هيكل يكشف تورط الاخوان المسلمين في اغتيال عبدالناصر

الكاتب : المثقف   المشاهدات : 2,331   الردود : 0    ‏2005-04-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-04-29
  1. المثقف

    المثقف عضو

    التسجيل :
    ‏2004-01-03
    المشاركات:
    157
    الإعجاب :
    0
    كان صباح يوم الأربعاء 27 أكتوبر/تشرين الأول عام 1954 يوما نادرا عند باعة الصحف في القاهرة وبقية عواصم محافظات مصر. لأن جرائد الصباح التي كانوا يبيعونها طوال اليوم نفدت كلها في ساعة واحدة أو اقل. وكل من أسعده حظه بشراء جريدة توقف في الشارع أو جلس في اقرب مقهى يقرأها بشغف ولهفة وقد تجمع حوله نفر من الناس يقرأون نفس الخبر المثير الذي ألهب مشاعر المصريين.
    وكانت جريدة “الأخبار” اليومية اكثر الجرائد اهتماما بهذا الخبر وتفاصيله.
    الخبر الذي دخل التاريخ.. ولن يخرج منه أبدا.
    خبر.. محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر!
    كانت مانشيتات عناوين الصفحة الأولى كلها باللون الأحمر، وكانت تقول: “محاولة اغتيال جمال عبد الناصر”، “إطلاق 8 رصاصات عليه وهو يخطب في الاسكندرية”، “نجاة الرئيس والقبض على الجناة”، “جمال عبد الناصر يخطب مرتين عقب الحادث”!

    إبراهيم الطيب اعترف لحظة اعتقاله بعلاقة نجيب السرية بـ “الإخوان”

    أطاحت اعترافات الإخوان في محكمة الشعب باللواء محمد نجيب، وبرغم أن هذه الاعترافات كانت بمثابة صدمة عامة للمصريين الذين كان كثير منهم يعجبون بمحمد نجيب، فهو رئيس الجمهورية، وهو الرجل الأكبر سنا والأكثر حكمة بين الضباط الأحرار الذين صنعوا الثورة.
    برغم كل ذلك فقد وضعت هذه الاعترافات فصل النهاية لوجود محمد نجيب على رأس الثورة.. وعلى رأس الحكومة المصرية، وصدرت الجرائد في صباح يوم 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 1954 تحمل الأخبار الأكثر إثارة: “إعفاء نجيب”! “مجلس الثورة يقرر بقاء منصب رئيس الجمهورية خالياً”.
    وقالت “الأخبار”: اعفي اللواء محمد نجيب من رياسة الجمهورية ومن عضوية مجلس قيادة الثورة.. تقرر أن يبقى منصب رئيس الجمهورية خاليا.. اجتمع مجلس قيادة الثورة صباح أمس واصدر هذا القرار.
    تولى اللواء عبدالحكيم عامر القائد العام ووزير الحربية، وقائد الجناح حسن إبراهيم وزير القصر ابلاغ هذا القرار لمحمد نجيب في الساعة الحادية عشرة في قصر عابدين. وغادر محمد نجيب القصر بعد ابلاغه القرار.
    واجتمع مجلس الوزراء بعد ظهر امس واحيط بقرار مجلس قيادة الثورة ويقيم اللواء محمد نجيب الآن مع اسرته في قصر المرج وهو القصر الذي كانت تملكه السيدة زينب الوكيل.

