاشياء التي رآها في النهار وفي اثناء نزهته، فانه لا يتذكر الا اشياء مشوشة، ليست فقط عديمة الأهمية وانما منفصلة تماماً بالنسبة له عن دلالاتها وبالتالي عن مشابهتها بالواقع.
     

مشاركة هذه الصفحة