المجاهدون في افغانستان وقصة أبو بصير رضي الله عنه

الكاتب : الشنفري   المشاهدات : 601   الردود : 0    ‏2002-01-14
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-01-14
  1. الشنفري

    الشنفري عضو

    التسجيل :
    ‏2001-08-03
    المشاركات:
    62
    الإعجاب :
    0
    تساؤلات
    (3)

    المجاهدون وقصة أبي بصير



    استكمالاً لما بدأناه من عرض لردود مختصرة على بعض التساؤلات التي طرحت من هنا وهناك ، نعرض اليوم الحلقة الثالثة من تلك التساؤلات بعدما عرضنا الحلقة الثانية والتي كانت بـعنوان ( إذا ترتب على الجهاد رد من العدو ؟ ) .

    وحلقة اليوم ستكون عبارة عن بعض الوقفات مع قصة أبي بصير t وإجابة على تساؤل يقول : هذه الحرب هل هي مجرد انتقام ؟ وإجابة على تساؤل آخر يقول : هل هذه المعركة بالنسبة لنا قضية خاسرة ؟! .

    إن أقل الأحوال تجاه ما حدث وتجاه ما يحدث الآن في أفغانستان أن نعتبر الثلة المؤمنة المجاهدة في أفغانستان هي كحال أبي بصير t ومن لحق به من المؤمنين حيث بلغوا سبعين رجلاً كانوا بالعيص على ساحل البحر يترصدون لعير قريش ينفذون عليها عملياتهم الجريئة.

    فما ذا كان موقف النبي r من أبي بصير t ومجموعته ؟! .

    وخذ بالاعتبار قبل أن تعلم الجواب أن النبي r كان قد أبرم عهداً مع قريش بوضع الحرب بينه وبينهم ، وكفى بعهد النبي r عهداً وميثاقاً .

    ثم إن قريشاً لم يظهر منها في وقت أبي بصير t نقض للعهد أو الإخلال بشئ منه بخلاف حالنا الآن فإن عهودنا مع الكفار تحتاج إلى كثير من النظر من حيث أصلها ومن حيث الالتزام بها من قبل الكفار أنفسهم

    ومع أن حال النبي r مع الكفار كما وصفنا من قوة العهد بينه وبينهم ومن التزام الكفار حقيقة بالعهد وعدم الإخلال به إلا أن موقفه من أبي بصير t لم يكن محاربته أو إعانة الكفار عليه بل العكس من ذلك .

    وإليكم القصة من البخاري :

    أخرج بسنده عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا خرج رسول الله r زمن الحديبية ......

    فذكر قصة الحديبية والاتفاق بطولها وفي آخرها :

    …( ثم رجع النبي r إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا العهد الذي جعلت لنا فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا فاستله الآخر فقال أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت ، فقال أبو بصير أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله rحين رآه لقد رأى هذا ذعرا فلما انتهى إلى النبي r قال قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم قال النبي r ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر ، قال وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي r تناشده بالله والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي r إليهم ) .الحديث.

    وفي السيرة لابن هشام 3/449 بنحو قصة أبي بصير وفيها وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قولُ النبي r لأبي بصير (ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال ) فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص فاجتمع إليه منهم قريب من سبعين رجلاً وقد ضيقوا على قريش لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه ، ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها ...) اهـ ومعنى (محش) هي بمعنى مسعر أي موقد 0

    يتجلى موقف النبي r من أبي بصير ومن معه رضي الله عنهم فيما يلي :

    1-لم ينكر عليه قتله لمن جاءوا لأخذه بل ولا حتى بكلمة عتابٍ له 0

    2-لم يعتذر إلى قريش في ذلك ، ولم يتفاوض معهم حتى في تعويض للقتيل ( الدية ) 0

    3-لم يمسك بأبي بصير ويحبسه عنده لظهور هذا العمل (الإرهابي ) منه أو خوفاً من أن يشوّه صورة الإسلام أو ينسب إلى المسلمين نقض العهد مع احتمال هذا الأخير لملابسات الواقعة 0

    4-لم يسلّم أبا بصير بنفسه بأن بعثه مخفوراً برجال من الصحابة إلى قريش ، بل هو أصلاً لم يرسله إلا لما بعثت قريش بمن يأتي به ، ثم لما ظهر منه القتل لم يرسله أيضاً 0

