البو عمريّة .. حالة من غياب المشروع !

الكاتب : مروان الغفوري   المشاهدات : 915   الردود : 11    ‏2005-05-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-05-24
  1. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    [align=justify]
    .


    إلى صديقي العزيز / بو عمر .. .
    http://ye22.com/vb/showthread.php?t=120595


    لا أتحدّثُ عن " كعب بن زهير " و قصّة عفو رسول الله عنه .. و قصيدته البردة ! فقد أثبت الرجلُ فيما بعد أن " شروده " بهذه التركيبة النبوية لم يكن هستيريّا ً ، بل كان واقع حال متغيّر بناءً على استقراء ذاتي عميق ..


    و بعد ..



    ( بوعمر ) أديب يماني يقيمُ في المهجر ، و هذه الصفّة الأدبية الصرفة في هذا الرجل العاطفي لا تنفكّ عنه . لذا فهو يعرض لكل مواقفه السياسية بحس الأديب و ميزانه المرهف ، محاولاً في الآن ذاته طرح تأصيلٍ منهجي لمادته العاطفية ..

    أصدُقُكم القول أنّ أكثر ما يثيرني في كتابة هذا الرجل الذي توقّفتُ عن متابعة ما يكتبه منذ ما يربو على العام هو روحه التي تسيلُ ، فعلاً ، في نصوصه .. لذا فباستطاعته أن يدخل إلى قلوب الكثيرين بهدوء و رويّة حتى و إن كانوا يرفضون ما يقدّمه جملةً و تفصيلا ً ..

    حمل " بو عمر " مشروع الدولة الحضرمية في جلّ كتاباته ، و سوّق لهذا المشروع بكل ما توافر لديه من تاريخ و تفكيك حاضر و مستقبل .. ثمّ عاد في مقاله الأخير المنشور هنا في المجلس اليمني ليتحدّث باسم الرجل الوحدوي الذي ثاب إلى جادّة الصواب بُعيد وصوله إلى " الأرض الموعودة " .. لكن المفارقة أنّه في الحالة الأولى كرّس مادته الذهنية لطرح مشروعه الانفصالي من خلال أسس فكرية لازمة ، لكنه ، بعد الأوبة الحميمة ، لم يطرَح أكثر من مشروع عاطفي .. بمعنى : يصحّ أن نقول : وحدوي يتنازل عن مشروع انفصالي ! على ما في هذه التسمية من وشاية بمفارقتين ، فالانفصال لدى " بو عمر " كان مشروعاً ، بينما لم تتجاوز الوحدويّة " رقرقة مدامع " .!

    هذه الروح الجيّاشة أوشكت أن تكون أهم مميّزات الانساني اليماني قديماً و حديثاً ، و ارتبطت وثيقاً بالبينة النفسية اليمنية بشكل متوائم مع سرعة الغضب و ردة الفعل و الحكم المستعجل و الجاهز أحياناً ضد الآخر .. " حتى على مستوى رأس الدولة كما في حالات عديدة مثل : العفو عن الحوثي ، العفو عن قائمة ال_ 16 " رغم كل المنهجة العارمة التي تسبق احتدام هذه القضايا المفصلية ، لنفاجأ في آخر المطاف بتحويل القضايا إلى " مسألة و مكرمة " .. بمعنى : توليد حالة شعريّة مباغتة يكتبُ في نهايتها : ألستُم خير من ركب المطايا ! و " بياض العطايا في سواد المطالبِ " !

    الغضب ، و العفو .. هما صورة واحدة لنفس مرهفة ضعيفة . و لعلّ أخطر ما في هذه البنية طغيان الروحي على الذهني ، مما يحوّل أغلب ممارسات هذه البنى النفسية إلى ردّات أفعال ، أو استجابة لتهييج عاطفي صرْف ، و من هنا ندركُ سر الامتناع النبوي عن تولية أبي ذر الغفاري لأمر العامّة " يا أبا ذر إنّك امرؤٌ ضعيف " .و هنا الإشارة إلى المزالق الخطيرة التي تنتظر من يشنغل بأمر العامة ، سواءً أكان حاكماً أو مثقّفاً ، إذ أن الانسياب العاطفي سيعكس رّكة في قراءة المشهد و توصيف سينمائي بحتٍ للصورة المتشابكة و غير الواضحة .

