( الطفل في مذهبة السلوك )

الكاتب : الحبيب البحراني   المشاهدات : 928   الردود : 0    ‏2005-05-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-05-17
  1. الحبيب البحراني

    الحبيب البحراني عضو

    التسجيل :
    ‏2005-04-20
    المشاركات:
    71
    الإعجاب :
    0
    قال الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم (كل مولود يولد على الفطره فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ). صدق رسول الله (ص).
    سنحاول ان نسلط الضوء على بُعد من أبعاد هذا الحديث الشريف ألا و هو بُعد نشوء المعلومة عند الطفل ورسوها في عقله الباطن حيث يصعب بعد غرسها في هذا المكان انتزاعها مرة أخرى إلا بلطف الباري عز وجل على هذه الشخصية.
    إذ الانسان منذ نعومة اظفاره وخصوصا السنة الاولى والثانية من عمره يمر في مراحل لاكتساب المعرفة وتشكل هذه الفترة البناء الاساسي لتهذيب شخصيته وبرمجة سلوكه وهي المصدر الاول لالتقاط التسميات العامة دون معرفته لما تعنيه تلك التسميات.
    عندها يسهل انطباع تلك المسميات في ذهنه وتكوين منشىء معارفه الأولى مع مراعاة انه لا يعي انطباق تلك المسميات على مصاديقها الواقعية او الخارجية.
    ومع مرور الوقت تتشكل خطورة تلقيه لتلك الرواسي المعرفية في اشغال العقل الواعي و حينها تتمكن من ارساء معلومات غير سليمة في ذهنه سواء أكان طفلا او فرداً راشداً.
    وكما أسلفنا سابقا ان الطفل في السنة الاولى والثانية لا يدرك المعاني ولا يميز مصاديقها الخارجية. الا انه في تلك الفترة يرى و يسمع و يتذوق و يحس و يشم وبهذه الحواس الجسمانية تتكون لديه المعرفة الاكتسابية الاولى ويشكل مخزونه المعرفي الذي يسمى في مابعد بالخبرة أو بالبنك المعرفي الشخصي.


    • نظرية جون بياجيه:
    وضع جان بياجيه خريطة عقلية تبين رحلة العقل من مجرد كونه لا يقوى الا على القيام بأفعال منعكسة بسيطة الى كونه عقل راشد يقوى على تكوين المفاهيم العقدة و الافكار المجردة. ولسنا في محل بحث الاشكالات الواردة على هذه النظرية ولكنني سانتقل الى ما ترتب على فهمه للمراحل التي يمر بها الطفل ونناقشها.
    فقد بدأ بوضع أول بنود لنظريته من بعد ملاحظة اطفاله الثلاثة و قد افترض أن التطور العقلي يحدث وفق مراحل متمايزة، و أن جميع الأطفال يمرون بتلك المراحل وبنفس النظام دون القفز عن احداها بحيث تبنى المرحلة اللاحقة على المرحلة السابقة و من ثم التقدم الى ما هو أعلى منها و بناءً على ذلك ارتأى بأن تفكير الرضع يختلف عن تفكير الأطفال و ان تفكير الأطفال يختلف عن تفكير المراهقين.

    دور الانساق العقلية:
    لكي يفسر بياجيه كيفية الانتقال من مرحلة الى المرحلة الاعلى منها جاء بمفهوم الانساق كوحدات اساسية للمعرفة التي يبنى منها التطور العقلي. ويقصد بالانساق الصور العقلية أو التعميمات التي تتشكل من احتكاك الناس بالعالم، او هي تنظيم الخبرات السابقة وصياغتها في اطار يمكن من فهم الخبرات اللاحقة، أو هي أطر عقلية نكسب فيها خبراتنا و نصنفها وفقا لتماثل أو تشابه خصائصها.
    مثال: ( في مرحلة الرشد نصدر في تصرفاتنا عن انساق لا نهائية تمتد من كيفية ربط عقدة الى مفهومنا عن الحق أو العدل أو الحب وغيره).
    و قد اقترح بياجيه مفهومين متكاملين هما التمثل و التكيف لتفسير كيفية استخدامنا و تعديلنا للانساق التي نكونها . ففي البداية نحن نفسر أو نتمثل خبراتنا الجديدة في ضوء مفاهيمنا او انساقنا الحالية و ندمجها بها.
    مثال:( الطفل في ضوء رؤيته اول مرة لعصفور يطلق على جميع الطيور عصفور بمعنى انه يصب خبرته الجديدة لرؤية طائر اخر في النسق الذي كونه سابقا عن العصفور أو هو يتمثل هذه الخبرة الجديدة في ضوء خبرته السابقة، و لكننا من جهة ثانية نعدل انساقنا لتلائم خبرات جديدة معينة. فالطفل سريعا ما يتعلم ان العصافير تختلف عن بعضها البعض وان مفهومه (او نسقه حسب تعبير بياجيه) واع أكثر مما ينبغي فيكيف مفهومه (نسقه) عن العصافير وفقا لأنواعها و على هذا فإن الأطفال يتفاعلون مع العالم، و مع توسع احتكاكهم به يكتشفون انساقا جديدة أو يعدلون انساقا سابقة.

