تدويل العرب : بقلم د فيصل قاسم

الكاتب : الضياء   المشاهدات : 419   الردود : 0    ‏2005-05-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-05-12
  1. الضياء

    الضياء عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-09-11
    المشاركات:
    519
    الإعجاب :
    0
    د. فيصل القاسم

    إعلامي عربي - مقدم برنامج "الإتجاه المعاكس" قناة الجزيرة القطرية


    4/24/2005


    تدويل العرب !



    يُحكى أن إقطاعياًً في إحدى القرى كانت لديه أراض شاسعة تحتوي في باطنها على مياه وفيرة وخيرات كبيرة. وكان لصاحب الأرض أبناء وبنات كُثرُ. لكنه لم يتمكن بسبب فساده المفرط وكسله وقلة حيلته واستبداده أن يطور أراضيه ويستغل خيراتها لصالحه وصالح ابنائه. لقد ركز جل اهتمامه على قمع عائلته والعاملين في أرضه والبطش بهم وتبديد أرزاقه، فكان يستغل ابنه الأكبر لإخضاع اخوته الصغار والحجر على البنات وإنزال ابشع الإهانات بالجميع. وكان يضرب بيد من حديد كل من يحاول التململ احتجاجاً على طغيانه.لا بل كان غير عادل ايضاً في توزيع ثروته على العائلة وإنصاف الفلاحين فحصرها في أيدي عدد قليل من أبنائه وأزلامه بينما كان الأفراد الباقون يعانون الفقر والفاقة وهم الذين يعيشون في ارض تغص بالخيرات والثروات الطبيعية. وكان الإقطاعي يعتقد أنه يستطيع إدارة أراضيه على هذه الحال إلى الأبد.

    لكن الرياح بدأت على حين غرة تجري بما لا تشتهي السفن، فالبناء المشيد على أسس غير سليمة سينهار ولو بعد حين، فدب النزاع بين أبنائه والمزارعين وراحوا يتقاتلون فيما بينهم ويبطش بعضهم بعضاً حتى وصل بهم الأمر إلى التصفية الجسدية، فانهارت العائلة والإقطاعية واصبح الأب في وضع لا يحسد عليه، فبالكاد يستطيع السيطرة على ممتلكاته وابنائه. لكن جيرانه في القرية كانوا له بالمرصاد. فبحجة أن مزرعة جارههم تشهد اضطرابات متصاعدة وأنه لم يعد قادراً على إدارتها وأنه وعائلته المتفككة باتوا يشكلون خطراً على الآخرين، بدأ القاصي والداني يستغل هذا الفراغ الحاصل للتدخل في شؤون الإقطاعي لتصبح قضيته قضية عامة وليست خاصة من حق الجميع أن يبتوا فيها بحجة أنها تهدد السلم في القرية وتضر بمصالح الآخرين، مع العلم أن الأهداف المخفية غير ذلك تماماً. فالآخرون راحوا يتدخلون لمصالحهم الخاصة، فمنهم من يريد أن يستغل خيرات أرض الإقطاعي المنهار والآخر يريد أن يضع العائلة وأملاكها تحت عباءته وسيطرته بحجة أنها غير قادرة على إدارة شؤونها.

    إن الحكاية البسيطة أعلاه تلخص وضع العالم العربي بدقة، فهو عالم يسبح على بحر من الثروات الطبيعية، لكن بسبب فساد القائمين عليه وتخبطهم وطغيانهم غدت تلك الخيرات من نصيب الغير أو على الأقل تحت سطوته. وزادت الأمور سوءاً الآن بعد أن اصبح القاصي والداني من دول العالم يحاول التدخل في الشؤون العربية مرة بحجة الاضطرابات والقلاقل المتصاعدة في دولنا وتهديد السلم العالمي وأخرى بسبب الفساد والاستبداد والظلم وعدم قدرتنا على إدارة شؤوننا. لا شك أن كل الذين يحاولون دس أنوفهم في الأمور العربية من السودان إلى اليمن لهم مآربهم وغاياتهم الخاصة. لكن من الذي سهـّل لهم المهمة كي يتدخلوا في أوضاعنا؟ أليست أنظمتنا التي فشلت في إدارة بلادها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً وأفسدت كل شيء؟ فكما أن قوانين الطبيعة لا تسمح بحدوث فراغات، فإن القوانين السياسية بدورها لا تسمح بوجود فراغ في أي مكان. ولو حدث الفراغ فلا بد من ملئه فوراً. ووضع الدول لا يختلف عن وضع الأفراد، فكلنا يعلم أن الفرد القاصر يجب أن يوضع تحت الوصاية. ألم تتحول معظم بلداننا العربية إلى كيانات قاصرة؟

    هل كانت الدول الكبرى كأمريكا وغيرها لتتدخل في العراق لولا أن صدام حسين ونظامه التسلطي وفر لها كل المبررات التي كان أولها غزوه الغشيم للكويت وتهديد منابع النفط في المنطقة والتنكيل بشعبه ومجازره المعروفة؟ ليس هناك أدنى شك أن قوى الهيمنة كانت تخطط للسيطرة على العراق منذ خمسينيات القرن الماضي، لكنها لولا الخدمات المجانية التي قدمها لها النظام العراقي لما حلمت يوماً بدخول بغداد ووضع المنطقة تحت إمرتها.