    * * *
    ومضت جريدة “الأخبار” تروي تفاصيل اعفاء محمد نجيب من رياسة الجمهورية فقالت:
    كان ذلك عقب اجتماع مجلس قيادة الثورة في الساعة الحادية عشرة والنصف من صباح امس برياسة جمال عبدالناصر في مبنى مجلس الوزراء. توجه البكباشي زكريا محيي الدين وزير الداخلية صباح امس إلى منزل الرئيس جمال عبدالناصر واستمر هناك حوالي الساعة ثم غادرا المنزل في الساعة العاشرة والثلث وتوجها إلى القيادة العامة بكوبري القبة حيث انضم اليهما اللواء عبدالحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية وتوجهوا جميعا إلى مبنى رياسة الوزراء.
    وكان في انتظارهم بمبنى رياسة الوزراء اعضاء مجلس قيادة الثورة وبمجرد وصولهم اجتمع المجلس في الساعة الحادية عشرة الا الربع برياسة الرئيس جمال عبدالناصر واستمر الاجتماع حتى الساعة الحادية عشرة والنصف حيث اعلنت قرارات المجلس وهي اعفاء اللواء محمد نجيب من جميع المهام التي كان قد كلفه بها مجلس الثورة وبقاء منصب رئيس الجمهورية شاغرا.
    وعلى اثر ذلك خرج اللواء عبدالحكيم عامر وقائد الأسراب حسن ابراهيم وتوجها إلى القصر الجمهوري لإبلاغ اللواء محمد نجيب بقرارات مجلس قيادة الثورة وفي القصر الجمهوري تم ابلاغ اللواء محمد نجيب بقرارات المجلس.. وركب اللواء محمد نجيب سيارته وبجواره قائد الأسراب حسن ابراهيم وغادرا القصر.
    وعاد اللواء عبدالحكيم عامر إلى مبنى مجلس الوزراء حيث انضم إلى اعضاء مجلس الثورة وابلغهم بإتمام ابلاغ محمد نجيب بقرارات مجلس الثورة.
    وفي هذه الأثناء كانت قد صدرت الأوامر باستدعاء مجلس الوزراء للاجتماع في جلسة غير عادية في الساعة الواحدة بعد ظهر أمس وبدأ أعضاء مجلس الوزراء يتوافدون على مبنى الرياسة من الساعة الواحدة الا الربع.
    وفي الساعة الواحدة انتقل مجلس الثورة إلى قاعة اجتماع مجلس الوزراء وبدأ الاجتماع برياسة الرئيس جمال عبدالناصر. واستمر مجتمعا حتى الساعة الثانية إلا الربع. وأحيط فيها علما بقرارات مجلس قيادة الثورة.
    وصرح الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية عقب الاجتماع بأن الرئيس جمال عبدالناصر رئيس مجلس الوزراء كلفه بإبلاغ قرارات مجلس قيادة الثورة إلى جميع السفارات والمفوضيات المصرية في الخارج. وقال الدكتور محمود فوزي انه سيجتمع في وزارة الخارجية باللواء علي نجيب سفير مصر في سوريا لاطلاعه على تفاصيل الموقف في سوريا.