    • مراحل التطور العقلي:
    1. المرحلة الحسية الحركية: و تسود في السنتين الأوليتين من الحياة حيث يتطور الطفل فيها من كائن يستجيب استجابات انعكاسية لمحيطه (وفقا لنظرية بياجيه) الى كائن يتعلم التعامل معه بشيء من الفعالية. وأن الأنساق المعرفية التي يكونها في البداية لاتزيد عن كونها مجرد وظائف حسية و حركية آلية كالرؤية والسمع والقبض والمص. ولكن هذه الانساق تبدأ تتطور مع التطور الحركي مما يمكنه من إبدال المنعكسات بأفعال ارادية ، فتتكون انساقا اكثر تعقيدا كالتلويح باليدين و المصافحة و بناء الاشياء.
    ثم ان الاشياء التي لم يكن لها وجود مستقل عنه في البداية يصبح يدركها منفصلة عن ذاته مع نهاية هذه المرحلة وينمو من كائن لا يدرك الأشياء عندما تكون خارج حواسه الى كائن قادر جزئيا على التثبت من وجودها عندما يراها و يعمل على اكتشافها اذا خفيت عن رؤيته و هو ما يطلق عليه دوام الأشياء
    مثال: (عندما تغطي لعبة بمنديل مثلا فإن الطفل يعمل على ازالته للحصول على اللعبة) وتنتهي هذه المرحلة عندما يستطيع الرضع تكوين صور عقلية و يفكرون بأشياء حتى لو لم تكن موجودة في دائرة حواسهم. و تعد ظاهرة دوام الأشياء ظاهرة هامة لأنها تحرر الأطفال من الأنحصار على ما هو قائم أمامهم في البيئة والانطلاق الى آفاق تيسر تطور التفكير.وتؤدي الألعاب دورا في تنمية أنساق معرفية تساعد على انجاز متطلبات هذه المرحلة و تجاوزها.

    2. المرحلة السابقة على الاجرائية: وتبدأ من نهايات الثانية من العمر حتى السادسة و فيها تنمو الفاعلية الرمزية، و يبدأ التفكير يواكب العمل. غير أن الطفل لا يرى الا الصفة البارزة في الأشياء.
    مثال: (قد يرفض كمية الحليب في كأس عريضة لقلتها و لكنه يقبلها اذا وضعت في كأس رفيعة و طويلة لأنه لا يدرك الا صفة الطول"حيث يعتقد انها الاكثر"). و تبدأ فعاليات اللعب التخيلي حيث تبدو العلبة سيارة أو العصا حصان. و يرافق هذه الفعالية الرمزية نمو في اللغة، ومع ذلك فإن تفكيره ما يزال مرهونا بخبرته المباشرة و مرتكزا على ذاته بمعنى انه لا يستطيع أن يرى الفكرة من زاوية ما يراها غيره و ليس يقصد بذلك انه انانيا او لا يهتم بغيره وعلى العموم يحصل هذا الاشتباه ايضا مع الراشد.
    مثال: ( إذا ركز الشخص نظره على طرف الورقة فإنه يرى خطاً مستقيما ولايركز في ذهنه أن هذه ورقة لأنه لم يطلع عليها من زاوية أخرى حتى يتمكن من معرفتها كورقة امامه)