    و عندما نسلّم بأن بنيةً نفسيةً ما تتكوّن من عاملي " الغضب و العفو " فعلينا ساعتئذٍ أن نستعد لملاحظة التركيبة المتبقيّة من هذه النسخة البشرية : غياب المشروع الواضح ، الهروب السيكلوجي الذي قد يوصِل إلى " الشرود الهستيري " .. أما الهروب السيكولوجي فهو البحث عن مفازات و مساحات تقي هذه البنيّة مغبّة و مضاعفات التفكير في محتويات الداخل . و أشهر مسبب للهروب السيكولوجي هو العجز عن إجراء حوار ذاتي مع الداخل الشخصي ، لئلا يكتشف هذا المرأ / المثال خللاً في المشروع أو ضبابيّة في الرؤية ، أو ربما عدميّة شاسعة .. هذا الهروب السيكولوجي قد يقودُ ، فيما بعد ، إلى شرود هستيري fugue .. عندما يجد المرأ / المثال نفسه وجهاً لوجه مع مفاهيم أو أحداث مناقضة أو صادمة تماماً لما عوّد عليه عينيه !

    في حالتنا أعلاه " بو عُمَر " .. بعد أن شرَد في كل ناحية باحثاً عن ما يقنعهُ هو شخصيّاً بسلامة ما يدعو إليه فوجئ بنفسه في نهاية المطاف ، و في مدينة المكلا ، أمام سيل من الواقعيّات التي تناهض تفكيره بل تصيبُ " هروبه السيكولوجي " في الصميم ، فكتب ملاحظاته الآنية عن الوحدة و الانسان اليماني بشكل مفاجئ مثّل ، في تصوّري ، شروداً هيستيريّاً جديدا ً ..

    و لأن حالة الشرود الهستيري تختفي عند أول تنبيه في الطريق ، فإنّ ما أزعمُه أنا أن " بو عمر " سرعان ما سينكصُ عن مقاله هذا و يعودُ إلى هروبه السابق ، ليس لشيء و إنّما لأنه ليس بمقدوره ، الآن و بعد كل ما أنفقه سابقاً ، البحث عن مبررات جديدة لانزياحه إلى جانب " الوحدويّين " . و ما يؤيّد هذا من مقاله أعلاه هو استدلاله البسيط على منطقية هذا الانزياح بقول المواطنين البسطاء : فقير الخير ، و هم يقصدون السخرية من " مرسال " في شهيرته " بشير الخير " .. فنحنُ ، بالفعل ، أمام حالة شرود هستيري يخرجُ بصاحبه من التنظير التاريخي و الاقتصادي و السياسي لمشروع " دولة حضرموت " إلى مستوى بدائي جدّاً في الحديثِ عن مشروع ناضجٍ ، أو أوشك أن يكمل نضجه ، و لعلّ أيضاً الاشارة إلى " السماطة " و " المعوز " في حديثِه تسجّل إدانة جديدة لحالة الشرود الهستيري !







    " إحالة : عقل جديد لعالم جديد .. كيف نغيّر طريقة تفكيرنا لنحميَ مستقبلنا " !


    مروان الغفوري .
    القاهرة .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-05-24
  3. شيء ما

    شيء ما عضو

    التسجيل :
    ‏2004-08-24
    المشاركات:
    66
    الإعجاب :
    0
    شكرا أستاذ مروان على هذا التحليل البديع وربنا يستر من المصير الذي ستوصلنا إليه الشخصية اليمنية التي وصفتها
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-05-24
  5. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    [align=justify]


    مرحب بك .. كل شيء .

    صدّقني ، المطلوبُ الآن أن تتغير هذه الشخصيّة و أن يعاد بناؤها من جديد !


    و لا بد أن نتعود على القراءة الرقميّة و التفكيكية لمجمل ما نلحظه .. و ما نسمعه ، لئلا نغفّل أنفسنا أكثر مما فعلنا .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-05-24
  7. free star

    free star عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-02-01
    المشاركات:
    374
    الإعجاب :
    0
    قرأت مقالتك أخي مروان
    وقرأت مقالة الأخ أبو عمر
    ولعلني أركن إلى رؤية واقع الحال من
    وأحلله من زاوية معيشتي اليومية
    كإنسان معدم ..
    الخلاصة .. نحن مازلنا جياع ومرضى وأميين ونحلم بالحرية
    مع خالص الود
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-05-24
  9. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    [align=justify]

    النبيل : free star

    تحية طيّبة لك .. أشكرك كثيراً ، أطلعتُ على عملك الفني المرفق فوجدته أخّاذاً .. أشكرك نيابة عن أسرة التحرير كثيراً .. هنا /:) .