    5- لقد ألمح النبي r إلى أن له دوراً يمكن أن يؤديه وكأنها رسالة أيضاً إلى المستضعفين من المسلمين بمكة ممن أسلم بعد صلح الحديبية حيث قال ( لو كان معه رجال ) ولهذا جاءت صريحة في رواية ابن هشام وأن تلك المقولة كانت سبباً لالتحاق أولئك المسلمين الجدد بأبي بصير t 0

    6-لقد ترك النبي r تلك العصابة المؤمنة بقيادة أبي بصير تؤدي ما تراه من جهاد دون أن يعارضهم بشئ أو يستنكر عليهم أو يعتذر لقريش من فعلهم أو يحذر من اللحوق بهم أو يصمهم بالتعجل والافتيات عليه أو غير ذلك 0

    7- لم يصدر النبي r أمراً بمنع مساعدة أبي بصير t ودعمه والوقوف معه والدعاء له ، ولم يُصدر تحذيرا منه وممن يتعاطف بل تركه وما ندب نفسه له .

    والسبب في تلك المواقف يرجع إلى أن النبي r يعتبر أن هؤلاء لم يدخلوا في سلطته باعتراف قريش وبنص الاتفاق الذي وفّى به النبي r ، فليس له عليهم من سبيل من حيث سلطة الدولة وليسوا محسوبين عليه أيضاً فلا يتحمل ما يصدر منهم ولم يكن بحاجة إلى أن يحمل نفسه تبعات ذلك 0

    ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يكن كذلك كارهاً لفعلهم وليس هذا بنقضٍ للاتفاق فإن قريشاً تعلم أنه عدو لهم وهو يعلم أنهم عدو له وما كان الاتفاق والعهد ليرفع العداوة أبداً ولا ليمنع أن يتمنى كل طرف هلكة الآخر ويفرح بما يصيبه 0

    وهذا الوضوح في العهود حتى كان عند العرب أنفسهم بمعنى أن يفي كل طرف بنص الاتفاق ولكنه لا يُكلف فوق ذلك مما لا يشمله الاتفاق .

    ومن عجب أننا حتى في العهود لم نفقه حسن التعامل فيها حتى جعلنا من عاهدنا من الكفار على فرض سلامة تلك العهود من كل وجه له من الحقوق أعظم من إخوتنا في الدين والتزمنا له بالحب وألا يصدر منا ولا كراهية القلب والتزمنا له بمحاربة أعدائه وإن كانوا لا يدخلون تحت سلطتنا ولا يتناوله الاتفاق أصلاً .

    وإذا اتضح موقف النبي r من أبي بصير فلمَ لا يسعنا ما وسعه ؟! .

    لمَ نكلف أنفسنا ما لا يلزمنا لا شرعاً ولا عقلاً ؟! .

    لمَ نتحامل على أمثال أبي بصير t ؟! .

    لمَ نلمزهم ونعتبرهم متعجلين وجهالاً ... ؟! .

    لمَ لا نفرح ونسرّ ببقائهم فقد يدفع الله بهم ما لا نعلمه من الشر ؟! .

    لمَ نسئ الظن بربنا جل وعلى حتى يخيّل إلينا أن معالم الدين ستندرس بسبب ما يقوم به مجاهدون قد تحروا الصواب فيما أقدموا عليه ؟! .

    فهل نرضى أن نكون كبعض الأعراب الذين عاتبهم الله تعالى حين تخلفوا عن الغزو بقوله : } بل كان الله بما تعملون خبيراً . بل ظننتم أن لن ينقلب المؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوماً بوراً {

    فعلى كل مسلم وعلى أهل العلم منهم خاصة بل وعلى دول المسلمين أن يتأملوا قصة أبي بصير وأن يعلموا أنها أقل الأحوال في شأن المجاهدين .





    هذه الحرب هل هي مجرد انتقام ؟



    لقد ذكرنا في الحلقة الأولى تصريح وزير الخارجية الباكستاني والذي أثبت فيه اطلاعه على خطة مسبقة لشن حرب على أفغانستان من قبل أمريكا قبل وقوع أحداث سبتمبر ، وكذلك نشرت بعض الصحف الفرنسية وغيرها تفاصيل مثل تلك الخطة والتي كانت معدة قبل ثلاث سنوات .