    * * *
    وكان البوليس في فجر اليوم السابق قد القى القبض على ابراهيم الطيب رئيس الجهاز السري للإخوان. وبمجرد القبض عليه سالت اعترافاته الخطيرة. وكانت اكثرها خطورة هي اعترافاته على اللواء محمد نجيب.
    فقد اعترف ابراهيم الطيب بأن محمد نجيب كان على صلة سرية بالإخوان من شهر ابريل بنفس العام، وانه قبل أن يلعب دورا هاما في انقلاب الإخوان الدموي. وان محمد نجيب افهم الإخوان انه يستطيع أن يسيطر على الموقف بعد اغتيال جمال عبدالناصر.
    واعترف ابراهيم الطيب بأن حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان وفي بعض الأحوال عبدالقادر عودة أو صلاح شادي كانوا صلة الاتصال السري بين الإخوان واللواء محمد نجيب واحيانا تكون الصلة أشخاصا آخرين من المتصلين بالهضيبي.
    وتوالت اعترافات ابراهيم الطيب.. فقد اعترف بأن المجلس العالي للجهاز السري هو الذي وضع خطة الاغتيالات والانقلاب، وان هذه الخطة لا علاقة لها باتفاقية الجلاء وانما وضعت للتخلص من النظام الحاكم، وان المرشد العام حسن الهضيبي اقر هذه الخطة وصدق عليها.
    وقال ابراهيم الطيب: لقد كنت مستمرا في تنظيم باقي الإخوان الذين لم يعتقلوا وكنت ابذل محاولة نهائية لتنفيذ خطة الانقلاب!
    ومضى ابراهيم الطيب يقول عن خطة الإخوان: كانت الخطة تتلخص في إعداد الإخوان وتعبئتهم وتدريبهم والقيام بحوادث اغتيالات للجهاز الحكومي كله من رئيس الوزراء جمال عبدالناصر إلى كل معاونيه وعدد من ضباط الجيش، وقد تقرر في الخطة أن نقتل جمال عبدالناصر بأي شكل في منزله أو في مكتبه أو في الشارع لأننا كنا نعتبره المسؤول عن الجهاز الحكومي.
    وبعد اغتيال جمال عبدالناصر نقوم بحركة شعبية ومسلحة، وان يتم تأمين الجيش بواسطة محمد نجيب، وفي الوقت نفسه يقوم الإخوان بمظاهرات شعبية مسلحة ومن اجل هذا جمعنا السلاح لاستعماله في هذه المظاهرات.
    وقد ابلغت يوسف طلعت هذه الخطة وابلغني أن المجلس العالي هو الذي وضعها وأنه عرضها على المرشد العام الأستاذ الهضيبي فصدّق عليها.
    وكان المتفق عليه بعد الاغتيالات وقيام المظاهرات المسلحة أن يتولى محمد نجيب تأمين الثورة الجديدة والقاء بيان للتهدئة فإذا حصلت مقاومة بعد ذلك تحدث اغتيالات جديدة.
    وعندما تلقيت هذه التعليمات من يوسف طلعت ابلغتها إلى جميع قادة الفصائل لتنفيذها، وقد قصدنا من اغتيال جمال عبدالناصر ألا يقع صدام بين الشعب وبعضه وقد افهمنا محمد نجيب انه يستطيع أن يسيطر على الموقف.
    وقد بدئ بالاتفاق بين محمد نجيب والإخوان في شهر ابريل وكان الذي يتولى الاتصال السري مع محمد نجيب الأستاذ الهضيبي أو عبدالقادر عودة أو صلاح شادي أو أشخاص آخرون من المتصلين بالهضيبي.
    وكنا نظن أن الذين سينجون من الاغتيالات سوف يسلمون أنفسهم حقنا للدماء وخصوصا عندما يرون أن رئيس الجمهورية محمد نجيب هو القائم على رأس الوضع الجديد، والخطة ليس لها اية علاقة باتفاقية الجلاء ولكن السبب في وضعها هو التخلص من الوضع الحالي.. وعندما فشل حادث اغتيال جمال عبدالناصر لم أيأس!
    وكنت احاول من مخبأي اعادة تنظيم الفصائل التي بقيت بعد الاعتقالات لنحاول أن نقوم بالخطة التي وضعها المجلس العالي، وكنت استعين ببعض الأخوات المسلمات في نقل التعليمات إلى أعضاء الفصائل.
    وكان محمد نجيب قد وعدنا في شهر ابرايل بأن الجيش معه، فلما تبين أن هذا غير صحيح رأينا أن نستعيض عن الجيش بالمظاهرات الشعبية المسلحة.

    * * *
    ولم يكن هذا فقط هو كل ما اعترف به ابراهيم الطيب!
    فقد قال فيما بعد امام محكمة الشعب إن اللواء محمد نجيب كان يكتب المنشورات ويكلف الإخوان بطبعها وتوزيعها!
    واعترف ابراهيم الطيب بأن عبدالقادر عودة سلمه منشورا مكتوبا بالقلم الرصاص ليس بخطه وبتوقيع محمد نجيب يهاجم فيه اتفاقية الجلاء، وان الجهاز السري اعد خطة الاغتيالات بعد أن تم التفاهم مع محمد نجيب. وانهم قرروا اغتيال كل من يقف ضد ثورتهم المسلحة.
    وقال ابراهيم الطيب ايضا إن حزام الديناميت كان معدا لتفجيره في الرئيس جمال عبدالناصر وزكريا محيي الدين وزير الداخلية.
    ومن اغرب ما قاله انه قرر قتل جمال عبدالناصر رغم انه لم يقرأ اتفاقية الجلاء واكتفى بما قاله له عبدالقادر عودة بأنها تنص على عودة الإنجليز إلى القنال في حالة خطر الحرب، وهذا معناه أن الإنجليز لن يخرجوا من مصر لأن خطر الحرب قائم.
    وفي محكمة الشعب.. كشف جمال سالم رئيس المحكمة عن أسرار خطيرة، فقال إن الإخوان طلبوا من مجلس قيادة الثورة خلال شهري يوليو واغسطس سنة 1952 -أي فور قيام الثورة- اقامة حكم عسكري مطلق دون دستور أو برلمان لمدة عشر سنوات ليكون الحكم تحت وصاية الإخوان!
    وقال جمال سالم: إن مجلس قيادة الثورة رفض هذا العرض وطلب من الأحزاب تطهير نفسها تمهيدا لإعادة الحياة النيابية لكنها لم تفعل!
    ومضى جمال سالم يكشف المزيد من الأسرار..
    فقال: إن الثورة تأخرت في عزل الملك فاروق من 23 يوليو إلى 26 يوليو سنة 1952 حتى تحشد كل القوات لمواجهة أي تدخل من الإنجليز عند عزل فاروق.

