كم أنت ناكرة للجميل أيتها الصهيونية!

الكاتب : الثمثمى   المشاهدات : 494   الردود : 0    ‏2005-05-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-05-25
  1. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    كم أنت ناكرة للجميل أيتها الصهيونية!



    د.فيصل القاسم






    إذا كان المسلمون يقومون برمي إبليس بالجمرات مرة كل عام أثناء حجهم إلى بيت الله الحرام، فإن معظم وسائل الإعلام المملوكة للأنظمة العربية ترجم الصهيونية إعلامياً منذ أكثر من مائة عام دون توقف بحيث أصبحت تلك الحركة في الثقافة السياسية العربية كإبليس في الثقافة الإسلامية. لكن من سخرية القدر أننا بدلاً من إيذاء الإبليسين الصهيوني والديني بأحجارنا الإعلامية والبازلتية كنا نؤذي أنفسنا أحياناً، فبعض الحجاج المساكين الذين يتدافعون لضرب الشيطان بالحصى يذكرونني بالموقف العربي من الصهيونية، مع اختلاف أكيد في المقاصد والنوايا طبعاً. فبدلاً من قذف إبليس بالجمرات كان بعض الحجاج، وللأسف الشديد، يقضون نحبهم في بعض الأحيان من شدة التدافع فيما بينهم ولا يصيبون الهدف. وكذلك الأمر بالنسبة لمعظم الحكومات العربية، فبدلاً من أن تنال من الصهيونية على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان كانت تنال من نفسها. فقد قدمت بعض أنظمتنا "لشيطانها الصهيوني" خدمات جليلة يعجز عن وصفها اللسان ولا تـُقدر بأثمان، هذا في الوقت الذي كانت أبواقها تكيل له اللعنات وتقذفه بكل أنواع الجمرات الإعلامية. لكن ما الفائدة أن تلعن الصهيونية ليل نهار في أبواقك الإعلامية وأدبياتك السياسية ثم تحقق لها على أرض الواقع كل ما تبتغيه من خلال سياساتك البائسة التي تصب في نهاية النهار في مصلحة عدوك؟

    إن معظم السياسات العربية بحق الشعوب والأوطان تبدو وكأنها مصممة لخدمة إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر، فلا تغترّن بالحملات الإعلامية العربية التي تهاجم الصهيونية صبح مساء، فكثرة الشتائم ضد الدولة العبرية لا تعني بالضرورة أن أنظمتنا تناصبها العداء فعلاً. فهناك مثل صيني جميل يقول: "إن الكلاب التي تنبح كثيراً لا تعض". وبالتالي فقد تكون تلك الحملات ضد ما كنا نسميه بـ"الكيان الصهيوني" لذر الرماد في العيون لا أكثر ولا أقل، إن لم تكن لمجرد التغطية على الخدمات التي تسديها بعض أنظمتنا "للعدو" المزعوم وتمكينه في المنطقة.

    سمعنا قبل عقود كلاماً مفاده أن السياسات التي ينتهجها معظم الدول العربية هدفها بالدرجة الأولى تحطيم مجتمعاتها وشعوبها وإبقائها في حالة تخلف وجمود كي تظل إسرائيل الدولة الأولى في المنطقة عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً وصناعياً وديمقراطياً. لكننا كنا نعتبر مثل هذا الكلام مجرد إشاعات مغرضة ومحاولات مشبوهة لتشويه سمعة الأنظمة العربية والنيل من "صمودها" في وجه الأعداء. غير أن ما كنا نظنه خيالاً مريضاً بدأ يظهر بمرور السنين على أنه أقرب إلى الحقيقة منه إلى الأوهام، والأمور دائماً بخواتيمها. فالحال الذي آلت إليه معظم مجتمعاتنا العربية من بؤس وتخلف وانهيار وتدهور يؤكد تلك النظرية. فمن المعروف أنه بالإمكان أن تكذب على الناس بعض الوقت لكن ليس كل الوقت حتى لو كنت أبرع من غوبلز وزير إعلام هتلر. فليس المهم ما تقول بل ما تفعل. وما فعله الكثير من الحكومات العربية خدم "العدو" أكثر بكثير مما أضره. والأمثلة لا تـُعد ولا تـُحصى.