    لذا قد يخطئ البعض ويظن أن حرب أمريكا على أفغانستان و ملاحقتها للمجاهدين هو انتقام لما حدث لها من ضربات وليس حرباً على الإسلام والمسلمين ، وبغض النظر عن الإجابة التي أوردناها في بداية الكلام وذكرنا فيها الاستعداد المسبق لهذه الحرب من قبل أمريكا ، فإننا سنجيب على هؤلاء بجواب آخر أيضاً

    وهنا لا بد من معرفة ثلاثة أمور هي :

    (بعد التسليم جدلاً بأن ما حدث هو من فعل المجاهدين وأن أمريكا أثبتت ذلك بالدليل القطعي ):

    أولها : أن ما فعله المجاهدون بأمريكا في هجوم الحادي عشر على الافتراض السابق لم يفعلوه انتصاراً لأنفسهم وانتقاماً لها وإنما هو انتصار للدين وللمستضعفين من المسلمين الذين لم يسلموا من تسلط أمريكا وظلمها وقتلها إياهم بنفسها أو بوكلائها وسرقة ثرواتهم بشتى أنواع السرقات الصريحة والمغلفة .

    وهوانتقام بأيديهم من هذا العدو المتغطرس الذي أسرف في طغيانه وجبروته وإذاقته بعض ما يذوقه المظلومون على يديه ممالا يحصيه العد ولا يحيط به الوصف 0

    فهو من باب الدفع لا أكثر ..

    ثانيها : أننا نسأل : هل الجهاد من الإسلام أو ليس من الإسلام ؟ .

    فإذا كان الجهاد من الإسلام بل هو ذروة سنامه ولا يتم إسلام العبد إلا باعتقاد أن الجهاد من الدين فسيأتي السؤال الآخر :

    هل أمريكا إذا كانت لا تحارب الإسلام فهل هي لا تحارب الجهاد أيضاً ؟ ! بمعنى : هل يمكن لأمريكا أن ترضى بالجهاد أو ترضى بعملية واحدة جهادية فضلاً عن قيام جهاد في أي مكان حتى لو لم يمسها منه أذى كما في فلسطين و الفلبين والشيشان وكوسوفا وغيرها 0

    إنها والله لا ترضى ولا باسم الجهاد ولا بروح الجهاد ولا برائحة الجهاد من وراء حجاب0

    وليس أدل على ذلك من حربها الضروس على المجاهدين في فلسطين ولم ترض بهم بحال وهي المقاومة الوحيدة التي يعترف بدعمها العرب والمسلمون على استحياء ، بل إنها قد وقعت على وثيقة دولية لتعريف الإرهاب قبل أكثر من خمسين سنة تستثني هذه الوثيقة مقاومة المحتل من مسمى الإرهاب .

    فإذا كانت أمريكا تحارب الجهاد فأي إسلام هذا الذي لا تحاربه وهي تنال من ذروة سنامه ليل نهار ؟! .

    نعم إنها لا تحارب الإسلام الأمريكي ( الإسلام المودرن ) الإسلام الذي تفصله كما تشاء 0

    وحسبنا والله كتاب الله إذ يقول فيه جل شأنه } ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم { 0

    وهذه المناقشة التي ذكرناها في هذا الوجه ينبغي التأمل فيها سواء اعتبر المخالف ما مضى من أعمال المجاهدين (أحداث الحادي عشر على فرض صحة النسبة ) أو اعتبرها جهاداً صحيحاً أولم يعتبرها فلسنا نعني محاربة أمريكا في شيء معين وإنما محاربتها للجهاد كعقيدة ومبدأ وما يتعلق به من الولاء والبراء وإظهار عداوتهم ونحو ذلك .

    ثالثها : أن أمريكا إما أن يكون لها الحق في معاقبة من تلقبهم بالإرهابيين في أفغانستان ، وإما أن لا يكون لها ذلك.