    * * *
    ولم تكن الاعترافات فقط هي التي قدمها ابراهيم الطيب..
    لكن ايضا فور القبض عليه ارشد عن مخبأ يوسف طلعت رئيس الجهاز السري الهارب. وكانت وزارة الداخلية قد اعلنت عن مكافأة قدرها ألفا جنيه لمن يرشد عن يوسف طلعت. وكان رجال البوليس يعملون ليل نهار في البحث عنه..
    لكن ابراهيم الطيب بعد القبض عليه وفي الساعات الأولى ارشد عن الأماكن التي يتردد عليها يوسف طلعت.
    ومن هذه الأماكن شقة في مصر الجديدة..
    وأسرع رجال البوليس إلى هذه الشقة وحطموا بابها ودخلوا ليجدوا يوسف طلعت جالسا بالبيجامة حليق الذقن يقرأ في جريدة “أخبار اليوم”. وكان بجوار يوسف طلعت مدفع معد للاستخدام في اية لحظة..
    لكنه بمجرد أن وجد رجال البوليس في الشقة يحيطون به استسلم ورفع يديه إلى أعلى.
    وعثر رجال البوليس في الشقة التي كانت تقع بالطابق الرابع في العمارة رقم 9 بشارع الوالي على مدفع “تومي جن” ومدفعين “برن” وخمسة مدافع “استن” وتسع بندقيات “لي انفيلد” وماسورة مدفع عيار 11 ومدفع “فيكرز” و23 قايش بندقية مشحون بالرصاص و19 خزانة مدفع وصندوق كبير مليء بالمتفجرات والمواد الناسفة والقنابل، وماكينة طبع “رونيو” لطبع المنشورات! ولم يكتف رجال البوليس بالصيد الثمين وهو القبض على يوسف طلعت. فقد حملوه بعيدا وأصلحوا باب الشقة وظلوا داخلها وانتظروا وصول زواره من رجال الإخوان. ثم قبضوا عليهم جميعا.

    * * *
    وبدأت بقية رموز الإخوان الكبيرة تتساقط، وكان من بين الذين تم القبض عليهم سيد قطب، ونشرت “أخبار اليوم” بعضا من اعترافاته فقالت:
    اعترف الأستاذ سيد قطب أحد زعماء الإخوان اعترافات خطيرة. اعترف بأنه زار المرشد العام حسن الهضيبي عقب عودته من سوريا وابلغه الأستاذ الهضيبي بأنه سيحدث انقلابا في الحكم قريبا. وان هذا الانقلاب سيتم مع بقاء محمد نجيب رئيسا للجمهورية.
    وقال سيد قطب انه قال للهضيبي: خلي بالكم شوية واعملوا احتياطات من الناحية الدولية لأن منطقة الشرق الأوسط منطقة حساسة وقد تتدخل بعض الدول، فقال له المرشد العام حسن الهضيبي: لقد اتخذت احتياطيات دولية والإخوان قاموا بالاتصالات في هذا الشأن حتى تعترف الدول بانقلاب الإخوان.
    واعترف سيد قطب بأنه كان يصدر نشرة سرية للإخوان بعنوان “هذه المعاهدة لن تمر” ونشرة أخرى بعنوان “لماذا أكافح”؟!