    3. مرحلة الاجراءات المادية: وتمتد من السابعة حتى الحادية عشرة من العمر. وفيها يتعلم الطفل مزيدا من المفاهيم المجردة في محاولاته لتفسير خبراته. و يمكن ايضاح الفارق بين طفل بدأ هذه المرحلة و آخر لم يصلها عن طريق التجربة وذلك بأخذ معاجين (طين) على شكلين متماثلين متساويين عندما يحول احد الشكلين الى شكل اخر ارفع و أطول و الثاني يكون على شكل نفسه ثم يسأل الطفل أي الكميتين أكبر فإذا قال انهما متساويتين يعني انه قد دخل هذه المرحلة و الا فإنه لا يزال يعيش المرحلة السابقة. وتسمى بفمهوم الاحتفاظ. و هو يعني الادراك بأن الكميات لا تتغير بتغير أشكالها. ويرى ان الطفل ينجز هذا المفهوم على فترات.
    مثال: (الاعداد في السادسة من العمر، الكميات في السابعة, الاوزان في التاسعة ). ولاشك بأن ادراك الطفل لهذا المفهوم يعينهم على التعبير عن خبراتهم بأساليب متنوعة. ومن منجزات الطفل كذلك في هذة المرحلة القدرة على تبويب المفاهيم و الأشياء و تصنيفها.
    مثال: (دمى و حيوانات و فواكه يستطيع وضعها في مجموعات مختلفة).

    4. مرحلة الاجراءات الشكلية: يصلها في حوالي الثانية عشرة و تمتاز بمزيد من نمو المفاهيم المجردة و استخدامها في مواقف جديدة، و بقدرة على وضع و تقييم أطر و أفكار مختلفة لحل مشكلة. كما ان طفل هذة المرحلة يمكن ان يجيب ببساطة عن اسئلة تتضمن علاقات (مثل ألف أكبر من باء و أصغر من جيم فأيها الأكبر، أو ايجاد العلاقات السببية، و يميز بين الممكن والواقعي، كما انه يصبح قادرا على تكوين مفاهيم عن الماضي و اثره على الحاضر وعلاقة الحاضر بالمستقبل ، و الكيفية التي يجب أن يكون عليها الواقع بمؤسساته الاجتماعية المختلفة و ما تنطوي عليه مفاهيم مثل الأخلاق والعمل و السياسة من معان و قيم.
    انماط الـVAK
    ويقسمها العرف الى خمس حواس رئيسية :




    هذه الانماط يطلق عليها اسم الـ VAK وهي اختصار لثلاث كلمات لاتينية Visual, Auditory, Kinesthetic و على أثر التعرف على هذه الانماط نتمكن من معرفة الافراد وكيفية فهم اساليبهم في التلقي المعرفي ويساعدنا هذا النظام ايضاً في صياغة خطاباتنا الموجهة للافراد حسب انماطهم الغالبة. ولمعرفة النمط الذي يستخدمه كل فرد أوالغالب عليه ، هناك وسائل كثيرة حيث أن لكل نمط مميزات عديدة في طريقة الكلام وزاوية النظر ونبرة الصوت والتعامل. ومن تلك الوسائل "لحن الخطاب" فمثلاً لو كان لدينا ثلاث أشخاص : الأول بصري والثاني سمعي والثالث حسي ، وطلبنا منهم الحديث عن يوم تخرجهم من الجامعة، سيكون لحن خطابهم كالتالي:
    • الأول (البصري): سيقوم بوصف المكان والقاعة بأدق التفصيل حتى كأنه يرى لوحة أمامه ويصفها لك .
    • الثاني (السمعي): سيقول كل الكلام الذي قاله في الحفلة والكلام الذي قيل له وطريقة النداء على اسمه لتسلم الوثيقة .
    • الثالث (الحسي): سيكتفي بوصف مشاعره وفخره بنفسه وبفرحه ذاك اليوم .
    هذه الطريقة هي أسهل الطرق للتعرف على النمط الغالب على الإنسان مع ملاحظة أن جميع الأنماط موجودة في كل البشر ولكن هناك نمط يغلب عند كل إنسان. دائماً ركز على المفردات والعبارات التي يستخدمها الطرف المقابل وخصوصا الطفل الذي هو محط بحثنا للتعرف على النمط الغالب أو المفضل له ( بصري - سمعي - حسي ) حيث ستجد انه من السهل التعامل والتفاهم معه إذا حدثته بالطريقة نفسها ، اي باستخدام العبارات والمفردات المفضلة لديه لأنه يدرك العالم الذي حوله عن طريقها بصورة سريعة, وهذه من مميزات تحديد انماط الافراد.