    فمن اعتقد أن لها الحق فقد اعتقد ما لا يليق بعاقل فضلاً عن مسلم ، ذلك أن أمريكا لم تتخذ الخطوات لا نقول الشرعية لأنها لا تعترف بشرعنا المطهر وذلك أشرف له ، ولكنها لم تتخذ الخطوات القانونية في العرف الدولي فمثلاً (بإيجاز):

    (ونكرر على فرض أنها أثبتت ادعاءها بدليل قطعي ) :

    ا - لم ترفع القضية إلى محكمة العدل الدولية لإصدار حكم قضائي 0

    ب- لم تقبل محاكمة أولئك على أراضي أفغانستان مع أن القانون الدولي يقتضي ذلك 0

    ج- لم تقبل محاكمتهم في دولة إسلامية 0

    د- لم تقبل محاكمتهم في دولة محايدة ولو غير إسلامية بمشاركة دولة إسلامية 0

    هـ- بعد ذلك استعملت القوة لاقتحام دولة مستقلة وانتهاك سيادتها مع أن لها وسائل قبل ذلك كالحصار وتكرار المطالبة وليست مطالبة صورية فقط قبل الغارات الجوية بيومين لا أكثر ، ونظاماً كان ينبغي عليها ألا تتخذ أي خطوة عملية إلا من خلال قرار من مجلس الأمن والعمل تحت مظلته .

    و- لم تقبل المفاوضات بعد ذلك 00

    كل هذه الخطوات لا تعني المسلم في كثير منها لأنها تحاكم إلى الطاغوت ومع ذلك نوردها لا ثبات ما هو أبعد من مجرد اعتقاد المسلم وحده وأن فعل أمريكا لا يقره حتى غير المسلمين ممن رزق عقلاً وتحرر من القيود على التفكير0

    فإذاً كيف يخطر على بال مسلم أحقية أمريكا بما تفعل ولا والله بمقدار ذرة 0

    وإذا لم يكن لأمريكا حق فما موقف المسلم من إخوان له يحاربهم رأس الكفر بنفسه هذه المرة وليس عبر وكلائه ؟!

    إن مجرد السكوت عنهم والكف عن النيل منهم وإن لم يقم به كثيرون فليس والله مع ذلك بنصرة فإن النصرة واجبة فإن لم تتحقق بالنفس فلا أقل من المال والكلمة والدعاء والتأييد ونشر أخبارهم الصحيحة ورفع الهمم والمعنويات وتقوية الإيمان واليقين وترسيخ الولاء للمؤمنين مهما كانوا والبراء من الكافرين مهما كانوا واستغلال كل وسيلة لنصرة الدين والجهاد والمجاهدين ومنها الوسائل الحديثة كالاتصالات والقنوات والحاسبات والإنترنت وغير ذلك .

    إن من لم ينصر إخوانه المجاهدين لا عذر له مهما خالفهم في الاجتهاد إن كان من أهل الاجتهاد لأنه إن كان يعتقد صواب ما فعلوا سواء الهجوم على أمريكا على فرض كونهم هم الذين قاموا به أو ما يقومون به بعد ذلك من أي تصرف أو اجتهاد فإنه قد حكم على نفسه حينئذ بالتقصير إذ كيف يقعد عن نصرة إخوانه مع موافقته لهم؟

    وإن كان يرى خطأ ما فعلوا كله أو بعضه فإن خطأهم خطأ مجتهد وقد ثبت استناد المجاهدين إلى بحوث علمية واجتهادات فقهية مع من بحضرتهم من طلبة علم تقوم بفتواهم الحجة 0

    وهل يجوز لمن كانت هذه حاله أن يُسْلّم إلى الكفار ويخذل ويقعد عن نصرته ؟! .

    ولئن فرضنا أننا لاعلم عندنا ولسنا أهلاً للاجتهاد في مثل تلك القضايا وقد أخطأنا في تصرفاتنا أفيكون اعتقاد ذلك عذراً في ترك المجاهدين تحت وطأة الكافر الغاشم ؟! .