    * * *
    وفي نفس اليوم نشرت “أخبار اليوم” على الصفحة الأولى خبرا بعنوان “الأهالي يساعدون رجال البوليس ويقبضون على صالح عشماوي على انه حسن عشماوي”.
    وقالت: بدأ الناس يشعرون بكراهية شديدة للإرهابيين من جماعة الإخوان للأعمال الإجرامية التي ارتكبوها واخذوا يساعدون رجال البوليس في الكشف عنهم وعن مخابئ ذخيرتهم، فقد حدث امس بعد أن انتهت صلاة الجمعة في مسجد الظاهر أن شعر الناس بأن الأستاذ صالح عشماوي كان يؤدي الصلاة بين المصلين فظنوه حسن عشماوي المطلوب القبض عليه، فقاموا بالقبض عليه وساقوه إلى قسم الظاهر ولكن رجال البوليس أخلوا سبيله!

    * * *
    لكن اخطر ما حدث كان القبض على بعض عناصر الإخوان في الجيش!
    وكشف هؤلاء عن انه كانت توجد خطة لنسف طائرة جمال عبدالناصر. فقد اعترف الضابط طيار محمد علي الشناوي بأنه تلقى امرا من البكباشي أبو المكارم عبدالحي قائد الجهاز السري للإخوان في الجيش بأن ينسف طائرة الرئيس جمال عبدالناصر التي سافر بها الى اسوان، وانه كلف الأونباشي فاروق حسن المسيري والأونباشي سعيد ندا من قوة الطيران بوضع قنبلة زمنية داخل محرك طائرة جمال عبدالناصر!
    وكان على الطائرة مع الرئيس جمال عبدالناصر جمال سالم وصلاح سالم والدكتور احمد حسن الباقوري وزير الأوقاف ونور الدين طراف وزير الصحة والشرباصي وزير الأشغال وحسن مرعي وزير التجارة وحسني فهمي رئيس مجلس الإنتاج والبكباشي احمد انور قائد البوليس الحربي وامين حشاد قائد اللواء الجوي وسعد رفعت قائد السرب وعبداللطيف الجيار سكرتير الرئيس.
    وكان معهم ايضا الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل.
    واعترف الأونباشي سعيد ندا من سرب المواصلات بأن الطيار الشناوي كلفه بوضع قنبلة في طائرة الرئيس جمال عبدالناصر فسأله لماذا نقتل جمال عبدالناصر، قال له الطيار الشناوي لأنه عدو للإسلام ويحل دمه.
    قال له الأونباشي: ما دام الأمر كذلك فلنقتل جمال عبدالناصر ولكن ما ذنب زملائه الذين سيكونون في الطائرة؟
    قال له الطيار الشناوي: سوف أسأل المسؤولين في الجماعة عن الفتوى الشرعية في ذلك، وذهب الطيار الشناوي إلى الضابط أبو المكارم عبدالحي وسأله: ما ذنب الذين سيكونون في الطائرة وسيقتلون مع جمال عبدالناصر؟
    فأفتى له البكباشي أبو المكارم بأنهم سيكونون شهداء! وقال انهم سيدخلون الجنة.
    وعاد الطيار الشناوي ليبلغ هذه الفتوى للأونباشي سعيد ندا لكن الأخير لم يستطع وضع القنبلة في طائرة الرئيس جمال عبدالناصر لأسباب خارجة عن إرادته.