    بالنسبة للمزاوجة بين الحديث عن الفقر و الحديث عن الرؤية الجادة دعني اختلف معك و لأسميَ هذه الزيجة " زواجاً عرفيّاً " اعتدنا على تقبّله أحياناً لكنه غير واقعي .

    هناك واقع حال ، أخي سلطان ، و هناك عدسة ذكية تستطيع أن تشرّح واقع الحال لتمدّ صاحبها بخلفية " موقف جاد و محترم " .

    إن ما نفتقده نحنُ ، في حالتنا اليمنية ، هو هذه العدسة الذكية .. لذا تصدُر معظيم تصرّفاتنا عن انفعال وجداني لمشهد سينمائي يختفي فيه السيناريست و المخرج و الأوجه الحقيقية اللاعبة ! ..



    شيءٌ آخر :

    ثمَ عالمان لا بد من التعامل معهما : عالَم الأفكار ، و عالم الأشياء .. فالأمة الفقيرة في عالم الأشياء تظل أمام فرصة فعلية اسمها " الأفكار " .. و لعلّ هذا هو ما دفع المسؤول السوفيتي في مؤتمر موسكو 63م للقول أمام المجتمعين من كل دول العالم : إن نجاح الأمة السوفيتية يعني نجاح الأفكار الشيوعيّة .. بمعنى : نحنُ نمتلك منظومة من الفكر و الرؤية و التحليل و التصويب في طريقها إلى الواقعية الماديّة ما دمنا نؤمن بها و نتحمّس لها بذات الحماس الذي نكنّه للتغيير المادي الصرف .


    صديقي سلطان ..


    عندما بدأ " نيتشه " مشروع التغيير ، قال : لا بد أن نبحث عن أصول ما استقر في عقل أوروبا من مسلّمات ! و قد تكون هذه المسلمات مجرد سلوكٍ عاطفي .. أو شيء أكبر من عاطفة .

    شكراً لحضورك ..
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-05-24
  11. انحناء السنبلة!

    انحناء السنبلة! عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-24
    المشاركات:
    565
    الإعجاب :
    0
    تسجيل حضور..، سيدي العربي اليماني..،،

    وسؤال عنك وعنها..،

    اختك...
    انحناء السنبلة

    جوار تعز..،
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-05-24
  13. free star

    free star عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-02-01
    المشاركات:
    374
    الإعجاب :
    0
    ولكني لا أقبل بالمسلمات اليمنية
    فلا شئ منها منزل علينا
    وأصدقك القول إن مجال الحرية توسعت فيه دائرة الطفيلية المادية
    وضاقت دائرة الفكر وتعاضمت عناصر التحريم والتخوين
    هل لنا من فرصة هنا .. أم نبحث عن صدفة !!
    :::
    نتواصل
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-05-24
  15. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    [align=justify]

    يا حيّاك ِ ..

    ألم أكُ جارَكم و يكون بيني ** و بينكم المودّة و الإخاءُ .


    هي كأحسن ما يمكن أن تكون .. تكتب القصة القصيرة ، و الأبجرام السريع ، و النص السردي المغرق في الروحانية .. و السخرانيات الذكية .. تقرؤكِ السلام ، من جوار السد .. أما أنا فأحاربُ طواحين الهواء ..
    شكراً لهذا الحضور ..
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-05-24
  17. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0



    صديقي سلطان ..


    ليكُن إذن .. :):) .


    كن بخير .
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-05-25
  19. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    [align=justify]


    على هامش مقالة " سيصحو الوطن " للصديق بو عمر .. كانت هذه المقابلة مع " مروان " .. متقطفات منها .. منذ عامين تقريباً !

    يالله ..