    إن السياسات الشمولية والاستبدادية العربية جعلت إسرائيل تبدو في عيون العالم على أنها الديمقراطية المحترمة الوحيدة في المنطقة العربية. وهي كذلك فعلاً بالمقاييس الديمقراطية الغربية، فهناك تعددية حزبية حقيقية وتداول على السلطة وانتخابات حرة وفصل بين السلطات وبرلمان منتخب وصحافة مستقلة وشفافية ومحاسبة تجعل أعتى الجنرالات مثل شارون وغيره يرتعدون خوفاً من المساءلة أمام القضاء حتى لو كان الجرم الذي اقترفوه اختلاس مائة دولار أو قبول هدية بسيطة أو رشوة هزيلة بالمقاييس العربية الغرّاء. وكم من كبار المسؤولين الإسرائيليين فقدوا مناصبهم بسبب اتهامهم بالحصول بطرق غير مشروعة على مبالغ مالية سخيفة لا يقبلها ابن أتفه مسؤول عربي كمصروف جيب.

    وأرجو ألا يتنطع أحد المتفذلكين العرب ليعيّر إسرائيل بعنصريتها المتمثلة بمعاملتها السيئة للفلسطينيين التي تتنافى مع الديمقراطية. فكلنا يعرف أن الطرفين في حالة حرب. المهم أن الدولة العبرية تعامل إنسانها اليهودي وحتى العرب الذين يحملون جنسيتها بطريقة ديمقراطية حضارية تتوق إليها الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج. فهي لم تقم يوماً بقتل أحد مواطنيها اليهود ولم تنكـّل بعائلته ولم تزر به في سجون وزنازين تحت الأرض لا تليق بالحيوانات الضارية لمجرد أنه ذم رئيس الدولة في جلسة خاصة أو انتقد ارتفاع أسعار البطاطا "القومية"، ولم تحرمه من حقوقه الوطنية لأتفه الأسباب ولم تبعده خارج البلاد ولم تمنعه من العودة إلى إسرائيل لأن أحد ضباط الأمن مستاء منه ولم تتفنن في إيذاء شعبها ولم تستخدم كل اجهزتها الأمنية وكلابها البوليسية لإخضاع مواطنيها وإهانتهم وإذلالهم وتعكير حياتهم وإفسادهم وتدمير السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة والفكر والحرث والزرع والضرع وتحويل البلاد إلى مزرعة لحزب الليكود أو العمل أو لأجهزتها القمعية. لقد كانت الصهيونية حريصة على كل يهودي في العالم وتعمل على حماية الإسرائيليين حتى من النسيم العليل، ولا تألو جهداً في البحث "بسراج وفتيلة" حتى في مجاهل أفريقيا عن كل من قال إن أصله يهودي كي تجلبه إلى إسرائيل وترعاه.

    لم نسمع يوماً أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الرهيب (الموساد) قد أخذ على عاتقه تحويل حياة الإسرائيليين إلى جحيم مقيم. صحيح أنه "عمل "السبعة وذمتها" خارج البلاد لكنه لم يقترف يوماً خطأً بسيطاً بحق أي يهودي حتى لو كان قاتلاً، فحتى الذي اغتال رابين يحظى بمحاكمة قضائية مثالية. على العكس من ذلك نجد أجهزة الاستخبارات في معظم الدول العربية،العسكرية منها والمدنية، تحقق كل انتصاراتها "التاريخية" على المواطن العربي المسكين والذليل بحيث حولت الناس إلى ثلة من العبيد والمتذللين، ولم نسمع يوماً أنها نفذت عملية يُعتد بها خارج أسوار الوطن المطوّب باسمها. وكلنا يعلم أن العبيد لم يحرروا يوماً أرضاً محتلة ولم يبنوا مجتمعاً قوياً ولا حضارة. عجباً كيف تحارب أعداءك بشعوب مقهورة ومجتمعات مخرّبة ومتخلفة ونفوس منهارة؟ من الواضح أن الذي يتصرف مع شعبه بهذه الطريقة ليس عدواً للصهيونية بل أكبر خادم لها وهي سعيدة بأمثاله، إن لم يكن موضوعاً في منصبه لتحقيق غايات الأعداء اصلاً، فمحاربة أقوى حركة في العالم الآن تتطلب سياسات وتصرفات غير التي نراها في هذا البلد العربي أو ذاك الذي يتشدق بمناهضة "الصهاينة".

    لا أحد يستطيع أن ينكر أن الحركة الصهيونية تـُعتبر أخطر وأقوى حركة شهدها القرن العشرون، فقد نجحت في تجميع ملايين اليهود من شتى بقاع الأرض في فلسطين التي أقامت على أرضها دولة إسرائيل. ولم تكتف الحركة بإنجازاتها المحلية العملاقة بل استطاعت أن تمد أذرعها إلى أمريكا وأوروبا بحيث غدت تتحكم بالامبراطوريات الإعلامية الغربية وتسخرّها لأهدافها المحلية والعالمية. زد على ذلك أن الصهيونية أمسكت بخناق الشركات الكبرى في أمريكا والغرب عموماً مما جعلها تتحكم بأهم سلاحين في العالم ألا وهما الإعلام والاقتصاد. لكن ماذا فعل أعداؤها من العرب؟ بدلاً من أن يباروها في الإنجازات الاقتصادية والإعلامية الهائلة راحوا يدمرون مجتمعاتهم بشكل منظـّم كي يجعلوها في نهاية المطاف لقمة سائغة في فم الصهيونية التي يزعمون أنهم يناصبونها العداء.