    * * *
    لم تكن هذه القصة مثيرة فقط لكنها كانت أيضا خطيرة، لأنها كانت المرة الأولى التي يتم فيها الكشف عن عناصر للإخوان داخل الجيش المصري غير الضابط الهارب السابق عبدالمنعم عبدالرؤوف.
    ولم تكن الشرطة العادية هي التي كشفت هذه القضية بل البوليس الحربي، وكان قائد البوليس الحربي هو احمد انور، والذي كان مفروضا أن يقتل في نفس الطائرة مع جمال عبدالناصر.
    وبالعودة الى المحاكمات، تحولت شهادة حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين في القضية المتهم فيها محمود عبداللطيف الذي حاول قتل الرئيس جمال عبدالناصر واطلق عليه ثماني رصاصات في ميدان المنشية بالإسكندرية إلى ما يشبه المحاكمة العلنية للجهاز السري للإخوان ولجماعة الإخوان وافكارها واعمالها.
    وكان مشهد الهضيبي داخل قاعة محكمة الشعب يدعو للرثاء وهو يقول امام القضاة والشهود بأنه لم يكن على علم بما يفعله الجهاز السري. وانه كان مجرد “واجهة” لا اكثر ولا اقل للإخوان كل مهمته السفر وتوقيع الأوراق كل شهر.. والتحدث إلى الصحافيين!
    وكان الهضيبي يتحدث عن لقائه بيوسف طلعت رئيس الجهاز السري في مخبئه بالإسكندرية، وكيف انه لم يسمح الا بالمظاهرات وطالب بأن تشترك عناصر الأمة في هذه المظاهرات.
    وواصل حمادة الناحل محامي محمود عبداللطيف سؤال المرشد العام للإخوان.. وسأله عن نتيجة التصادم الذي سيحدث في المظاهرات بين الناس والحكومة.
    - فقال الهضيبي: نتيجة سيئة!
    * قال له المحامي حمادة الناحل: هل يمكن أن تكون مذبحة؟
    - قال الهضيبي: ممكن!
    * المحامي: وهل يمكن أن يكون إرهابا للآمنين؟
    - الهضيبي: ممكن!
    * المحامي: بوصفك مرشدا للإخوان وعرفت أن فريقا منهم يريد مقاومة الحكومة.. ماذا فعلت؟
    - الهضيبي: انا ما قلتش ليوسف طلعت الا الكلام اللي قلته.
    * المحامي: وهل هذا هو واجب رئيس الدعوة؟
    - الهضيبي: دعوة ايه؟ الدعوة متروكة لأصحابها.. انا بقالي خمسة شهور بعيد عنها!
    * المحامي: هل تؤمن بالحديث الذي يقول: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده.. الخ”؟
    - الهضيبي: ايوه.
    * المحامي: ما هو إيمانك به.. وما هو درجته؟
    - هنا يتدخل جمال سالم.. ويقول للمحامي: لا تتدخل في إيمان الشاهد.. لأن هذا بينه وبين ربه.
    * فيقول المحامي: بلاش ايمانه.. هل من واجبات المواطن أن يتستر على خطر مقبل ام لا؟ كمصري بلاش مسلم ولا عضو إخوان.. موقفك من هذا ايه؟
    - يرد الهضيبي: موقفه أن يدفع هذا بكل ما يمكنه.. وانا دفعته.
    * يقول له جمال سالم رئيس المحكمة: ما فيش حد من اللي هنا كان عايز يقعد القعدة دي.. لا احنا ولا الحاضرين.. ولا كنا عايزين ده كله.. ولكن نعمل ايه؟ امرنا لله.. هل اتصل بك الرئيس جمال عبدالناصر على يد اعضاء مكتب الإرشاد وطالبك بحل الجهاز السري ونشاط الإخوان في الجيش والبوليس؟
    - يرد الهضيبي: حصل!
    * يسأل جمال سالم: ماذا عملت لتنفيذ ذلك؟
    - يقول الهضيبي: الأول هو طلب الا يكون لنا تنظيمات في الجيش فأنا قلت اني لا اعلم انه فيه تنظيمات في الجيش. يجوز فيه ناس قابلين الدعوة بس.
    ويتوقف حسن الهضيبي عن الكلام.. لأنه شاهد جمال سالم رئيس المحكمة يقرأ في ورقة بين يديه..
    * فيقول له جمال سالم: اتفضل.. انا اسمع بأذني.. واقرأ بعيني.. ومخي.. ممكن يستوعب الاثنين مع بعض!