    أصدقُكِ القولَ أني فكّرتُ في إعادة تعريف " حب الوطن " فلم يعُد الوطن في نظري تلك الشريحة الترابية التي جئتُ إليها ــ كما أنهُ ليس سنبلةَ قمحٍ أو خشخشة محراثٍ ، أو شعارٍ وطني نتلوه في " سبتمبر ـ أو أكتوبر " ــ الوطن ليس وقفة الأدب و الاحترام في طابور الصباح أمام ساريةٍ مثقوبةٍ كرغيف خبزنــــا و شبق القار و الغاز لسلخ بقية الانسان في " حِمـْيَـر " ...


    ــ ما قيمة الشعب الذي ليس له لسان ؟


    * في الواقع لا يوجد شعبٌ بلا لسان ، لكن الطبيعة العربية الساكنة و الانهزامية حوّرت هذا اللسان إلى امتدادٍ شبيهٍ بالزائدة الدودية ــ أو " إن أردتُ أن أزعج بعض العروبيين " هو أشبه في صمته و سكونه بــ ( لسان النعل ) مع فارق الثمن و الأهلية للمكان و الوظيفة عند كليهما ... و من هنا فعندما تُكممُ الكلمةُ أو تصادر الحنجرة لا يبقى من الانسان ـ الشعب إلا " صورة الجسمِ و الدمِ " ... و هذا ما نراهُ و ما يؤكدهُ الشبق الشعبوي في التقاط ما ترميه ربات الحضارة الغربية على موائدنا من فتاتٍ ـ و ارتداء ثمالة الطقوس " الغيريّة" من أجل ستر ما يمكن سترهُ ,,, و كأننا قد وصلنا إلى مرحلة التسليم الطوعي للآخرين لإعادة تشكيل ذواتنا و مهامنا و أخلاقنا ــ و وظيفتنا الحياتية وفق محددين : الأول شعورنا الدافئ بـ " عدم " أهليتنا للقيام بإصلاح أمرنا ، و الثاني إيماننا المطلق بــ " الأهلية " الخارقة للآخر في منحنا ما عجزنا عن أن نستمنحه من أنفسنا ...و في ظل هذه الانطلاقة الساغبةِ إلى نسيان أمرنا الأكبر تحولت ألسنتنا كما قلتُ لك ِ أيتها العزيزة ، إلى (( ألسنةِ نعال )) في صمتها الأزلي المطبق .



    * أيهما أسبق في الوجودية الوطن أو الأنسانية ؟


    الكلمة أولاً ـ غير أنها جاءت مكممةً غرِلةً ، و من رحم الكلمة ولدت الحرية ، و من الحرية جاءت الأوطان ( وطني أنا حريّتي ليس الترابَ أو المباني ) ... و من الأوطان خرجت قوافل الانسان الانسان ، و الانسان الأفعى ، و الانسان الحرباء ، و أناسيُّ كثيرون يمتد طيفهم من تحت الأحمر إلى ما فوق البنفسجي بترددات تتدرج ما بين الربّانية و الشيطانية .