    إن غاية خطأنا أن يكون كبيرة من الكبائر وما عهدنا أصحاب الكبائر لا ينصرون على أصحاب الشرك والكفر والتثليث وكل بلية وإلحاد ونقضٍ حتى لشرائعهم المحرفة من إباحية متعفنة و إسفافٍ ما بعده إسفاف 0

    ثم إذا كان المجاهدون على شئ من الجهل فأين من يعتب عليهم من أهل العلم من المشاركة معهم لتعليمهم وتفقيههم وتصحيح سلوكهم والوقوف على حقيقة ما يواجهون لتنزيل الأحكام الشرعية عليها 0

    ولئن فرضنا على أسوء احتمال وأبعد تقدير افتراضاً لا يقبله من له أدنى سمع وبصر أن هؤلاء الكفار قد وقع عليهم ظلم من المجاهدين (على فرض ثبوت ما نسب إليهم كما تقدم ) .

    وافترضنا أن هؤلاء الكفار لم يظلموا المسلمين قيد شعرة ، فما الموقف الشرعي لنصرة المظلوم الكافر ؟

    تجرّد أيها القاري المسلم ودع عنك الخطاب غير الشرعي فإنه ليس بعلم 0

    إليك الموقف الشرعي فيما نحسب بعد تحقق الافتراضات السابقة حقيقة :

    1- إن كان هؤلاء المعتدون في دولة مسلمة بينها وبين أولئك الكفار عهد فإن على رئيس الدولة الكافرة المعتدى عليها أن يطلب من رئيس الدولة المسلمة محاكمة أولئك مقدّماً أدلته على دعواه 0

    2- لا يجوز محاكمة المتهم في غير محكمة شرعية بأي حال من الأحوال 0

    3- إذا ثبت على المتهم ما نسب إليه ، وجب على الدولة المسلمة أن تدفع تعويضاً عن كل نفس أزهقت (وهي في المصطلح الإسلامي دية عن كل قتيل) وتعويضاً عن الإتلاف الحاصل في الأموال والممتلكات 0

    وأما تسليم المتهم إلى الكافر يصنع به ما شاء ويفتنه عن دينه فهذا أمر شنيع لا تجيزه الأدلة الشرعية ، وأجاب ابن حزم والمانعون من ذلك على فعل النبي r بتسليم أبي جندل وأبي بصير رضي الله عنهما بأنه مخصوص بالنبي r لأنه قد علم بالوحي أن الله سيجعل لهم فرجاً ومخرجاً كما قال لهما ، وقالوا إذا لم يكن خاصاً بالنبي r فإنه منسوخ بنزول سورة براءة ، وأجابوا بأجوبة أخرى لا نطيل بذكرها .

    أما الحكم عليه بالقتل فهو ليس من حكم الشريعة الإسلامية حيث لا يقتل مسلم بكافر وإليك بعض الأدلة :

    1- حديث علي بن أبي طالب t عن النبي r : لا يقتل مسلم بكافر . أخرجه البخاري .

    2- قصة عمرو بن أمية لمن كان بينه وبينهم عهد وقد قتلهم عمرو فودا هم النبي r ولم يسلم عمراً أو يحكم عليه بالقصاص 0

    3-قصة خالد بن الوليد t ففي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال بعث النبي r خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتل منهم ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره حتى قدمنا على النبي r فذكرناه فرفع النبي r يده فقال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين .

    فلم يزد على أن قال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد وواداهم ، وذلك أن خالداً t اجتهد فيما رآه مع أنهم مسلمون ، فكيف بغير المسلم ؟! .

    وهذا هو الحكم الشرعي الإسلامي ، وعلى علماء المسلمين أن يبينوا لنا إن كنا أخطأنا في الحكم والاستدلال هنا .

    هذا الحكم فيما إذا كان بين الدولة المسلمة المقصودة وبين الدولة الكافرة المعتدى عليها عهد 0

    فأما إذا كانت الدولة الكافرة قد نقضت العهد والنواقض كثيرة ليس هذا موضع بسطها , أو لم يكن ثم عهد أصلاً فما الحكم في هذه الحال ؟ .

    الحكم ظاهر حيث إن الكافر الأصل فيه أنه محارب ما لم يكن له عهد أو ذمة ، فإذاً ما دام ألا عهد بين الدولتين المسلمة والكافرة فما على الدولة المسلمة من سبيل أبداً ، ولا يجوز لمسلم أن يعتقد أن للدولة الكافرة في هذه الحال الحق في تحميل الدولة المسلمة شيئا مما فعله رعايا الدولة المسلمة أو حتى من يلجأ إليها 0

    بعد هذا التأصيل الموجز ..