    هل كانت أمريكا وبريطانيا وفرنسا لتتدخل في السودان وتجعله قضية دولية لولا أن النظام السوداني ساهم في قتل مئات الألوف من شعبه في دارفور وحرم عشرات الألوف من لقمة العيش بسبب سياساته الفئوية والمناطقية والتسلطية؟ هل لو أن حكومة الخرطوم وضعت حداً للمجازر في دارفور وأوقفت حمامات الدم هناك واتبعت سياسات عادلة مع كل فئات الشعب السوداني دون تمييز، هل كان أحد سيضعها تحت الوصاية الدولية؟ بالطبع لا. إنها المسؤولة مباشرة عن القرارات الدولية التي صدرت بحق السودان وقد تؤدي إلى تفتيته.

    ألم يحذر بعض الكتاب في الآونة الأخيرة من أن اليمن قد يكون الهدف التالي للتدخل الدولي بعد السودان؟ فقد كتب أحدهم مقالاً مهماً بعنوان: "كي لا تصبح صعدة دارفور أخرى". إن القلاقل المتصاعدة في اليمن بسبب قلة حيلة النظام وسوء تصرفاته المزمنة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، كي لا نقول أكثر من ذلك، هي المسؤولة عن أي تدخل دولي فيما لو حصل قريباً.

    هل كانت أمريكا وفرنسا لتتدخلا في الشؤون اللبنانية والسورية لولا السياسات السورية واللبنانية الجهنمية التي تعتبر مسؤولة عن محاولات الانتداب الجديد على لبنان وحتى سوريا وإمكانية تقسيمها عن طريق سايكس بيكو جديدة؟ هل كانت أمريكا ستطلب الحرية للشعب اللبناني لولا أن هذا الشعب نفسه خرج إلى الشوارع بمئات الألوف مطالباً بوقف العبث المخابراتي السوري بالشأن اللبناني وكف أيدي اجهزة التسلط عن كافة نواحي الحياة اللبنانية؟ هل كانت واشنطن وباريس ستعملان على إصدار القرار 1559 لو أن القيادة السورية أمرت بإخراج جيشها من لبنان بعد اتفاق الطائف ولم تحول لبنان إلى عزبة؟ هل كانت أمريكا لتبدأ بتحريك الوضع داخل سوريا وزعزعة استقرار البلاد لولا تصرفات القيادة السورية في الداخل والخارج؟ هل كانت أمريكا لتتجرأ على فتح ملفات حقوق الإنسان والديكتاتورية في سوريا لولا أن النظام ديكتاتوري وباطش بشعبه منذ عشرات السنين؟ الجميع يعرف أن أمريكا لا تهمها معاناة الشعب السوري، لكنها بلا شك تستخدم تلك المعاناة لخدمة أغراضها الخاصة التي لا تخفى على أحد، ولا شك أنها ستجد مئات الأسباب لتدخلها في الشأنين السوري واللبناني.

    هل كان أحد سيتدخل في الشأن المصري لولا أن السيل قد بلغ الزبى في البلاد سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وأصبح يُغري القاصي والداني كي يدس انفه في المحنة المصرية؟ قد يحتمي النظام هناك بمعتمديه في واشنطن إلى حين، لكن عندما تصل السكين إلى اللحية فلن يحميه شيء وسيكون حماته الخارجيون أول من يستغل الوضع للتدخل والعبث بمصلحة البلاد وشؤونها.