    *لماذا نحن أصبحنا بلا هوية..؟وهل جيلنا مهيأ لخوض أي نوع من التحدي؟



    الـ"هو"ية مصطلح ناشئ وليد بلا " هوية " ، كمثل غيره و على رأس أمرهم " الثقافة " تلك التي تفتقد إلى أبسط محدد موضوعي لمعالمها ...، وهي لفظةٌ من ضمير الغائب " هو " و تعني الكنه أو الحقيقة ! غير أني بمشاهدتي الآحاد قد رأيتُ الـ "هو" خانعاً جاسئاً على لعابه و رجليه ففي تصوري أنه بالإمكان إجراء تجربة شكلية على غرار بطولاتنا النظرية لإحداث زحافٍ في المصطلح و من ثمّ تحويله إلى " هِـيَـيّه " من ( هي ) بدلاً عن المفقود ( هو) ..! جيلنا المسلم ياعزيزتي لم يفقد الهوّية لكنه انهزم داخلياً فطفق يخصف على مظنّات الهزيمة ما تيسّر من لحاء تلقيه عليه أممٌ سبقته في مضمار ( الأشياء ) لكنها تتراتب خلفه بعيدا ً بعيداً في مجال ( القيم ـ الأفكار ) ، و لأن جيلنا أُفرِغ من كل محتوى عقدي و أساس معرفي فقد بحث - بالضرورة - عن هويات أخرى من تلك الحضارة و تلك الحضارة و كان من الطبيعي أن يكون ما يلتقطه هذا الجيل هو ( الأدنى) من مخلفات تلك الأمم و الشعوب لأن جيلاً غير حقيقٍ بتمثل مادته المعرفية لا يمكنه أن يبحث عن محاسن الآخرين ، بل عمّا وقع في يديه من سخامهم ! و أما عن الشق الثاني من السؤال و المتعلق بـ " هل نحن مؤهلون لخوض تحدٍّ من أي نوع " فالإجابة على هذا السؤال تقتضي نبذ الرؤى البنفسجيّة المزيّنة ، و أن تطرح الكوافيرات التنعيمية و التنظيرية جانباً لنهتك بكل شجاعة ستار ما تحت هذا الصمت المطبق في الشارع ... و ما يلتفُّ بجوار عربات االاخصاء . هناك حركةُ تململ و تثاؤبٍ دنت من ميعاد القيامة ، لعلي أضعها في قالبين ، نخبويٍ و شعبوي ، فالنخبة تتمثل في أحرار هذه الأمة ، و في تصوري يمثل التيار الاسلامي جبهتها التقدمية ليس لمشروعه الحضاري الكبير فحسب بل لعلمية هذا المشروع و تماسكه لأن النقلة الحضارية تحتاج سواعد تتماهى بجوار بعضها ، و اقرئي إن شئتِ سورة الصف . كذلك زادت رقعة الوعي الشعبي بطريقة تدعو للفرحة و قد اوشكنا على الخروج من مرحلة " الانتكاسة = relapsing periods بعد أن سيطرت مرحلة ما بعد التحرير على صناعة الفكر و الانسان ، الأمر الذي اوصل إلى ما نحن عليه الآن كون تلك التنظيمات التي أعادت بناء المجتمع ( أو هدفت إلى ذلك ) كانت تمتلك حقّاً زمنياً آنياً في ذلك لأنها كانت على رأس الحربة في مواجهة الاستعمار ـ إلا أن الخطأ التأريخي الكبير أن تلك التنظيمات و الحكومات الناشئة لم تكن مؤهلةً لخوض غمار تجربة التغيير و الرقي لأنها تفتقد لمقومات معرفية و تصورات حضارية بعيدة أو تصل إلى ما وراء ( مجرد) الأمل في التحرير .. لذا فأنا اعتقد أنّ جزءً كبيراً من مادة المواجهة قد بدأ في التشكل فعلاً في صناعة الانسان الحقيق بالمواجهة ـ و ليس صناعة الأفكار و حسب .



    *ما مدى قناعتك بتجربتنا الإنسانية والحضارية؟


    لستُ مقتنعاً بشيئٍ من ذلك ، فتجربتنا الانسانية خليط ٌ من الآدمية الطفلة ، و تفقيس لإنسانات أخرى - كما أشرتُ سابقاً - تنابذية غير قابلةٍ للاختلاف و العمل المشترك ، و وجوديات دوجماتيكيّة ضحلة الحجا و الفكر ـ و إنه ليؤسفني أن أقول أن الانسان قد اختلس من سكان الكهوف و المغاور جلّ شرائعهم في التعامل الثنائي مع أخيه الانسان ـ و فاجعة القرن العشرين الدموية العظمى بدءً من تتمات الاستعمار العريض الذي لم يدع للفقراء رخصة للبقاء وفق مبدء البقاء للأقوى ، و انتهاءً بخاتمة القرن العشرين و تغيير العالم كله لمصلحة إمبراطورية النار ... و الشمس . و بالمثل كانت حضارتنا ، تلك التي اعتمدت على العلم كمحدد عصري لصيغتها الجديدة متناسيةً حقيقة أن البناء الحضاري في غياب شاهدٍ من الاخلاق لا يقود قطعاً إلى نتائج إنسانية ، و من هنا كانت الحضارة الحالية هادمةً للانسان الحالي ـ فالتجربة الحضارية هدمت التجربة الانسانية ـ و في هذه القضية كلامٌ يطول أيتها العزيزة .



    * قرأت ذات مرة...إنَّ المتيمَ في عشقهِ ، يغدو واهناً ( كظل العصا ) ، إلا من كان عشقهُ ( الوطنا ) .يعدو سامقاً كالنخيل ، جامحاً كالصهيل ، سامقاً كالصنوبر ، قوياً كعاصفة المطروهذا حالنا معك ومع كتاباتك أحببت أن أتعرف أكثر على تضاريس الوطن فهل لي الشرف بأن تطوق إجاباتك أسئلتي؟؟!!


