قصه وقصيده رقم (1) الاغتصاب

الكاتب : الزمان   المشاهدات : 492   الردود : 4    ‏2005-05-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-05-23
  1. الزمان

    الزمان عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-01-03
    المشاركات:
    257
    الإعجاب :
    0
    الاغتصاب

    * نزار قباني
    أشهر من علم بين الشعراء الذين برزوا في السبعينات من القرن المنصرم بشعره الغزلي والماجن بالتحديد الذي لم يترك شيئاً من جسد المرأة إلاّ وكتب عنه فكان والحق يقال أنه شاعر المرأة والجسد لا شيء سواه ولكن ولأن لكل إنسان كوامن من القوة النفسية التي يستطيع أن ينجو بها من أسر ظلمات الشهوات التي تستعبده زمن ما فإننا نرى شاعرنا نزار يكون من أبرز مَن انقلبوا لإظهار هذه القوة وذلك إبّان الاجتياح الإسرائيلي على لبنان عام 1982 والتي يصور فيها حقيقة الخواء العربي التي هيأت السبيل لإعلان موت الإنسان العربي بعد أن مات هو في الحقيقة، وإليكم الآن القصيدة التي كتبها آنذاك بعنوان الاغتصاب:
    .. وأخيراً وصل الإسرائيليون إلى حُلقومنا.
    اخترقوا الحاجز الكرتوني الذي يسمونه الكرامة العربية .. والعنتريات العربية .. والأكاذيب العربية .. وصاروا في فناجين قهوتنا، وشراشف أسرّتنا، وملاعق طعامنا ..
    ثقبوا غشاء الشرف العربي، الذي كان أرقَ من ورقة السيجارة .. وحوّلونا في ليلة واحدة إلى بغايا ..
    لم يكن اغتصابنا صعباً ..
    فقد كان الجسد العربي مطرّزاً بآلاف الثقوب، والشقوق، والحفر التي تتسع لمرور قطار للبضائع ..
    ولم يكن تمزيقنا صعباً ..
    فقد كانت الخريطة العربية، قبل الغزو الإسرائيلي، مثل ثياب الشحّاذين، ليس فيها خيطٌ لم يأكله العُثّ ..
    ولم نكن بحاجة إلى مَن يضربا .. أو ينسفنا .. أو يغتالنا من الخارج، فقد ضَربنا، ونَسفنا، واغتلنا بعضنا من الداخل، بسادية لا نظير لها، ووفّرنا على الجيوش الأجنبية شرّ القتال.
    وليس صحيحاً أن الآلة العسكرية الإسرائيلية لا تُقْهَر .. ولا تُهْزَم .. لو لم تكن آلة الحرب والسياسة عند العرب خربانة ..
    وليس صحيحاً أن أرييل شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي، كان بوسعه أن يدخل مع عشرة من جنرالاته إلى بعبدا، مقر رئاسة الجمهورية اللبنانية، ويتناول إفطار الصباح، ويحتسي القهوة العربية، لو أن الفندق العربي، لم يكن فيه بُنٌّ .. وسُكّرٌ .. وفناجين .. وغرسونات أيضاً ..
    لم نكن بحاجة إلى جيش إسرائيلي ليكشف عن عوراتنا ..
    فعوراتنا مكشوفة على جميع أقنية التلفزيون والإذاعة ..
    ولم نكن بحاجة إلى مَن يكتشف عاهاتنا ..
    فعاهاتنا تملأ غلافات وعناوين الصحف العالمية ..
    ولم نكن بحاجة إلى مستشفى، وتقرير طبي، وممرضة تعتني بنا ..
    فنحن موجودون في ((ثلاجة)) المستشفى .. بانتظار مراسيم الدفن ..
    فلماذا تُفاجئنا الأحداث؟
    ولماذا نستغرب أن تخترق الدبابات الإسرائيلية جدران المقبرة العربية الجماعية؟؟
    إن كلَّ ما فعلته إسرائيل، أنها أذاعت خبر موتنا .. ونقلته من حيّز السرّ .. إلى حيّز العلنية، وشيَّعتنا على الطريقة اليهودية .. لا على الطريقة الإسلامية ..
    وبالطبع، لم يفاجأ العالم بخبر انتقالنا إلى جوار ربّنا ..
    فقد كان العالم يعرف أننا موتى .. وأننا برغم موتنا لا نزال مصرّين على الخطابة باللغة العربية .. والظهور على شاشة التلفزيون كلَّ ليلة ..