    وحدث ولا حرج عن السعودية التي تتأزم أوضاعها يوماً بعد يوم بحيث بات الحديث عن تقسيمها إلى دويلات متداولاً على نطاق واسع.هل كانت شبه الجزيرة العربية لتواجه خطر التدخل الخارجي لو أنها عملت على بناء دولة وطنية بالمعنى الحديث للكلمة؟ فعلى مدى أكثر من نصف قرن وهي تعد شعبها بالدولة الإسلامية العالمية، فلم تتحقق الأمة الإسلامية الموعودة ولم تتحقق الدولة الوطنية السعودية، وانتهى بها الأمر إلى ما يشبه التشتت والتمزق الداخلي. صحيح أن السعودية ما زالت بعيدة إلى حد ما عن خطر التدويل، إلا أن سياساتها الداخلية الاقتصادية والاجتماعية تغري الأسرة الدولية بالتدخل في وقت قريب. ويكفي أن يتذرع البعض بأن المملكة تحكم شعبها وتوزع الثروة بطريقة أقرب إلى القرون الوسطى منه إلى القرن الحادي والعشرين كي يصبح الشأن السعودي مطروحاً على بساط البحث الدولي. ولا يغرنك الوضع في ليبيا، فهناك آلاف القضايا التي تغري الآخرين بالتدخل في شؤونها. صحيح أن النظام قد اشترى بقاءه مؤقتاً برشوة الدول المهيمنة عالمياً، لكنه يبقى مهدداً على المدى المنظور بسبب سياساته التي ضاق بها الشعب ذرعاً منذ سنين. بعبارة أخرى فإن النظام هناك يمتلك كل مسببات التدخل الدولي وهو الآن مُفرج عنه بكفالة مالية ضخمة لا أكثر ولا أقل. أو بالأحرى فمحاكمته مؤجلة أي أنه (on reprieve) بالانجليزية، مثله في ذلك مثل بقية الأنظمة العربية الأخرى كالمغرب والجزائر وتونس وموريتانيا التي اشترت بقاءها مؤقتاً بتنازلات وخدمات كبيرة للقوى الدولية القادرة على تحريك الملفات النائمة لهذا النظام العربي أو ذاك. لقد ظنت بعض أنظمتنا الحاكمة أن بوسعها أن تعيث خراباً وفساداً في بلدانها إلى الأبد مادام أن اسيادها في الخارج يقدمون لها الحماية والتغطية. لا أدري لماذا لم يدر في خلد بعض الحكام العرب أن تمكينهم فوق رؤوس شعوبهم وغض الطرف مرحلياً عن بطشهم واستبدادهم وفسادهم كان يهدف بالدرجة الأولى إلى تمهيد الطريق أمام قوى الهيمنة الدولية كي تتدخل في الدول العربية فيما بعد في اللحظة المناسبة بحجة تدهور الأوضاع وفساد الأنظمة. وهي إن فعلت لن تجد من يعارضها حتى على الصعيد الشعبي، فبإمكان أمريكا الآن أن تقول للشعوب العربية إنني أريد أن اخلصكم من طغاتكم ولا شك أن دعوتها ستجد آذاناً صاغية حتى لدى الذين يعرفون أنها لم تتدخل يوماً إلا من أجل مصالحها الخاصة. لكن السؤال: من الذي أجبرك على الـمُر غير الأمر منه؟

    لا تقولوا لي إنها المخططات الاستعمارية. هل كان للاستعمار أن يغزو بلداً ويتدخل في شؤونه إلا إذا توافرت فيه القابلية للاستعمار كما كان يقول مالك بن نبي؟ لماذا لا يتدخل أحد في شؤون كوريا الجنوبية مثلاً، أو ماليزيا، أو الهند، أو سنغافورة، أو البرازيل؟ أليس لأنها عملت بمبدأ "سد الذرائع" الذي نتشدق به كثيراً في ثقافتنا الإسلامية ولا نعمل به أبداً؟

    آه لو عملت أنظمتنا الحاكمة بالأمثلة الشعبية البسيطة كالمثل الذي يقول:"إن المال السائب يعلم الناس السرقة"، فالشعوب "الداشرة" والمضطهدة، التي لا تجد من يهتم بأمرها ويطوّرها ,كما يقول صديقي نضال نعيسة، تعلم المارينز الهرولة نحوها فحشدوا لها حاملات الطائرات والأساطيل واجتاحوها بيسر شديد. وحين تقع الشاة تكثر السكاكين ويتنطح القصابون. وحين يمرض الجسد وينهك وتستعمره الأمراض يصبح عرضة لأن تهاجمه كل أنواع الجراثيم والفيروسات، وحين تكثر التهم والجرائم والموبقات يصعب على أي قاض أن يكسب الدعوى ويدافع عن المتهم ويدحض الادعاءات. وحين تصبح البلاد سجونا كبيرة ومعاقل أمنية مخابراتية، وحين تكبلك القوانين العرفية، وتحكمك من القبر المومياءات المحنطة والأفكار السوداء الطالعة من حقب الديناصورات ,لا يهم عند ذلك ما هي جنسية السجان، وماهي هوية القاتل الفتاك ، فالمهم أنت في السجن، فما الفرق بين من أتى ليدجنك ويروضك، وينكل بك ، ويسرقك على ظهر دبابة أمريكية أو بريطانية أو سوفيتية أو حاكم غشيم أو ثائر مغوار امتطى حفنة من الشعارات الطنانة الرنانة وأذاق العباد المر والويل والبلاء؟ هل من العجب بعد كل ذلك أن يخيم شبح التدويل فوق رؤوس العديد من الدول العربية؟ هل نلوم الداعين إلى وضع بعض دولنا تحت الوصاية الدولية ومحاكمة طغاتنا وجلادينا وجنرالاتنا في محاكم عالمية خاصة؟
     

مشاركة هذه الصفحة