    ما توصيف حال الإمارة الإسلامية مع أمريكا ؟ وماذا كان موقف الإمارة الإسلامية ؟ .

    إن الإمارة ليس بينها وبين أمريكا أي عهد أو ميثاق ، والإمارة لم تدخل أصلاً في أية معاهدة فلا هي عضو في هيئة الأمم ولا في مجلس أمنهم 0

    ولم تعترف بها أمريكا وتتبادل معها السفراء أو الممثلين ، ولم يكن بينهما لا عهد ولا شبهة عهد ، فهل لأمريكا على فرض نزاهتها وعلى فرض ثبوت ما ادعته هل لها أدنى أدنى سبيل على الإمارة ؟! .

    ومع ذلك إليكم موقف الإمارة وكأنها افترضت وجود عهد بينها وبين أمريكا تنزلاً لقطع أية حجة :

    1- طلبت من أمريكا الأدلة فرفضت الأخيرة ذلك ، ويكفي هذا من إعفائها من أية التزامات ومسؤولية 0

    2- أعلنت قبولها محاكمة المتهمين على أراضيها من قبل قضاة مسلمين فرفضت أمريكا ذلك أيضاً .

    3- طلبت من منظمة المؤتمر الإسلامي التدخل والتوسط في الأمر ففضلت ( دول الإسلام ) ـ والله المستعان ـ أن تنصر الظالم بدلاً من السعي للصلح والذي دعا إليه المظلوم وليس الظالم 0

    ماذا تريدون إذاً من الإمارة الإسلامية ؟! .

    والله لقد تأملنا ونظرنا وقلّبنا ..

    هل ارتكبت الإمارة من خطأ ؟ .

    هل قصرت في شئ ؟ .

    هل استعجلت في أمر ؟ .

    فوالله ما وجدنا من ذلك شيئاً بل وجدناهم قد اتخذوا كل السبل المشروعة والمتاحة لهم ولم يتعنتوا أو يصيبهم غلو أو تفريط 0

    بل إنهم قد أخذوا بالأمر الشرعي } وشاورهم في الأمر { و } أمرهم شورى بينهم { فجمعوا علماءهم واستشاروهم ولم يخرجوا من مشورة العلماء ، فهل لعاذلٍ عليهم بعد ذلك من سبيل ؟! و الله ليس لأحدٍ عذر بعد هذا عن نصرة إخوانه 0







    هل هذه المعركة بالنسبة لنا قضية خاسرة ؟! .



    قد يسلم البعض بكل ما تقدم ولكنه يقول : تلك قضية خاسرة فماذا عسى أن يفعل مجموعة من المتفرقين في الجبال والملاحقين من الأمريكان ومن عملائهم في مقابل القوة الأمريكية وترسانتها الحربية ؟! .

    والجواب كما يلي :

    1- ليس من خيار أمام المجاهدين غير الدفاع عن أنفسهم وإلا فإنهم سيكونون بين الإبادة والأسر وهل يمكن لمسلم أن يأمرهم بالاستسلام لذلك ؟! .

    وليس صحيحاً أن يقف المجاهدون لانتظار العدو كي يصل إليهم ليدافعوا عن أنفسهم وهم يعلمون يقيناً أنه أحرص عليهم من حرصه على الحياة وهم أحرص الناس على حياة 0

    وخير وسيلة للدفاع هي الهجوم وعليهم أن يبذلوا ما بوسعهم لقطع الطريق على العدو بشتى السبل والوسائل وعلى المسلمين أن يعينوهم على إنقاذ أنفسهم فضلاً عن محاربة هذا العدو اللدود 0

    وإذا كان الفقهاء قالوا : لو أن مسلماً أسر لدى الكفار لو جب على جميع المسلمين فكاكه ولو تركوه أثموا جميعاً ، فكيف بمن يلاحقه الكفار في أرضه ؟! .