    * * *
    ويكمل حسن الهضيبي حديثه، فيقول: ايوه.. وقلت إن الضابط محمود لبيب جاني في الفترة اللي كنت فيها رافض تولى رياسة الإخوان وعرض عليّ اسماء ضباط في الجيش منضمين للإخوان وانا اعتذرت له عن معرفتهم لأني ماكنتش قبلت الرياسة.. وانا قلت الكلام ده لجمال عبدالناصر.
    * يقاطعه جمال سالم: وفي البوليس؟
    - يقول الهضيبي: لا اعلم الا أن البوليس فيه افراد يعبدون الله!
    * جمال سالم: برياسة من؟
    - الهضيبي: صلاح شادي.
    * جمال سالم: ولماذا سمحت له بعمل أُسر في داخلية قوات البوليس؟
    - الهضيبي: كل الإخوان يعملون أُسرا.
    * جمال سالم: الم يبين لك رئيس الحكومة خطر ذلك؟
    - الهضيبي: بين.. لكن أنا أحلهم ازاي؟
    * جمال سالم: جهدك قصير.. طيب.. ماذا فعلت بعد أن اقتنعت بالخطر؟
    - الهضيبي: انا لم اقتنع بأن هذا خطر.. دول ناس بيصلوا ويصوموا!
    * جمال سالم: والصلاة والصوم عايزة منظمات؟ كلنا بنصلي ونصوم.
    - الهضيبي: ما اعرفش انهم في منظمات!
    * جمال سالم: رئيس الحكومة قالك إن فيه منظمات؟
    * الهضيبي: وانا اعمل ايه؟
    - جمال سالم: لماذا لم تلجأ للحكومة وتطلب حل هذه المنظمات.. هل هذا يتعلق بأمن البلاد أم لا؟
    - الهضيبي: على الصورة اللي فاهمها رئيس الحكومة يبقى الأمر متعلق بالأمن.. ولكن على الصورة اللي أنا فاهمها..
    * جمال سالم: انا بتكلم على الصورة اللي فاهمها رئيس الحكومة.. لماذا لم تذهب له وتترك التصرف؟
    - الهضيبي: التصرف متروك له!
    * جمال سالم: باعتبارك مرشداً..
    - الهضيبي: والله..
    * جمال سالم: ارجوك اتركني اتكلم وبعدين جاوب.. انا راح اسكت وقول اللي تقوله!
    الهضيبي: الكلام ذهب من ذهني!
    * جمال سالم: طيب.. اتكلم انا الأول.. والا انت الأول؟
    - الهضيبي: تفضل
    * جمال سالم: رئيس الحكومة وجد الإخوان يعملون منظمات في الجيش والبوليس فأرسل لك وافهمك مدى الخطورة في مايو سنة 1953 واتصل بك. انت وجدت انك مش قادر تتصرف.. لماذا لم ترجع لرئيس الحكومة وترد له المكرمة بمكرمة وتقول له أنا آسف مش قادر اتصرف؟
    - الهضيبي: رئيس الحكومة لم يكن يقابلني!
    * جمال سالم: قابلك بمعرفتي عدة مرات.. واستطيع حصرها!
    - الهضيبي: انا قلت له ما اقدرش اعمل حاجة فيما لا اعلمه.. وخميس قال له كده.

    * * *
    ويواصل جمال سالم سؤال حسن الهضيبي..
    * فيقول له: هل اصدرت قرارات باعتبارك المرشد بحل تنظيمات الإخوان في الجيش والبوليس؟
    - يقول الهضيبي: لم اصدر لأني لا اعلم أن هذا موجود.. ولو طلب مني بيان بهذا كنت اصدرته.
    * جمال سالم: وماذا عملت بالنسبة للجهاز السري المدني الذي طلب منك رئيس الحكومة حله. وطلب ذلك منك مباشرة وبواسطة اعضاء الجماعة.. وطلب منك تسليم اسلحتهم؟
    - الهضيبي: لا اعتقد أن عندهم اسلحة؟
    * جمال سالم: يعني مشيت على اعتقادك.. وسبت اعتقاد رئيس الحكومة ولم تعره أي اهتمام؟
    - الهضيبي: لا.. انا ماكنتش اعرف إن فيه اسلحة أو إن الجهاز فيه منه خطر.
    * جمال سالم: ما هي الضمانات التي اخذتها على يوسف طلعت ليسير على السياسة النظيفة؟
    - الهضيبي: حلفته اليمين!
    * جمال سالم: وانت لا تعرفه؟
    - الهضيبي: اللي يعرفه ناس تانيين!
    * جمال سالم: يعني حلفته اليمين بضمانة ناس تانيين؟!
    - الهضيبي: امام فرغلي وخميس. كان الإرهاق قد بدأ يظهر واضحا على حسن الهضيبي.. فسأله جمال سالم:
    * انت تعبان من الوقوف؟
    - رد الهضيبي: ايوه.
    نظر جمال سالم إلى احد الجنود في القاعة.. وقال له: هات له كرسي من فضلك!
    لكن الهضيبي قال: لا معلهش
    قال له جمال سالم: اتفضل استريح
    قال الهضيبي: لا. قال جمال سالم: اذن نأخذ راحة إلى أن تستريح.. توقف الجلسة ربع ساعة!
     

مشاركة هذه الصفحة