    نحن موتى بشهادات كلِّ الأطباء .. أما الموت الإذاعي والتلفزيوني .. فلا نعترف به.
    سواء كان اجتياح لبنان عملاً إسرائيلياً أو أميركياً .. أو أنه من عملهما معاً .. فإن العرب ـ مع احترامي أو قلّة احترامي لهم ـ قد شاركوا فيه، وشجّعوه، وموّلوه، ووفّروا له جميع عناصر النجاح ..
    فلا يمكن لسارق أن يدخل بيتاً، لا يعرف تفاصيله، ولا يملك نسخة ثانية عن مفاتيحه ..
    ولا يمكن لقاتل أن ينفّذ جريمته .. إذا لم يراقب القتيل، ويدرس كلّ تفاصيل حياته، وكلّ عاداته اليومية ..
    وإسرائيل، أستاذه في عِلم النفس، وأستاذة .. في علم المخابرات، فهي لم تَقْدِم على دخول البيت العربي، إلا بعدما تأكدت أن أصحاب البيت في إجازة .. وأن الخدم نائمون .. وأن كلاب الحراسة مسطولون من كثرة ما شربوا من الويسكي ..
    إن الحروب لا تعلن بالمصادفة ..
    وإسرائيل بالذات لا تدخل حرباً إذا لم تدرسها من جميع جانبها الستراتيجية، والدولية، والنفسية ..
    فلكي تستطيع التشكيلات الجوية الإسرائيلية أن تغطِّي سماء بيروت، وتقصف جامعة بيروت العربية، وكورنيش المزرعة، واليونسكو، والمصيطبة، وبرج أبي حيدر ..
    ولكي تستطيع الدبابات الإسرائيلية، أن تصل إلى مرتفعات المديرج، ومداخل سهل البقاع، وتقطع الطريق الدولية بين بيروت ودمشق ..
    ولكي تستطيع أن تحاصر ببوارجها الحربية كل الشواطئ اللبنانية من الناقورة إلى طرابلس ..
    فلابد أ يكون جو المنطقة السياسي والنفسي مواتياً لعملية الغزو.
    ولا أعتقد أن إسرائيل تستطيع أن تجد في كل حقب التاريخ العربي، فجوة أشدّ اتساعاً من الفجوة المفتوحة في الجسد العربي في هذه الحقبة ..
    بل لا تستطيع أن تجد لحظة ذهبية أفضل من هذه اللحظة لاغتيالنا ..
    وحين يقول رافائيل إيتان، رئيس الأركان الإسرائيلي: ((إن قواتنا كانت تتقدم بأسرع مما وضعناه في حساباتنا .. وإن ما كنّا نخطط لإنجازه في 48 ساعة .. أنجزناه في 24 ساعة .. )).
    حين يقول رافائيل إيتان ذلك، فهذا يعني أن السماء العربية كانت صافية كقطعة الفيروز .. وأن المقبرة الجماعية العربية كانت تغتسل بضوء القمر .. وأن الطريق إلى العواصم العربية كانت مفتوحة باتجاهين ..
    وباستثناء استبسال الفلسطينيين في الدفاع عن دمهم .. فإن المهاجمين الإسرائيليين لم يعترضهم أي لغم .. أو أي مسمار .. أو أي سكين مطبخ.
    أما أبناء العمومة، فقد دخلوا إلى غرف نومهم، ولبسوا بيجاماتهم الحريرية .. ونزعوا بريزة التلفون .. وطلبوا من الخادمة أن لا توقظهم حتى تعلن إذاعة ((صوت أميركا)) نبأ وقف إطلاق النار ..
    بعد بيروت .. وبعدما حدث في بيروت ..
    مطلوب من العرب أن يتركوا أسماءهم الكاذبة الأولى التي توحي بصفات الشدة، والشجاعة، والفروسية، مثل ضرغام .. وسبع .. وصخر .. وطعّان .. وذبّاح .. ويبحثوا عن أسماء أخرى مثل سيسي .. وفيفي .. وكوكو .. وزوزو .. لأنها أكثر مطابقة لتحولاتهم الهرمونية .. وأكثر تعبيراً عن حالة الأنوثة والميوعة .. والالتباس الجنسي الذي انتهوا إيه ..
    لقد تفرّج العرب على اغتصاب لبنان من ثقوب الأبواب، فكيف نصدق بعد اليوم أن السيف اسمٌ مذكَّر .. والرمح اسم مذكَّر .. والشرف اسم مذكَّر ..
    بعد بيروت .. وما حدث لبيروت .. غابت كل أسماء الذكورة ..
    ولم يبقَ من الأسماء المؤنثة سوى جامعة الدول العربية.
    هذا زمن الحصار ..
    والإسرائيليون لا يحاصرون بيروت وحدها ..