    2 – إن إطلاق قاعدة القضية الخاسرة على كل عمل لم تظهر بوادر نجاحه عاجلاً يمكن أن ينهدم بها قضايا ومشاريع واجتهادات مما يقتنع به القائل بهذه القاعدة فمنها :

    أ -قضية فلسطين فلا داعي للجهاد فيها وبذل الأنفس والأموال لأنها قضية خاسرة وفق هذا المنظور ، فإذا كانت القضية في أفغانستان خاسرة فمن باب أولى أن تكون القضية في فلسطين خاسرة لأن المجاهدين في فلسطين أقل من المجاهدين في أفغانستان من حيث المقومات الجغرافية والقوة والعدد والعدة .

    ب – بعض قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي أحيانا قد يقال فيها أنه لا فائدة من الأمر أو النهي في هذه القضية أو تلك ولكن الله أجاب عن ذلك بقوله } وإذ قالت طائفة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون { ، أفيبخل المسلمون على المجاهدين بما عساه أن يكون معذرة لهم عند الله ولعلهم ينصرون ؟! وهل يبخل المجاهدون أيضاً على أنفسهم بعمل يكون لهم معذرة ولعلهم ينصرون ؟ .

    ج – بعض قضايا الدعوة أيضا فقد لا تظهر النتيجة في بادئ الأمر فهل يتراجع الداعية ويقطع الدعم ، لأن المؤشرات تقول لا نتيجة ؟ .

    3 – لا خلاف بين الناس فضلا عن أهل العلم أن المريض الميئوس منه لا يجوز تركه يموت مع إمكان بذل شيء له ومازلنا نرى الملايين تنفق في معالجة مرضى السرطان مع أن نسبة الشفاء منه قد لا تتجاوز 10% .. وما رأينا أحدا أنكر ذلك .

    فهلا اعتبرنا المجاهدين من مرضى السرطان فبذلنا لهم بعض ما نبذل لأولئك بدلا من اعتبار القضية خاسرة ؟! ذكر الفقهاء وجوب فكاك الأسير وبذل الأموال الطائلة في سبيل مسلم واحد ، فكيف بمن هم أعظم من ذلك ؟! .

    5- هذه القضية ليست خاسرة بالمنظور الإسلامي فقد أخذ المجاهدون استعدادهم المتاح وبذلوا ما يرونه واجباً عليهم ولم يقصروا إن شاء الله في شئ من ذلك ، وهذا جهدهم وبهذا لم يدخلوا في قضية خاسرة وإلا فما عسى أن تقارن قوة واستعداد النبي r ومن معه من المسلمين يوم بدر باستعداد قريش ؟! .

    وما ذا يمكن أن يقال في غزوة مؤتة : ثلاثة آلاف في مقابل مائتي ألف بأحدث الأسلحة والمؤن والتجهيز ؟!

    لم يتراجع المسلمون في مؤتة ويقولوا إنها قضية خاسرة ، ولم يعاتبهم النبي r على دخولهم في قضية خاسرة ، بل لما أراد المسلمون انتظار المدد شجعهم عبد الله بن رواحة t على المضي ، وما بلغنا أن النبي r خطّأ ما صنع ابن رواحة بل ولا تلميحاً ولو كان فيه من خطأ لما ترك البيان لهم رسول الله r وهو الحريص على البيان لأمته بالمؤمنين رؤوف رحيم بآبائنا هو وأمهاتنا .

    وماذا عن خروج سلمة بن الأكوع t وحده خلف الغزاة من فزارة الذين أغاروا على سرح النبي r وهي المسماة غزوة ذي قرد التي أخرجها مسلم مطولة والبخاري مختصرة أفكان مضياً في قضية خاسرة ؟ .

    وما ذا عن الذين كانوا بماء الرجيع رضي الله عنهم بقيادة عاصم بن ثابت حيث لم يستسلموا للعدو وكانوا عشرة نفر ، ولأهمية القصة وفوائدها إليكموها من البخاري 7/ 307، 378 رقم(3989، 4086) :

    عن أبي هريرة t قال بعث رسول الله r عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب حتى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه فقالوا تمر يثرب فاتبعوا آثارهم فلما حس بهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى موضع فأحاط بهم القوم فقالوا لهم انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا فقال عاصم بن ثابت أيها القوم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ثم قال اللهم أخبر عنا نبيك r فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها قال الرجل الثالث هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة يريد القتلى فجرروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فانطلق بخبيب وزيد بن الدثنة ..الحديث .

