صناديق الاقتراع امتداد للحرب بوسائل أخرى.

الكاتب : الثمثمى   المشاهدات : 468   الردود : 0    ‏2005-05-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-05-25
  1. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0



    صناديق الاقتراع امتداد للحرب بوسائل أخرى.



    فيصل جلول



    اختصرت إحدى الصحف البريطانية فوز رئيس الوزراء طوني بلير بولاية ثالثة بالقول: إنها هزيمة المنتصر. ذلك أن نتيجة الانتخابات الأخيرة بينت ليس فقط انخفاض حجم تمثيل حزب العمال البريطاني في البرلمان الجديد بالقياس إلى برلمان العام 2001 بل نجاح عدد من المناهضين لحرب العراق في صفوف الحزب وخارجه كوزير الخارجية المستقيل روبن كوك والنائب المطرود من الحزب جورج غالوي وكلاهما طالب الحزب بوضع حد لولاية بلير العمالية الأمر الذي يعتبر في الأوساط السياسية البريطانية بمثابة تحصيل حاصل مع اختلاف على التوقيت. فهل يستقيل من مناصبه العام المقبل أم الذي يليه وإن كان محظوظا للغاية يمكنه أن يجتاز نصف الولاية بسلام وإلا قد يسقط في أية لحظة "بنيران صديقة" من حليفه اللدود وزير المالية غوردن براون.

    وإذا كان طوني بلير قد نجا من" تسونامي" العراق بفضل قانون الانتخابات الفئوي الذي يتيح لحزب واحد الحكم بثلث أصوات الناخبين فان طوق نجاته الحقيقي يكمن في ذلك التواطؤ الماهر والمستتر على الطريقة البريطانية الذي قضى بالا يهزم رئيس وزراء صاحبة الجلالة بسبب الحرب كي لا تنسحب هزيمته على ارض المعركة وتسجل كانتصار لمناهضي الاحتلال في العراق والشرق الأوسط فيما القوات البريطانية تقاتل على ارض المعركة.

    ولعل التواطؤ نفسه قضى من قبل بفوز رئيس الوزراء الاسترالي جون هوارد بالانتخابات أيضا ومثله الرئيس الأمريكي جورج بوش فالأمة في هذه الدول قادرة بوسائل ذكية على منع الانقسام الداخلي من أن يتحول إلى انتصار غير مباشر لأعدائها خصوصا عندما ينتابها شعور ما بان الحرب التي تخوضها مصيرية أو حضارية أو ما يشبه ذلك ولسان حالها يقول إذا كان العدو لا يريد بوش وبلير وهوارد المحاربين على الجبهة فليبقى الثلاثي نفسه في مواجهة العدو.

    يبقى أن نشير إلى الأنباء الذي تحدثت عن تدخل الولايات المتحدة نفسها من خلف الستار في مساعدة بلير وهوارد عبر خطط ذكية للتحكم بالرأي العام. ذلك أن واشنطن تريد أن تتحاشى بأي ثمن تكرار المثال الأسباني الذي ترك أثرا شديد السلبية على الاحتلال وحضوره الضاغط على الشرق الأوسط.وتحاول واشنطن منذ ذلك الحين إهانة خوسيه لويس ثاباتيرو رئيس الوزراء الأسباني الجديد الذي سحب قوات بلاده من العراق ويظهر ذلك في عنوان شهير لإحدى الصحف الأسبانية التي قالت أوائل العام الجاري أن بوش التقى ثاباتيرو لمدة خمس ثوان(وقت المصافحة فقط) في بروكسيل على هامش القمة الأطلسية الأوروبية في حين يمضي وقتا ممتعا مع رئيس الوزراء السابق خوسيه ماريا أثنار حليفه في الحرب والذي انتقل للتدريس في الولايات المتحدة الأمريكية ومعه أيضا قاضي الإرهاب الشهير بالتاثار غارثون المعارض للحرب لكن المصر على مساعدة الولايات المتحدة في الضغط على الأوساط الإسلامية من خلال ملف الإرهاب الشهير في مدريد.

    بالمقابل لا يبدو أن "تسونامي" العراق مفيدة انتخابيا للزعماء الأوروبيين الذين عارضوا الحرب ولاسيما المستشار الألماني غيرهارد شرودر والرئيس الفرنسي جاك شيراك. فالأول الذي فاز بالانتخابات بفضل أزمة العراق قبل أن تصبح حربا يتعرض اليوم لهزائم شنيعة في الانتخابات الفرعية في حين يقاتل الرئيس جاك شيراك حتى لا يخذله الناخبون أواخر الشهر الجاري في الاستفتاء على الدستور الأوروبي فتكون فرنسا التي صاغت الدستور بشخص رئيسها السابق فاليري جيسكار ديستان الدولة الأولى التي تضع حدا لتطبيقه ويجتهد خصوم شيراك وبعضهم من مؤيدي الحرب في ربط موقف الناخبين من الدستور الاوروبي بمصيره الرئاسي بحيث يستقيل من الاليزيه إذا كانت نتيجة الاستفتاء سلبية.

    ولعل التفسير الأقرب إلى واقع الحال في تأثير الحرب على مواقف الناخبين في ألمانيا وفرنسا يكمن في أن شرودر وشيراك قد امتنعا منذ النصف الثاني من العام الماضي عن ملاحقة جورج بوش في القضية العراقية بل هما يعملان على ألا تهزم أمريكا في هذه الحرب فتكون هزيمة للغرب بأسره وانتصارا لخصومه وهو أمر منطقي تماما في الثقافة السياسية الغربية.هكذا يبدو أن موقف الثنائي الألماني الفرنسي من الحرب غير قابل للتوظيف في الاستحقاقات الانتخابية وبما أن ديغوليي شيراك واشتراكيي شرودر قد اخفقا في التصدي للملفات الداخلية فهما يحصدان نتائج هذا الإخفاق الذي يصعب تغطيته بالسياسة الخارجية خصوصا بعد أن باتت أسيرة "النجاح" الأمريكي في العراق في حين كانت معلقة على تعطيل شن الحرب والخروج السريع منها, ما يعني أن شظايا الحرب تصيب ليس فقط الذين أرادوها بل أيضا الذين عارضوها ثم عادوا للالتحاق بها مداورة من خلال القرار 1559 اللبناني أو من خلال مباركة الانتخابات العراقية ومن بعد الفلسطينية وكلها يراد لها أن تكون شاهدا على جدوى الحرب العراقية أكثر من كونها حجة على ضرورة "التغيير الديموقراطي" المزعوم في الشرق الأوسط.

    قصارى القول أن "تسونامي" العراق تلقي هذه الأيام بظلها الثقيل على صناديق الاقتراع في الغرب وفي الشرق الأوسط على حد سواء.هناك تخاض معارك انتخابية دفاعية وتستنهض همم وطاقات لاستدراك هزيمة تصب الماء في طاحونة رافضي الاحتلال ومقاوميه وفي الشرق الأوسط تخاض معارك انتخابية هجومية لتنصيب حلفاء محليين حكاما وقادة "ديموقراطيين" مع شهادات ممهورة بأختام دول المنشأ.

    كان كلاوزفيتز يقول الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى ولو عاش معنا اليوم لقال: صناديق الاقتراع امتداد للحرب بوسائل أخرى.

    انتهى.


    12/5/2005م
     

مشاركة هذه الصفحة