    - أشد ما يبئسُ الانسان هو عشقٌ أكبر من الوصول ، لذا كانت الأوطان في فلسفة اليافع العربي مجرد أساطير للحياة ، و لي أن أتساءل : ما صيغة الوطن الذي نرتجيه ! سأجد بالضرورة سلةً من النماذج المقترحة لوطنٍ يحكمه العدلُ و على رأسه طرزان ! الأمر سيّان حين توجد مادةُ العشق الأول " الأمل بالوصول " و لعلي أزعم أن الذين غنّوا للوطن إنما هتكوا ألسنتهم من أجل يومٍ لم يحلموا فيه .. و ليس للوطن من ذلك شيئ إلا ما كان لله بزعمهم . حين قبّلت ثغر أول سنبلةٍ كنت أوذِن نفسي بنحيب دائم البواكير مع هذه السنابل لأنها الرقعة الأبسط كي أطلق عليها مصطلح الوطن ـ غير أن النار توقّدت حين أقصتني زبانية عرض وطننا الكبير عن كثيرٍ من حقوقي ، و تكاتفت على إفساح الرصيف لي و لصنوي " الطموح " فنلتُ من حب السنبلةِ شوكةً في آخر العنقود . نعم... أنا عاشقٌ لوطني الكبير لكنه في نظري - الساعة - الرقعة التي تمتهنُ فيها الحقيقة و تصادر في خدره الحرياتُ أمام إجهاش الأسئلة ، يستوي عندي في ذلك إقليم تركمنستان و وادي حضرموت ...


    * المجتمع الآن يزخر ببائعي الكلام ويعتبرون دعاة المثل والمبادئ وهم الجاهلون بالتطبيق العملي هل ترى أننا صرنا نبيع الكلام هذه الأيام ؟


    - لا نحنُ لم نصِل إلى زمن بيع الكلام ، كلا ، فلقد بعِنا المسجد و القرآن و أنتهينا عن الكلام منذ زمنِ ـ نحنُ الآن في زمن الفاقة الذهنية و المعرفيةو الايمانية و القيميّة . فاقةٍ تأخذ علينا مجامعنا كلها و تهصرُ ثوابتنا من أجل إحساسٍ آني بالحياة و الوجود . كان النبي عليه السلام يتحدث إلى أصحابه عن زمنٍ يتحدث فيه في أمر الناس رجلٌ تافه - أسماه الرويبضةِ ـ و أنا هنا لن اطالب أحداً بشهادةِ براعةٍ حين أقول أن الرويبضة وجد من قبل التأريخ في غراب قابيل ، ثم تطور هذا الغراب القابيلي التافه إلى متحدّث رسمي ، و ادّكـرَ بعد أمّة!

    من يتحدث باسم أمرنا الآن هم أراذلنا ، لذا فهم يسرقون حريّاتنا لأنهم يعلمون أننا نعلم من هم، ويحضرني هنا أمراً ذكر في التأريخ ، و ذلك أن رجلاً سمع ضجّةً فقال " ما هنالك " فقيل له : الوالي يقطع يد سارق ! فقال : لا إله إلا الله ، سارق السر يقطع سارق العلانية ..! إذن فمرحلة بيع المشروع ـ الكلام و التردي برداء القانون و الاصلاح والخيرية فلسفة قديمة ... بقدم غرابٍ ينقب في الأرض ليخفي سوءة !


    *لايعرف الإنسان قيمة الشيء إلا إذا فقده , ... شيء عرفت قيمته بعد فقدانه ؟


    لن أزعُم غير ذلك بكثير ، لكني أحب أن أقول أني أعرف الأشياء و قيمها من خلال عرضها على منظومةٍ معيارية عندي تحاكم كل شيئ إلى سلّة كبيرة من الثوابت تتشابك على هيئة دوائر عريضة في بعد محوري واحد هو " لا إله إلا الله " ... لذا ما افتقدت شيئاً أحبّه إلا كان عندي مرزّبةً ، و ما كان لشيئٍ أن يكون عندي أغلي منه قبل ضياعه !
     

مشاركة هذه الصفحة