    ففي هذه القصة لجوء هؤلاء العشرة وهم عشرة فقط إلى الجبال ليتحصنوا بها ولم يقبلوا الاستسلام ولذا بوب عليه البخاري في موضع آخر ( هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر ) .

    وفي القصة جواز المقاتلة وجواز الاستسلام وكلاهما فعله بعض الصحابة هنا وإن كان القائد عاصم وأكثر من معه لم يقبلوا الاستسلام ، ومن قبل الاستسلام فقد قتل بعد الأسر وناله شئ من الإيذاء ، ولذا فإننا نختار ألا نستسلم للعدو بأي حال من الأحوال وهذا أخذ بالعزيمة وإنما الاستسلام رخصة كما ذكر ذلك ابن حجر رحمه الله في الفتح 7/374 ونقل عن سفيان الثوري كراهة الاستسلام ، قلت : ولا يبعد حرمته للقادة وأهل الشأن خاصة .

    ولأن استسلام المجاهد مع ما فيه من الإنهزام وشئ من الذل وما فيه من كسر قلوب المسلمين ، وثلمةٍ في موقف المجاهدين ، وما فيه من سرور العدو وغبطته وشماتته بالمجاهدين والمسلمين عامة ورفع معنوياته..

    مع ما في الاستسلام من جميع تلك المفاسد إلا أنه أيضاً لا يحقق للمستسلم ما خاف على نفسه منه وهو الموت فإنه سيصبر إلى قِتلة أشنع وأذل مما سيقتل عليها لو لم يستسلم هذا إن لم يمر قبل ذلك على التعذيب والتنكيل وانتزاع المعلومات التي قد تضر غيره .

    نعود إلى الشاهد من هذه القصة وهو أن هؤلاء الصحابة العشرة رضي الله عنهم لم يعتبروا قضيتهم خاسرة فيستكينوا ....

    ولو علم بهم النبي r وكان يمكنه مساعدتهم بما يستطيع ما تردد في ذلك وحاشاه حتى وإن أدرك أنهم لن ينجوا مما هم فيه .

    ولو استقرأنا السنة والسيرة والتاريخ لوقفنا على أمثلة كثيرة من هذا القبيل 0

    ولم ينقل أن النبي r توقف في إمداد سرية أو إنقاذ معصوم تذرعا بالإياس من إنقاذه .

    6 – أخيراً من الذي أوقفنا على حقيقة الأمر وجلى لنا الغيب لنحكم بأنها قضية خاسرة ومن الحكمة عدم إضاعة الوقت والمال والأنفس بالرهان عليها وهي خاسرة ؟! .

    7 – على من اعتبر أن القضية خاسرة ألا يخذّل غيره وأن يكتفي بكف يده ورفعها وترك من يرى غير ذلك أن يقدم معذرته إلى ربه ويبرئ ذمته وليس عليه منهم من سبيل وما هو عليهم بحفيظ .

    والقضية بإذن الله ليست خاسرة ..

    لأنها بين النصر أو الشهادة وتلك الأمور لا يمكن أبداً أن يعدها المسلم خسارة بأي حال ، قال الله تعالى } قل هل تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين { فسماهما الله حسنيين وبين تلك الحسنيين بقوله } ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين { ، فنيل الشهادة لذاتها والبحث عنها في كل موطن يعد غاية ومقصوداً للمسلم وهذا الأمر يدل عليه أكثر من ثلاثين دليلاً من الكتاب والسنة ، سوى أقوال أهل العلم في ذلك ولا مجال للإطالة في ذكرها ولعلنا نقف معها في مواطن أخرى ، والحسنى الثانية التي بينها الله في كتابه هي } وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين { .

    والذي أنزل الفرقان ونصر الإسلام بيوم الفرقان لنرجو أن نكون تحت راية أمير المؤمنين ممن تنطبق عليهم هذه الآيات من سورة الحج حيث قال تعالى } إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور ، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز{ .

    وأما الوقوف مع هذه الآيات ففي الحلقة القادمة إن شاء الله التي بعنوان :( إن الله يدافع عن الذين آمنوا )



    والصلاة والسلام على رسول الله

    وعلى آله وصحبه أجمعين



    مركز الدراسات والبحوث الإسلامية
     

مشاركة هذه الصفحة