    وإنما يحاصرون الزمن العربي كلَّه .. ويحاصرون المدن العربية بلا استثناء ..
    يحاصرون الرباط، والقيروان، ودمشق، وبغداد، وعدن، وصنعاء، والقاهرة، والخرطوم، والرياض، والكويت، والمنامة، وأبو ظبي، وعمّان، وطرابلس، والجزائر ..
    يحاصرون الأرض، والبحر، والتاريخ، واللغة، والثقافة، والفكر، والدين، والإرادة، والحياة، والبذور، والجذور، والأطفال الذين ولدوا، والأطفال الذين سوف يولدون ..
    يحاصرون كل شجرة تحاول أن تكبر ..
    وكل حقل يحاول أن يزهر ..
    وكل نجمة تحاول أن تضيء ..
    وكل امرأة تحاول أن تحمل ..
    وكل تلميذٍ عربي يحاول أن يتفوَّق ..
    وكل طفل يحاول أن يصير رجلاً ..
    يحاصرون الأيام حتى لا تصير أسابيع ..
    والأسابيع حتى لا تصير شهوراً ..
    والشهور حتى لا تصير أعواماً ..
    والأحرف حتى لا تصير كتاباً ..
    والقصيدة حتى لا تصير قنبلة ..
    يحاصرون العتبات المقدسة .. والأنظمة غير المقدسة.
    يحاصرون الرايات الجبانة المحفوظة في ((النفتالين))!!
    والشعارات الكاذبة المحفوظة في ((النفتالين)) ..
    والأبطال الكاريكاتوريين، الذين ينامون، حتى لا تأكلهم الحشرات .. أو تأكلهم الثورات .. تحت طبقة سميكة من ((النفتالين))!!!
    هذا زمن عربي لا وصف له .. لأنه خارج عن كل الأوصاف ..
    ولا يمكن الكلام عنه لأنه دون مستوى الكلام ..
    لا يمكن تصنيفه أو تسميته .. لأنه أقل من كل التسميات ..
    ولا يمكن استنباط أي وسيلة لقياسه أو مقارنته .. فلا يشبهه إلا الصفر .. ولا يقاس إلا بالعدم ..
    ولا يمكن الدلالة عليه بأي رمز .. أو إشارة .. أو تشبيه ..
    لأنه زمن لا يرمز إلى أي معنى .. ولا يدل على أي شيء ..
    عن هذا الزمن العجيب نكتب لكم رغم أنوفنا ..
    وتقرأون أنتم رغم أنوفكم ..
    إنني لا أعرف كيف أهر ب من خجلي .. ومن قرفي .. ومن غضبي ..
    هل من المعقول أن تعجز إثنتان وعشرون دولة عربية خلال سبع سنوات من إيجاد حلّ أخوي، أو شفوي، أو بدوي، للمسألة اللبنانية؟ ..
    وتستطيع إسرائيل بسبعة أيام، أن تفرض على العالم حلَّها الحربي؟؟
    أليس من المخجل أن تسقط جميع مقررات القمم العربية، ومحاضر اجتماعات وزراء الخارجية، ولجان المتابعة، وجميع المبادرات والوساطات والمساعي الحميدة .. تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية؟؟
    أيّ هَوَان ستشعر به الأجيال القادمة حين ستقرأ في كتاب التاريخ أن الإسرائيليين زحفوا في صيف عام 1982 على لبنان، ووصلوا إلى مشارف بيروت، وفرضوا بقة السلاح، النظام السياسي الذي يريدونه، والسلام الذي يريدونه، والوفاق الذي يريدونه ؟ ..
    أما كان بإمكان عباقرة السياسة العرب، أن يجنّبونا هذه النهاية المفجعة، لو أنهم لم يتعاملوا مع لبنان كبقرة برسم الذبح؟ …
    أما كان بإمكان الحكماء العرب أن يكونوا أكثر عدالة مع لبنان، وأكثر رحمة به، وأكثر فهماً لطريقة تفكيره، وطريقة حياته، وطبيعة الإنسان فيه؟ ..
    أما كان بإمكانهم أن يحترموا حريته ويحترموا طموحه العظيم، وإنجازاته على صعيد الثقافة والإنماء والاقتصاد، فيحافظوا عليه بدلاً من تخريبه عمرانياً وتمزيقه بشرياً، وتهديهم مؤسساته، وإشعال نار الفتنة بين بنيه؟
    أللهمّ اشهد أن لبنان كان شقيقنا الجميل والصغير الذي رميناه في البئر دن أي ذنب .
    ورميناه في الحرب دون أي ذنب ..
    ورميناه تحت أقدام الإسرائيليين دون أي ذنب؟؟ ..
    تموز (يوليو) 1982