    • المرشحات: لكل طفل حواس يتلقى من خلالها المعرفة كما بينا سابقا وحسب المرحلة التي يمر فيها اذ تتكون لديه مرشحات ذهنية ما تقوم بفلترة كل ماهو غير صالح من معلومات تحددها هي.
    • ماهو المقصود بالمرشح:ان لكل طفل اعتقادات خاصة به, تتطور مع تطوره في النمو العقلي والجسماني ونعلم مما سبق أن الطفل كون معارفه الاولية باصطيادها من الحواس الخمس ونلاحظ ايضاً أن الطفل الذي لديه عاهة مرضية في احدى الحواس تراه في الاغلب غير قادر على التعلم كغيره من الاطفال, فتحول تلك العاهة دون وصول المعلومة التي كان يمكنه تلقيها من خلالها, ويعمل المرشح كحجاب ايضاً ولكن ثانوي بعد استلام المعلومة من الحاسة وقبل رسوها في البنك المعرفي الذي يمتلكه الشخص وبعبارة أخرى المرشح هو عبارة عن حجاب يمارس عملية حجب المعلومات التي تفرض عليه من قبل الحواس او غيرها.
    • أنواع المرشحات: لو تحدثنا عن المرشحات بشكل مفصل سيطول بنا المقام في شرحها واستعراض انواعها واسباب نشوئها ولكن لكوننا نركز البحث في الطفل سنوضحها كبرقيات سريعة دون الاسهاب فيها. ففي المراحل الاولى تتكون للطفل مرشحات معينة غالباً ماتكون متماثلة عند جميع الاطفال وخصوصاً الاولى والمرحلة التي تليها. اما الثالثة والتي تتطور فيها المرشحات نشوءاًً وتميزاً تمتد من السابعة الى الحادية عشرة وهي " مرحلة الاجراءات المادية " هذه المرحلة تتكون لديه الخبرة الكافية لتحليل وفك العبارات لا كالمراحل السابقة ولذلك تكون مقتصرة على مرشحات معينة متماثلة عند جيمع من هم في تلك المرحلة والسبب في ذلك هو انحصار المعرفة في حدود مايحصل عليه من خلال الحواس. و من هنا نرى ان المرشح العرفي والمعرفي والعقدي والمنطقي تتم ولادتهم في "المرحلة الثالة". وبهذا نقول أن علينا دراسة الطفل من عدة زوايا مختلفة يتم فيها تحديد كيفية فهم مايدور في خلده, عندها تكون مجتمعاتنا قادرةً لصد كل ما يؤثر في تكوين الخرائط المعرفية لأطفالنا. وأختم بهذه القصة حينما كان أحد ممارسي الالعاب السحرية قد ُاغلق عليه صندوق على خشبة المسرح وهو مقيد اليدين من قبل طاقمه وهذا الصندوق سيُفجر خلال دقيقة واحدة و يجب عليه ان يخلص نفسه و ان يخرج من هذا الصندوق قبل الانفجار. فأُشغل وعي الجمهور عن طريق طاقمه الموجود على المسرح خلال هذه الدقيقة بأن بادر طاقمه بالقيام ببعض الحركات البهلوانية مع احداث تأثيرات صوتية وضوئية حيث هّم بالخروج من باب سري من خلف الصندوق في ذلك الوقت مع عدم ملاحظة الجمهور له وابتعد عن الصندوق ومن ثم تم التفجير. وظهر للجمهور من زاوية أخرى وعلامات التعجب والأستغراب بادية على وجوههم. ونستفيد من هذه القصة اننا مع وجود جميع الحواسنا الا ان هناك طرق لإشغال العقل الواعي وقد تؤثر على فهمنا لخارطة الحياة بشكل مختلف. وخلاصة ما اريد ان اصل اليه في هذا المقام انه بمقدور الإنسان المؤمن ان يزرع المفاهيم الصحيحة في ذهن أطفاله منذ الصغر وبرمجة ذلك الطفل البرمجة السليمة وفق منهجية الإسلام المحمدي الأصيل عندما يتعرف على أسرار ارساء المعلومة في الذهن وتهذيبها عندما تستدعي الحاجة.
     

مشاركة هذه الصفحة