    ففي الوقت الذي كانت بعض انظمتنا تتذمر من هيمنة "اللوبيات الصهيونية" على وسائل الإعلام الغربية وتجييرها لصالح "الصهاينة" كانت تقوم بعملية ذبح مبرمج لوسائل الإعلام العربية بحيث غدت مهزلة المهازل ولا يتابعها الإنسان العربي إلا ربما للتندر بسخافتها وتخلفها. من الذي جعل المشاهدين والمستمعين العرب يولون وجوههم صوب الإذاعات والتليفزيونات الأجنبية "المدعومة صهيونياً"؟ بالطبع الأنظمة العربية التي تعطيك الانطباع بأنها دمرت السلاح الإعلامي المحلي عن قصد كي يقع المواطن العربي فريسة سهلة "للإعلام المتصهين" المزعوم القادم من وراء الحدود. ويتشدقون بعد كل ذلك بالقومية وحماية الهويات الوطنية والشخصية العربية والإسلامية.

    وبدلاً من خلق مجتمعات صناعية وتكنولوجية واقتصاديات حديثة لمنافسة التطور الصهيوني الخطير فقد حولوا بلدانهم إلى "سكراب" اقتصادي وعسكري وسياسي. فعادوا بالسياسة إلى عهد معاوية ويزيد والحجاج بدلاً من عصرنتها، وبدلاً من تكوين جيوش تنافس جيش الاحتلال الإسرائيلي حولوا الجيوش إلى مطايا وبؤر للاسترزاق فتحول الضباط إلى تجار ومتعهدين وأصحاب أرزاق وقصور منيفة وسيارات فارهة كما لو أنهم يطمئنون العدو بأن ينام قرير العين، فيما غدا الجنود المساكين عبارة عن أقنان مستعبدين، إذ يُحكى أن أحد وزراء الدفاع العرب زار ذات مرة فرقة عسكرية فسأل الجنود عن احتياجاتهم فقالوا له: إنهم لا يحصلون على ما يكفي من الطعام وإن بعضهم يعاني من سوء تغذية وإن ثكناتهم أقرب إلى حظائر الأبقار، فرد الوزير: وما المطلوب إذن، فأجاب الجنود: نريد جملاً. فسأل الوزير: أليس الجمل أكبر بكثير من أن يتناوله عدد من الجنود في وجبة واحدة، فأجاب الجنود: نحن يا سيادة الوزير نطالب بالجمل لأننا على يقين بأنه لن يصلنا منه بعد الذبح إلا أذنه. وكذلك الأمر طبعاً لبقية الشعب الذي لم يرم له جلادوه وجلاوزته سوى الفـُتات بينما استأثروا هم بالقسم الأعظم من إجمالي الناتج القومي أو بالأحرى بالقمح والزيوان.

    هل كانت إسرائيل تريد منكم غير أن تعاملوا شعوبكم كالأنعام وتسوموها سوء العذاب وتقمعوها وترهبوها وتدوسوها وتجوعوها وتحاربوها بلقمة عيشها وتحولوا الأوطان إلى مزارع خاصة؟ آه لوكان لديك ذرة عرفان بالجميل أيتها الصهيونية لشيدتي تماثيل من ذهب مرصعة بالألماس والأحجار الكريمة لمعظم الأنظمة العربية التي زعمت يوماً أنها ناصبتك العداء ووضعتيها في كل الساحات والميادين الإسرائيلية إكراماً لها على خدمتك، فهي التي مكـّنتك وجعلتك تتربعين فوق عرش الشرق الاوسط، بينما ما زالت مجتمعاتنا، حسب كل تقارير التنمية البشرية الدولية، تعيش في غياهب القرون الوسطى تربوياً وصناعياً وتكنولوجياً وسياسياً. آه كم هي مضحكة بعض المزاعم العربية التي تعزو تأخرنا "للعدو الصهيوني"! أليس حرياً بنا أن نعكس الآية لنعزو التقدم "الصهيوني" في بعض جوانبه إلى العرب أنفسهم؟ قد تكونين مسؤولة عن بعض تخلفنا وتدهورنا يا إسرائيل، لكننا بلا شك أصحاب فضل كبير عليك لما قدمناه لك من خدمات "تاريخية" عظيمة. آه كم أنت ناكرة للجميل أيتها الصهيونية!!



    الشرق القطرية
     

مشاركة هذه الصفحة