     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-05-24
  3. مشتاق ياصنعاء

    مشتاق ياصنعاء مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-02
    المشاركات:
    22,338
    الإعجاب :
    766
    أخي الزمان الموضوع رائع جدا


    ولكن لا أخفي عليك ان به تعبيرات غريبه عجيبه


    تعبيرات تثير النرفزة ان صح التعبير



    خالص المحبة والتقدير
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-05-24
  5. ابومالك رسام

    ابومالك رسام مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-04-07
    المشاركات:
    12,726
    الإعجاب :
    6
    نزار قباني مبدع ماجن فهو يبالغ في الوصف
    وهو شاعر غزلي اكثر منهو سياسي
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-05-24
  7. الزمان

    الزمان عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-01-03
    المشاركات:
    257
    الإعجاب :
    0

    شكراً على مرورك الكريم اخي مشتاق ياصنعاء

    وكلامك صحيح في بعض التعبيرات تنرفز

    لاكن اغلبها صحيحه تدل على الماضي والحاضر الاليم الذي عشناه ونعيشه

    ولك كل تقديري واحترامي
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-05-24
  9. الزمان

    الزمان عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-01-03
    المشاركات:
    257
    الإعجاب :
    0

    اخي ابومالك اشكرك على التعقيب

    وموضوعي هو ليس نزار قباني

    فقد نويت أن انقل لكم كل يوم قصه وقصيده

    بقض النظر على اسلوب الشاعر وتوجهاته وديانته

    ودمتم بخير
     

مشاركة هذه الصفحة